"الجوع كافر، والخذلان كافر، والاحتياج كافر، والدمار كافر، وكل لحظة يدرسون فيها إدخال المساعدات ويناقشون بمللٍ مقيت أمر المفاوضات لإيقاف الحرب، يموت الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ، ولا أحد يعي حتى الآن حجم الكارثة"، هذا ما قالته الشاعرة قمر عبد الرحمن في حوار معها على منتدى البيادر للشعر والأدب، أجرته معها الناشطة التونسية أليفة لرزق- فرنسا، وهذا نصه:
* بدايةً، من أين يبدأ الشعر لديكِ؟ من الوجدان، من المشهد، أم من جرحٍ لا يُقال؟
الوجدانية والمشهدية تجسد الجرح الذي لا يقال، أعتقد أن الأصل في الشعر هو الجرح الذي لا يقال.
* في زمن تتسارع فيه الأصوات، هل ما زال الشعر قادراً على أن يكون نافذةً نحو التغيير؟- نعم الشعر له صوتٌ عالٍ ومسموع، لكن خطاه نحو التغيير بطيئة، لأن القدسية للمصلحة وليس للكلمة.
* هل ترين أن الشعر الحديث فقد بعضاً من قدسيته أمام زخم الحداثة والرموز، أم أنه تطوّر نحو أفق أوسع؟
الشعر لا يفقد قدسيته إن صدر عن أدباء يدركون قيمة الكلمة الآن وفي المستقبل، حتّى لو فهم الناس هذا الأمر فيما بعد، سيفهمون الشعر عندما يكونوا هم مستعدين لذلك، أما الشعر فلن ينتظر أحداً، يستمر ويرتفع باستمرار.
* كيف توازنين بين الجمالية الفنية والالتزام بقضايا الإنسان والوطن في نصوصك؟
سر التوازن والجمال في النصوص هو الاستمرار في الحديث عن قضايا الإنسان والوطن.
* أيّهما يوجّهكِ أكثر أثناء الكتابة: المعنى أم الموسيقى الداخلية للنص؟
المعنى العميق هو وجهتي المفضلة، حتّى وإن لامست الموسيقى داخلي، أفتش عن المعنى أولاً.
* هل تؤمنين بأن الشاعر يجب أن يكون صوتاً لمن لا صوت لهم؟ أم أن الشعر أحياناً يكتفي بأن يكون مرآة للذات؟
إن لم يكن الشعر والكلمة صوتاً لمن لا صوت لهم، فالأجدر أن يبقى في ذات الشاعر، لأن التعبير عن الكل هو تعبير ذاتي أصلاً، لكن إذا تفرد الشعر للذات فقط، فلا قيمة له إلا إذا كان يعبر عن ذاته بصفة جمعية، فالهم واحد هنا.
* كيف تعيشين الأحداث الجارية في فلسطين على المستويين الإنساني والوجداني؟
- أعيشها بمرارٍ كبير، حالي كحال أي فلسطيني أو عربي حرّ، مع أني بعد هذه الإبادة والتجويع الممنهج لأهل غزة أجزم أننا جميعنا كاذبون ومقصرون بشأن غزة، بعدما فشل الاحتلال في السيطرة على المقاومة سياسياً وميدانياً، استخدموا هذا الأسلوب القذر (التجويع) للقضاء على كل أهل غزة، فالاحتلال لم يعلن انتصاره رغم كل الدمار الهائل الذي أحدثه، وفي المقابل المقاومة لم تعلن استلامها بعد؛ لتنتهي هذه الحرب (حرب الوجود الأخيرة) وبين هذه الطاحونة يُطحن الشعب البريء، الذي كفر بكل شيء بعد قصف الجوع الذي مورس عليه بشكلٍ متعمد وقاسٍ ولم يتوقف حتى هذه اللحظة.
* ما أكثر اللحظات التي أثّرت بك خلال متابعتك لما يحدث في غزة أو الضفة؟
الاعتقالات المتكررة والقمع لم تتوقف، بل ازدادت بشكل ملحوظ منذ بدء الحرب، والتضييق الأمني والاقتصادي قد طال الضفة والدول العربية خلال الحرب، لكن حالنا لا يُذكر أمام مأساة غزة الآنية، وقضية التجويع علامة فارقة وفاضحة وساحقة في الحرب، لأن الشعب كان على استعداد أن يصمد أكثر لولا سياسية التجويع القذرة.
* هل شعرتِ بأن دورك كشابة عربية يختلف في هذا الوقت الحساس؟ وكيف؟
- طبعاً.. كل إنسان يجب أن يقدم شيئاً، إن لم يكن مادياً في رفع الحصار وإدخال المساعدات، يستطيع معنوياً من خلال مساندتهم بالكلمة، ودعم صمودهم الشاهق، من خلال الضغط على الرأي العام كالظهور عبر المنصات والحديث عن تجويعهم ومأساتهم الكبرى، لعل الضمائر تتحرك إن توهمنا أملاً أنها موجودة، وأنا كقمر منحتهم صوتي منذ بداية الحرب، من خلال نشر نصوصهم الشعرية والنثرية عبر الصحف العربية والمنصات المتنوعة، وقراءة نصوصهم ونشرها عبر قناتي عبر اليوتيوب وصفحاتي، وأتمنى أن أقدم أكثر في كل لحظة.
* ما تفسيرك لموقف فرنسا من دعوتها الاعتراف بالحق الفلسطيني الآن؟
فرنسا تأخرت كثيراً حين اعترفت أن فلسطين "دولة قابلة للحياة" بعدما مسح الاحتلال ملامح مدينة غزة بالكامل ولم يبق منها إلا البحر!
* دخول المساعدات إلى غزة، ما الدافع وراءها تحديداً في هذا الوقت؟ هل كان لتهديدات اليمن بغلق باب المندب دور؟
- لا دافع وراء دخول المساعدات سوى الجوع الكافر، كل لحظة يدرسون فيها دخول المساعدات ويناقشون بمملٍ مقيت أمر المفاوضات يموت الآلاف الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ، لا أحد يعي حتى الآن حجم الكارثة.
* برأيك ولعل عندك الإجابة الشافية المقنعة المنطقية، ما تفسيرك للخنوع، الخضوع العربي تجاه الحق الفلسطيني والحرب على غزة؟
فلسطين مركز العالم، تمتاز بعراقتها وتاريخها وعاداتها المميزة فيها، وهي نقطة التقاء بين أفريقيا وأوروبا وآسيا، كما تتميز فلسطين بتعدد اللغات والثقافات والمعتقدات. وتعد فلسطين مهد الديانات السماوية ومركزاً لأهم المعالم الدينية والشواهد التاريخية، وهي تحت الاحتلال حقق أبناؤها نجاحاً مبهراً في كل المجالات التعليمية والاقتصادية والتجارية والفنية والسياسية، فكيف إذا تحررت وتخلصت من قيود المحتل؟ فلسطين كشفت العالم وتفوقت عليه وهي تحت أقسى وأطول محتلٍ في التاريخ، لذلك تحررها يشكل تهديداً لكل من حولها، ناهيك أن الاحتلال لعب لعبةً قذرةً خلال سنوات احتلاله، وهي التغلغل السام في الجسد العربي، حتى لا يستطيع أحدٌ قول الحق بشأن فلسطين في وجه مسمّميه بالمصلحة المشتركة الوهمية طبعاً، ولن ينطق العربي بالحق إلا إذا تشافى، ولن يتشافى إلا إذا سقط هذا الداء المسرطن (المحتل) بالكامل.
* كلمة حرة لك.. تقولين فيها ما تشائين..
- أتمنّى السلام والأمان لبلادي المقهورة بالنار والجوع والحصار وأشكرك عزيزتي أليفة لرزق على هذا الحوار، شكراً لمنصة بيادر، وكلّ المحبّة لتونس الحبيبة وشعبها العزيز.





שתף את דעתך
قمر عبد الرحمن لـ "منتدى البيادر للشعر والأدب": حرب الوجود الأخيرة طحنت الشعب البريء