في الزمن الذي تموت فيه اللغة من هول المجازر، وتحترق البلاغة تحت نيران الفوسفور، تنهض كلمات يسري الغول كشاهدٍ لا يملك إلا قلمه، لا يملك إلا البقاء شاهقًا فوق الركام، ليقول للعالم: ما يحدث في غزة ليس قصةً تحتاج إلى مؤلف، بل شهادة تخرج من الجوع والدمار والتشظي والرماد. هذا الحوار، الذي اختزن نُتفًا من الحياة اليومية والموت اليومي، لم يكن مجرد تقاطع بين صحفية أوروبية وكاتب فلسطيني محاصر، بل كان سيرةً للنجاة بقوة الكلمة، وبكاءً مضغوطًا في الصوت، وهمسًا مقاومًا بالكتابة حين تخرس البنادق.
يسري الغول، روائي وقاص فلسطيني، لم يأتِ إلى الكتابة من عتمة السجون أو مذبحةٍ مفاجئة، بل جاءها محمّلاً بأحلامه، بقصصه، بلغته المشحونة بالرمز والضوء. لكن الحرب الأخيرة، التي لم تكن حربًا بل إبادة، جعلت صوته يتغير. صارت الكلمات طارئة، واللغة تمشي على عكاز من الألم. الرسائل التي تبادلها مع الصحفية البلغارية ميلينا ديليفا، لم تكن مجرد أخبار يومية، بل مرايا داخلية لزمن الكارثة. كل رسالة صوتية كانت تحفر في قلبها سؤالاً: أي نص أدبي يمكن أن يكتب المجزرة بينما المجزرة مستمرة؟ كيف تكتب الحياة بينما تموت الأسرة أمام عينك جوعًا أو بقصف؟ في كل مقطع صوتي، كان ثمة شيء من البكاء المكبوت، من الحزن الممنوع، من العزلة التي لا يقطعها إلا طنين الطائرات أو شهقة طفل لم يعد لديه إلا رسم الدبابات بدل الزهور.
يسري لا يعيش، بل "ينجو". "البقاء" كلمة تتكرر في لسانه أكثر من أي تعبير آخر، وكأن الحياة صارت عبئًا، والبقاء نفسه إنجازًا. الماء مالح، الكهرباء حلم، الطعام نادر، والمستشفيات مدمرة. حين يمرض أحدهم، لا يذهب إلى الطبيب، بل يصلي. هذا الوصف القاتم لا يأتي من مخيلة روائي، بل من قلب العتمة الواقعية التي يعيشها سكان غزة، مدينة تئن تحت القصف وتختنق بالحياة.
الحديث عن المساعدات يكشف قبح العالم. مؤسسة "GHF" التي يُفترض أن تكون إنسانية، لا تأتي إلا بالموت. صارت طوابير الجياع مصائد للقناصة. حتى من يبحث عن ملعقة سكر يقتل. عدي، ابن أخت يسري، ذهب في مهمة بسيطة: شراء سكر، فعاد جثة. الحلم الذي رواه قبل موته، أن صديقه الشهيد يناديه، كان نبوءة رعبٍ لا تكتبها إلا الحروب الطويلة التي تهرس الطفولة. هذه القصص ليست مشاهد عابرة، بل "شهادات"، كما يسميها يسري، لا روايات. فالرواية صارت ترفًا، والرمزية خيانة. الوثيقة والذاكرة والمقال هم الذين يملكون الصدق، لأنهم يحكون دون أقنعة.
حتى اتحاد الكتّاب الفلسطينيين صار مشلولًا رسميًا، يتنفس فقط عبر تبادل المسودات واليأس. كثير من الكتّاب استشهدوا. لكن الغول لا يزال يكتب، ولو في ذهنه، ولو على شظايا ورقة. يكتب ضد الموت، ليؤرّخ لحياة لم تعد تُعاش بل تُنجى. القراءة عنده أصبحت ملاذًا، يعود إلى محمود درويش، كنفاني، ساراماغو، ناجي العلي، وفولتير وكافكا، لكنه قبل كل شيء، يعود إلى القرآن ليتقوّى به. ليس الدين مهربًا، بل مرآة للمحنة.
حين يُسأل عن الهروب من غزة، يتردد. عرضت عليه فرنسا أن يغادر، لكنه لم يقبل. يقول: الرحيل خيانة، لكنه يريد إنقاذ أولاده. هو معلق بين الكرامة والبقاء، بين حلم الخلاص وواجب البقاء شاهدًا. أطفاله كانوا يطمحون، مهندسًا وطبيبة وفنانًا وخبير حاسوب، لكن اليوم صاروا أشباحًا نحيلة لا تبتسم إلا نادرًا. ضحكتهم منقرضة. صارت الرسومات دموية، والكوابيس نومًا عاديًا. المدرسة لم تعد إلا ذكرى، والأساتذة صاروا شهداء.
وحين يُسأل عن حماس، يضع الأمور في سياقها الحقيقي. ليست الحركة هي لبّ المشكلة. الاحتلال هو الجذر. الحديث عن حماس دون مساءلة الاحتلال هو تضليل. من يحاصر؟ من يقتل؟ من يمنع الطعام؟ إن التضامن لا يعني تأييد طرف على حساب آخر، بل الوقوف في وجه الأبارتهايد، في وجه الحصار الذي حول غزة إلى سجن. حين تُقتل الناس، لا تسألهم عن انتمائهم الحزبي، بل امنحهم الماء والدواء والمأوى. حين تدفن ابنك، لا تصوت في الانتخابات، بل تصرخ في الصحراء: من ينقذني من الموت؟
الغول، الكاتب الذي رفض مغادرة شمال غزة رغم القصف والموت اليومي، يصر على أن تحميل حماس كل اللوم هو انحراف أخلاقي. فالأصل في الحكاية هو الاحتلال، هو جدران الفصل، هو القناصة، هو الحصار الذي عمره عقود. الفلسطيني، في نظره، يكتب ليس لأنه يريد أن يبدع، بل لأنه لا يريد أن يُمحى.
الدرس الأخير من هذا الحوار، أن الأدب لا يُكتب للجوائز، بل لكي يُحفظ الناس من النسيان. الكلمة في زمن الإبادة تصبح عملًا مقاومًا، ضد المحو، ضد الإنكار، ضد اللامبالاة. من يسمع صوت يسري الغول، أو يقرأ حروفه، لا يملك إلا أن يضع القلم جانبًا لحظة، ويتساءل: هل العالم يحتاج إلى مزيد من الشهداء حتى يدرك أن الصمت جريمة؟
Powered by Froala Editor





שתף את דעתך
الكتابة بين فوهة الصاروخ وشهقة الحياة.. يسري الغول وشهادة الإبادة في غزة