ليس جديداً أن تقف شعوب العالم، حتى تلك التي عاشت في كنف الاستعمار والهيمنة، إلى جانب المظلومين والمقهورين، بل إن أبرز لحظات التحول التاريخي كانت دوماً تقودها الشعوب من موقع الضمير لا من موقع الجغرافيا. ما نشهده اليوم من خروج جماهير غربية ضد الحرب على غزة، وتنديدها الواضح منذ اللحظة الأولى بالإبادة الجماعية وتجويع المدنيين، يعيد الاعتبار لجوهر الإنسان، بعيداً عن انتمائه السياسي أو خلفيته الثقافية. المفارقة الصارخة أن هذا الموقف الأخلاقي والإنساني لم يقابله موقف مماثل في الشارع العربي، رغم أن القضية تمس عمق وجوده، وتضرب في صميم وجدانه التاريخي.
لقد بدأت التظاهرات العربية، كما هي العادة، على نحو موسمي، يتعلّق بالهول الأول للمجزرة، برد الفعل العاطفي الغاضب، ثم ما لبثت أن تراجعت أو أعيد إنتاجها ضمن أطر خطابية لا تمس عمق الجريمة ولا تشكّل استجابة استراتيجية لمجزرة تتجاوز كل وصف. في المقابل، كان الشارع العالمي، في لندن وباريس وواشنطن وتورنتو، يصوغ لغته من موقع الضحية، ويضع لافتاته بوضوح: "أوقفوا الإبادة"، "أوقفوا التجويع"، "غزة تحترق". بينما انشغلت التظاهرات العربية، جزئياً، باستعراضات خطابية تعيد تدوير الشعار القديم عن البطولة، أو تنزلق إلى مناكفات سياسية تعيد انتاج الصراع الداخلي، كما في حالة بعض مسيرات الإخوان المسلمين في الأردن، التي لم تضع الحرب على غزة في مركز الموقف، بل استخدمتها لتخوين خصومها والترويج للإسلام السياسي ومحورها على حساب دماء الفلسطينيين.
هذه الثغرة بين الحدث والشعار تطرح سؤالاً جوهرياً، كيف نفهم التظاهر والاحتجاج في زمن الإبادة؟ وهل من المقبول أن يستمر التعاطي مع هذه اللحظة وكأنها ساحة جديدة للبطولة وليس فصلاً مريراً في مأساة متكررة، لا يحتاج منا إلى صياغة سردية الانتصار بل إلى مواجهة الحقيقة كما هي.. مجزرة ممنهجة، وحصار حتى الموت، وقتل لا دم فيه، عبر التجويع. إن إعادة إنتاج خطاب البطولة في هذه المرحلة تحديداً ليس فقط انفصالاً عن الواقع، بل تنكر لمعناه الأخلاقي. والنتيجة أن هذا الخطاب لا يقنع أحداً، لا في الداخل الفلسطيني الذي يدفع الثمن، ولا في الخارج الذي ينتظر أن يرى فينا من يتحدث بلغته الإنسانية لا بمنطقه التحشيدي المعلّب.
في المسيرات التي خرجت في الشارع الفلسطيني، رغم قلتها، يمكن التقاط هذا الانفصال بوضوح. الخطاب السائد فيها أعاد إنتاج البطولة الفلسطينية – كما لو أنّ المجزرة ليست إعلاناً عن فشلنا كلنا!! وغيب صورة الضحية، التي باتت مصدر التقاء بيننا وبين الشعوب الأخرى. لقد بدا المشهد وكأننا نخجل من أن نكون ضحايا، مع أنّ الضحية في التاريخ ليست موضعًا للعار، بل نقطة مفصلية لإعادة تعريف الحق، والمطالبة به. بل إنّ كثيرًا من الثورات الكبرى لم تكن ممكنة لولا أن الضحية تصدّرت الصورة: من سبارتاكوس إلى فيتنام، ومن جنوب أفريقيا إلى البوسنة ورواندا، كانت لحظة الوعي بالضحوية مقدّمة للعدالة لا استقالة منها.
إنّ الصور التي ساهمت في إنهاء الحرب الأمريكية على فيتنام لم تكن صور الانتصارات الفيتنامية، بل صور الضحايا: القرية المحترقة، الأطفال الهاربون من قصف النابالم، وتلك الصورة الشهيرة التي جابت العالم لطفلة عارية تدعى "فان تي كيم فوك" وهي تهرب من قريتها "ترانغ بانغ" بعد أن أحرقت قنابل النابالم جسدها الصغير. كانت تلك الصورة أكثر تأثيرًا من آلاف الكلمات، لأنها قدّمت الفيتناميين لا كمحاربين، بل كضحايا أبرياء لآلة عسكرية لا ترحم.
في المقابل، لا يعني ذلك التخلّي عن الشعار الثوري أو الخطاب الحماسي، ولكننا بحاجة إلى عقلنته، وترشيده، وتقييده بوعي اللحظة. فليس من العقل أن نصرّ على تكرار الشعارات القديمة وكأننا في ساحة مواجهة تقليدية، بينما كل مقوّمات المقاومة تعيش في مجاعة وتحت قصف. إننا بحاجة إلى خطاب يعلن الحقيقة لا يعلّق عليها فقط. خطاب يعترف بالكارثة، لا يحوّلها إلى ملحمة مغلقة. خطاب يخلق صلة مع العالم، لا يزيد من فجوة التناقض بينه وبيننا.
إن خطورة هذا التناقض لا تتجلى فقط في تعارض الشعارات مع الواقع، بل في تعارضها مع شعوب العالم التي تُعبّر عن تضامنها من موقع الضمير لا من موقع التحشيد السياسي. هذه الشعوب لا تفهم ماذا نريد عندما نرفع في الوقت نفسه شعار "أوقفوا الإبادة" وشعار "الانتصار قادم"، ولا تعرف كيف تتواصل مع من يطلب منها التضامن ثمّ يخوّن كل من ليس في صفّه الأيديولوجي. والأخطر أن هذا التناقض يعمّق الشرخ الداخلي في الوعي الفلسطيني، بين غزة التي تُباد، ومحيطها الذي لم يعد قادرًا حتى على تسمية المذبحة باسمها الكامل.
لهذا فإنّ المهمة اليوم ليست في حشد الجماهير فحسب، بل في طرح السؤال الأخلاقي والرمزي عن كيفية الخروج من حالة الإنكار التي تُنتجها بعض الشعارات، نحو الاعتراف بالواقع وتبنّيه كموقف. لا يمكن مواجهة الإبادة بنفس اللغة التي واجهنا بها حصارًا أو عدوانًا محدودًا، ولا يمكن التعامل مع موت الأطفال جوعًا كما لو كان فصلاً من معركة قابلة للانتصار التكتيكي. نحن أمام مرحلة تستدعي الوعي الكامل بأن الشعار، مهما كان ثوريًا، إن لم يكن متصالحًا مع الحقيقة، يتحوّل إلى عبء رمزي، يفصلنا عن الآخرين، ويفصلنا عن أنفسنا.
في لحظات كبرى من التاريخ، كانت المواقف الرمزية البسيطة أبلغ من الشعارات الكبرى. مانديلا لم يبدأ خطابه بالثورة، بل بالاعتراف، والمهاتما غاندي حوّل فكرة المقاومة إلى صيام رمزي لا إلى صراع عسكري، وفي البوسنة كانت صورة الطفل تحت الأنقاض أكثر بلاغة من بيانات الجيش. إنّ على خطابنا اليوم أن يعيد الاعتبار لصورة الضحية بوصفها مدخلًا للحق، لا مهانة، وللتحرك السياسي بوصفه تعبيرًا عن التماهي مع الجريمة لا الاصطفاف داخل معسكراتها.
إننا، من دون عقلنة الشعار، ومواجهة الموقف بالحقيقة، لا ننفصل عن غزة فقط، بل عن العالم وعن أنفسنا. والتاريخ لا يعفو عن الشعوب التي لم تجرؤ على تسمية مأساتها.





שתף את דעתך
مأساتنا التي لا نجرؤ على تسميتها ومفارقة التاريخ الذي لا يعفو