يعيش المجتمع الفلسطيني في السنوات الأخيرة تحوّلًا عميقًا وصادمًا في بنيته النفسية، الاجتماعية والسياسية، انعكس على شكل انكفاء جماعي غير مسبوق. فمن وعيٍ كان يُجسّد يومًا مشروعًا تحرريًا تقوده الحارات والمخيمات والنقابات، بات اليوم مثقَلًا بالعجز والتردّد، أمام واقع لا يقلّ خطورة عن محطّات الاحتلال الكبرى في الذاكرة الوطنية.
يسعى هذا المقال إلى قراءة اللحظة الفلسطينية من موقع الأسئلة المؤلمة، تلك التي لا تُطمئن، بل تثير القلق اللازم لفهم الحالة بشمولية وألم الشعور بالانهيار:
- كيف انتقلنا من انتفاضة شعبية كسرت احتكار القرار وفرضت واقعًا جديدًا، إلى حالة من الصمت المميت أمام مشاهد الفقد الجماعي؟
- ما الذي تآكل أولًا: المرجعيات، أم قدرة الناس على الفعل؟
- وهل ما تبقى من الثقافة السياسية قادر على استعادة المعنى، أو حتى إنتاج أفق جديد؟
في مواجهة هذه الأسئلة، لا يكون الهدف هو البحث عن إجابات سريعة، بل فتح الباب نحو تأمل أعمق في طبيعة التحولات التي أصابت الوعي الفلسطيني، وحجبت عنه إمكانية الفعل، وأدخلته في دوامة انتظار بلا أفق، فنحن لا نعيش فقط أزمة تمثيل سياسي، بل انهيارًا تدريجيًا في البنية الجماعية للمعنى، حيث تحوّلت مفاهيم مثل "الوطن"، و"التحرر"، و"الكرامة" إلى شعارات معلّقة، منفصلة عن التجربة اليومية للناس، بل ومهددة بأن تفقد حضورها الرمزي ذاته.
منذ انتفاضة الحجارة عام 1987، شهد المجتمع الفلسطيني ولادة وعي شعبي جديد، قادته المبادرات القاعدية لا المؤسسات الرسمية، وأعاد تعريف العلاقة بين القيادة والناس، وبين الهوية وأدوات النضال، شكلت الحارات والمخيمات والمساجد والنقابات خلاله مسارح للفعل الجماهيري، حيث تحوّلت الأدوات اليومية إلى منصات للمقاومة، والحيز العام إلى مجال مفتوح لتشكيل الوعي الجماعي على قاعدة الانخراط والمشاركة، لا التلقي والامتثال.
في تلك اللحظة، لم يكن الفلسطيني في موقع المتفرّج، بل في مركز الفعل، تجاوز التمثيل الحزبي الضيّق، واندمج في مشهد نضالي أوسع، عماده التنظيم الذاتي، وتوحّد الإرادة الجماعية، والثقة بالقدرة على التغيير، غير أن هذا النموذج لم يصمد طويلًا أمام التحولات السياسية العميقة التي أعقبت توقيع اتفاق أوسلو في 1993. إذ لم يكن الاتفاق تسوية انتقالية، بل لحظة إعادة هيكلة للمشهد الفلسطيني بأكمله، على أسس سلطوية وبيروقراطية.
أفرز أوسلو نخبة جديدة محمية سياسيًا وممولة دوليًا، استبدلت أدوات التحرر بأدوات الإدارة، ورسّخت مفهوم "السلطة" بوصفها هدفًا لا وسيلة، و"الدولة" بوصفها كيانًا ناقص السيادة، قائمًا تحت الاحتلال، ومع هذا التحوّل، تآكل دور منظمة التحرير كممثل جامع، وتحوّلت إلى كيان رمزي فاقد للقدرة على احتواء الكل الفلسطيني، تزامن ذلك مع تقطيع أوصال الجغرافيا الوطنية، وانكفاء المرجعيات الكبرى، ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التشتت المؤسسي والفراغ السياسي.
لكن ما هو أخطر من التحوّل السياسي، هو ما رافقه من تفكك تدريجي في بنية الوعي الجمعي الفلسطيني: من وعي تراكمي مقاوم، إلى وعي مشوّش هش، يفتقر إلى الحواضن الثقافية والسياسية القادرة على تحصينه، ويجد نفسه عاجزًا عن المواجهة، أو حتى عن الحلم، وقد ساهم في ذلك تآكل أدوات التعبئة الوطنية على نحو ممنهج، سواء بالإهمال المتعمّد أو بفعل السياسات التي همّشت الفعل الجماهيري وأفرغته من مضمونه. ومع تصاعد العدوان الإسرائيلي، من انتفاضة الأقصى إلى هبّات القدس، بدا واضحًا أن المؤسسة الرسمية لم تعد تُعبّئ الشارع، بل تضبط إيقاعه بما لا يخلّ بمنطق الاستقرار القائم. وقد تماهى هذا المسار مع مقاربة "السلام الاقتصادي"، التي ترى في الهدوء غاية في ذاته، وتستبدل النضال الجمعي بمتطلبات نادي التنسيق الدولي في ظل الاحتلال القائم.
في هذا السياق، تم ترويض الغضب الشعبي ضمن أطر بيروقراطية، مشروطة، ومراقبة. الاحتجاج صار مرهونًا بالموافقات، والساحات قُيّدت بسقوف منخفضة، ما أدى إلى تآكل الوعي الجمعي كقوة دافعة للتغيير. وبدل أن تتحوّل لحظات الاشتباك إلى محفّزات للنهوض الشعبي، تحوّلت إلى مناسبات لتكريس العجز الرسمي، وتعميق ثقافة الخضوع، وسط غياب أدوات ثقافية قادرة على بعث روح الرفض والمقاومة.
شكلت حرب أكتوبر 2023 على غزة لحظة كاشفة لهذه التحوّلات، فعلى الرغم من حجم الكارثة الإنسانية، لم يشهد الشارع الفلسطيني – لا في الضفة، ولا في الداخل، ولا في الشتات – انفجارًا جماهيريًا يتناسب مع الحدث، كما كان متوقعاً، وجاءت ردود الفعل باهتة، مشتتة، ومجردة من القيادة والرؤية، لقد كشفت هذه اللحظة عن مدى تفكك العلاقة بين الناس والنخب، وعمق الأزمة في بنية الوعي نفسه، وليس فقط في منظومة الحكم أو التمثيل السياسي.
لكن اختزال الأزمة في قمع الاحتلال وحده تبسيط مخلّ، هناك أسباب داخلية، تراكمية، سبقت لحظة غزة، أبرزها فقدان الثقة بالمسار السياسي، وتآكل الهوية الوطنية الجامعة، وصعود خطاب النجاة الفردية على حساب فكرة الجماعة والتحرر، كما لعب احتواء المجتمع المدني عبر التمويل المشروط دورًا في تفريغ المؤسسات من بعدها الجماهيري، وتحويلها من أدوات ضغط إلى أدوات امتصاص، ففقدت وظيفتها التثقيفية، وانفصلت عن قواعدها القاعدية، وساهمت في ترسيخ ثقافة التلقي بدلًا من المبادرة.
ورغم قتامة الواقع السياسي وتفكك المرجعيات، فإن ما ينمو خارج الإطار التقليدي يبشر بولادة وعي مقاوم لا ينتظر ترخيصًا من المؤسسات، ولا يسير خلف النخب، "حراكات المقاومة الشعبية والمبادرات الثقافية المستقلة"، كلّها مؤشرات على تحوّل تدريجي في بنية الوعي الجمعي، من الانتماء التنظيمي إلى الفعل المستقل، ومن الولاء الجامد إلى المبادرة الحرة.
هو وعي يتغذّى من الكرامة واليأس، لكنه لا ينكفئ، بل يعيد تموضعه في أفعال يومية، عفوية وراسخة، تُعيد تعريف العلاقة مع الوطن، وتختبر معنى التحرّر في شروط محلية ومجتمعية، لا فقط في الشعارات الكبرى.
ومع ذلك، فإن هذا الوعي الجديد يواجه تحديات بنيوية لا يمكن تجاهلها: استمرار الانقسام، غياب القيادة الجامعة، تغوّل الاحتلال، وانغلاق البنية السلطوية على التغيير. الجيل الجديد، الذي لم يعش زمن الانتفاضات، يعيش قطيعة وجدانية عن المشروع الوطني، ويصطدم بفجوة بين الطموح والإمكان، تغذّيها مؤسسات قائمة على المنفعة المتبادلة لا على الإنجاز أو التمثيل. لكن المفارقة أن هذا الجيل، المُقصى سياسيًا، هو ذاته المنتج الأكبر للفعل الثقافي المقاوم، ما يمنح الثقافة دورًا استراتيجيًا في ترميم الثقة وبناء أفق جديد.
من هنا، فإن استعادة المشروع الوطني تبدأ من القاعدة المجتمعية، لا من مراكز القرار التي استنزفت تجربتها وأدواتها. المطلوب اليوم تفكيك بنية الانقسام كرمز للفشل، وتحرير المجال السياسي من احتكار النخب المعطّلة. نحن بحاجة إلى خطاب تحرري جديد يُعيد الاعتبار للفعل الجماهيري الثقافي والاجتماعي، ويجعل من النضال الشعبي أفقًا مفتوحًا على المبادرة والوعي، لا على السيطرة والشعارات، وحتى يستعيد هذا المشروع معناه وقوّته، لا بد أن يتحوّل إلى ممارسة يومية حيّة تشارك فيها كل فئات المجتمع، على قاعدة وعي موحّد، وحلم مشترك بمستقبل حرّ وعادل





שתף את דעתך
من الفعل الجماهيري إلى العجز الجماعي/ قراءة نقدية في تحوّلات الوعي الفلسطيني