ה 17 יול 2025 9:39 am - שעון ירושלים

أوروبا التي ابتلعتها رواية "جدعون"!

أمين الحاج

بلا أية محاولة للتجميل أو البحث عن أعذار، تبدو واحدة من أكثر الهزائم الفلسطينية إيلاما ليس رصاص الاحتلال وحده، بل سطوة روايته، والتي ابتلعت العقل الغربي، وحجبت الحقيقة عمداً، ففي ذروة المذابح والدمار في غزة، وبينما كانت تتساقط الصور والأدلة كالشهود في كل بيت فلسطيني، استمرت رواية الاحتلال في فرض نفسها على حكومات الغرب ومؤسساته وإعلامه، فكانت تدفن معها معاناة الفلسطينيين خلف جدران من التجاهل والتزييف، وكأن العالم اختار "طوعاً" أن يرى بعين واحدة، ويصم أذنيه عن كل صوت للحق أو العدل. 

كيف استطاع "جدعون ساعر" ان يشكل جدارا اوروبيا منيعا ضد العقوبات، فيما عجزنا -اصحاب الحق- عن اقناع العواصم الغربية بروايتنا؟ فمنذ النكبة، شيّد الاحتلال شبكته مع الغرب على قواعد من المصالح الاستراتيجية والتحكم الاخلاقي، قدم نفسه "قلعة" للديمقراطية في محيط "خطر"، او "ملاذا" اخيرا للهاربين من جحيم اوروبا، فاستثمر عقدة الذنب التاريخية، احسن توظيفها في كل منبر دولي، حتى صارت كلماته تملك وزنا تلقائيا في دوائر القرار والاعلام الغربي، واختزل الفلسطيني الى مجرد رقم او لاجئ، غاب عن الشاشات وعن اولى الصفحات، وحُرم من امتلاك رواية او صوت يصل الراي العام الغربي. 

وبينما كانت "عربات جدعون" تزرع الموت في شوارع غزة، كان "جدعون" شخصيا يجوب اوروبا، يؤسس لجدار سياسي يقي الاحتلال من اي مساءلة، فلم يكن نجاحه محض صدفة، بل نتيجة لمنظومة متكاملة تدار بفاعلية؛ لوبيات منظمة ونشطة، شبكات ضغط تغلغلت في المؤسسات الاقتصادية والثقافية والسياسية، اجهزة اعلامية تتقن لغات الغرب وتتكيف مع ازماته واولوياته، استغل "ساعر" الانقسام الاوروبي بمهارة، وطرح مبادرات ظاهرها "انساني" كان هدفها الحقيقي تعطيل اي قرار عقابي، ليحافظ على صورة الاحتلال كضحية، او طرف "عقلاني" رغم هول جرائمه. 

في المقابل، فشلت السلطة الفلسطينية فشلا ذريعا في بناء دبلوماسية محترفة، او خطاب مؤثر، تحولت مؤسساتها الى جزر مغلقة، تُدار بمنطق الولاءات والمصالح الضيقة، لا بمعايير الكفاءة والخبرة، وانشغل كثير من ممثليها بصراعاتهم ومكاسبهم الشخصية، وتُرك ملف الخطاب الفلسطيني للتجريب والارتجال، حتى تجاوزت خسارتنا للرواية حدود اوروبا، ولا نبالغ القول ان قلنا انها وصلت بعض العواصم العربية، نجحت سردية الاحتلال في اختراق الاعلام العربي أيضا، وصنعت الالتباس حول عدالة قضيتنا، وبهذا النهج المتخبط تكرست الهزيمة في ساحات كانت يوما ما تعد قلاعا لقضية فلسطين.

 

لم تتوقف الازمة عند حدود الاداء الرسمي، بل اصطدمت بحاجز ثقافي وديني عميق في المخيال الغربي، فالاحتلال - في عيون الغربيين – اكثر من مجرد كيان سياسي، فهو امتداد لتراث واساطير توراتية يرون فيها جزءاً من هويتهم وتاريخهم، بينما بقي الفلسطيني محاصرا في صورة المجهول او المتهم الدائم بـ"الارهاب"، صورة عززتها عقود من الاعلام والسينما الغربية، حتى اننا أقررنا بها يوما ما، فأخفقت مؤسساتنا وفعالياتنا الثقافية في اختراق هذا الحاجز، او تقديم الفلسطيني كصاحب حق وقضية، يتقن لغة الغرب ويخاطب روحه. 

قضية الاستيطان هي مثال "بسيط" على سلسلة لا متناهية من جرائم الاحتلال، ومع ذلك ظل الخطاب الفلسطيني اسير الاشارات السطحية الى انتهاك القوانين الدولية، دون تفكيك عميق لجذوره ودوره في اعادة انتاج السيطرة على الارض والانسان، وتدمير الافق لاي حل سياسي، وعلى مستوى الميدان، اقدم الاعلام الغربي مرارا على قلب الحقائق، حول الضحية الى متهم، وروج لكل جريمة باعتبارها "رد فعل" مبرر. 

كل هذا جعل المعركة اليوم اشد تعقيدا واكثر قسوة، فلم يعد مقبولا الرهان على موجات تعاطف عابرة، او الاكتفاء بالإدانات والخطابات العاطفية، فنحن بحاجة إلى ثورة حقيقية في أدواتنا، تبدأ بمؤسسات بحثية مستقلة وفاعلة، لا تلك التي تحمل أسماء كبيرة وهمية، بينما هي في الجوهر جوفاء تدار لمصالح شخصية أو فئوية، أو لتسجيل حضور إعلامي بلا أثر، ونحن بحاجة إلى حملات إعلامية مهنية ذكية تخاطب الغرب بلغته وأدواته، ثم شبكات ضغط في دوائر صنع القرار، اي اننا بحاجة الى خطاب جديد كليا، صلب، مدروس، موثق، يربط المعاناة بالحقائق والدراسات، ويترجم العدالة الى مصلحة عالمية، والتعاطف الى ارادة سياسية تغير قواعد اللعبة، فإما ان نعيد روايتنا الى الواجهة وننتصر لحقيقتها واحقيتها، او نتجرع مرارة الهزيمة في كل محطة.


תגים

שתף את דעתך

أوروبا التي ابتلعتها رواية "جدعون"!

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.