ג 15 יול 2025 9:55 am - שעון ירושלים

إقطاعيات باسم القدس.. كيف تستخدم بعض مجالس الإدارة "الوطنية" كغطاء لرفض المساءلة والرقابة؟

مالك زبلح

تلوّح بعض المجالس الإدارية في مؤسسات أهلية مقدسية براية "الدفاع عن القدس"، كلما اقتربت منها أسئلة الرقابة أو ارتفعت أصوات النقد، لا شيء يبدو أكثر نبلًا من خطابٍ يتزيّن بالهوية الوطنية، ولا شيء أكثر خطورة من أن يتحول هذا الخطاب إلى درعٍ تحتمي به قوى داخلية لتأبيد سيطرتها وتكريس نفوذها، بعيدًا عن أي مساءلة مؤسسية أو التزام بمعايير الشفافية، في كثير من هذه المؤسسات، يُستدعى اسم "القدس" لا بوصفه عنوانًا لنضال جماعي مفتوح على المشاركة، بل كذريعة لإسكات أي صوت نقدي، تُرفع الشعارات لتبرير الامتناع عن مراجعة السياسات الداخلية، ولمنع مساءلة الإدارة أو فتح ملفات التمويل والتوظيف، هكذا، يُختزل العمل الوطني في لافتة، ويُفرغ من جوهره القيمي، ويُحوَّل إلى أداء شكلي يكرّس ثقافة الطاعة والتهرّب من المسؤولية.

تتقاطع هذه الممارسات مع البنية الاستعمارية التي فرضها الاحتلال في المدينة، إذ تُوظَّف أدوات مشابهة – الخوف من المراقبة، تهميش القانون، إخماد المساءلة – لإحكام السيطرة على البنية المجتمعية، ولكن هذه المرة من داخل المؤسسات الأهلية نفسها، والأخطر أن تُصبح المؤسسة الأهلية – التي يُفترض أن تُشكّل رديفًا لحركة التحرر الوطني – مرآة تعكس أدوات الخصم في الداخل.

- إعادة إنتاج منطق الاحتلال داخل المؤسسات المقدسية؟

حين يُطرح شعار "القدس في خطر"، فإنه غالبًا ما يُستخدم لتأجيل كل نقاش داخلي، أو كمبرر لاحتكار القرار، في ظل هذه البيئة، يتم تخوين النقد وتصوير المراجعة كمؤامرة، ويُفرض على العاملين الصمت بوصفه "ضرورة وطنية". لا يعود الخطر في الخارج فقط، بل يتشكل داخليًا حين تُدار المؤسسات بروح وأدوات الاحتلال، (الردع، الإقصاء، والمنع).

ومع مرور الوقت، تتكلّس البُنى التنظيمية، وتتحول المجالس الإدارية إلى حلقات مغلقة تُمارس السلطة بلا مساءلة، تُدار الملفات الحساسة بمنطق "الأقربون أولى"، وتُغيّب الكفاءات الشابة والمستقلة، ويُستبعد كل من لا يدخل في دائرة الولاء. تُغلق المؤسسة على نفسها، لا بفعل الاحتلال هذه المرة، بل بإرادة إدارتها.

في هذا المناخ، تتحول الشفافية إلى تهمة، تُرفض لجان التدقيق تحت شعار "لا نريد إدخال الأجندات"، وتُمنع العضويات الجديدة بذريعة "الحفاظ على الانسجام الداخلي"، حتى التمويل، بدل أن يكون وسيلة للبناء، يُستثمر كأداة ردع.... "اصمتوا، نحن تحت نظر الممول"، أو "أي خلاف قد يُفهم على أنه ضعف إداري".

ويزداد الأمر تعقيدًا حين تستقر في الوعي الجمعي للمؤسسة قناعة تقول إن الحفاظ على "تماسك الصورة" أهم من تصحيح الواقع، وهكذا يُعاد إنتاج ثقافة القمع، ولكن بلغة ناعمة تُزيّنها الوطنية، وتُعفي المتنفذين من المحاسبة.

- انعكاسات هذا السلوك على العمل الوطني في القدس

يؤدي هذا النهج إلى تآكل الثقة العامة، يشعر المواطن المقدسي بأن المؤسسة لم تعد تمثّله، بل تدور في فلك مغلق، بعيد عن تطلعاته واحتياجاته، ومع كل استحقاق، تتسع الفجوة بين الناس والمؤسسات، وتضعف قدرة العمل الأهلي على التعبئة أو الحشد، وتتفاقم الأزمة حين يتّسع الفاصل بين الجيل المؤسس والشباب، فبدلًا من تمكين جيل جديد، يُعامَل الشباب كغرباء في مؤسساتهم، ويُوصفون بأنهم "غير ناضجين" أو "متسرّعون"، هذه السياسات تُنتج حالة عزوف، حيث يبحث الشباب عن بدائل أخرى خارج المؤسسات القائمة، ما يُفرغ الساحة من أهم طاقاتها.

أما على المستوى الأعمق، فإن هذا السلوك يؤدي إلى تفكيك البنية الدفاعية الثقافية والاجتماعية للمدينة، فالقدس التي تواجه تهويدًا ممنهج، تحتاج إلى مؤسسات مرنة، متجددة، قادرة على الاستجابة، لا أخرى مشغولة بإدارة أزماتها الداخلية. والمؤسسة التي تنشغل بإسكات صوتها الداخلي، تفقد قدرتها على الوقوف في وجه من يريد إسكاتها خارجيًا.

- التحديات التي تمنع الإصلاح

تنبع صعوبة الإصلاح من تشابك السياسي بالتنظيمي، فالمؤسسات التي تتلقى تمويلًا، وتتمتع بشرعية اجتماعية، تخضع غالبًا لتأثير قوى سياسية لا ترى في النقد الداخلي إلا تهديدًا، تُستخدم هذه العلاقة لمنع التغيير، ويجري إقحام الانتماء الحزبي كمعيار للتمكين أو الإقصاء.

يُفاقم ذلك غياب الرقابة الرسمية، في ظل فراغ قانوني ناتج عن الاحتلال، وغياب أدوات رقابية فلسطينية فعّالة، تُترك المؤسسات بلا حسيب ولا مساءلة، ويُصبح الفساد "أمرًا واقعًا"، والصمت "استراتيجية دفاع".

تُضاف إلى ذلك حالة الخوف من الفضيحة الداخلية، حيث تُفضّل الإدارة تغطية الإخفاقات خشية "الإضرار بالسمعة"، هذا المنطق، في جوهره، يُعيد إنتاج ثقافة الاحتلال القائمة على نزع الحق في المساءلة، وإقصاء مفهوم الشفافية باسم "الخصوصية التنظيمية".

- توصيات ومداخل للإصلاح

لا بد من مأسسة الحوكمة الداخلية بآليات واضحة، تتجاوز النوايا الحسنة إلى أدوات ملزمة (نشر التقارير، تفعيل المجالس، وتمكين المشاركة)، الشفافية ليست خيارًا، بل ضرورة وجودية.

كما يُعد تعزيز دور الجمعيات العمومية والنقابات والرقابة الداخلية خطوة حاسمة لاستعادة التوازن، لا يمكن السماح بأن تظل المؤسسة تحكم نفسها بنفسها دون مساءلة، ويجب أن تتحول الهيئة العامة من عنوان صوري إلى رافعة للمحاسبة.

وحتى يتحقق ذلك، يجب تفكيك خطاب التخوين، وتحرير مفهوم "النقد" من حملاته السلطوية، النقد ليس خيانة، بل حماية. بل لا بقاء لأي مؤسسة دون مساحة للتساؤل، احترام المؤسسة يبدأ من احترام عقل جمهورها، وليس من تكميم أفواه منتسبيها.

ولعلّ أهم ما يمكن بناؤه هو شبكة مستقلة للرقابة الأخلاقية، تمارس دورًا داعمًا، لا سلطويًا، في مراجعة الأداء وحماية البوصلة، على أن تضم وجوهًا مهنية مستقلة، وتحظى بشرعية مجتمعية حقيقية.

- المساءلة كفعل مقاومة

لا يمكن أن يدافع عن القدس بالشعارات وحدها، بل بالمؤسسات التي تشبه قضيّتها، حين نُمسك المؤسسة ونراجعها، فإننا لا نضعفها، بل نمنحها أسباب البقاء، فالمساءلة هنا ليست إدارية فقط، بل مقاومة ثقافية في وجه التفكك والتطبيع مع الرداءة.

في زمن تتكثف فيه أدوات السيطرة، لا يكفي أن نقول إننا ضد الاحتلال، بل يجب أن نُثبت أننا لا نمارسه في الداخل. والمؤسسة التي تُشبه خصمها، لا يمكن أن تكون في صفّ مجتمعها، وما لا يُحرَّر من الداخل، لا يمكنه الدفاع عن الخارج

תגים

שתף את דעתך

إقطاعيات باسم القدس.. كيف تستخدم بعض مجالس الإدارة "الوطنية" كغطاء لرفض المساءلة والرقابة؟

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.