ג 08 יול 2025 8:25 pm - שעון ירושלים

من الركام إلى الولادة.. إعادة تعريف التمثيل الوطني الفلسطيني في زمن التآكل والانكسار

باسم الزبيدي

عند التأمل في المشهد الفلسطيني، وما يرزح تحته من انكسارات متلاحقة، يقف المرء مذهولًا أمام اتساع رقعتها وهول تداعياتها الكارثية على الفلسطينيين، شعبًا وقضية. ومن بين أكثر هذه الانكسارات إيلامًا وعمقًا في أثرها، يبرز الانهيار المدوّي للكيانية المعنوية الجامعة - منظمة التحرير الفلسطينية - التي تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى حالة ركام وطني، يتسرّب من شقوقها مختلف صيغ تدهور مسيرة التحرر والانعتاق. فقد بات حضور هذه الكيانية متأرجحًا بين شيء من حياة وكثير من موت، ما يفرض على الفلسطينيين - أكثر من أي وقت مضى - إعادة فتح النقاش بشجاعة حول ثنائية الحياة والموت، طبعاً لا بوصفها مسألة بيولوجية، بل باعتبارها أمراً جمعيًا وجوديًا يتّصل بمصير شعب وهوية، وبإرث نضالي مهدّد بالتآكل من الداخل والانكشاف أمام الخارج. 

ما بين الحياة والموت، لا تكمن الفجوة في الحركة أو السكون، بل في القدرة على إنتاج المعنى. فالحياة، في بعدها الجمعي، ليست مجرّد استمرار عضوي لكيان ما، بل هي انبعاث متجدّد لإرادة البقاء، وقدرة على ابتكار السردية، وصون المعنى، واستعادة الموقع في حركة التاريخ. أما الموت، فليس انقطاعًا بيولوجيًا أو غيابًا ماديًا فحسب، بل هو تلك اللحظة التي يفقد فيها الكيان وعيه بوظيفته، وينسحب من دائرة الفعل إلى هامش الانتظار، أو يتحوّل إلى جثة رمزية تسكنها الشعارات وتُفرغها الوقائع من مضامينها. حين تغيب الإرادة، وتتآكل الهوية من الداخل، وتتسلل الشكوك إلى جذور المشروع، تبدأ الحياة بالتراجع، ويزحف الموت صامتًا، متخفيًا في هيئة مؤسسات وهايراركيات وخطابات ورموز لم تعد تعبّر عن شيء. ومع ذلك، فإنّ الحياة قادرة على الوثوب من ركام الموت، إذا تجرّأنا على السؤال، وامتلكنا شجاعة الانفصال عن النسخ الباهتة من أنفسنا، وعُدنا لنسكن اللغة التي تُعبّر عنا لا تلك المفروضة علينا. ففي عمق الوعي تبدأ الحياة، ومن الإنكار تتلاشى فيُتاح الموت.  

في أكثر اللحظات الفلسطينية احتدامًا منذ نكبة 1948، تسجّل الذاكرة الوطنية مفارقة مؤلمة: غياب الجهة التي يُفترض بها أن تنطق باسم الشعب الفلسطيني وتُعبّر عن إرادته الجمعية في ظل حرب إبادة مهولة في غزة، وسياسات اجتثاث ممنهجة في الضفة الغربية، وصمت إقليمي ودولي يُضفي طابع الاعتياد على المأساة.

هذا الغياب لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتيجة لتآكلٍ بطيء تراكمت مظاهره عبر عقود من الترهل والشلل السياسي والتنازلات المتتالية، حتى باتت منظمة التحرير أقرب إلى أرشيف رمزي منها إلى كيان حيّ. غير أن ما يجعل الغياب أكثر فداحة اليوم هو وقوعه في لحظة وجودية يُستهدف فيها كل ما هو فلسطيني وتُعاد في إطارها صياغة ميزان القوى الإقليمي والعالمي، فيما يُترك الفلسطينيون عراة، بلا مظلة تجمعهم أو مشروع يُموضعهم ليكونوا جزءاً من إنتاج المشهد لا مشهد الانكسار ذاته! 

ما يعيشه الفلسطينيون اليوم يتجاوز مجرد تراجع سياسي، ليعبّر عن غياب مؤسسي عميق عن لحظة الحقيقة. ففي زمن تتبدّل فيه خرائط النفوذ الإقليمي من الخليج إلى البحر الأسود، وتُعاد فيه صياغة التحالفات، وفي ظل عالم عربيّ ماضٍ في التهتك والتشظي، لا يزال المشهد الفلسطيني أسير انقسام داخلي متجذّر، تتخلله مجازر مستمرة في غزة، وسلطة منهكة فقدت فاعليتها، وشتات فلسطيني يتشظى تحت وطأة الإقصاء والتهميش. وبين هذا كله، يتجلّى مشهد سريالي غريب، يختلط فيه الصوت بالصدى، فلا أحد يدري من ينطق باسم من، في ظل منظمة تحرير فقدت جوهرها وسبُل الاستدلال عليها، حيث لم يبقَ منها سوى طيف صوتٍ قديم، يتردّد خافتًا من بين أنقاض ذاكرة كانت يومًا تعبّر عن الكل الفلسطيني.

السؤال المهم هنا لا يخصّ المنظمة وحدها، بل يتعلّق بمفهوم الحياة والموت في السياق الجمعي الفلسطيني. وهذا السؤال هو: هل تموت الكيانات كما يموت الأفراد؟ وهل يمكن الاستمرار في ادعاء الحياة السياسية بمجرد وجود شعار أو توقيع أو مقعد فارغ في الأمم المتحدة؟ أم أن الحياة الفعلية تُقاس بالقدرة على الحركة نحو تجديد المشروع، ومواكبة لحظة التاريخ، وامتلاك الجرأة على إعادة تعريف الذات في عالم متحوّل؟

رغم هذا الغياب المريع، لا تزال فلسطين تُنتج سرديات للحياة من تحت الأنقاض: في غزة التي ترفض الاستسلام، في صمود طولكرم وجنين والخليل ونابلس، في هتافات الشتات وكثير من البلدان، وفي وعي جيل جديد ينظر إلى العالم بعيون يقِظة، لا تسكنه عقدة انتظار "المنقذ الرسمي"، بل تحرّكه قناعة بأن المعنى لا يُمنح، بل يُنتزع.  

إن الخروج من مأزق الموت السياسي لا يبدأ بترميم ما تهدّم، بل بإعادة التفكير الجذري في الكيان التمثيلي الفلسطيني، لا كجسد بيروقراطي أو إرث نوستالجي، بل كفضاء نضالي حقيقي جامع، قادر على احتضان تعقيدات الواقع، والتفاعل مع المتغيرات الإقليمية والدولية دون الخضوع لها. إنه مشروع ولادة، لا طقوس قيامة ميت.

وفي ضوء هذا المشهد المتخم بالفقدان والتلاشي، لا تبدو الدعوة إلى استعادة منظمة التحرير بصيغتها التقليدية طرحًا مُجديًا، بل تغدو عبئًا مضافًا على وعي جمعي يسعى إلى الخروج من التيه لا إلى الدوران في مداراته. فالمسألة ليست في إحياء بنية لمنظمة مترهّلة أنهكتها التسويات والتوازنات والحسابات الخاطئة، بل في إعادة إنتاج المعنى من جديد: أن نعيد تعريف التمثيل الوطني بما يعكس تعقيدات الواقع ويتجاوزها، ويستجيب لحجم الكارثة المستمرة. ففي عالم يُعاد فيه رسم الخرائط وتدوير موازين القوة وإعادة إنتاج الرموز، لم يعد ثمة متّسع لهيكل يكتفي سدنته بترف الذاكرة ويتكئون على خدر الحنين. 

في اللحظة الفلسطينية الراهنة، حيث يسود الموت والتآكل والمجهول، تتجلى نافذة للحياة لا يُدرَك بُعدها إلا بشجاعة التأسيس لا بوهم الاستعادة. فالتشبث بأطلال فقدت روحها لم يعد مجدياً، بل المطلوب اقتحام الفراغ بفعلٍ خلاّق يعيد صياغة المعنى. وحدها الإرادة التي تحطم قيود الجمود، وتستدخِل التاريخ كفعل مستمرٍ حيّ لا كذكرى مقيدة، هي القادرة على استدعاء حياة تليق بشعب سيبقى يُصرّ على مواجهة الموت عبر إعادة ابتكار ذاته كلما أُقصي إلى الهامش. عند هذا المستوى من الوعي، يصبح الفلسطينيون أهل جدارة لما تبقى من جوهر قضيتهم، وما لم يُكتب بعد من فصولها. 

תגים

שתף את דעתך

من الركام إلى الولادة.. إعادة تعريف التمثيل الوطني الفلسطيني في زمن التآكل والانكسار

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.