א 06 יול 2025 9:17 am - שעון ירושלים

اغتيال محرِّر اليهود والعبيد في إيران وإحراق رباعيات الخيّام

عيسى قراقع

في فجر يوم 13/ 6/ 2025 وفي زمن الإبادة الصهيونية المستمرة ضد شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، اغتالت القوات الصهيونية وطائراتها ومخابراتها كورش الكبير، مؤسس الإمبراطورية الفارسية وأحد أبرز القادة في التاريخ القديم والذي يُحتفى به كبطل قومي ومؤسس للهوية الإيرانية.

المفارقة في هذا العدوان الهمجي أن الكيان الصهيوني وقيادته الفاشية قد قتلت محرر اليهود من السبي البابلي عام 539 قبل الميلاد، حررهم وأعادهم إلى القدس، وحرر العبيد والأسرى، ووضع أول مبادئ ومواثيق وقواعد للتسامح الديني والثقافي ولا تزال أفكاره تُدرس في مناهج حقوق الإنسان حتى الآن.

المجرمون الصهاينة قتلوا أول من أعاد المنفيين من الشتات، واعتبره اليهود مسيح الرب المخلص كما ورد في سفر إشعيا رمزاً للتحرير في التراث اليهودي قتلوا مسيحهم ومخلصهم في عملية عسكرية اسمها الأسد الصاعد المفترس والمتوحش مع أكثر من 18 عالماً ومفكراً وأكاديمياً وخبيراً في إيران، والذي اعتبره نتنياهو أهم من تدمير البرنامج النووي ومنشآته.

لم يكن يدري كورش الكبير، الذي أنقذ اليهود من الكارثة بعد السبي، أن هذه الكارثة ستتحول إلى كوارث ومآسٍ وولادة نموذج فاشي دموي وديني وإبادي وعنصري، وتوراة إرهابية ما زالت تطحن البشر والتاريخ والحضارات الإنسانية كما يجري على أرض غزة، لم يكن يدري كورش أن الصهيونية ستصلب مسيحها مرة أُخرى في بلده إيران، وتنقلب على الميثاق الإنساني وعلى الأمم المتحدة ومواثيق حقوق الإنسان، وكأن التاريخ والقيم الإنسانية لعبة حرب بيد من يكتبه بالمجازر والدماء، هؤلاء الذين ظهروا في هذه البلاد بلا صلة بالإنسانية وتطورها الحضري والثقافي، بلطجيون وكارهون ومنتقمون حتى نكاد نشك أن الذي خلقهم رب العباد.

قتلوا محرر البشر من السجن والعبودية والإذلال والشتات، وبنوا مئات المعسكرات والسجون، وشردوا بالعنف والمذابح شعب فلسطين، أحرقوا رباعيات الشاعر الإيراني العالمي عمر الخيام، قتلوا هذا الشاعر والفيلسوف والعالم والذي ترجمت علومه ورباعياته إلى كل لغات العالم، أحرقوا مآثرته الأدبية التي تحولت إلى جسر ثقافي بين القارات والحضارات واللغات، لأن عمر الخيام صارت كلماته أغاني قومية وروحية، أفكاراً جمالية وتمردية على الظلم والاستبداد والسجن والظلام.

أحرقوا قصائد عمر الخيّام الذي أشهر أسئلة الموت والحياة، وحمل سيف العدل الإلهي في وجه الحكام والطغاة، ومعه قتلوا كل المفكرين والفلاسفة الذين رأوا في أعمال الخيّام دعوة إلى تحرير الجسد من القيود، وتحرير العقل من الجمود والنصوص المغلقة، وهو الذي وصف رباعياته الفيلسوفُ "فيتز جيرالد" بأنها مرآةٌ لكل عصرٍ حائرٍ في معنى الوجود.

الكيان الصهيوني قتل مسيحه المخلّص في إيران مع نخبةٍ من العلماء، وقتل الحياة وأعدمها في غزة بعد أن اكتشف أن كورش يقاتل في غزة، وأنّ عمر الخيّام يقاتل في مخيم جنين، يقفان مع المعذبين والمضطهدين في وجه من يحاول أن يبني قوميته وحضارته وهويته فوق أنقاض الشعب الفلسطيني بالموت والإبادة والخراب.

العدوان على إيران هو عدوان على الحضارة الإنسانية، فاستهداف العلماء والجامعات والمؤسسات العلمية هو عدوان على الإرث الحضاري الإيراني، وإضعاف إيران كدولة ذات جذور تاريخية ممتدة، لهذا اعتبر الكيان الصهيوني قتل العلماء أهم جزء من العملية العسكرية، وأنه بعد تفكيك القومية العربية يجب تفكيك القومية الإيرانية.

العدوان على إيران سببه أن كورش إيران يقف مع فلسطين، وأن أم كلثوم غنت رباعيات الخيام على مسارح حيفا، فالتهمة فلسطين، والمستهدف فلسطين، وليس البرنامج النووي الإيراني، المطلوب أن يختفي شيوخ العلم والمعرفة، وأن لا تتحول أفكارهم إلى فدائيين يصلون إلى حدود فلسطين، المطلوب أن تتحول إيران إلى دولة خائفة ومُطبّعة تحت هيمنة المشاريع الأمريكية الصهيونية، وأن تُترك غزة تغرق في دمها حتى الفناء.

المطلوب أن لا نقرأ القصيدة ولا نستمع إلى الأغنية وأن نبقى متخلفين وهمجيين و"لاساميين"، حتى يأتي أبناء النور الصهاينة ويشنوا حرباً على أبناء الظلام المتوحشين كما يدعون، وحتى ينتصروا لا تكفي الصواريخ والقنابل، بل يجب كسر العمود الفقري للشعب الفلسطيني، وهو ثقافته ولغته وتراثه الروحي، المطلوب قتل العقول والمعرفة وحرق الكتاب، وطمس الهوية والرواية وكسر إرادة الشعب الفلسطيني.

ليس مهماً من تكون إيران، سنية أم شيعية، إسلامية أم علمانية، المهم أن تتخلى إيران عن معارضتها للمشروع الصهيوني، ودعمها للشعب الفلسطيني، وأكثر من ذلك أن تتخلى إيران عن ثقافتها وعقيدتها، وأن تهدم معابد العلم والمعرفة والإرث الثقافي للعلماء الذين أوصلوا الشرق مع الغرب، الرازي والخوارزمي، ابن سينا وابن الهيثم، الفردوسي والتبريزي وجلال الدين الرومي، جابر بن حيان والبيروتي والبخاري وابن رشد وغيرهم من الرموز والعقول التي أمدّت العلوم الإنسانية بكل مناهج الفلسفة، واعتبرت أعمالهم أساس النهضة الأوروبية، لما قدموه من أدوات للمعارف العالمية. 

الكيان الصهيوني يقوم بتدمير منهجي للتاريخ والقدرات العلمية في قطاع غزة، محو الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني، وليس بعيداً ما قام به النازيون الذين لم يكتفوا بقتل الأجساد، بل سعوا لاغتيال الأفكار نفسها، فأعدموا العلماء والكتاب والصحفيين في المعسكرات والأفران، قتلوا يوليوس فوتشيك وأعدموه، ودمروا أعمال الكاتب برتولت بريشت الذي تنبأ بأن من يحرق الكتب سيحرق البشر أيضاً، وأُعدم 184 أكاديمياً في جامعة ياغيلونيا في بولندا، هرب آينشتاين إلى نظريته النسبية وصناعة القنبلة الذرية. 

قتلوا كورش الكبير، وأحرقوا رباعيات الخيام في إيران، دمروا المدارس الصوفية، اغتالوا دين الحب والعشق الإلهي الذي يجمع بين الدير والكعبة، وحدة التراث الروحي للإنسانية، إنها شريعة "الإله" الجديد المسلح بأداة القوة، "إله" التوراة المدجج بالصواريخ والقنابل المتفجرة، إله ليس في صفاته أي جمال أو رحمة، إنه تجسيد سياسي واجتماعي وثقافي لأسطورة مصاص الدماء دراكولا. 

يلتقي المجرمون عبر كل العصور في منتدى (قطع الرؤوس) الذي كشفت عنه صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية، هذا المنتدى الاستخباري الذي يستهدف قطع الرؤوس والعقول والأفكار، منذ العصور الوسطى حتى الآن، يجتمعون ويخططون ويصطادون المفكرين والعلماء، إنهم الشياطين الذين لم تؤثر فيهم نصوص القانون الدولي الإنساني، ولا عبارات الاستعاذة وتلاوة الآيات، لا خطابات السلام والعدالة، إنهم القتلة القادمون من الجحيم. 

هولاكو في إيران، وهولاكو في غزة، تدمير وحرق الكتب والمكتبات، تدمير المتاحف والجامعات والمدارس والمساجد والكنائس والمواقع الأثرية، قتل المفكرين والكتاب والفنانين والشعراء والمؤرخين، اغتيال الأساتذة والأكاديميين والموسيقيين والصحفيين، محو أرشيف غزة الحضاري، فلم يبقَ من هذا الأرشيف سوى أجساد الشهداء تحت الأرض أو في السماء.

إنها الإبادة الثقافية والمعرفية، تُحوّل التاريخ إلى جثة، محو الذاكرة والذكريات، الذهاب إلى العدم أو النسيان، شطب الماضي والحاضر والمستقبل، وقد أصبح كل شيء تحت الأنقاض أو في الغياب، فعندما يُحرق كتاب أو يُهدم أثر، فإن الروح البشرية جمعاء تتهدم.

من قتل كورش الكبير هو نفسه الذي قتل غسان كنفاني وكمال ناصر، ومن قتل عمر الخيام هو نفسه الذي قتل الشاعر الغزي سليم النفار والشاعر عمر أبو شاويش ومحاسن الخطيب، ومن قتل العالم الإيراني محمد رضا صديقي هو نفسه الذي قتل العالم الفلسطيني سفيان تايه رئيس الجامعة الإسلامية في غزة، ومن نهب الكتب والأثريات في غزة هو الذي نهب مكتبة خليل السكاكيني في النكبة ودار الحكمة في بغداد، ومن قتل الطبيب عدنان البرش خلال التعذيب في معسكرات الاحتلال هو نفسه الذي قتل عالم الفيزياء محمد مهدي طهراني في إيران، والذي قتل المفكر الأديب وليد دقة في سجون الاحتلال هو نفسه الذي قتل الفردوسي في طهران وأحرق رائعته الأدبية الشاهنامة، ومن قتل الشيخ يوسف جمعة سلامة في غزة هو نفسه الذي قتل الشيخ شمس الدين التبريزي في إيران بعد أن وصل إلى كنيسة القديس بورفيريوس في غزة وقال إن غزة صارت قلب العالم، فألف رحمة على قلبها السخي.

لقد قتلوا مسيحهم المخلص، وأغلقوا أبواب السماء، ووصلوا إلى العصر الحجري في غزة تدميراً وحرقاً ونسفاً وتجويعاً، وما زالوا يعربدون بالقنابل والصواريخ، دفنوا غزة تحت الركام، لكنهم لم يسمعوا محمود درويش الذي قال: غزة لن تموت، سنعلم الحجارة الكلام.

תגים

שתף את דעתך

اغتيال محرِّر اليهود والعبيد في إيران وإحراق رباعيات الخيّام

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.