جلال عبد الحميد
اجتاحت أدوات الذكاء الاصطناعي، وبشكل غير مسبوق، الفضاء الإلكتروني وعالم التطبيقات الرقمية، وأصبح يُعتمد عليها في قراءة التحليلات وعمل الـمُلخصات والتصاميم المصورة وإنتاج المحتوى الإبداعي الصوتي والمرئي وغيرها من وظائف الصِحافة والإعلام بمختلف مجالاتها، وأقف هنا عند صانعي المحتوى، وكيف غزت هذه التطبيقات عالم الانترنت وأصبحوا مضطرين إلى المواكبة وإنتاج محتوى مختلف وغير تقليدي يتناسب مع متغيرات العصر وسطوة التكنولوجيا الرقمية على مجتمعاتنا، ولكن مع هذا التقدّم السريع، تبرز عدة تساؤلات ملحة! هل نحن أمام عالم جديد بلا قيود؟ هل الذكاء الاصطناعي تحت سيطرة الأخلاقيات الرقمية ؟ وهل يمكن أن يشُكل يوماً تهديداً على قيم مجتمعاتنا؟
في ظل الثورة الرقمية وتطور أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح إنتاج المحتوى أكثر سهولة وسرعة، و أحدث تطوراً كبيراً في صناعة المحتوى الإعلامي، مثل معالجة البيانات وتحليل تفاعل الجمهور مع المحتوى الإعلامي والتصوير والمونتاج وكتابة النصوص وإنتاج المحتوى الصوتي عبر أدواتٍ بسيطة، أغلبها مجانية.
إن فلسفة برامج الذكاء الاصطناعي تعتمد غالباً على قاعدة الـمُدخلات والـمُخرجات، التي من خلالها يقوم الانسان بإعطاء الأوامر والقيم الرقمية لتشكل في النهاية الـمُخرج النهائي الذي يريده، وهنا تكمن المشكلة، ما أتاح للبعض استخدام هذه الأدوات لإغراق الفضاء الإعلامي بمحتوى تافه ومشين، يعكس ضحالة فكرهم وضيق أفقهم الثقافي.
إن هذا المحتوى لا تقتصر أضراره على تشويه الذوق العام فقط، بل يشكل خطراً حقيقياً على وعي المتلقين، خاصة فئة الشباب، إذ يُسهم في تسطيح الفكر وترويج قيمٍ زائفةٍ وسلوكياتٍ هابطة، وهنا تكمن العبقرية الحقيقية في استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي حين تُسخّر لخدمة المجتمع والارتقاء بالذوق العام، لا لإشاعة الفواحش واستثارة الغرائز أو جذب الانتباه الرخيص. فهذه التكنولوجيا بما تمتلكه من إمكانات هائلة قادرة على إحداث ثورة في صناعة الإعلام الإيجابي، من خلال إنتاج محتوى تثقيفي أو ترفيهي هادف ومُلهم يصل إلى شرائح واسعة بسرعةٍ وفاعلية.
المسؤولية الأخلاقية تتضاعف على صانعي المحتوى ليتجاوزوا إغراءات التفاهة والإثارة الزائفة، ويُراعوا المنظومة القيمية للمجتمع، فالإعلام لم يكن يوماً مجرد وسيلة ترفيه، بل هو أداة توجيه وتأثير يحمل في جوهره رسالةً تتطلب الوعي والالتزام.
من هنا فإن احترام أخلاقيات النشر والابتعاد عن المحتوى الهابط هما ما يصنع إعلاماً ناضجاً يُسهم في بناء مجتمعات متزنة، ويمنعان تسرب الرداءة إلى الذوق العام، إلى جانب استثمار أدوات الذكاء الاصطناعي لنشر القيم الإنسانية، وتعزيز الوعي الثقافي، ويؤكدان أن التكنولوجيا ليست شراً ولا خيراً بحد ذاتها، بل مرآة لأخلاق من يستخدمها.
واخيراً، أصبحت الحاجة مُلحة لتفعيل أدوات الرقابة الإعلامية وتعزيز الوعي المجتمعي وتحفيز استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى راقٍ ومسؤول يخدم الوعي لا يلوثه. ووجود جهات تشريعية وهيئات محلية تضع أطراً أخلاقية واضحة تحكم صناعة المحتوى الرقمي وتضمن التزامه بمسؤولياته تجاه الفرد والمجتمع، فالمستقبل الإعلامي لا يُبنى بالتقنية وحدها، بل بأخلاق من يستخدمها.
عن "الدستور" الأردنية
——
المسؤولية الأخلاقية تتضاعف على صانعي المحتوى ليتجاوزوا إغراءات التفاهة والإثارة الزائفة، ويُراعوا المنظومة القيمية للمجتمع، فالإعلام لم يكن يوماً مجرد وسيلة ترفيه، بل هو أداة توجيه وتأثير يحمل في جوهره رسالةً تتطلب الوعي والالتزام.
ה 03 יול 2025 9:41 am - שעון ירושלים





שתף את דעתך
الذكاء الاصطناعي بين العبقرية والانحدار