- المشكلة تكمن في كون امتحان "التوجيهي" حاسماً يحدد مصير الطالب ما يخلق حالةً من "الفوبيا" حوله
- كي ننتقل لنظام اختباري متقدّم يعتمد على التحليل والتفكير الناقد لا بد من مناهج مكتوبة على هذا الأساس
- في غزة الأولوية حالياً هي النجاة فلا يستطيع طالب أن يحمل كتابه في يد ويدفع ركام منزله باليد الأُخرى
مهند ياسين- خاص بـ"ے"
في ظل أجواء مشحونة يعيشها آلاف الطلبة حالياً أثناء تقديمهم امتحانات الثانوية العامة في مختلف المحافظات، وفي وقتٍ تغيب فيه امتحانات "التوجيهي" عن قطاع غزة للعام الثاني على التوالي تحت نيران حرب الإبادة، جاءت الحلقة الأولى من "بودكاست ے" لتضع هذا الملف الساخن تحت المجهر، في حوارٍ معمّقٍ بين الإعلامية غيداء إبراهيم والخبير التربوي والكاتب تحسين يقين.
الحلقة لم تكتفِ بمناقشة امتحان "التوجيهي" كاختبار أكاديمي، بل تناولته كظاهرة اجتماعية وثقافية وتربوية، تمسّ مستقبل آلاف الطلاب، وتكشف خللاً متجذراً في بنية النظام التعليمي، من المناهج إلى آليات التقييم، مروراً بالضغوط النفسية، ووصولاً إلى تحديات التعليم العالي وتمويله. تحدث يقين بلغة الخبير والتربوي والناقد، مؤكداً أن إصلاح التعليم يبدأ من الاعتراف بأن "الرهبة مطلوبة، لكن الخوف ليس قدراً"، وأن من حق الطالب أن يُقيَّم على مجمل مسيرته لا على سنة واحدة، وأن التعليم الجامعي يجب أن لا يبقى حكراً على القادرين مالياً.
غزة بلا "توجيهي" للسنة الثانية: الحياة أولاً
س: نبدأ بغزة الجريحة. كما تعلم أن غزة لم يتقدّم طلبتها إلى الامتحان للعام الثاني على التوالي. برأيك، ما تأثير هذا الغياب على العملية التعليمية في غزة، وفي فلسطين عموماً؟
التأثير كبير وعميق، ويطول الطلاب والطالبات وأُسرهم على حدّ سواء. امتحان الثانوية العامة "التوجيهي" ليس مجرد امتحان نهائي، بل يمثل تتويجاً لمسار تعليمي طويل يمتد اثني عشر عاماً. المسار الطبيعي أن يدخل طلاب جدد إلى الصف الأول، ويتخرّج طلاب الثاني عشر كل عام، في دورة تعليمية منتظمة.
لكن في حالة غزة، نحن أمام عامين متتاليين من الحرب والتدمير، ما أدى إلى ضرب هذه البنية بالكامل. لم يعد من الممكن الحديث عن صفّ يغادر وآخر يدخل، بل أصبح مجرد الانتقال من صف إلى آخر، أو حتى الوصول إلى المدرسة، أمراً بالغ الصعوبة.
الوزارة كانت تحاول تجاوز هذه الأزمة بتنظيم امتحانات استثنائية لصفّين متتاليين في وقت واحد، في محاولة لتقليص الفجوة، لكن الحقيقة أن الأمور في غزة لا تسير كما هو مأمول، لا في التعليم، ولا في الثقافة، ولا في أي جانبٍ من جوانب الحياة. الانتهاك اليوم هو "انتهاك للحياة نفسها، ليس فقط للتعليم".
الأولوية حالياً هي النجاة؛ أن يظلّ الناس على قيد الحياة، أن يجدوا ما يأكلونه وما يداوون به جراحهم. في مثل هذه الظروف، يصبح التعليم مؤجلاً قسراً، لأن الطالب لا يستطيع أن يحمل كتابه في يد، ويدفع ركام منزله باليد الأُخرى.
هكذا، تحولت قاعات التوجيهي إلى رماد، وتحوّلت الطموحات إلى "أُمنيات بسيطة بالحياة، مش بالمعدل"، كما تقول أم لطالب من غزة.
"الثقب الأسود" في التوجيهي.. هل يبدأ من الكتاب؟
س: أنت عملت في التربية سنوات طويلة. برأيك، أين يكمن "الثقب الأسود" في امتحان "التوجيهي"؟ هل عند الطلاب، أم في المنهاج، أم في السياسة التربوية للوزارة؟
نحن جميعاً كنا أطفالاً يوماً ما، وخضنا امتحانات الصفوف المختلفة، بما فيها "التوجيهي". والمشكلة فيه تكمن -كما أراها- في كونه امتحاناً حاسماً يحدد مصير الطالب وإلى أين سيتّجه، ما يخلق حالةً من "الفوبيا" حوله.
لكن الحقيقة أن "التوجيهي" لا يأتي من فراغ؛ هو نتيجة لسنواتٍ متراكمةٍ من التعليم. لا يصح أن نحاكم الطالب فقط على آخر سنة وننسى ما قبلها. فالصف الحادي عشر والعاشر وما قبلهما كلها مراحل تشكّل هذا الامتحان.
العملية التعليمية، ببساطة، تقوم على ثلاث ركائز: الطالب، المعلم، والكتاب المدرسي، أي المنهاج. لا يمكن أن نتحدث عن تعليم فاعل إذا كان الطالب غير مهتم، أو المعلم غير متابع، أو الكتاب غير واضح.
أضف إلى ذلك دور مدير المدرسة، الذي أعتبره عنصراً إدارياً محورياً؛ فهو من يدير هذه المنظومة على الأرض، ويستطيع أن ينهض بها إذا ظهرت مشكلات.
بيت القصيد برأيي هو الكتاب المدرسي
هو المرجع المشترك بين المعلم والطالب. وعندما كنت أحد المشاركين في إعداد المنهاج الفلسطيني الأول عام 2000، كمحرر نصوص ومؤلف، تعلمت من التجربة أن المنهاج يجب أن يُكتب بلغة تناسب الفئة العمرية، من الصف الأول وحتى الثاني عشر.
خذ مثلاً ما حدث مؤخراً: كثير من الطلاب اشتكوا من فقرة في امتحان التوجيهي جاءت من خارج الكتاب. هذا يحدث في اللغتين، العربية والإنجليزية. فهل نلوم الطالب والمعلم فقط؟ طبعاً لا، لأن أصل المشكلة في النص إن لم يكن مكتوباً بشكل سليم.
المناهج الفلسطينية، وكذلك بعض المناهج العربية، بحاجة إلى إعادة نظر لغوية وتربوية. نحتاج نصوصاً قريبة من الطالب، يفهمها ويحبها، حتى يتفاعل معها بدلاً من الهروب إلى "المساعدات" أو "الملخصات"، كما يقول الكثير من الطلبة: "بنقرأ الملخّص أحسن، بضّمن العلامة".
في النهاية، لا يوجد نموذج تعليمي مثالي، لكن التعاون بين العناصر الثلاثة—المعلم، الطالب، المنهاج—مع وجود إدارة مدرسية فاعلة، يحسّن الوضع.
أما إذا أردنا تحولاً جذرياً، فعلينا تغيير المناهج نفسها. وأوضح هنا أنني لا أقصد بالـ"علمنة" ما يفسره البعض بأنه إقصاء للدين، بل أعني علمنة بمعنى إدخال العلوم بلغة واضحة وسهلة، وتخفيف الكلاسيكية اللغوية الزائدة، خاصة في كتب اللغة العربية.
ولو نظرنا إلى التجربة اللبنانية، سنجد أن اختيارهم للنصوص دقيق وذكي. لذلك، إذا أحسنا تدريس العربية بنصوص ملائمة، فإن الطالب سيفهم ويحب المادة، وسيتمكن من استيعاب باقي المواد. وعندها يصبح التوجيهي طبيعياً، والنجاح فيه متاحاً بإذن الله.
11 سنة دراسة يجب أن لا تُلغى بامتحان واحد
س: ذكرتَ أن التوجيهي هو نتيجة تراكمية لسنواتٍ من التعليم، فلماذا يُحكم على الطالب فقط من خلال امتحان هذه السنة الأخيرة، رغم أنها قد تشهد ظروفاً قاهرة خارجة عن إرادته؟ ولماذا تُعدّ سنةً مصيرية؟
هذا سؤال عميق جداً، وقد تم بالفعل طرحه ومناقشته داخل أروقة وزارة التربية والتعليم. أتذكّر أن الدكتور مروان عورتاني، الوزير الأسبق، تحدث في هذا السياق بشكل واضح.
أولاً، امتحان "التوجيهي" هو نظام معتمد في عدة دول، وليس مقتصراً على فلسطين. لكن في حالتنا، نحن نجري هذا الامتحان منذ خمسينيات القرن الماضي، لأنه في الفترات السابقة، قبل تأسيس نظام تعليمي فلسطيني مستقل، كان الطالب يذهب إلى مصر ليحصل على شهادة "التوجيهي المصري". بمعنى آخر، "التوجيهي" نشأ عندنا كضرورة للالتحاق بالجامعات، ولهذا أصبح تقليداً تعليمياً ومجتمعياً.
لكن النقطة الإنسانية التي أثرتها، وهي أن الطالب يُقيَّم فقط على أساس عام دراسي واحد بعد 11 سنة من التعليم، رغم أن هذا العام قد يشهد ظروفاً قاهرة، فهي بالفعل مسألة جوهرية. “لماذا نحكم على طالب تعب 11 سنة بسنة واحدة؟"، هذا ليس عدلاً.
وقد وقعت بالفعل حالات كثيرة لطلبة مرّوا بظروف صحية أو نفسية أو عائلية في الصف الثاني عشر أثّرت على أدائهم، ومع ذلك تم التعامل معهم وفق نتيجة امتحان واحد فقط، وهذا ما أراه غير مقبول أخلاقياً ولا تربوياً.
لذلك، طُرح مقترح تربوي مهم: أن يحصل الطالب على شهادة إتمام الصف الثاني عشر، حتى إن لم يجتز امتحان التوجيهي بنجاح. هذه الشهادة يمكن أن تساعده في التقدم لبعض الوظائف أو متابعة التعليم في كليات المجتمع أو نظام السنتين.
هذا الاقتراح فيه بعدان مهمان:
نفسياً: يشعر الطالب أن النظام التعليمي لا يُقصيه كلياً بسبب تعثره في امتحان واحد.
وظيفياً وتعليمياً: تُفتح أمامه خيارات تعليمية ومهنية، بدل أن يُترك في الفراغ.
أنا أعتقد أن هذا التوجّه بدأ يلقى قبولاً، ويجب تعزيزه مستقبلاً، لأنه من غير المنطقي أن نُلغي 11 سنة من الجهد والدراسة بسبب سنة واحدة. نحتاج إلى أن نتحرك بهذا الاتجاه من منطلق إنساني وتربوي عادل.
تغيّر الاسم... وبقي "التوجيهي" كما هو
س: حاولت الوزارة مراراً استبدال مصطلح "التوجيهي" بـ"إنجاز"، لكن هذه المحاولات لم تُفلح في تغيير الوعي العام. برأيك، لماذا لم تنجح؟
إذا تسمحين لي، فسأتحدث في هذا الموضوع كتربوي، لا بصفة رسمية. ما جرى في تلك المرحلة كان اجتهاداً لتطوير نظام "التوجيهي"، وقد تم اعتماد اسم "الإنجاز" كجزء من محاولة لتحديث المنظومة. لكن، حين اطّلعت على التجربة وتابعتها عن قرب، لم أجد أنها أحدثت فرقاً فعلياً في المضمون أو في الجوهر.
بمعنى آخر، التغيير اقتصر على الاسم، بينما "الامتحان ضلّ زي ما هو". الطلبة الذين قدّموا هذا الامتحان، وأهاليهم، يدركون تماماً أن ما خاضوه هو امتحان "توجيهي" بكل تفاصيله، تماماً كما في السنوات السابقة. لا شيء تغيّر على مستوى طبيعة الأسئلة أو آلية التقييم أو فلسفة الامتحان.
السبب، في رأيي، يعود إلى أن الامتحان ما زال مرتبطاً بالنظام الجامعي التقليدي، ليس فقط في فلسطين، بل في معظم الدول العربية التي يلتحق بها الطلبة الفلسطينيون. هذه الدول ما زالت تعترف بشهادة "التوجيهي" بصيغتها المعروفة، وهذا يجعل من الصعب علينا كفلسطينيين تغيير النظام بشكل منفرد دون أن نُحدث اضطراباً في الاعتراف الإقليمي بالشهادة.
لذلك، الاسم تغيّر، لكن الجوهر بقي على حاله. والناس عادةً لا تتفاعل مع التغيير الشكلي إن لم يُصاحبه تغيير حقيقي في التجربة التعليمية نفسها.
الرهبة مطلوبة… لكن من دون خوف
س: كيف يمكن الحدّ من قلق الأهل خلال "التوجيهي"، خاصة أنهم غالباً من يعيشون الامتحان بدلاً عن أبنائهم؟ وكيف يمكن تعزيز دورهم في دعم الطالب لا زيادة توتّره؟
في هذا السياق، لا بدّ أن نستحضر أنفسنا ونتذكر تجربتنا مع امتحان التوجيهي، والمستمعون والمشاهدون الآن يشاركوننا هذا الاستذكار. الطالب في الصف الثاني عشر لا يمكن فصله عن مسيرته التعليمية منذ الصف الأول. الرهبة من الامتحان أمر طبيعي، بل هي موجودة في كل مراحل الحياة، حتى في امتحانات الدراسات العليا أو مقابلات الوظائف. حتى في الدين، هناك رهبة يوم الحساب، أليس كذلك؟ وهذه "الرهبة" مطلوبة.
إذا زالت الرهبة تماماً، فقد تقلّ الجدية. لذا، وجود رهبة إيجابية مفيد، لكن يجب أن لا تتحوّل إلى قلق أو خوف مفرط. التوجيهي مش نهاية العالم، هو امتداد لامتحانات كثيرة مرّ فيها الطالب، لكن تكبر الرهبة لأن الجميع –الأهل والطالب– يريدون معدلاً عالياً للوصول إلى التخصص الجامعي الذي يطمحون إليه.
أنا أرى أن الاستعداد النفسي للامتحان لا يبدأ في "التوجيهي، بل منذ الصف الأول، وتحديداً من الصف الخامس، عندما يبدأ الطالب تقديم امتحانات مكتوبة. هذه التجربة المبكرة تُكسب الطالب خبرة في التعامل مع الامتحان، حتى لا يتفاجأ لاحقاً. الامتحان التجريبي في "التوجيهي" أيضاً له دور مهم، وغالباً ما يكون أصعب من الامتحان الفعلي، وهذا ما يساعد الطالب على التهيؤ النفسي والفكري.
أما الأهل، فطبيعي أن يقلقوا. بس مرات بنحس إنهم هم اللي بيقدموا "التوجيهي" مش أولادهم! طبعاً، هم يريدون الأفضل لأبنائهم، لكن الواقع تغيّر. التعليم العالي اليوم لم يعد يتطلب معدلات مرتفعة كما في السابق، نظراً لتنوّع الجامعات وتعدّد فرص القبول. القلق الزائد لم يعد له مبرر.
التوتر في بعض المناطق اليوم ناتج عن الأوضاع الأمنية، كما هو الحال في شمال الضفة –جنين وطولكرم– بسبب الاجتياحات المتكررة. لكن في المناطق الأُخرى، التوتر أقل، وهناك دور كبير للمرشدين التربويين والمعلمين، وأيضاً للأهالي.
المسؤولية في النهاية تبقى على الطالب. هو الأدرى بمستواه، وبما فهمه أو قصّر فيه. إذا شعر بضعف في مادة ما، فهناك وسائل للتعويض، سواء بدروس خصوصية أو دراسة مركّزة. لكن من لم يدرس لا يمكنه النجاح. "اللي ما درس وبده ينجح، صعب ينجح".
وعن تجربتي الشخصية، فأنا حين كنت طالباً في "التوجيهي"، كنت فقط أقرأ وأُعيد قراءة المادة. لم أكن أسهر ولا أتعب نفسي. حتى في الجامعة، كنت أدرس حتى السادسة مساءً ثم أشاهد التلفاز بهدوء. في يوم الامتحان، أذهب وأنا مرتاح، وأقدّمه بكل ثقة.
الدراسة ليست سوى عملية تراكمية من القراءة والفهم والتكرار. الطالب الذي يقرأ المادة مرة ومرتين وثلاثاً، سيجد نفسه في النهاية يقرأها خلال دقائق فقط. "أول مرة بتأخذ ساعة، بعدين 40 دقيقة، وآخر شي بتصير بدقايق". وهذا سر النجاح.
الذكاء الاصطناعي لا يكفي وحده.. إصلاح المناهج أولاً
س: في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، لماذا لا تزال امتحانات التوجيهي تُقدَّم بأساليب بدائية؟ هل السبب غياب الابتكار، أم التمسك بالموروث؟
في الحقيقة، لا أوافق على وصف الامتحانات الحالية بأنها "بدائية". ما ننتقده، سواء داخل وزارة التربية والتعليم أو خارجها، هو الطابع التقليدي القائم على الحفظ، لا الامتحان بحد ذاته. فنحن نطمح لأن يكون الطالب قادراً على الفهم والتحليل، لا مجرد الحفظ. هذا هو جوهر العملية التعليمية، وهذا ما يُفترض أن يُطلب من الطالب، سواء في "التوجيهي" أو في التعليم الجامعي.
للأسف، حتى في الجامعات، ليس كل الطلبة يصلون إلى مرحلة إنتاج المعرفة. وهذا المصطلح لا يعني شيئاً معقداً، بل ببساطة الطالب بعد أن يتعلّم ويفهم، يستطيع أن يكون له رأي، أن يُحلّل، أن يُعيد تقديم المعلومة من زاوية جديدة.
في فلسطين، تُطرح حالياً أسئلة متنوعة في "التوجيهي"، بهدف قياس مدى فهم الطالب. لكنني أُؤكد وأتمنى أن تصل هذه الرسالة لكل من يهمه الأمر: المشكلة ليست في الامتحان، بل في ما قبله. إن أُحسن تعليم الطالب، وفهم المادة جيداً، يمكن عندها قياس تحصيله بأي أسلوب، تقليدي أو حديث، دون أن يُصاب بالرهبة أو الرفض.
أما عن الابتكار في تقديم الامتحانات، فهو مرهون بتحديث المناهج نفسها. فلكي ننتقل إلى نظام اختباري متقدّم يعتمد على التحليل والتفكير الناقد، لا بد من مناهج مكتوبة على هذا الأساس. لا يمكن أن نتوقع من الطالب أن يُحلّل نصاً وهو لم يُدرَّس بطريقة تشجّعه على التذوق والفهم.
إذا ظلّ تعليم النصوص قائماً على الحفظ والتلقين، فستظل الأسئلة من نوع: "اذكر"، أو "عرّف"، وستظل الإجابات استظهارية. أما إذا اعتمدنا على أساليب تدريس تُشرك الطالب في الفهم والتفاعل –كما يحدث مثلاً في بعض كتب الأدب اللبناني التي تُتقن اختيار النصوص– فعندها فقط يمكن أن نسأله عن رأيه وتحليله.
لذلك، فإن أصل المشكلة في النص التعليمي، هذا ما نحتاج لتغييره. يجب أن تُكتب المناهج على يد خبراء تربويين، بأسلوب واضح، وبمستوى لغوي مناسب لكل مرحلة عمرية، بحيث لا يشعر الطالب بالغربة عن اللغة، خاصة في كتب اللغة العربية.
"إذا الطالب قرأ النص وفهمه، بيقدر يكوّن رأي… وهاي بداية إنتاج المعرفة"، كما أقول دائماً. وهذا هو ما نريد أن نصل إليه: أن يتدرّج الطالب من حفظ المعرفة إلى فهمها، ومن ثم إنتاجها، ومن بعدها تطويرها في مراحل التعليم العالي.
التعليم الجامعي ليس ترفاً... بل حق يجب أن يُصان
س: عند انتهاء الطالب من المرحلة المدرسية، ينتقل إلى التعليم الجامعي، وهذه المرحلة تُعد صعبة نوعاً ما، خصوصاً للطلبة من ذوي الدخل المحدود. هل بات التعليم العالي في فلسطين حكراً على أبناء الأغنياء؟ ولماذا لا يتم إنشاء صندوق وطني فعّال لدعم الطلبة المحتاجين لاستكمال تعليمهم الجامعي؟
تمويل التعليم العالي، في رأيي الشخصي ككاتب وتربوي، ليس فقط مسألة إدارية، بل سؤال مجتمع وسؤال عدالة. لقد كتبتُ عدة مقالات وقدّمتُ من خلالها للحكومة مقترحاً متكاملاً لحل هذه الإشكالية، يقوم على مراحل متدرّجة وعملية.
س: هل طُبّقت هذه المقترحات؟
للأسف، لا، لم يُلتفت إليها حتى الآن. لكن دعيني أقول: نحن جئنا من أُسر بسيطة، بعضها قروية، ومعظمها مستورة، ومع ذلك استطاعت هذه الأسر أن تُعلّم أبناءها في أعرق الجامعات، لا لأنها كانت ميسورة، بل لأنها أدارت مواردها بعقلانية، ومارست ما يُسمى "الاقتصاد المنزلي". وأنا أزعم أن أوضاع الأسرة الفلسطينية سابقاً كانت أصعب، لكنها علّمت أبناءها بالإصرار والتضحية.
اليوم، تستطيع الأُسر الفلسطينية أن تفعل الشيء ذاته، لكنها يجب أن لا تُترك وحدها. يجب أن يصبح التعليم الجامعي متاحاً ومجانياً للجميع. أنا من المتأثرين بفكر الدكتور طه حسين، رحمه الله، الذي كان يؤمن أن التعليم الجامعي حق، وليس ترفاً. وهناك دول كثيرة تطبّق هذا المفهوم. في مصر، على سبيل المثال، يستطيع الطالب أن يدرس حتى الدكتوراه ولا يدفع أكثر من مئة دولار على مدار سنوات الدراسة.
س: لكن كيف نصل إلى هذه النقطة؟
أولاً، عبر خطة وطنية متدرّجة، تبدأ بتأسيس صندوق وطني خاص لدعم التعليم العالي، يموله مصدران رئيسيان:
- نسبة من موازنات المجالس المحلية (مثل 3% المخصصة أصلاً للتعليم).
- ضريبة عادلة على الدخل، سواء من موظفي القطاع العام أو الخاص، تُستقطع شهرياً وتُحوّل مباشرة إلى الصندوق، بشرط عدم استخدامها لأي بند آخر، مثل الرواتب أو النفقات التشغيلية.
تماماً كما هو معمول به في أنظمة الضرائب المتقدمة –مثل النموذج الأمريكي– حيث تكون هناك قنوات مخصصة توجه الأموال إلى أهداف واضحة. وأنا أعتقد أن المواطن الفلسطيني، سواء كان متزوجاً أو أعزب، سيتفهّم هذه الضريبة حين يدرك أنها استثمار في مستقبل أبنائه. فالطفل الذي يبلغ عامه الأول اليوم، سيدخل الجامعة بعد 18 عاماً، وهذه الضريبة ستضمن له تعليماً مجانياً.
نبدأ تدريجياً. مثلاً، إذا كانت تكلفة الساعة الدراسية 50 ديناراً اليوم، نُخفضها تدريجياً إلى 40، ثم إلى 30، حتى نصل إلى نظام تعليمي مجاني وعادل. لا شيء مستحيل، رغم الاحتلال والغلاء واقتصاد السوق النيوليبرالي.
نحن شعب صغير نسبياً، وإذا نجحنا في تأسيس هذا الصندوق وتنظيم هذه العملية، فسيكون هناك فائض لاحقاً يمكن توجيهه إلى دعم البحث العلمي والابتكار، وتقديم الجوائز للمتفوقين والمبدعين.
لكن، وكما أقول دائماً: المهم أن نخطو الخطوة الأولى. وإذا بدأنا، فستتبعها خطوات أُخرى، بإذن الله. وأتمنى، حقاً، أن نعيش لنشهد هذا اليوم الذي يصبح فيه التعليم الجامعي في فلسطين مجانياً ومتاحاً للجميع، دون استثناء.
نتائج التوجيهي... لا خوف بعد اليوم
س: يوم إعلان نتائج التوجيهي يُعد يوماً مشحوناً بالقلق والتوتر لدى الطلاب والأهالي. برأيك، كيف يمكن أن نجعل هذا اليوم يمر بشكل طبيعي، دون كل هذا الضغط والانفعال؟
في رأيي، يجب أن يكون يوم إعلان نتائج التوجيهي يوماً عادياً، بلا كل هذا القلق والضغط المبالغ فيه. الطالب الذي قدّم الامتحان يعرف جيداً ما كتب، ويكون لديه تقدير واضح لمستواه ونتيجته المحتملة.
أتذكر حين قدمتُ امتحان التوجيهي، كنت أقول لمن يسألني: "بجيب 91، يمكن 92"، وفعلاً حصلت على العلامة الكاملة في مواد مثل التاريخ والدين، لأنني كنت واثقاً من إجاباتي. الطالب المجتهد أو حتى المتوسط لا يتفاجأ بالنتيجة؛ لأنه يعرف أين أصاب وأين أخطأ.
أما الطالب الذي لم يدرس بشكل كافٍ، فمن الطبيعي أن يشعر بالحزن إن لم ينجح، لكنه في قرارة نفسه يعرف السبب. وكما نقول: "اللي ما درس، صعب ينجح". في النهاية، لا مفاجآت في الحياة. من جدّ وجد، ومن سار على الدرب وصل، سواء في التعليم أو في العمل أو حتى في العلاقات الإنسانية.
ما نحتاجه، كأهالٍ ومعلمين هو أن نكون إلى جانب أبنائنا في هذا اليوم. لا نضغط عليهم، لا نلومهم، بل نحتضنهم، نُظهر لهم الدعم، ونقول لهم: "ولا يهمك، خلص، في استكمال بعد كم أسبوع، توكّل على الله"، هذه الكلمات وحدها كفيلة بتقليل القلق وتحقيق التوازن النفسي للطالب.
النجاح لا يُقاس دائماً بالمعدلات العالية، بل بالقدرة على النهوض من جديد. حتى الطالب الذي لم ينجح في مادة، أمامه فرصة قريبة، وسيلتحق بعدها بالجامعة ويواصل طريقه. علينا أن نربي أبناءنا على أن "التوجيهي" ليس نهاية المطاف، بل محطة من محطات الحياة.
الأهم من كل ذلك، هو وجود الحاضنة النفسية الدافئة: الأب، الأم، الأخ، الأخت، المعلم... كلهم شركاء في هذه اللحظة. الدعم المعنوي قد يكون أثمن من أي نتيجة.
وأقولها من تجربتي: حين أنهيت دراسة المادة، كنت أستريح، "خلص، ما في داعي للسهر ولا التوتر الزايد". الدراسة ليست في عدد الساعات، بل في الفهم الحقيقي. "كل ما درست، بتحب المادة أكتر". وهذا هو جوهر التعليم: الفهم، لا الحفظ فقط.





שתף את דעתך
الخبير التربوي والكاتب تحسين يقين في "بودكاست القدس" آن الأوان لإعادة تعريف "التوجيهي".. والتعليم الجامعي ليس للأغنياء فقط