يضرب المثل الشعبي المصري "جاب الديب من ديله" على من يظن أنه حل معضلة مستعصية، بينما في الحقيقة قد لا يعدو كونه استعراضاً بلا نتيجة، ولعل هذا المثل يلخص حالة الخطاب الفلسطيني حول "الوحدة الوطنية"، المصطلح الذي تحول الى عبارة فضفاضة تستخدم عكس ما أريد لها، من السهل ترديدها بوصفها حلاً سحرياً لأزماتنا، بينما لا يعرف لها تعريف دقيق، فلا اتفاق على معنى محدد لها، نعم، هناك فهم عام لها، شكل من أشكال التلاحم، لكن الشيطان يكمن في التفاصيل، هل هي وحدة برامج وشعارات؟ ام انصهار في رؤية سياسية واحدة؟ ام احترام للتعدد؟
السلطة ترى فيها الانصياع لبرنامجها السياسي ومسار المفاوضات كخيار استراتيجي، في حين ترى قوى اخرى انها تكون بالتخلي عنه، وفريق ثالث يرى فيها فرصة للالتقاء في المنتصف، او عند الحد الادنى من المقبول وطنيا، لكن، ما هو الحد الادنى؟ وما هو المقبول وطنيا؟ لندخل ذات الدوامة، وبتجاوزها نجد انفسنا امام معضلة اعقد، وهكذا، تجعل المصطلح ملغّما ومفرّغا، وبلا قدرة على التغيير او الحل.
الحديث عن الوحدة اليوم هو خطاب يضمن لصاحبه شهادة "حسن سلوك" امام جمهوره، كلام لا غبار عليه، ولا يلام قائله، حتى لو بقي معلقا بلا اثر، واكثر من ذلك، يستخدم احيانا للهروب من مواجهة الحقيقة، او وضع الاصبع على الجرح، فيختبئ الساسة خلفه كي لا يضطروا الى الاعتراف بفشل خياراتهم.
وبالرجوع للتجارب التاريخية، لم تكن الوحدة يوما شرطا مسبقا لاي حركة تحرر ناجحة، بل بفعل تراكم الفعل والتجربة، فالثورة الجزائرية عشية انطلاقتها لم تكن قواها موحدة، وكان المشهد السياسي منقسما جدا، متصارعة على الزعامة، والبرامج، والطريقة، والهدف، منهم من نادى بالتحرر الكامل، واخرون بالتعايش مع الاحتلال، عبر اصلاحات وامتيازات تجعل وجه الاحتلال اقل بشاعة، اثنان وعشرون قائدا كانوا مختلفين حول التوقيت والوسيلة والاولويات، اشعلوا شرارة الثورة، لكن حجم التضحيات فرضت التلاقي والوحدة، وكذا الحال في الانتفاضة الاولى، اندلعت شراراتها دون تنسيق، فخلقت وقائع ارغمت الفصائل على اعادة تعريف ادوارها، ينبئنا التاريخ ان الوحدة كانت في الغالب تتويجا لتجارب مريرة وتضحيات عظيمة، وليست شرطا يسبق الفعل، ومع ذلك، نسمع من يردد انها الارضية الصلبة والوحيدة، وهي بهذا المعنى تتحول الى شرط تعجيزي او دعوة للجلوس والانتظار.
واقعنا بالغ التعقيد، الانقسام لا يختزل في النيات او النزعات الشخصية وحدها، بل يعكس في جوهره خلافا عميقا حول البرامج السياسية والاولويات والنهج، هذا التشظي لا يمكن معالجته بمجرد التلويح بمصطلحات الوحدة، او تحويلها الى شعار ممجوج يطفو فوق بحر الحقائق القاسية على الارض.
المطلوب هو التوافق على حد ادنى من متطلبات الوحدة، يبدأ ببرنامج وطني يحافظ على الثوابت فعلا لا قولا، وتحديد اولويات المرحلة بوضوح، واعادة بناء مؤسسات الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها المنظمة، على اسس جامعة ودون شروط مسبقة، كذلك لا بد من ايجاد اليات عملية تضمن تمثيل الفلسطينيين في مؤسساتهم، دون التذرع بمعيقات لا امل في تجاوزها في المدى المنظور.
ما تقدم ليس شروطا اقصائية ولا يهدف الى الغاء الفوارق، بل الى ايجاد اطار جامع يتسع للتنوع والاختلاف، وهنا يبرز السؤال الجوهري: اي وحدة وطنية نريد؟ تلك التي تلبس البعض ثوب القداسة وتلقي على الاخرين رداء الشيطان، ام اتحاد طوعي بين قوى تدرك ان تلاقيها يزيدها قوة ويعزز مكانتها؟
التاريخ وتجارب الشعوب تقول بوضوح ان الوحدة لا تستدعى بقرار، ولا تصنع بخطاب، بل هي ثمرة تفاعل عناصر القوة والمبادرة لدى كل طرف، وما دون ذلك، لا يتجاوز ترديد جمل مألوفة قد تمنح المتحدث وجاهة لحظية، لكنها في النهاية جرش بلا طحين.





שתף את דעתך
الوحدة الوطنية... تعويذة سياسية تخدر العقول!