يضرب المثل الشعبي " شايف الذيب وبقص بأثره" حين يقف الإنسان على الجريمة بأم عينه، ثم يتظاهر بالبحث عن دليل أو أثر، يبرر به صمته أو تواطئه أو حتى الانحياز، واليوم، يختزل هذا المثل مأساة غزة، ويكشف حجم العمى الذي أصاب عين العدالة أمام هذا المشهد الدموي الذي لا يحتمل التأويل ولا يقبل الذرائع والمبررات.
بعد انتهاء المواجهة مع طهران وانصراف الانظار عن "العدو الخارجي"، عاد الاحتلال لينكفئ على ازماته الداخلية، فعادت غزة الى واجهة المشهد من جديد، لكن ليس بوصفها جبهة تستنزفه وتكشف عجزه، بل ايضا كجرح نازف، وانسانية تموت تحت القصف والجوع، هنا تتجلى اقسى صور المأساة التي لا توصف، مشاهد من القتل اليومي التي باتت حدثا "عاديا"، حتى لم يعد الموت مفاجئا ولا الجريمة مستترة.
جاء تقرير "هآرتس" الجمعة ليكشف قناعا من اقنعة الزيف؛ جنود وضباط يعترفون، وبلا مواربة، انهم تلقوا اوامر باطلاق النار على المدنيين الجوعى قرب مراكز توزيع المساعدات الإنسانية، اعترافات باردة تسرد كأنها تفاصيل يومية عابرة، اوامر من قادتهم بابعاد "الجياع" عن حقهم في البقاء، بالرصاص، رصاص لا يميز بين امرأة ورجل، بين طفل او كهل، ولا بين يد ممدودة للغذاء ويد فارغة من كل شيء، احدهم يصف المكان بانه اشبه بـ "ساحة قتال"، فقال "نطلق النار على طالبي المساعدات كانهم قوة هجوم"، وبالاسلحة الثقيلة وحدها، تلك التي كانت حاضرة دوما في مشهد القسوة القصوى.
وامام هذا السيل من الشهادات والحقائق، كيف يجرؤ العالم على مواصلة البحث عن أثر؟ باي وجه يُطَالب الفلسطينيون بدليل جديد على الجريمة القديمة الجديدة، بعدما تجاوز عداد الشهداء ستة وخمسين ألفاً، ومئات الالاف من الجرحى والمشردين، مدن وبلدات تحولت الى ركام؟ هل يمكن للعالم ان يدعي الجهل، ام ان التواطؤ هو ديدنهم؟
في كل مرة تنكشف فيها فظاعة جديدة، يهرع قادة الاحتلال واعلامهم لإغراق العالم بسيل من الأكاذيب والادعاءات حول الجيش "الاكثر أخلاقا في العالم"، ويصرون على تلميع صورة قاتل محترف، ويكررون اسطوانتهم المتهالكة، وهكذا يحاولون تزوير الواقع، وكأن ما يحدث مواجهة بين جيشين، بينما الحقيقة الوحيدة هي مشهد احتلال متعطش للدماء، يطارد الجوعى والمستضعفين في اكثر لحظات عجزهم الإنساني؛ لحظات البحث عن العون والمساعدة.
المفارقة ان الأوامر المزعومة بتجنب "إيذاء المدنيين" تتهاوى امام ارقام غير مسبوقة من الشهداء، والاوصال المقطعة، وتدمير كل مقومات الحياة، حتى ان الحيوانات لم تسلم من القتل، انه القتل لأجل القتل، انه انتصار للوحش الكامن في النفس البشرية على كل وازع انساني، والضفة الغربية ليست بمنأى عن هذا الجرح المفتوح، فالتجربة اليومية فيها هي امتداد سياسة العقاب الجماعي والقتل بدم بارد.
هذه ليست مجرد ازمة اخلاق عابرة، بل حلقة في سياق طويل من سياسات الاخضاع والتجويع وشيطنة الاخر؛ الفلسطيني، وتهميش معاناته، وسط عجز عالمي فاضح، فالاطراف جميعها مكشوفة الان، الاحتلال يقتل بلا حساب، والعالم يدين ببيانات باردة، فيما يواصل ارسال السلاح، وحشد الدعم السياسي له، اما الضحايا فيعيشون موتهم مرات ومرات، وبلا اسناد حقيقي، وعالم اختار ان يدير ظهره للعدالة كل مرة، كلما كان الفلسطيني هو الضحية.
في غزة، الحقيقة اوضح من الشمس، والجريمة مكتملة الاركان، لا يمكن اخفاؤها، فلم يعد القتل يحتاج الى دليل او اثر، والعالم يرى الذئب يفترس صيده امام اعينهم، ويبحثون عن دليل، لانهم يخافون من الحقيقة التي تفضح ازدواجية معاييرهم، وانسانيتهم المزيفة، والسؤال هو، كم من الوقت سيبقى العالم يساوم على الدم الفلسطيني، ومتى سيدرك ان العدالة العمياء هي أبشع وجوه الجريمة؟





שתף את דעתך
شايف الذئب وبقص على أثره!