א 01 יונ 2025 9:14 am - שעון ירושלים

الطلقة الأخيرة ...

أمين الحاج

في لحظة التأسيس، ومع انطلاقة الثورة، اختار قادتها أن تبدأ بطلقة، لا بوثيقة، فالطلقة الأولى لم تكن مجرد بداية، بل كانت تعبيراً عن أن الكفاح المسلح هو الوسيلة الوحيدة لإعادة الفلسطيني إلى الخريطة، بعد نفيه منها سياسياً وتاريخياً.
كانت البندقية أداة وجود، وصدى لصوت لم يكن يسمع إلا عبر فوهتها، لكن مع مرور الوقت، بدأ الابتعاد عنها، ومع أوسلو انتقلت الثورة إلى مربع جديد، ظنت معه أن الاعتراف بالدولة يمكن أن ينتزع عبر التفاوض لا الاشتباك، وأن بناء المؤسسات قد يسبق السيادة، ويؤدي اليها.
وهكذا، تحولت الطلقة الأولى إلى ذكرى، وصار المسار السياسي هو الطلقة الوحيدة أو الأخيرة، لكنها لم تُصِب، بل تاهت في الهواء، فبين جولات تفاوض متكررة، وبلا نتائج، وتراجعات مؤلمة تحت ضغط الابتزاز المالي والسياسي، تدريجياً، تحولت السلطة الفلسطينية إلى كيان إداري محدود الصلاحيات، منهك وظيفياً، ومكشوف سياسياً، بعد أن راهنت على أن الاعتدال سيُنصَف، لكن على العكس تماماً هو ما حدث، إذ فُهم ذلك كعلامة ضعف، لا كخيار استراتيجي.
فحين يمنع وزراء الخارجية العرب من الوصول إلى رام الله، فذلك ليس حدثاً عابراً، بل استكمال لمسار طويل من العزل والتفكيك، ما يحدث اليوم تتويج لسنوات من تقويض شرعية السلطة، بدءاً من نزع بعدها التحرري وتحويلها إلى جهة تنفيذية، وصولاً إلى ضرب قاعدتها الشعبية، من خلال سحب ملفات حساسة، وتسييس أخرى، كرواتب الأسرى وذوي الشهداء، وتحويلها إلى أوراق ضغط داخلي، بالتوازي مع شيطنتها خارجياً بخطاب "الفساد"، الذي وإن اعترف به بعض قادتها، إلا ان الاحتلال لم يكن ينوي استخدامه كمدخل للإصلاح، بل لاستكمال نزع الشرعية عنها.
وفي المقابل، لم تطور السلطة بدائل ملموسة أو حقيقية، فهي لم تُنعش مشروع المقاومة الشعبية، ولم تفتح أفقاً لوحدة وطنية، ولم تعيد تعريف علاقتها بالمؤسسات التمثيلية، حتى أن مبادراتها للإصلاح جاءت إما متأخرة أو مجزأة ومرتبكة، ودون مراجعات وطنية تعيد ترتيب الأولويات أو تبني الثقة الداخلية.
وبذلك تحوّل ما تبقى من أدوات إلى الداخل، فرفعت شعارات الأمن، لكنها فُهمت - شعبياً - كضبط، أو أدوات تطويع - تحت عناوين مختلفة - لا كأدوات حماية، وصارت الطلقة الأخيرة توجه إلى النُقّاد والمعارضين والشارع عموماً، بدلاً عن استخدامها في معركتها لإعادة التموضع.
في المقابل، كان الاحتلال يُصعّد على مختلف المستويات، من بناء المستوطنات، إلى ضم أراض، إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية، مروراً بتصريحات علنية لقادة اليمين، أو لقادة الحرب من "ترسيلا" جنوب جنين، بأن الدولة الفلسطينية لم تعد ممكنة، وأن الاعتراف بها لا يساوي شيئاً، في رسالة مباشرة إلى باريس وغيرها من العواصم الغربية، وتعبيراً عن ثقة متزايدة بأن النظام الدولي، كما الشرعية الدولية، باتا عاجزين أو متواطئين، وأن قراراتهما لا تنفذ ولا تُحترم، وأن العدالة الدولية خاضعة لميزان قوى مختل أصلاً.
الأكثر قسوة من ذلك، موقف السلطة الباهت والمرتبك من العدوان على غزة، حيث بدت على الهامش، تراقب بصمت، وكأنها لم تعد جزءاً من المعركة، بل جزءاً من مشهد رمادي يزداد اتساعاً، أي أنها اليوم لا تعاني فقط من أزمة سياسية، بل ومن أزمة مشروع، فهي لم تُهزم في معركة سياسية، لكنها خُدعت يوم فهمت أن العالم سيتحرك حين تتصرف بمسؤولية واعتدال، وهو ما لم يحدث، والذي فُهم كعلامة ضعف، وها هي اليوم تتآكل من الداخل، وتحاصر من الخارج، وتستنزف، أما طلقتها الأخيرة فلم تعد كافية.
ما يحدث اليوم ليس مجرد قرار منع دبلوماسي، بل إعلان عن انتهاء صلاحية النموذج، وقد فُرض على السلطة أن تواجه لحظة الحقيقة، فإما أن تعيد تعريف دورها ضمن استراتيجية مقاومة وطنية، تعيد الاعتبار لفكرة التحرر، أو أن تستمر في تمثيل ذاتها في الفراغ، بينما يُغلق الباب خلفها، بهدوء... وبلا ندم.

............
 
لم تطور السلطة بدائل ملموسة أو حقيقية، فهي لم تُنعش مشروع المقاومة الشعبية، ولم تفتح أفقاً لوحدة وطنية، ولم تعيد تعريف علاقتها بالمؤسسات التمثيلية، حتى أن مبادراتها للإصلاح جاءت إما متأخرة أو مجزأة ومرتبكة.

תגים

שתף את דעתך

الطلقة الأخيرة ...

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.