تصدّرت القدس منذ اتفاق أوسلو عام 1993 مشهد المواجهة الأكثر تعقيدًا في السياق الفلسطيني-الإسرائيلي، حيث تسعى إسرائيل لفرض سيادة أحادية على المدينة عبر منظومة سياسات ثقافية وتعليمية وأمنية متكاملة، بينما يواجه الفلسطينيون هذا المشروع من خلال مبادرات شعبية ومجتمعية تفتقر إلى التأطير الرسمي.
تكشف المقارنة بين سياسات الطرفين عن فجوة بنيوية واضحة، فإسرائيل تتحرك ضمن استراتيجية طويلة المدى، في حين تظل المقاربة الفلسطينية رهينة ردود أفعال متفرقة، ومع ذلك، لا تزال القدس تنتج أدوات مقاومة ثقافية حية، تُبقي المواجهة مفتوحة.
يقدّم هذا المقال قراءة تحليلية مقارنة لمسار هذه المواجهة، عبر تتبّع السياسات الإسرائيلية ومظاهر المقاومة الثقافية الفلسطينية منذ أوسلو وحتى العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة (أكتوبر 2023)، لفهم كيف أصبحت الثقافة أداة مركزية في معركة السيادة على المدينة، وكيف باتت السياسات تُستخدم لإعادة تشكيل الواقع وفرض الرواية أو مقاومتها.
- الهيمنة الإسرائيلية: كيف تُعيد إسرائيل تشكيل القدس؟
حرصت إسرائيل منذ توقيع اتفاق أوسلو، على فرض سيادتها الكاملة على القدس بشقّيها الشرقي والغربي، مستفيدة من تأجيل حسم ملف المدينة إلى ما عُرف بمفاوضات "الوضع النهائي"، ومنذ ذلك الحين، عملت على تكريس واقع جديد على الأرض، عبر خطة ممنهجة لإعادة تشكيل المدينة ديموغرافيًا وثقافيًا ورمزيًا، بالاعتماد على أدوات سياسية وأمنية وتعليمية مترابطة، وتتجسّد أبرز هذه الأدوات في:
* أسرلة التعليم: من خلال فرض المنهاج الإسرائيلي تدريجيًا في مدارس القدس الشرقية، في محاولة لإعادة صياغة وعي الأجيال الفلسطينية بما يتماشى مع الرواية الصهيونية، وتغييب الذاكرة الوطنية وسردية النكبة.
* الاستيطان المكثف: طوّق الأحياء الفلسطينية بمستوطنات وبنى تحتية أمنية، لفرض وقائع ديموغرافية تُخلّ بالتوازن السكاني.
* مصادرة الفضاء العام: بتحويل الأسماء والمعالم والفعاليات إلى رموز إسرائيلية تطمس الهوية العربية الإسلامية والمسيحية للمدينة.
* إغلاق المؤسسات الرمزية: كما في حالة "بيت الشرق" عام 2001، لتقويض أي تمثيل فلسطيني رمزي داخل المدينة.
* التحكم بالتمويل الدولي: عبر قوانين رقابية صارمة تُقيّد الدعم الموجه للمؤسسات الثقافية الفلسطينية وتُضعف استمراريتها.
وقد تُوّجت هذه السياسات بما يُعرف بـالخطة الخماسية الإسرائيلية، بمرحلتيها (2018–2023) و(2024–2028)، والتي سُوّقت على أنها مبادرة تنموية لتحسين حياة الفلسطينيين في القدس، بينما تهدف فعليًا إلى دمجهم قسرًا ضمن المنظومة الإدارية والثقافية الإسرائيلية، عبر تمويل مشروط وضوابط بيروقراطية تعيق استقلالية المبادرات المحلية.
بهذا، تتحول التنمية إلى أداة هيمنة ناعمة، تُعيد إنتاج السيطرة لا من خلال القمع فقط، بل عبر "التطويع الناعم" للبنية المجتمعية، وهي مقاربة تنسجم بدقة مع مفهوم الهيمنة الثقافية كما صاغه أنطونيو غرامشي، حيث تُستخدم الثقافة لتثبيت السيطرة بدلًا من التعبير عن الذات.
- المقاومة المقدسية: مبادرات ثقافية تواجه الاحتلال
في مقابل المشروع الإسرائيلي المنظّم، تبرز المقاربة الفلسطينية في القدس كجهد مجتمعي تفككه التحديات وتوحده الإرادة، لكنه يفتقر إلى التخطيط المركزي والدعم المؤسسي المستدام، فبعد إقصاء منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية عن الفضاء المقدسي بفعل بنود اتفاق أوسلو والقيود الإسرائيلية المتصاعدة، أصبحت المبادرات الأهلية والشعبية هي خط المواجهة الأول، وإن بقيت خارج إطار مؤسسي منظم.
ورغم محدودية الموارد وشراسة الهجمة الإسرائيلية، نجحت القدس في إنتاج سلسلة من المبادرات الثقافية والمجتمعية شكلت نواة مقاومة مستمرة، من أبرزها:
* المؤسسات الثقافية الأهلية التي فعّلت الفضاء العام كمنصة للرواية الفلسطينية.
* البرامج التعليمية البديلة، التي هدفت لتحصين وعي الأجيال خارج المنهاج الإسرائيلي الخاضع للرقابة.
* مشاريع التوثيق الرقمي، مثل لكل ورقة حكاية، التي أرّخت الذاكرة الجماعية وسردت التاريخ من منظور مقدسي.
* الفعاليات الرمزية، كإعلان القدس عاصمة الثقافة العربية (2009) وعاصمة الثقافة الإسلامية (2019)، رغم محاولات القمع والمنع المتكررة.
* المبادرات الثقافية الميدانية مثل أطول سلسلة قراءة حول سور القدس (2014)، ومتحف الشارع، ومبادرة على السطح التي حولت الأسطح الصامتة إلى لوحات مقاومة تنبض بالحياة.
لكن هذه الجهود، رغم رمزيتها العالية، اصطدمت بعوائق بنيوية، أبرزها غياب التنسيق، وتعدد المرجعيات، وضعف الحاضنة الشعبية والرسمية، ما قلّل من قدرتها على تشكيل جبهة ثقافية موحدة في وجه سياسات الاحتلال، ومع ذلك، أثبت المجتمع المقدسي أنه الفاعل الحيوي في مشهد المقاومة الثقافية، من خلال استمراره في إنتاج أدوات رمزية ومعرفية تُجدد الهوية وتواجه محاولات الطمس، غير أن هذه الطاقة بحاجة ماسة إلى تأطير سياسي ومؤسساتي، يُحوّلها من فعل عفوي إلى مشروع ثقافي استراتيجي قادر على الاستدامة والتأثير.
- لحظات فاصلة: عندما يقود الشارع المواجهة
شكّلت القدس خلال العقد الأخير ساحة اختبار حقيقية لفعالية السياسات الإسرائيلية والمقاومة الفلسطينية، حيث برز الشارع المقدسي كلاعب رئيسي، مقابل غياب شبه تام للقيادة السياسية الرسمية، وقد أظهرت سلسلة من الأحداث الكبرى كيف يمكن للمبادرة الشعبية أن تفرض حضورها رغم اختلال موازين القوى، ففي عام 2014، فجّرت جريمة إحراق الطفل محمد أبو خضير هبة جماهيرية عفوية عمّت المدينة، دون غطاء سياسي فعّال، ثم جاءت هبة البوابات الإلكترونية عام 2017 لتشكل نموذجًا ناجحًا للمقاومة السلمية المنظمة، إذ أجبر الاعتصام الجماعي سلطات الاحتلال على التراجع عن إجراءاتها في المسجد الأقصى، وفي أحداث حي الشيخ جراح عام 2021، تحولت القدس إلى مركز الفعل الفلسطيني، ونجح الحراك الشعبي في استقطاب تضامن عالمي واسع، رغم بطء الاستجابة الرسمية، أما العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر 2023، فقد ترافق مع تصعيد قمعي غير مسبوق في القدس، استهدف المؤسسات الشبابية والمبادرات الثقافية بذريعة "التحريض"، ضمن محاولة ممنهجة لتجفيف منابع الوعي المقاوم.
تُظهر هذه المحطات أن المجتمع المقدسي بات الفاعل الأهم في معادلة المواجهة، عبر أشكال مقاومة سلمية مرنة، مبدعة، ومرتبطة بالسياق اليومي، لكنها مقاومة تظل مهددة بالتآكل ما لم تحظَ بتأطير واحتضان رسمي يعزز استمراريتها ويمنحها بعدًا استراتيجيًا يتجاوز لحظة الانفجار.
- ما العمل؟ من ردود الأفعال إلى خطة ثقافية واضحة
تكشف تجربة المواجهة الثقافية في القدس عن معادلة مختلّة: مشروع إسرائيلي منظم يتحرّك وفق خطة طويلة المدى، يقابله جهد فلسطيني تهيمن عليه ردود الفعل العفوية وضعف التنسيق المؤسسي، وفي ظل تصاعد التحديات، يبدو الاستمرار بهذا النمط مكلفًا سياسيًا وثقافيًا.
يتطلّب الواقع المقدسي اليوم تحولًا جذريًا في التفكير والعمل، يقوم على تجاوز الارتجال والمبادرات المعزولة، نحو بناء رؤية فلسطينية موحدة تؤسس لمشروع ثقافي سيادي قادر على مواجهة مشروع الهيمنة الإسرائيلية، ويبدأ ذلك من توحيد المرجعيات، وتفعيل المؤسسات، وإعادة الاعتبار للقدس كمركز للنضال الوطني، لا كمجال مهمّش.
كما بات الفضاء الرقمي ساحة مركزية للمواجهة، حيث لم تعد معركة الرواية أقل أهمية من معركة الأرض، والاستثمار في المحتوى الثقافي الفلسطيني الرقمي، المؤثر والموجّه، يشكّل إحدى أهم أدوات التأثير في الرأي العام العالمي، في السياق ذاته، يمكن توظيف الشراكات الثقافية الدولية بوعي سياسي، دون الوقوع في فخ التطبيع أو الخطاب الرمادي، فالمؤسسات الدولية، متى ما تم احتواؤها ضمن رؤية وطنية، قد تتحوّل إلى حليف ناعم يعزّز الحضور الثقافي الفلسطيني ويفضح سياسات الطمس، لذلك يجب ألا يُنظر لإحياء الفعاليات الرمزية الجماعية كمجرد مناسبات، بل كأدوات لحقن الوعي الوطني، وتجديد المعنى الجمعي للمقاومة الثقافية السلمية، وترسيخ حضور القدس كقضية لا تموت، بل تتجدد في الذاكرة والشارع.
- القدس اليوم: معركة رواية وهوية لا تنتهي
لا تنحصر المواجهة في القدس، في الجغرافيا أو ميزان القوى، بل تتجذر في عمق الهوية والوعي، فالتجربة أثبتت أن الاحتلال لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى لإعادة تشكيل الذاكرة، وتطويع الثقافة لخدمة روايته، المقابل، ورغم الغياب المؤسسي والتشتت السياسي، واصل المجتمع المقدسي إنتاج روايته الخاصة، عبر مبادرات ثقافية، وذاكرة رقمية، وتعابير فنية تُبقي المدينة حاضرة في الوعي والشارع.
يفرض هذا الواقع اليوم الحاجة إلى ما هو أبعد من الصمود الرمزي؛ إلى مشروع ثقافي وطني مؤطر، يحوّل الجهود المتفرقة إلى قوة استراتيجية متماسكة، قادرة على مواجهة التهويد الناعم وإعادة تعريف العلاقة مع المدينة باعتبارها مركزًا للسيادة، لا مجرد ساحة للمواجهة، فالقدس ليست فقط قضية سياسية مؤجلة، بل هوية تُخاض معركتها في كل صورة، كل قصة، وكل جدار يرفض الصمت، إنها مدينة تكتب روايتها من جديد، يومًا بعد يوم، وتؤكد أن معركة الوعي ما زالت مفتوحة... ولن تُحسم بسهولة.





שתף את דעתך
القدس تحت المجهر.. معركة وعي بلا مرجعية "بين أوسلو وعدوان أكتوبر 2023".. السياسات تصوغ مواجهة الثقافة والهوية