د. جمال حرفوش: تعثّر مفاوضات الدوحة نتيجة حتمية لسلسلة إخفاقات في الالتزام بمبادئ القانون الدولي الإنساني وقرارات مجلس الأمن
نهاد أبو غوش: القضية الفلسطينية لم تُطرح كشرط أساسي من الدول العربية المستضيفة لترامب لتطوير العلاقات الثنائية مع أمريكا
نعمان عابد: نتنياهو يماطل في المفاوضات لإطالة العدوان على الفلسطينيين وسط غياب ضغط أمريكي حقيقي
د. أمجد بشكار: إدارة ترامب تسعى لهدنة ذات أفق سياسي سقفها وقف الحرب بينما نتنياهو يريد هدنة مؤقتة دون التزام ينهي الحرب
ياسر مناع: نتنياهو يهدف لفرض معادلة "النصر المطلق" لإحباط أي محاولات للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار
عدنان الصباح: القضية الفلسطينية غائبة عن أولويات العالم وسط استمرار جرائم الاحتلال ولذلك لا نرى جدية بالمفاوضات
يعكس تعثر مفاوضات الدوحة حالة انسداد سياسي عميق، تنذر بتصعيد خطير قد يؤدي إلى كارثة إنسانية جديدة في قطاع غزة، في ظل التهميش للقضية الفلسطينية.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن هذا الفشل يضاف إلى سلسلة إخفاقات في الالتزام بمبادئ القانون الدولي الإنساني وقرارات مجلس الأمن، إلى جانب اتفاقيات جنيف التي تحمي المدنيين، كما أن هذا الواقع يفاقم المسؤولية القانونية والأخلاقية للأطراف الدولية والإقليمية، التي تبدو عاجزة عن ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل لدفعها نحو اتفاق ينهي الحرب الوحشية على القطاع.
ويشيرون إلى أنه في الوقت ذاته، تستمر تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتصعيد عسكري، بهدف فرض "النصر المطلق" وإحباط أي محاولات لوقف دائم لإطلاق النار.
ويؤكدون أن المفاوضات الجارية، بما فيها إطار خطة "ويتكوف"، تظهر افتقارًا لأي إشارة إلى وقف دائم للحرب، حيث يصر نتنياهو على هدنة مؤقتة تخدم أهدافه التكتيكية، مثل استعادة الأسرى، دون الالتزام بإنهاء الحرب، وبما يعزز من أجندته التوسعية، التي تهدف إلى جعل غزة غير صالحة للحياة وتهيئتها للتهجير القسري.
القرارات الأممية تم تهميشها بشكل منهجي
يقول البروفيسور جمال حرفوش، أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل، إن تعثّر مفاوضات الدوحة ليس إلا نتيجة حتمية لسلسلة طويلة من الإخفاقات في الالتزام بمبادئ القانون الدولي الإنساني وقرارات مجلس الأمن المتعلقة بالنزاعات المسلحة.
ويشير حرفوش إلى أن هذا الفشل يفاقم المسؤولية القانونية والسياسية والأخلاقية للأطراف الإقليمية والدولية، داعيًا إلى تحرك عاجل لمواجهة التصعيد المتوقع.
ويوضح حرفوش أن القرارات الأممية مثل (242) لعام 1967، التي تطالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، و(338) لعام 1973، التي تدعو إلى وقف إطلاق النار، و(1860) لعام 2009، التي تؤكد حماية المدنيين في غزة، إلى جانب المادة (3) المشتركة في اتفاقيات جنيف لعام 1949، التي تحمي المدنيين في النزاعات غير الدولية، تُشكل أسسًا قانونية تم تهميشها بشكل منهجي.
ويؤكد حرفوش أن هذا الإخفاق يضع الأطراف الدولية أمام خيارات حاسمة لإنقاذ مسار التفاوض ومنع كارثة إنسانية جديدة.
ويقترح حرفوش عدة خيارات للأطراف الإقليمية والدولية، تشمل تفعيل أدوات الضغط الدبلوماسي عبر إصدار قرارات ملزمة في مجلس الأمن، أو اللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرار "الاتحاد من أجل السلم" لعام 1950، الذي يتيح اتخاذ إجراءات في حال تعطّل المجلس بسبب الفيتو.
ويدعو حرفوش إلى فرض عقوبات دبلوماسية على إسرائيل، معتبرًا أنها الطرف المعرقل للمفاوضات بسبب استمرارها في تقويض العملية التفاوضية.
استخدام النفوذ الاقتصادي والسياسي
ويؤكد حرفوش أن الدول الفاعلة، مثل دول الخليج والاتحاد الأوروبي، يمكنها استخدام نفوذها الاقتصادي والسياسي عبر إعادة تقييم العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل، واشتراط أي تعاون مستقبلي بتحقيق تقدم ملموس في المفاوضات، وفق مبدأ "الشرطية السياسية".
ويشدد حرفوش على أهمية تفعيل الآليات القضائية الدولية، مثل تقديم ملفات إلى المحكمة الجنائية الدولية (ICC) تتعلق بجرائم الحرب والانتهاكات المنهجية ضد المدنيين، معتبرًا أن ذلك قد يشكل أداة ردع قانونية تدعم المسار التفاوضي.
ومن بين الحلول المقترحة، يدعو حرفوش إلى تعزيز التفاوض غير الرسمي من خلال توسيع الحوار غير المباشر بين الأطراف عبر وسطاء محايدين أو مؤسسات أكاديمية ومدنية، بهدف تهيئة بيئة سياسية ونفسية مواتية للحلول الرسمية، كما يقترح تقديم ضمانات دولية مكتوبة للطرف الفلسطيني لتعزيز الثقة، خاصة في ظل تكرار الخروقات الإسرائيلية.
ويحذّر حرفوش من خطورة تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، واصفاً إياها بأنها ليست مجرد تصريحات إعلامية، بل تعكس رؤية أيديولوجية تنكر الوجود الفلسطيني وتجرّم مقاومته، في تحدٍ للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تكفل حق الدفاع الشرعي، وللاتفاقيات الدولية التي تحظر استهداف المدنيين.
ثلاثة سيناريوهات محتملة
ويحدد حرفوش ثلاثة سيناريوهات محتملة: الأول هو التصعيد الشامل، الذي يراه الأكثر ترجيحًا بعد فشل مفاوضات الدوحة وتلويح نتنياهو بـ"حرب ضروس"، مما قد يؤدي إلى كارثة إنسانية وتهجير قسري يُعد جريمة ضد الإنسانية بموجب نظام روما. الثاني هو الضغط السياسي المشروط عبر عمليات عسكرية محدودة لابتزاز المقاومة، والثالث هو التهدئة المؤقتة لتحسين الصورة الدبلوماسية لإسرائيل قبل استئناف التصعيد لاحقًا.
ويؤكد حرفوش أن الحل السياسي لا يزال ممكنًا نظريًا، لكنه مشروط بإرادة دولية لفك الحصار السياسي على الفلسطينيين والاعتراف بحقوقهم، مثل تقرير المصير وحق العودة.
ويعتقد حرفوش أن التصعيد القادم لن يكون عسكريًا فقط، بل سياسيًا وقانونيًا وإعلاميًا، محذرًا من محاولات إعادة تعريف قواعد الاشتباك الدولية وتفريغ القانون الدولي من مضمونه عبر ازدواجية المعايير، مما يجعل النزاع معركة على شرعية القانون الدولي نفسه.
الإمكانيات لتحقيق اختراقات تبقى قائمة
من جانبه، يقول الكاتب والمحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي نهاد أبو غوش أن الحديث عن طريق مسدود في مفاوضات وقف الحرب الوحشية على قطاع غزة غير دقيق، مشيرًا إلى أن الإمكانيات لتحقيق اختراقات تبقى قائمة دائمًا.
ومع ذلك، يوضح أبو غوش أن نجاح هذه الاختراقات بالمفاوضات يعتمد على موقف القوى المؤثرة، وفي مقدمتها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يتمتع بنفوذ كبير على الكونغرس ويحمل زخمًا سياسيًا قويًا في بداية ولايته، ورغم زيارته الأخيرة للمنطقة، لم تظهر مؤشرات جدية على تحقيق تقدم ملموس في القضية الفلسطينية، التي بدت غائبة عن رأس سلم أولوياته.
ويشير أبو غوش إلى أن القضية الفلسطينية لم تُطرح كشرط أساسي من الدول العربية المستضيفة لترامب لتطوير العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة، حيث اكتفى الجميع بذكرها بشكل عابر ورمزي دون وضوح في الرؤية.
ويؤكد أبو غوش أن الدول العربية أبدت التزامًا بضرورة إنهاء الحرب ووقف جرائم الإبادة بحق الشعب الفلسطيني، لكن هذه المطالب لم ترتبط بشروط ملزمة في الاتفاقيات والمشاريع الاقتصادية التي أُبرمت خلال الزيارة.
خطة ويتكوف تفتقر إلى أي إشارة لوقف للحرب
ويعرب أبو غوش عن تفاؤل حذر استنادًا إلى الأحاديث عن أزمة في العلاقة بين ترامب ونتنياهو، حيث تجاوز ترامب إسرائيل في ملفات إقليمية مثل إيران، والحوثيين، وتركيا، إضافة إلى إطلاق سراح الأسير عيدان ألكسندر، وتصريحاته المتكررة التي وصفت الحرب بـ"الوحشية" وبلا جدوى.
ورغم ذلك، يؤكد أبو غوش أن هذه المؤشرات لم تترجم إلى ضغط أمريكي حقيقي على نتنياهو لإنهاء الحرب، مشيرًا إلى أن خطة "ويتكوف"، التي تُعد الإطار الوحيد المطروح، تفتقر إلى أي إشارة لوقف دائم للحرب.
ويعتقد أبو غوش أن الإدارة الأمريكية قادرة على فرض هذا الشرط لو أرادت، لكنها تتجنب ذلك حتى الآن، مما يعكس غياب إرادة سياسية واضحة.
ويحذر أبو غوش من التكهن بنتائج المحادثات الثنائية غير المعلنة، خاصة بين ترامب وأمير قطر، لكنه يشير إلى أن ترامب يتعمد تجنب الحديث عن القضية الفلسطينية، مركزًا بدلاً من ذلك على إيران، وأوكرانيا، وروسيا.
ويوضح أبو غوش أن نتنياهو يفضل سيناريو إطالة الحرب إلى أجل غير مسمى، بهدف جعل غزة غير صالحة للحياة، وتسهيل عمليات التهجير عبر تقسيم القطاع إلى مناطق منفصلة أو حصر السكان في مناطق محدودة محرومة من مقومات الحياة.
مرونة المقاومة الفلسطينية
ويؤكد أبو غوش أن هذا السيناريو يخدم أجندة نتنياهو التوسعية ويعزز بقاءه السياسي في مواجهة خصومه الداخليين، رغم تزايد المعارضة الإسرائيلية، حيث تشير استطلاعات إلى أن 75% من الإسرائيليين يؤيدون وقف الحرب لاستعادة الأسرى.
في المقابل، يشير أبو غوش إلى مرونة المقاومة الفلسطينية، التي قدمت تنازلات كبيرة في ملف الأسرى، وعبرت عن استعدادها لتسليم السلطة لجهة تكنوقراطية تحت إشراف السلطة الفلسطينية.
ويعتقد أبو غوش أن المقاومة سترفض أي مقترحات تتضمن تسليم الأسرى دون مقابل، أو تفكيك سلاح المقاومة، أو السماح بسيطرة إسرائيل على القطاع، معتبرًا أن هذه الشروط تهدف إلى تمكين الاحتلال من السيطرة الكاملة وتهيئة القطاع للتهجير.
ويؤكد أبو غوش أن المقاومة لن تقبل بخيارات تحرم الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم أو تمنح إسرائيل صلاحيات التدخل في نزع سلاحها، مشيرًا إلى أن إسرائيل تستخدم ذرائع "الأسلحة مزدوجة الاستخدام" لفرض سيطرتها على كل تفاصيل الحياة في غزة.
ويشير أبو غوش إلى صمت ترامب حول خطط التهجير، وعدم تأكيده أو نفيه لها، مع تجنبه الإشارة إلى حق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة، فيما يرى أبو غوش أن الدول العربية تتحمل مسؤولية عدم الضغط الكافي لانتزاع موقف واضح من ترامب بشأن وقف الحرب على قطاع غزة.
نتنياهو يرسل وفودًا تفاوضية بدون تفويض
بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي المختص بالعلاقات الدولية نعمان عابد أن استمرار رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في المماطلة والكذب خلال المفاوضات الجارية، يهدف إلى إطالة أمد العدوان على الشعب الفلسطيني، في ظل غياب ضغط امريكي حقيقي.
ويوضح عابد أن نتنياهو يرسل وفودًا تفاوضية دون منحها التفويض الكافي، في محاولة لكسب الوقت ومواصلة الجرائم التي تشمل القتل، وإعادة الاحتلال والاستيطان، والتطهير العرقي، والإبادة الجماعية، بهدف شطب القضية الفلسطينية.
ويشير عابد إلى أن حكومة نتنياهو قائمة على أيديولوجية القتل والتهجير، كما أن استمرار العدوان يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمصير نتنياهو السياسي.
ويؤكد عابد أن نتنياهو يدرك أن إنهاء الحرب يعني انتهاء حكومته، وبالتالي عودته إلى المحاكم والسجن بسبب التهم الموجهة إليه، لذلك، يرفض نتنياهو من تلقاء نفسه أي اتفاق لوقف إطلاق النار، مستفيدًا من غياب ضغط حقيقي من الولايات المتحدة والدول الغربية.
ويوضح عابد أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تبدي أي اهتمام بممارسة ضغط حقيقي على دولة الاحتلال الإسرائيلي وحكومة بنيامين نتنياهو لوقف عدوانها على الشعب الفلسطيني، حيث أن أمريكا تعتقد أنها حققت مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة، بما في ذلك إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي حامل الجنسية الأمريكية عيدان الكسندر، دون الحاجة إلى الضغط على نتنياهو، بل على العكس، فإن الإدارة الأمريكية أعلنت صراحةً عدم رغبتها في اتخاذ مثل هذه الخطوة.
أيام صعبة بانتظار الشعب الفلسطيني
ويعتقد عابد أن الوضع الحالي ينذر بأيام صعبة للغاية أمام الشعب الفلسطيني، حيث إن الخيارات المطروحة تقتصر إما على استمرار التصعيد أو هدنة قصيرة جدًا لا تؤدي إلى إنهاء الحرب على قطاع غزة، حيث أن غياب الضغط الأمريكي الحقيقي على حكومة الاحتلال، مما يتيح لنتنياهو مواصلة سياساته العدوانية دون مواجهة عواقب دولية ملموسة.
ويلفت عابد إلى أن ترامب يتبنى نهج "السلام عبر القوة" في التعامل مع مختلف الملفات الدولية، لكنه يستثني من هذا النهج ملف الحرب والاحتلال الإسرائيلي، كما أن ترامب وفريقه لم يعودوا يعتبرون الوضع في الأراضي الفلسطينية احتلالًا.
ويشير عابد إلى أنه رغم نهج الرئيس الأميركي ترامب بتبريد وحل النزاعات والحروب الدولية، ولكنه تجاهل حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وتجاهل الحلول السياسية للقضية الفلسطينية بما يلبي طموحات الفلسطينيين.
المواقف الدولية تقتصر على التنديد والشجب
ويشير عابد إلى عدم انتقال المواقف الدولية من مجرد التنديد والشجب إلى فرض عقوبات اقتصادية أو دبلوماسية على نتنياهو وحكومته، معتبرًا أن هذا التحول ضروري لإجبار الاحتلال على تغيير سياساته.
ويلفت عابد إلى أن نتنياهو يصور نفسه كزعيم يتحدى الضغوط الأمريكية، محاولًا تحويل دولة الاحتلال من كيان وظيفي تُملى عليه القرارات إلى دولة تُصنع سياساتها بنفسها، متجاهلة الإرادة الدولية.
ويحذّر عابد من أن حكومة الاحتلال ستواصل عدوانها على الشعب الفلسطيني، مع زيادة وتيرة الاغتيالات، والقتل، والتجويع، ما لم تواجه ضغوطًا دولية حقيقية.
ويدعو عابد المجتمع الدولي، وخاصة الوسيط الأمريكي، إلى العمل على وقف "المجزرة" في قطاع غزة، مؤكدًا أن ذلك لن يتحقق دون إرادة أمريكية واضحة تتجاوز الخوف على مصير نتنياهو السياسي، الذي يعتمد على استمرار الحرب والإبادة للبقاء في السلطة.
استراتيجية نتنياهو لإطالة أمد الصراع
من جهته، يؤكد أستاذ العلوم السياسية د. أمجد بشكار أن تصريحات رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة تعكس تصعيدًا موجهًا بالأساس لحكومته والقواعد اليمينية التي تشكل 30% من المجتمع الإسرائيلي المؤيد لاستمرار الحرب على قطاع غزة.
ويوضح بشكار أن نتنياهو يعتبر استمرار الحرب "خطًا أحمر" لبقاء حكومته، مشيرًا إلى أن نتنياهو يسعى لهدنة مؤقتة تخدم الأهداف الإسرائيلية، لكن بشروط ترفض وقف الحرب نهائيًا، مما يكشف عن استراتيجيته لإطالة أمد الصراع.
ويشير بشكار إلى أن الهدف قصير الأمد للعمليات العسكرية الإسرائيلية السابقة، التي جاءت بعد خرق وقف إطلاق النار، كان الدفع نحو هدنة تؤدي إلى إطلاق سراح جزء من الأسرى الإسرائيليين الأحياء.
ويوضح بشكار أن نتنياهو يركز على هدنة تتيح إطلاق سراح نصف الأسرى في مرحلة أولى، ثم استكمال إطلاق الباقين بنهاية الهدنة، لكنه يرفض أي مقترح، مثل مقترح "ويتكوف"، يتضمن إطلاق سراح خمسة أسرى ثم التفاوض لوقف الحرب على غزة.
الساعات الـ48 القادمة ستكون حاسمة
ويؤكد بشكار أن هذا الرفض يعكس إصرار نتنياهو على استمرار الحرب بعد الهدنة، وهو ما يؤكده يوميًا في تصريحاته.
ويعتقد بشكار أن الـ48 ساعة القادمة ستكون حاسمة لتحديد مسار المرحلة المقبلة، لكنه يشدد على أن المتغير الأساسي يكمن في التعارض الاستراتيجي بين الرؤية الأمريكية للشرق الأوسط، التي يقودها الرئيس دونالد ترامب، ورؤية نتنياهو واليمين المتطرف، وبينما يسعى نتنياهو للتصعيد والسيطرة المباشرة كقوة احتلال، كما يظهر في الضفة الغربية، غزة، لبنان، وسوريا، فإن ترامب يتبنى استراتيجية تركز على الشراكات الاقتصادية وتهدئة التوترات لتحقيق استقرار المنطقة.
ويوضح بشكار أن إدارة ترامب تسعى لهدنة ذات أفق سياسي سقفها وقف الحرب بينما نتنياهو يريد هدنة مؤقتة دون التزام ينهي الحرب.
ويشير بشكار إلى أن زيارات ترامب الأخيرة للسعودية وقطر والإمارات ركزت على المشاريع المشتركة، وهي رؤية تتعارض مع نهج نتنياهو التصعيدي.
إطلاق عيدان الكسندر وتصدع الموقف الإسرائيلي
ويلفت بشكار إلى أن إطلاق سراح الأسير عيدان الكسندر شكل "مفارقة عجيبة" تسببت في تصدع الموقف الإسرائيلي، خاصة فيما يتعلق بخطط توسيع العملية العسكرية في غزة.
ويوضح بشكار أن إسرائيل كانت تخطط لعملية واسعة بعد زيارة ترامب، تتضمن تهجير سكان شمال قطاع غزة إلى جنوبه، لكن هذه الخطط تم تعطيلها وتجميدها لإفساح المجال أمام مفاوضات جديدة.
ويؤكد بشكار أن الإدارة الأمريكية تسعى لهدنة ذات أفق سياسي يؤدي إلى وقف الحرب، بينما تريد الحكومة الإسرائيلية هدنة مؤقتة دون التزام سياسي ينهي الصراع.
ويعتبر بشكار أن نتنياهو يواجه مأزقًا حادًا، حيث تُظهر الإدارة الأمريكية تصميمًا غير مسبوق على خلق هدوء في المنطقة، معتبرة غزة بؤرة التوتر الرئيسية التي تؤجج الصراعات.
ويؤكد بشكار أن استمرار الحرب يتعارض مع رؤية ترامب لتصفير الحروب، مما يكشف عن عمق الخلاف بين نهج نتنياهو التصعيدي ورؤية الإدارة الأمريكية لاستقرار الشرق الأوسط.
تباين جوهري في رؤى الأطراف
ويرى الكاتب والمختص بالشأن الإسرائيلي ياسر مناع أن تعثر المفاوضات الجارية في الدوحة يعكس حالة انسداد سياسي عميق، ناجم عن تباين جوهري في رؤى الأطراف للاتفاق حول الأوضاع في قطاع غزة.
ويشير مناع إلى أن القول بانعدام الأفق السياسي قد يكون تقديرًا متسرعًا، حيث أن الوضع الحالي يقف على حافة تصعيد خطير، قد يترتب عليه تداعيات إنسانية كارثية في قطاع غزة.
ويوضح مناع أن الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها مصر وقطر، تملك مفاتيح للضغط، لكنها تبدو عاجزة عن التأثير بشكل كافٍ على إسرائيل لدفعها نحو الاتفاق.
ويؤكد مناع أن الضغط الحقيقي ينبغي أن يأتي من الولايات المتحدة، لكن انحياز الإدارة الأمريكية التقليدي لإسرائيل يعيق هذا الدور، رغم تصاعد الأصوات الداخلية المعارضة لهذا الانحياز في الولايات المتحدة.
ويشير مناع إلى أن تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باستئناف القتال بضراوة بعد انتهاء زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمنطقة ليست مجرد تصريحات عابرة.
وبحسب مناع، يسعى نتنياهو لاستغلال هذه الزيارة كرافعة سياسية تمنحه شرعية أمريكية، ولو رمزية، لشن عملية عسكرية واسعة النطاق في غزة.
فرض معادلة "النصر المطلق"
ويرى مناع أن نتنياهو يهدف من خلال سعيه لشن عملية عسكرية أوسع في غزة إلى فرض معادلة "النصر المطلق"، لإحباط أي محاولات للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار.
وفي سياق تحليله للسيناريوهات المحتملة، يحذر مناع من سيناريو خطير يتمثل في توسيع العمليات العسكرية الإسرائيلية للسيطرة على مساحات إضافية من قطاع غزة، مع إعادة توطين سكان القطاع في مناطق محددة، تمهيدًا لسياسة تهجير قسري.
ويوضح مناع أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى موجة نزوح جماعي غير مسبوقة، مع تداعيات إنسانية كارثية تهدد حياة عشرات الآلاف من الفلسطينيين.
أما السيناريو الثاني، فيعتبره مناع أقل احتمالًا ولكنه لا يزال قائمًا، فيتمثل في تأجيل التصعيد العسكري مؤقتًا، بانتظار ما ستسفر عنه المقترحات الأمريكية في إطار مفاوضات الدوحة.
ومع ذلك، يشدد مناع على أن احتمال التصعيد يبقى مرتفعًا، خاصة في ظل العوامل الضاغطة، وعلى رأسها الموقف الأمريكي بعد زيارة ترامب للدول العربية.
ويؤكد مناع أن المشهد الحالي قابل للضبط، شريطة توافر إرادة سياسية دولية صلبة قادرة على مواجهة التحديات ومنع الانزلاق نحو كارثة إنسانية جديدة في غزة.
القضية الفلسطينية غائبة عن أولويات المجتمع الدولي
بدوره، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن القضية الفلسطينية، بما في ذلك حرب الإبادة في قطاع غزة والمأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، تظل غائبة عن أولويات المجتمع الدولي، ولذلك لا نرى جدية بالمفاوضات، مشيرًا إلى أن زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة إلى المنطقة كشفت هذا الغياب بشكل واضح.
ويؤكد الصباح أن الخطاب السياسي خلال زيارة ترامب ركز على قضايا إيران ولبنان واليمن وأوكرانيا، بينما كانت القضية الفلسطينية "باهتة وضعيفة" ولم تحظَ بالاهتمام الذي تستحقه رغم حجم الكارثة الإنسانية والجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.
ويشير الصباح إلى أن المفاوضات الجارية بشأن غزة لا تستند إلى تطلعات الشعب الفلسطيني بإنهاء الحرب بشكل نهائي، بل تقوم على رؤية تهدف إلى وقف مؤقت لإطلاق النار يخدم أهداف الاحتلال الإسرائيلي، وفي مقدمتها استعادة أكبر عدد ممكن من الأسرى قبل استئناف الحرب. وأكد أن هذه الحقيقة تظهر بوضوح في استمرار مطالب الاحتلال دون تغيير، وفي الخطاب المشترك بين ترامب ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي يركز على قضية الأسرى ويغفل معاناة الشعب الفلسطيني.
الخلافات بين ترامب ونتنياهو مجرد أوهام
ويلفت الصباح إلى أن ترامب لم يشر ولو بكلمة واحدة إلى المأساة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون، ولم يتطرق إلى الجرائم التي يتعرضون لها، وبدلاً من ذلك، ركز خطابه على تصوير المقاومة الفلسطينية، بما في ذلك حركة حماس، كـ"إرهابية"، مع اتهام إيران وحزب الله وأنصار الله في اليمن بدعم الإرهاب.
ويشير الصباح إلى عدم وجود ضغط دولي أو عربي حقيقي، حتى لو كان دبلوماسيًا أو ناعمًا على ترامب، يجبر الاحتلال على وقف جرائمه.
ويعتبر الصباح أن التصورات حول وجود خلافات بين ترامب ونتنياهو أو قطيعة بينهما هي "أوهام" لا تعكس الواقع، مشددًا على أن المواقف المشتركة بينهما لا تزال قائمة، حيث يتحدث نتنياهو عن رؤية ترامب، ويردد ترامب خطاب الإفراج عن الأسرى دون أي إشارة إلى حقوق الشعب الفلسطيني.
ويؤكد الصباح أن أي توقعات بإمكانية التوصل إلى حل عادل عبر ترامب هي "خيال لا علاقة له بالواقع"، محذرًا من أن الاحتلال يؤجل التصعيد الشامل حاليًا لتحقيق مكاسب تكتيكية في المفاوضات، لكنه لن يتخلى عن أهدافه الاستراتيجية.





שתף את דעתך
تعثر المفاوضات.. نتنياهو يماطل لإطالة أمد الإبادة