في زنزانةٍ معتمة بسجن "عوفر" العسكري، يُكابد الصحفي المخضرم علي السمودي (58 عامًا) من جنين مصيره الجديد كـ"معتقل إداري" لمدة ستة أشهر، بقرارٍ من مخابرات الاحتلال لا يستند إلى تهمةٍ محددة ولا محاكمةٍ علنية، في مشهدٍ يلخّص سياسة القمع الممنهج ضد الصحافة الفلسطينية التي تحوّلت إلى أحدى أبرز أدوات حرب الإبادة المستمرة منذ ثمانية أشهر. ارتفاع عدد الصحفيين المعتقلين إداريًا إلى 20 صحفيًا، من بين 50 آخرين قيد الاعتقال، ليس مجرد رقمٍ عابرًا، بل هو مؤشرٌ على تحوّل إسرائيل من قتل الشهود إلى سجنهم، في محاولةٍ لطمس الرواية الفلسطينية وتكريس سردية القوة المُطلقة. قصة السمودي - الذي أمضى 35 عامًا في توثيق انتهاكات الاحتلال عبر عدسته - تُعيد إنتاج نفس السيناريو الذي عاشه عشرات الصحفيين قبله: اقتحام منزله فجرًا، تفتيشٌ عشوائي، مصادرة أجهزته، ثم إخطارٌ مختوم بشعار "سري للغاية" يُعلن اعتقاله إداريًا بذريعة "تهديد الأمن القومي"، دون تمكين محاميه من الاطلاع على الملف. هذه الآلية القضائية المُلغمة، التي تسمح بالاحتجاز لمدة 6 أشهر قابلة للتجديد إلى ما لا نهاية، تحوّلت إلى سلاحٍ استراتيجي لإسكات الأصوات، خاصةً مع تصاعد التقارير الدولية التي تُوثق استخدام القوات الإسرائيلية للقنابل العنقودية والهجمات المُستهدفة ضد المدنيين. الاعتقال الإداري ليس ظاهرةً جديدة، لكن تصاعُد وتيرته خلال الأشهر الأخيرة يكشف خطةً مُحكمة: فمنذ بدء الحرب الأخيرة على غزة، أضحت أي كاميرا تُوثّق الدمار في رفح أو خانيونس تُمثّل "جريمة" تستوجب السجن، وفق المنطق الأمني الإسرائيلي. تقارير "المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية" تُظهر أن 90% من الصحفيين المعتقلين تعرّضوا للتعذيب الجسدي والنفسي، بينما تُمنع عائلاتهم من زيارتهم تحت ذريعة "الوضع الأمني". المفارقة الأكثر قسوةً تكمن في تزامن هذه الاعتقالات مع قرار محكمة العدل الدولية الأخير الذي دعا إسرائيل إلى "منع أعمال الإبادة"، مما يطرح تساؤلاتٍ حول دور المجتمع الدولي في حماية الحقيقة. التاريخ يُعيد نفسه: في عام 1988، اعتقلت إسرائيل الصحفي محمد عودة إداريًا لمدة 3 سنوات دون تهمة، وفي 2003 اختُطف مراسل الجزيرة تيسير علوني من شوارع رام الله ليكون أول صحفي أجنبي يُحاكم عسكريًا، واليوم يُضاف السمودي إلى قائمةٍ طويلةٍ من الأقلام المُقيّدة. السؤال الذي يُلحُّ على الضمير العالمي: كم من العدسات يجب كسرها، وكم من الأقلام يجب إسكاتها، قبل أن تتحول الحرب على الصحافة إلى جريمة ضد الإنسانية؟ الجواب يكمُن في صمت السجون الإسرائيلية التي تبتلع شهود العيان، وفي تلك الكاميرات المحطمة التي ما زالت تُرسل إشارات استغاثة من تحت الأنقاض
ו 09 מאי 2025 10:09 am - שעון ירושלים
القلمُ مُكبَّلٌ: الصحفيون الفلسطينيون في مواجهة آلة الاعتقال الإداري الإسرائيلية سردية القمع المنظم ضد شهود العيان
بن معمر الحاج عيسى





שתף את דעתך
القلمُ مُكبَّلٌ: الصحفيون الفلسطينيون في مواجهة آلة الاعتقال الإداري الإسرائيلية سردية القمع المنظم ضد شهود العيان