ينتهي عند منتصف هذه الليلة عام ٢٠٢٤ الذي سيجمع آخر أوراقه ويرحل بعيداً، لكن أحداثه وكوارثه ومآسيه ستبقى حاضرة في الأذهان، لأنه كان عام الإبادة والاغتيالات بكل ما تحمله الكلمة من معنى، العام الذي واصلت فيه إسرائيل شن أكبر حرب في التاريخ على شعبنا الفلسطيني الأعزل، وتسببت بتدمير أكثر من ٨٠ بالمئة من منازل القطاع وقتلت وشردت الآلاف ومسحت آلاف العائلات من السجلات المدنية، وجعلت الحياة مستحيلة في بقعة جغرافية هي الأكثر كثافة سكانية في العالم، فأضحت الأكثر مأساة على مر التاريخ.
الأعوام هي أرقام فقط، تمر من خانة زمنية إلى خانة أخرى لتدون التسلسل الزمني الشاهد على الأحداث التاريخية الكبرى التي نطويها عاماً تلو الآخر، ونقف عندها بالتحليل والمناقشة، لرصد تأثيراتها على المجتمعات البشرية في كوكبنا الذي يشهد على معاناة لم يسبق لها مثيل، لندون حرب الإبادة على غزة في العام ٢٠٢٤ كأكثر الأحداث تراجيدية في العالم، حيث إن ارتداداتها كانت أقوى بكثير من الزلازل والبراكين، وحملت معها كل أنواع الانتهاكات والإجراءات القاسية والصعبة التي قامت بها إسرائيل بشكل يندى له الجبين.
تعجز الكلمات عن وصف العام، الذي كان بالنسبة لشعبنا الفلسطيني حارقاً وصادماً ومفجعاً وزلزالياً وبركانياً وقاتلاً ومهولاً وكارثياً ومخيباً ومدمراً وشيطانياً ومرعباً وظالماً ورهيباً ومؤلماً ودامياً.
كان عاماً للحزن سقطت فيه الأقنعة، ومات الضمير وجفت عروق الإنسانية من قلوب البشر، وتحولت إلى قلوب سوداء لم تنبض بذرة حب أو وفاء لفلسطين.
كان عاماً للخيانة والنذالة التي ظهرت على الملأ من خلال مؤامرة كونية كبيرة على شعبنا الفلسطيني ومقاومته الشريفة، ولم يجرؤ أحد لا من العرب ولا من الغرب بوقف إسرائيل ولجم عدوانها، بل على العكس كانت الهرولة نحو مؤتمرات الرِدة والانبطاح والاستسلام هي السائدة، وكل ما صدر ويصدر من تصريحات كانت للاستهلاك الإعلامي، من سفهاء لا يمتون بصلة للتاريخ والشرف والكرامة والمآثر التي غابت نهائياً.
لم تكن أحداث العام ٢٠٢٤ مفاجئة بالنسبة لشعبنا الفلسطيني، المضطهد والمحتل والمظلوم، إلا أنها كانت صادمة بتأثيراتها وأهدافها التي كانت واضحة، وأشارت إلى بوصلة انتقام من شعبنا، قادتها إسرائيل ومحور الغرب بقيادة الولايات المتحدة، وسط صمت دولي وعربي رهيب، ولم يكن الهدف هو القضاء على المقاومة فحسب، وإنما على كل مقدرات حياة شعبنا الفلسطيني، وما العدد الصاخب من الشهداء من الأطفال والنساء والذي زاد عن نصف عدد الشهداء الاجمالي، والعقوبات المتتالية من حصار واخلاء وتهجير وحملات التطهير العرقي الممنهجة والتجويع والاعتقالات وتدمير المستشفيات والمراكز الصحية والطبية وحرق خيام النازحين وتدمير المنازل والمباني والمنشآت، إلا دليل على ذلك، فالحرب على شعبنا متواصلة منذ نكبة عام ١٩٤٨ وارتفعت وتيرتها في العام ٢٠٢٤ الذي يعتبر عام النكبات والكوارث بامتياز.
ندهت غزة وصرخت ونادت بأعلى صوتها في عام كامل مضى لعلها تجد إجابات أو آذاناً صاغية، إلا أن جميع من سمعوا النداء قرروا عدم الجواب فبقيت غزة لوحدها تشكي للزمن آلامها وجراحها وأوجاعها، وهي تعيش بجوار البحر وتعشق الحياة، لكن فراشها الموت ولحافها السماء، ولا مجيب للنداء.





שתף את דעתך
تمر الأعوام وتبقى الآلام