يمكن تسجيل انتصارات إذا عملنا بطريقة علمية مدروسة
قضم 24 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية لصالح التوسع الاستيطاني يعتبر جريمة حرب
ما ترتكبه إسرائيل في غزة انتهاكات جسيمة ترقى إلى مصاف جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية
يجب رصد وتوثيق الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي الإنساني كونها لا تسقط بالتقادم وتشكل مادة مساءلة على المدى البعيد
على الاتحاد الأوروبي وقف وإنهاء الاتفاقيات التجارية مع إسرائيل بسبب انتهاكها حقوق الإنسان في فلسطين
قال د. ياسر العموري، أستاذ القانون الدولي في جامعة بيرزيت، في حديث لــ"ے": إن عملية الضم التي أعلن عنها وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش أخيراً والقاضية بمصادرة 24,000 دونم من أراضي الضفة الغربية، أي ما يعادل نحو نصف المساحة التي تمت مصادرتها منذ اتفاق أوسلو، تعتبر وفق القانون الدولي انتهاكاً جسيماً يرقى لمصاف جرائم الحرب.
وأضاف: " لو عدنا إلى المادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، لوجدنا أنها تتحدث عن انتهاكات ترقى إلى مصاف الجرائم العظمى التي تساءل عنها دولة الاحتلال، ومن ضمنها مصادرة الأراضي والمشاريع الاستيطانية بما يمثل عدواناً على الأراضي وعلى الإنسان، يعيق من حق تقرير المصير للشعب المحتل، لذلك فإن الاستيطان بحد ذاته يعتبر جريمة حرب، ونقل مواطني دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة كذلك يعتبر جريمة حرب، وبالتالي نحن نقول "إن لا أساس قانونياً لكل هذه الإجراءات، وأكثر من ذلك إسرائيل تتحمل المسؤولية الدولية عن هذه الانتهاكات".
هذه المقابلة التي خصت بها "القدس"، أجرتها الدائرة الإعلامية في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس، وذلك في مكتب العموري بجامعة بيرزيت.
مسؤوليات دولة الاحتلال تجاه الإقليم المحتل
وتابع: إن أحكام وقواعد القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقيات القانون الدولي العام، والقانون الدولي الإنساني، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف لعام 1949، وتحديداً اتفاقية جنيف الرابعة، تحدد ماهية مسؤوليات وطبيعة مسؤوليات دولة الاحتلال باتجاه الإقليم المحتل، والتي تبين بشكل واضح وصريح أن لا سلطة قانونية، ولا سيادة لدولة الاحتلال على الإقليم المحتل، وكل ما تمتلكه دولة الاحتلال هو تسيير الواقع المعيشي للإقليم المحتل من أجل ضمان الأمن، وضمان تقديم الخدمات التي تلتزم بتقديمها نتيجة وجود الاحتلال كحالة مادية.
وأضاف العموري: بمعنى أن الاحتلال هو حالة مادية وليس حالة قانونية، يحول دون أن يمارس الإقليم المحتل سلطاته على المنطقة المحتلة، لذلك تنتقل عملية تسيير الأعمال إلى السلطة القائمة بالاحتلال دون أن يكون لها حق بالسيادة على الإقليم المحتل، ومعنى ذلك إنه يتوجب على دولة الاحتلال استمرار العمل بالنظام القانوني الساري في الأرض المحتلة، حيث تفرض المادة (43) مـن اتفاقية لاهاي لعام 1907 "على قوة الاحتلال احترام القوانين السارية فـي الـبلاد، إلا فـي حالـة الضرورة القصوى التي تحول دون ذلك"، وتكمل المادة (64) من اتفاقية جنيف الرابعة ما جاءت عليـه اتفاقيـة لاهاي، حيث تضيف بأنه يجب أن تبقى التشريعات الجزائية السارية نافذة، إلا في حالات استثنائية محددة، مما يعني ضرورة استمرارية القانون المحلي في النفاذ، وبالتالي لا يجوز للسلطة القائمة بالاحتلال أن تمارس أي مظهر من مظاهر السيادة على الإقليم المحتل، كفرض نظامها القانوني او القضائي او مصادرة الأراضي، أو أي مظهر من مظاهر السيادة التي لا تمتلكها بالأصل. هذا هو موقف القانون الدولي باتجاه الأراضي المحتلة بشكل عام.
اما بخصوص الحالة الفلسطينية على وجه الخصوص، فهناك مجموعة كبيرة من قرارات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية تحدد المركز القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة في الخامس من حزيران عام 1967 والتي تشمل (الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة)، وتعتبرها أراضي محتلة ينطبق عليها احكام وقواعد القانون الدولي الإنساني، بما فيها اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وعلى رأسها اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بـ " حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب"، وهذا ما جاء في الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بخصوص الجدار الفاصل عام 2004، والذي تم التأكيد عليه حديثاً في تموز 2024، في الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية القاضي بعدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة، ومعنى ذلك واستناداً لكل ما سبق تفصيله من أسانيد قانونية، نجد أن كل ما تقوم به الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بما فيها موضوع الضم الأخير مخالف للقانون الدولي، ويشكل انتهاكا جسيماً للقانون الدولي الإنساني.
مساءلة إسرائيل يجب أن تكون ضمن استراتيجية قانونية متكاملة
وحول مساءلة إسرائيل على هذه الانتهاكات والمخالفات قال العموري: يجب أن تتضمن المساءلة استراتيجية متكاملة، منها المساءلة السياسية أمام المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، عبر ما هو متاح، مثل الجمعية العامة، أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي، أو مجلس حقوق الإنسان، والمنظمات الإقليمية، مثل الاتحاد الأوروبي، الذي يشترط عدم وجود أي اتفاقيات ذات طابع تجاري مع أي دولة من الدول التي تنتهك حقوق الإنسان، أو لا تحترم القانون الدولي الإنساني، وكذلك يمكن لنا أن نسائل إسرائيل من خلال التوجه إلى الاتحاد الأوروبي، ومطالبته بتنفيذ قوانينه وتطبيقها في العلاقة الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية مع الجانب الإسرائيلي، كما ان المساءلة السياسية الدبلوماسية لها أوجه عديدة، وباعتقادي إنها مهمة، أما المساءلة القانونية، فيمكن ان تتمثل بأكثر من جانب، فيمكن الحديث عن المساءلة القانونية في المنظمات الدولية وباتجاه المجتمع الدولي.
وتابع: "بالتالي يمكن الآن الحديث عن ثلاثة أنواع من المساءلة ذات الطابع القانوني وهي: التوجه إلى المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، من خلال التوجه إلى أجهزتها الرئيسة من أجل استصدار قرارات ذات طابع تنفيذي، وهنا لا بد من التأكيد على أهمية وضع خطة عمل متكاملة في هذا المضمار. وعدم الاكتفاء بالوصول إلى مشاريع قرارات أو قرارات تصدر عن الجمعية العامة فقط رغم أهميتها. إلا أن الحلقة التي تمثل المساءلة القانونية يمكن أن تكتمل بالتوجه إلى مجلس الأمن، رغم الإمكانية الأكبر بمواجهة الفيتو الأميركي أو الفيتو الغربي. وفي ذات السياق يمكن العمل على تفعيل قرار الاتحاد من أجل السلام والذي يمنح الجمعية العامة اختصاصات مجلس الأمن، بذات الإمكانيات المتاحة للمجلس دون إمكانية استخدام حق الفيتو من قبل الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس.
وأضاف: "باعتقادي إن ذلك يمكن أن يشكل أحد أدوات المساءلة لإسرائيل. ومن ضمن أدوات المساءلة أيضاً، المساءلة أمام المنظمات الدولية المتخصصة، مثلا اليونيسكو، وغيرها من الوكالات، ونحن نعي تماماً أن إسرائيل تخشى المواجهة وخاصة في المنظمات الدولية حتى لا يتم التضييق عليها في الساحة الدولية التي كانت معتادة على تحقيق مكاسب فيها من خلال فرض سياساتها وتحالفاتها التي كانت تعتمد على فراغ هذه الساحات لصالح الرؤى الإسرائيلية وحلفائها من الدول الغربية، فإصدار قرارات تحظر التعامل مع إسرائيل في الجانب السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي أو غيرها من المجالات، يعني تضييق الخناق على السياسة الإسرائيلية على المستوى الدولي ويحجم السياسة الإسرائيلية ويضر بمصالحها الدولية، ويمكن أن تكون المساءلة عبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والوكالات الدولية المتخصصة ذات الطابع الاقتصادي، بتضييق العمليات التجارية ضمن ضوابط القانون الدولي الإنساني الذي يفرض على الدول عدم عقد صفقات تجارية أو أي نوع من أنواع التعاون الاقتصادي مثل السلع التي مصدرها المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية مثلاً. كما يمكن أن تكون المساءلة كذلك عبر مجلس حقوق الإنسان في جنيف والمنظمات الحقوقية الدولية التي تختص بحقوق الانسان.
واستطرد: بالتالي هناك أدوات كثيرة للمساءلة القانونية يمكن العمل على تفعيلها ضمن خطة المواجهة القانونية. هذا بالإضافة إلى أن المادة الأولى "مشترك" من اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، تضع التزاماً قانونياً على أعضاء المجتمع الدولي "الأطراف السامية المتعاقدة بالاتفاقيات" بضرورة تحمل التزاماتها القانونية باحترام وكفالة احترام هذه الاتفاقيات وعدم تشجيع أي من الدول على انتهاكات القانون الدولي الإنساني التي يرتكبها الغير، بل أكثر من ذلك عليها أن تتخذ حيالها تدابير محددة لوقف الانتهاكات والمشاركة الفاعلة لمنع وقوعها، أي أن مسؤولية منع إسرائيل من الاستمرار بانتهاكاتها للقانون الدولي الإنساني تقع على كل أعضاء المجتمع الدولي وليس على فلسطين، كونها تمثل مسؤولية مشتركة لكل الأطراف في اتفاقيات جنيف، الذين يقع عليهم دور مهم وأساسي في منع الانتهاكات بموجب التزاماتها التعاهدية.
ونوه إلى أن هذه الخيارات القانونية متاحة، ويمكن وضعها ضمن خطة استراتيجية قانونية متكاملة، وأكثر من ذلك هناك إمكانية للمساءلة القضائية عبر ما يعرف بالاختصاص العالمي أو الولاية الجزائية الدولية بموجب المادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة، والتي تتيح لمن يقترف بحقهم انتهاكات جسيمة ترقى إلى مصاف جرائم الحرب أو جرائم ضد الإنسانية، أو جرائم إبادة جماعية، أن يتوجهوا إلى القضاء الوطني للدول التي تسمح أنظمتها القضائية بمحاكمة مقترفي هذا النوع من الانتهاكات، حتى لو كان الضحية أو الجاني ليس من مواطنيها، أو الفعل الجرمي ليس واقعاً على أراضيها. ومثال على ذلك ما حدث في قضية وزيرة خارجية إسرائيل السابقة "تسيفي ليفني" في القضية التي سجلت ضدها في بريطانيا، وكما حدث مع وزير الحرب الإسرائيلي السابق "بنيامين بن اليعيزر" في القضية التي سجلت ضده في إسبانيا، هذا بالإضافة الى مجموعة من المسائل التي يجب أن يبنى عليها في المساءلة القضائية، سواء أمام محكمة العدل الدولية حيث تنظر في القضية المرفوعة أمامها ضد إسرائيل من قبل جنوب أفريقيا، على خلفية ارتكاب جرائم إبادة جماعية في قطاع غزة، وكذلك ما يحدث الآن أمام محكمة الجنايات الدولية ومذكرات الاعتقال التي صدرت بحق غالانت ونتنياهو.
إمكانية اعتقال نتنياهو وغالانت
ورداً على سؤال حول إمكانية تنفيذ مذكرات الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت، قال العموري: "دعني أقول أن محكمة الجنايات الدولية هي منظمة قضائية مستقلة نشأت بموجب معاهدة دولية جماعية تعرف بنظام روما المنشئ للمحكمة، والذي دخل حيز النفاذ في العام 2002 ، وهو عبارة عن اتفاقية جماعية انضمت إليها 123 دولة، والأطراف السامية المتعاقدة في هذه الاتفاقية يفرض عليها، بموجب ما يعرف بمبدأ "نسبية آثار المعاهدات"، أن تخضع لكل ما جاء في هذه الاتفاقية من الناحية القانونية، ويجب على كل الدول الأطراف التعاون مع المحكمة بكل ما تصدره من أجل تنفيذ قراراتها والقيام بواجباتها بمقتضى الاتفاقية. ونستطيع القول إنه ومن حيث المبدأ، يجب في حال وصول أي من المتهمين إلى أي بلد من البلدان الــ 123 أن تصدر قرارات بإلقاء القبض عليهم بهدف تسليمهم للمحكمة، وفي حال عدم التسليم فإن الدولة المخلة بذلك تتحمل المسؤولية القانونية بموجب الاتفاقية، مع العلم أنه لا يوجد لدى المحكمة شرطة قضائية تنفيذية منتشرة في دول العالم، وإنما الشرطة أو الأجهزة الأمنية الداخلية للأطراف المتعاقدة يجب عليها أن تمتثل لقرار المحكمة بموجب الالتزام التعاهدي الوارد بنظام روما. أما من الناحية الواقعية، فهل يمكن لدولة ما أن لا تمتثل لذلك؟ للأسف لأسباب سياسية يمكن أن يقع ذلك، ولكنها تبقى تحت طائلة المسؤولية القانونية.
القانون الدولي بمفرده ليس كافياً لتحقيق طموح الفلسطينيين
ورداً على سؤال، إن إسرائيل من ناحية قانونية في حالة حرجة وفي أزمة حقيقية وجدية مع المجتمع الدولي؟ أجاب أستاذ القانون الدولي في جامعة بيرزيت: دعني أقول إن القانون الدولي وحده ليس كافياً من أجل تحقيق طموح الشعب الفلسطيني في التحرر وتقرير المصير، فالأدوات القانونية هي عامل مساعد من عدة عوامل يجب تجنيدها لصالح العمل الوطني السياسي- الدبلوماسي الفلسطيني، ويجب استغلال هذه الأداة بشكل فاعل، فالقانون الدولي أداة من الأدوات السياسية، وليس بديلاً بمفرده عن الأدوات الأخرى. لذا أعتقد ان هذه الأداة مهمه جداً ولكن يجب أن لا تكون بديلاً عن الأدوات النضالية المشروعة والمسموح بها قانوناً، وبالتالي يجب التركيز عليها دون إهمال الأدوات الأخرى.
وأضاف: "السبب في ذلك، أن إسرائيل دوما تخشى من المواجهة على المستويين القانوني والقضائي الدولي، وقد أثبتت التجربة في السنوات الماضية إمكانية محاصرة إسرائيل من الناحية القانونية على الساحة الدولية وخاصة أن انتهاكاتها للقانون الدولي متعددة وواضحة ولا تحترم الاتفاقيات الدولية عامة واتفاقيات حقوق الإنسان خاصة. وعليه، نعم إسرائيل تخشى من المواجهة القانونية والقضائية، كونها الخاسر في هذا النوع من المواجهات، لذلك كانت دوماً تساوم على عدم التوجه إلى المؤسسات الدولية عامه والقضاء الدولي خاصة. وهنا علينا أن لا نربط المسار السياسي بالمسار القانوني أو القضائي، فالمسار السياسي من مفاوضات ومبادرات تسوية، يمكن أن تخضع للمصالح أو التجاذبات السياسية، أما المسار القانوني، فهو مسار حقوقي، ولا يجب أن تتم المساومة عليه (فالحقوق لا يساوم عليها). وبالتالي إذا ما تمترس الشعب الفلسطيني والقيادة الفلسطينية خلف هذا المفهوم، ستكون إسرائيل خاسرة بشدة في هذه المسار وستدفع الثمن، والدليل على ذلك أن دولاً تربطها علاقات استراتيجية تاريخياً مع إسرائيل، أصبحت الآن تراجع اتفاقياتها الاقتصادية معها كدولة احتلال.
وتابع: هناك بعض الدول تعمل على مراجعة بعض الاتفاقيات ذات الطابع العسكري معها. وهناك دول أعلنت بشكل واضح وصريح مقاطعتها، ومنها دول أوروبية للبضائع الإسرائيلية التي تكون مصدرها الضفة الغربية أو المستوطنات. وهذا ليس فقط انتصاراً للحق الفلسطيني، وإنما بسبب الخوف من أن تصبح هذه الدول شريكة في انتهاكات وجرائم تساءل عنها لاحقاً، لأن هذه الجرائم في أغلبها إن لم يكن جلها تمثل جرائم لا تسقط بالتقادم.
استراتيجية متكاملة على المستويات الرسمية والأهلية والشعبية
وحول المطلوب رسمياً وشعبياً من أجل إحراج إسرائيل أكثر فأكثر أمام المجتمع الدولي، وأمام المحكمة الجنائية الدولية قال العموري: فلسطينياً علينا أولا أن نعي دور وأهمية القانون والقضاء الدولي بشكل دقيق، ويجب أن نضعه في مكانه الصحيح، بحيث لا نبالغ ولا نقلل من أهميته. فالبعض يعتقد أن القانون الدولي أو المؤسسات الدولية هي التي يجب ان تنتصر بشكل منفرد للحقوق الفلسطينية، وعليها ان تجلب الحقوق للفلسطينيين دون أية أدوار نضالية أخرى يجب القيام بها من قبل أصحاب الحق، وهذا باعتقادي مبالغ به وليس بصحيح. وأضاف: نعم لأن القانون الدولي هو عبارة عن أداة من الأدوات التحررية، إن صلح استخدامه كانت له نتائج إيجابية، ولكن إن أسيء استخدامه لن يثمر عن أي شيء، وبالتالي يجب أن نضع ذلك بالاعتبار وفي فهمنا لمكانة القانون الدولي كأداة تحررية، وألا تكون هي الأداة التي نراهن عليها فقط. أما ما هو الدور المطلوب فلسطينياً، فيجب أن تكون هناك خطة متكاملة للمواجهة تستند إلى القانون الدولي من جهة، وإلى الأدوات النضالية الأخرى سياسياً وميدانياً من جهة أخرى، لأنه في نهاية المطاف لا تستطيع أن تحقق أهدافك بدون مصادر قوة تستند عليها.
وأضاف: علينا أن نضع استراتيجية متكاملة على المستويات الرسمية والأهلية والشعبية. فرسمياً، باعتقادي أن علينا أن نفعل أدواتنا المتاحة بطريقة أفضل، بحيث تكون لدينا استراتيجية قانونية لتفعيل أدوات المساءلة التي تحدثنا عنها في بداية هذا اللقاء، سواء المساءلة السياسية على مستوى المنظمات الدولية، أو المجتمع الدولي، وهذه الأدوات يجب أن تكون لدى القيادة السياسية واضحة ضمن برنامج وخطة عمل متكاملة، وضمن فرق تعمل على تنفيذها، بغض النظر عن الوضع السياسي الذي يمكن أن يكون فيه انفراج أو عدم انفراج. وعلى المستوى الأهلي وخاصة المنظمات الحقوقية التي تعمل في مجال حقوق الإنسان، باعتقادي إنها بحاجة لوضع خطة متكاملة أيضا، لخدمة الهدف المراد، ويجب التنويه إلى أن هناك جهوداً إيجابية في الرصد والتوثيق والتقارير الدولية، ومساعدة لجان تقصي الحقائق. ولكن يجب علينا أن نركز أكثر على مسألة التوثيق. حيث أن الكثير من الجرائم التي تقترف والانتهاكات الجسيمة من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، إذا لم يتم توثيقها بالطريقة التي تستدعيها الإجراءات والمحددات القانونية الدولية، تكون مادة صالحة للنشر على الصعيد الإعلامي أكثر من كونها تشكل دلائل قانونية للمساءلة.
وتابع: أؤكد على أن هذه المسألة مهمة جداً، لأن التوثيق القانوني السليم لجرائم لا تسقط بالتقادم يفيد على المدى البعيد، فلذلك يجب التركيز على مسألة التوثيق والرصد لهذه الانتهاكات من قبل منظمات المجتمع الأهلي. وعلى المستوى الشعبي كذلك، علينا أن نوزع الأدوار، ونؤمن بأن من أدوات التغيير الدولي هو الرأي العام العالمي، بحيث يجب أن نرتقي في خطابنا له حتى يكون خطابا يفهمه المجتمع الدولي وهو الخطاب القانوني، الخطاب الحقوقي، الخطاب المنتصر لحقوق الإنسان. ويجب أن نعمل ضمن خطة إعلامية ورؤية أوسع لتطوير الخطاب الذي لا يستجدي الحقوق وإنما يستند إليها، أي خطاب يساوي بين الحقوق لكافة المخاطبين بها على المستويين العالمي والدولي.
التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية
وردا على سؤال: هل التضامن الشعبي في دول العالم مع القضية الفلسطينية ومع الشعب الفلسطيني في ضوء استمرار المجازر في قطاع غزة والعدوان الإسرائيلي في الضفة الغربية، وتحديداً في قضية الاستيطان يصل إلى المستوى المطلوب؟ قال العموري: المطلوب فلسطينياً تعزيز وتكثيف هذا التضامن. ومما يسجل لصالح الحراك الحقوقي الفلسطيني سواء الرسمي أو الأهلي أو الشعبي، أننا أصبحنا نستطيع النفاد إلى المجتمع الدولي وإلى الرأي العام العالمي بطريقة أفضل مما كنا عليه سابقا، وساهم في ذلك أن المجتمع الدولي أصبح الآن قرية صغيرة بسبب التقدم التكنولوجي، ولذلك فقد أصبحنا لا نشعر بالعزلة التي كانت مفروضة علينا من قبل المجتمع الدولي نتيجة البروبوغندا الإسرائيلية في العالم، إذ أن الذي كان يخاطب خاصة المجتمع الغربي تاريخياً هم الإسرائيليون أو اللوبي الصهيوني المتحكم في المؤسسات الإعلامية على الصعيد الدولي، وكان الحضور الفلسطيني بها متواضعاً نوعاً ما، ولكن تغير المفاهيم الرسمية، في بعض الأحيان لدى بعض دول العالم أو المؤسسات الأهلية والحقوقية ساهم في توضيح الصورة أكثر. ومثال ذلك ما حصل في مدريد وفي باريس وفي لندن وفي غيرها من عواصم دول العالم.
وأضاف: هذا كله باعتقادي أتى نتيجة تطور في الفهم لعدالة القضية الفلسطينية، وأصبح المجتمع الدولي، والرأي العام العالمي، يسمع رأياً مخالفاً لما اعتاد عليه، ويمكن البناء على ذلك أكثر من خلال الانخراط في المؤسسات الدولية، سواء مؤسسات حقوقية أو مؤسسات إعلامية، أو مؤسسات ذات طابع ثقافي أو غيره، لذلك الحضور الفلسطيني في اليونيسكو مثلاً يمثل حالة مهمة جداً، لأن هذه المنظمة تعنى بالثقافة والتراث العام العالمي. وإلى غير ذلك فالحضور الفلسطيني في مؤسسات حقوقية مثل مجلس حقوق الإنسان يمثل تقدماً كبيراً، لأن البند الفلسطيني أصبح من البنود الثابتة على جدول أعمال المجلس. كما أن الحضور الفلسطيني حتى البرلمانات الخاصة بالدول أصبح أفضل بكثير مما كان عليه، لذا هناك تقدم ويجب البناء عليه.
الوصف القانوني للوضع في غزة
ورداً على سؤال كيف يرى أو يقيم ما يجري في قطاع غزة من وجهة نظر قانونية؟ أجاب أستاذ القانون الدولي في جامعة بيرزيت: نحن نعي أن القطاع محاصر منذ سنوات طويلة من قبل إسرائيل من ناحية البحر والجو والبر، لذلك القطاع ومنذ الانسحاب الأحادي من قبل إسرائيل في سبتمبر- ايلول 2005، والذي تم على شكل - إعادة انتشار - لم يتغير مركزه القانوني، وبالتالي يعتبر قطاع غزة أرضاً محتلة تنطبق عليها اتفاقيات القانون الدولي الإنساني وعلى رأسها اتفاقية جنيف الرابعة. أما التوصيف لما يجري من انتهاكات جسيمة في القطاع، فيمكن لنا القول إن القطاع تعرض إلى مئات الانتهاكات الجسيمة التي يمكن أن نضعها ضمن ثلاثة تصنيفات قانونية هي: انتهاكات ترقى إلى مصاف جرائم الحرب، وانتهاكات ترقى إلى مصاف جرائم ضد الإنسانية، وانتهاكات ترقى إلى مصاف جرائم إبادة جماعية، إذ أن التكييف القانوني ما بين هذه التصنيفات دقيق ويدخل في تعقيدات لا ضرورة لتفصيلها حالياً، لأن العامل الجوهري ما بين تصنيف وآخر، يدخل في ما نسميه بالركن المعنوي، أي الركن القصدي، أي ماذا أريد من الفعل الجرمي.
وأضاف: عليه وفي ذات السياق، نرى أن ما قام به السيد كريم خان، مدعي عام محكمة الجنايات الدولية من خلال الطلب من المحكمة إصدار أوامر اعتقال بحقّ نتنياهو وغالانت بسبب المشاركة في جرائم حرب متمثلة في التجويع كأداة من أدوات الحرب، وتوجيه هجوم متعمّد ضد السكان المدنيين، وجرائم ضد الإنسانية متمثلة في القتل والاضطهاد وغيرها من الأعمال اللاإنسانية، يؤكد على ذلك. هذا إلى جانب الدعوى المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية من دولة جنوب أفريقيا ضد إسرائيل والتي تتهمها فيها بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في غزة، وبالتالي نستطيع أن نقول أن ما يجري في القطاع انتهاكات جسيمة ترقى إلى مصاف جرائم حرب وجرائم إبادة الجماعية.
شكاوى فردية لدى المحاكم الدولية
وعما إذا كان باستطاعة المواطن الفلسطيني أن يتقدم بشكاوى فردية لدى محكمة الجنايات الدولية أو أي محكمة دولية أخرى؟ قال العموري: إن محكمة الجنايات الدولية تمثل النظام القضائي الجنائي الدولي الكلاسيكي، وعملها محكوم بموجب اتفاقية دولية، أطرافها هي الدول، ومعنى ذلك أن الدول هي التي تتبنى الانتهاكات سواء تعرض لها فرد أو مجموعة من الأفراد أو تعرضت لها جماعة أو حتى الأعيان، سواء أعيان مدنية أو أعيان ثقافية أو غيرها، وهي التي تقوم بتحريك طلب لدى مكتب المدعي العام، أو تسجيل الدعوى لدى قلم المحكمة. لذلك القضايا الفردية يجب أن تكون عبر القناة التمثيلية الرسمية، وهي الدولة العضو في المحكمة. وفي الحالة الفلسطينية لا نستطيع أن نقول أن الأفراد يستطيعون التوجه إلى محكمة الجنايات الدولية من أجل تسجيل دعاوى ضد أفراد من الجانب الإسرائيلي، وإنما يجب أن يكون عبر السلطة الرسمية، وهي دولة فلسطين. كما تجدر الإشارة إلى أن محكمة الجنايات الدولية هي محكمة لمساءلة الأفراد وليست محكمة لمساءلة الدول.
وختتم أستاذ القانون الدولي حديثه بالقول : نتمنى أن تكون محكمة الجنايات الدولية بمستوى المسؤوليات المناطة بها، وكذلك التوقعات المرادة منها، ولا سيما أن هناك البعض ممن شكك بالدور الوظيفي للمحكمة وخاصة في مرحلة التأسيس، وقيل الكثير فيها، كأنها محكمة للفقراء والدول الفقيرة ولن تلاحق الرجل الأبيض والدول الغربية، ولن تجرؤ على أن تقوم بدورها بشكل متساو بين كل الدول، لذلك كانت أغلب القضايا تأتي محصورة في جهة أفريقيا والدول الفقيرة، ومن هنا كانت المفاجأة بإصدار مذكرات القبض بخصوص نتنياهو وغالانت، وهذه حالة نوعاً ما مفاجئة للمجتمع الغربي ومرضية لمن كان يشكك في دور المحكمة، ولكن ، نحن نأمل زيادة في فعالية عمل المحكمة من أجل تحقيق الأهداف المرجوة للشعب الفلسطيني.
وأضاف: باعتقادي أننا يمكن أن ننصف في الكثير من الأحيان، ونسجل انتصارات على الجانب الإسرائيلي إذا عملنا بطريقة علمية مدروسة، ونحن نقول دوماً النصر حليفنا وحليف الشعوب المضطهدة.





שתף את דעתך
د. ياسر العموري لــ"القدس": تحقيق الانتصارات يتطلب توحيد الجهود وتصليب الإرادات