ה 21 מרץ 2024 9:09 am - שעון ירושלים

في حالة اسرائيل.. وعي اللا معقول يقتضي نفيه

إياد البرغوثي

في الوقت الذي كان فيه مقاتلو القسام يدمرون الجدار الأمني حول غلاف غزة، كان "الوعي" باسرائيل، يتحرر من كل أشكال الزيف التي أحاطها بها الغرب الاستعماري والصهيونية، لتبدو تلك الدولة، ليس فقط في قمة وحشيتها، بل وكذلك في قمة لا معقوليتها.


شخصيا، لا أتفق مع اولئك الذين استنتجوا حتمية زوال إسرائيل، خاصة الذين فعلوا ذلك استنادا الى أسس دينية تطلبت "اجتهادات" متعددة في تفسير النصوص. فأنا لا أقول بحتمية زوال تلك "الدولة"، بل بضرورته. ولا أقول بأن هذه الدولة ليس لها مستقبل، بل أقول بأن هذه الدولة، إن كان لها مستقبل، فهو على حساب العالم واستقراره وطبيعته ومنطقه وأخلاقه.


غزة وانكشاف "الدولة"

استطاع الاعلام الصهيوني الغربي "تسويق" الرواية الصهيونية حول إسرائيل لدى كثيرين، خاصة بين شعوب الغرب، فلم يكن كل مؤيدي......----- اسرائيل في الغرب وفي بقية العالم، يستندون في مواقفهم تجاهها الى مصالحهم المرتبطة بها، أو الى ايديولوجياتهم التي تسوغ لهم تلك المواقف. بل كان منهم من ضللته بتلك الرواية، فاعتبرها حقيقة وأُعجب بتلك "الدولة" الصغيرة و"القوية" و"الذكية" و"المهددة" من "جيران" لا يتوانوا عن العمل على تدميرها.


لكن الذي جرى ويجري في غزة أسقط كل الأقنعة، فظهرت اسرائيل على حقيقتها. بالنسبة للفلسطينيين، كانت جرائم اسرائيل واضحة حتى قبل قيامها في العام 1948، لكن ذهابها في الحرب على غزة الى توحش دون حدود، وشروعها في إبادة الفلسطينيين قولا وعملا، وتجريد الناس من انسانيتهم، واستهدافها حتى للمؤسسات الدولية، ولكل ما منع قانون الحرب استهدافه من صحفيين ومستشفيات وأماكن عبادة ودور علم، وذهابها لتحقيق النصر "المطلق" بأي ثمن، حيث لا أنصاف حلول، ولا توافق، ورفضها لكل مقترحات التهدئة ووقف إطلاق النار، جعل الكثير ممن كانوا غير مبالين تجاهها، وحتى من كانوا يتفهمون مواقفها ويؤيدوها، يتراجعون عن ذلك، ويعتبرونها دولة خارجة عن القانون، لا يمكن التسامح مع ما تفعله بحق الفلسطينيين وبحق كثيرين غيرهم.


اعتبرت اسرائيل نفسها دولة "استثنائية" ليست كأي دولة أخرى، وهكذا اعتبرها الغرب. وأهانت الأمم المتحدة ومؤسساتها وحتى أمينها العام عندما "خرجت" عن رغبتها، ولم تتوان عن فضح من تعتبرهم أصدقاءها مثلما فعلت في موضوع معبر رفح في محكمة العدل الدولية، وأعطت لنفسها الحق في مراقبة دول العالم ومؤسساتها الحكومية وغير الحكومية وحتى الأفراد "لضمان" امتثالهم لإرادتها، وهددت باستخدام السلاح النووي، ورأت في المؤسسات الدولية مؤسسات أُنشئت لخدمتها، وأي خروج عن ذلك ولأي سبب، هو غير شرعي وغير قانوني.


هذا الكم من التدخل والعبث بالآخرين الذي تمارسه اسرائيل، وترويعها للعالم وليس للفلسطينيين فقط، وخروجها عن كل منطق في استخدام القوة المفرطة العمياء، جعل العالم اكثر قلقا على مصيره، وصنع منها كابوسا يؤرق ليس فقط أعداءها، بل وأصدقاءها، وحتى اليهود الذين إدعت أنها جاءت لحمايتهم، فأصبحوا فيها وبسببها في وضع هو الأقل أمنا والأكثر إحراجا لهم في العالم.


اسرائيل "الاستثناء" والرأي العام العالمي

اللا معقول الذي وصلته اسرائيل في حربها على غزة، أحدث تحولا هاما في الرأي العام العالمي بما فيه الغربي، حيث تحول الجزء الأكبر منه الى دعم فلسطين، وإلى اعتبار اسرائيل دولة إرهابية. تجتاح المظاهرات المليونية مدن أمريكا وبريطانيا وأوروبا الغربية، ويحرق طيار أمريكي نفسه انتصارا لفلسطين، وتدين شخصيات اعتبارية عالمية اسرائيل وتعلن وقوفها مع الحق الفلسطيني. بالمقابل تزداد الأنظمة السياسية في تلك الدول، وكذلك اللوبي الصهيوني وضوحا في قمعه لأي رأي مخالف، وملاحقته للأصوات الرافضة لسياسات اسرائيل حتى في الجامعات الأكثر شهرة في العالم، والتي تعتبر قيم الحرية أساسا لوجودها.


لقد نقلت المظلومية الفلسطينية، ولا معقولية اسرائيل، الكثير من اوساط الرأي العام الغربي إلى اعتماد الأخلاق والضمير، وليس السياسة والمصالح المباشرة كأساس للحكم على الأمور، هذا ما لم تستطع أن تفعله أي قضية أخرى في العالم. لقد كانت القضية الاوكرانية على سبيل المثال مفهومة جيو استراتيجيا، ولكنها ملتبسة اخلاقيا، لكن فلسطين وغزة، لم تترك أية مساحة ضبابية، وعملت على فرز العالم بكل وضوح بين من هو انسان صاحب ضمير وبين من هو "شيء" آخر. أكاد اقول أنها أول مرة في التاريخ تفرز فيها البشرية على أساس أخلاقي.. انسانيون وغير انسانيين، وذلك بناء على موقفهم من فلسطين وإسرائيل.


آخذين بالاعتبار الترابط العضوي بين اسرائيل ومشروع الهيمنة الغربي على المنطقة، وصراع الولايات المتحدة من أجل إبقاء تسيدها على العالم، فإن هذه التحولات الجدية في الرأي العام تجاه اسرائيل، سلوكا وجوهرا، وانعكاس ذلك على الموقف من السياسات الغربية ككل، يعتبر دفعة أخرى بإتجاه عالم متعدد الاقطاب، ينهي التفرد الأمريكي في قيادة العالم، ويشكل مزيدا من الضغط على المشروع الصهيوني ودولة اسرائيل.


اسرائيل تخلق شروط نفيها

ليس الإرهاب أمراً مستجدا عند اسرائيل، لكن ما ترتكبه من جرائم وبطش في ما يجري الآن من حرب على غزة، بلغ ذروة اللا معقول. انه حضور مكثف لجنون اسرائيلي خاص، فلم تعد إبادة الفلسطينيين "متطلبا" لدفاع اسرائيل عن نفسها كما قد يفعل المجرمون "العاديون"، إنما واجب ديني "يتقربون" به من الله كما يقول حاخاماتها هذه الأيام.


وصلت اسرائيل نقطة اللا عودة في لا معقوليتها، إنها دولة "مريضة" نفسيا وصلت بها الغطرسة حدا جعلها تستخف بالعالم وبالمنطق وبالقيم. يتحدث زعماؤها عن سعيهم لتحقيق النصر "المطلق" ولا شيء غير المطلق. هذا وصفة كاملة للإنتحار. هذا ما أدركه كثيرون في العالم ومن بينهم الكثير من اليهود الذين ادركوا أن اسرائيل بذلك فقدت، بل افقدت نفسها، كل مبررات وجودها وباتت عبئا على البشرية. إنها كالولد الشقي الذي استعدى بتصرفاته الشائنة الجميع، وفي مقدمتهم أهله.


اسرائيل مرعوبة ومهزوزة و"منتشية" في نفس الوقت، وهي تعالج وضعها هذا الذي نشأ عن "كبرياء" ليس لها رصيد هذه المرة، بمزيد من البطش. إنها لا تدرك أن البطش لا يمكن أن يجعل من اللا معقول معقولا، بل يزيد من مستوى لا معقوليته.


ما جعل اسرائيل في أوج ازمتها، هو اعتبارها لنفسها أنها استثناء في كل شيء. لا ينطبق عليها ما ينطبق على أي دولة في العالم، وما ينطبق على "مواطنها" لا ينطبق على أي إنسان في العالم. ومما زاد الأمر تعقيدا أن الغرب مقتنع أنها كذلك، دولة استثناء، وبشر استثنائيون. هذا أيضا يزيد من اندفاعها نحو الهاوية.


المثقفون الفلسطينيون.. الارتقاء بالمهمة

دأب المثقفون الفلسطينيون على توضيح قضيتهم لشعبهم وللرأي العام منذ بداية المشروع الصهيوني في فلسطين، لكن الحالة الجديدة التي نشأت بعد ما عملته غزة باسرائيل، وما عملته اسرائيل بغزة، أصبحت فيها القضية الفلسطينية في مستوى آخر، ووصلت فيها اسرائيل قمة "لا معقوليتها"، وتبنى الرأي العام العالمي بأغلبه ما يترتب على ذلك، أصبح لزاما على المثقفين الفلسطينيين أن ينهضوا برؤياهم لقضيتهم، وبالأفق الذي يجب أن يضعوه نصب تفكيرهم للوصول اليه.


لقد فعلت "الواقعية" المحافظة "غير الثورية" فعلها بالمثقف الفلسطيني، وأخذ يسير خلف السياسي لا ليعطيه دفعة الى الأمام، بل لشده الى الخلف اذا شك أنه قد يفكر بشيء من التجاوز لذلك "الواقع"، لكن الحالة الجديدة، حيث بات الرأي العام اكثر جرأة وجذرية حيال اسرائيل ولا معقوليتها، وأصبح العالم على أعتاب نظام ترفض أخلاقه اعتبار اللا معقول معقولا، تفترض من المثقف الفلسطيني السمو الى مستوى قضيته في وضعها الجديد، واللحاق بما وصلت له شعوب العالم المتظاهرة في لندن وباريس وكوبنهاجن وواشنطن وغيرها من رفض لذلك اللا معقول.


مطلوب من المثقف الفلسطيني التقاط اللحظة واللحاق بحالة الوعي العالمي الجديدة التي يسعى العالم فيها للتخلص من أثقل اعبائه، والتأصيل لتلك الحالة، حيث لا مبرر لوجود الوعي القائل بامكانية التعايش مع اللا معقول، وحيث لا ينتهي ذلك اللا معقول بنيران خصومه فقط، بل وبنيران اصدقائه أيضا.


حالة الوعي الجديدة تتيح للمثقف الفلسطيني التخلص من القوالب الجامدة التي تراكمت في عقله، وانتجت عقلا متكلسا مرتاحا لمعطيات "الهزيمة"، ولا يشغل نفسه إلا في تبريرها وتحويرها وتسويقها تحت عنوان الواقعية والاعتدال.


لقد قلبت الحالة الجديدة مفاهيم عديدة في مقدمتها التطرف والاعتدال، فأخذ كل منهما مكان الآخر، وبات الرفض الكامل والواضح للا معقول، قمة العقلانية والقبول به ذروة الاغتراب.


خاتمة

الآن، وقد فهم العالم فلسطين ورسالتها، وإسرائيل و"استثنائيتها"، وحيث العقل الصهيوني المطلق أهم مؤشرات الهزيمة ودلالاتها، وحيث فاض العالم بالجرائم التي ارتكبتها الدولة "الاستثنائية"، يلتقي الحضور المكثف (على شكل جرائم) للا معقول مع ضرورة غيابه.


العالم بعد كل الذي جرى في غزة، أصبح بحاجة حقيقية ليرتاح، وطريقه الى ذلك بات في منتهى الوضوح.

תגים

שתף את דעתך

في حالة اسرائيل.. وعي اللا معقول يقتضي نفيه

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.