خطت فرنسا خطوة تشريعية وتاريخية مثيرة للجدل بإقرار الجمعية الوطنية قانوناً يسمح للبالغين الذين يعانون من أمراض عضال بطلب المساعدة لإنهاء حياتهم. ويأتي هذا التحول الكبير في السياسة الصحية والاجتماعية الفرنسية ليفي بوعد قطعه الرئيس إيمانويل ماكرون خلال حملته الانتخابية لولاية ثانية في عام 2022، واصفاً الخطوة بأنها استجابة لمطالب إنسانية ملحة.
وبهذا التشريع الجديد، تلتحق باريس بركب مجموعة من الدول الغربية التي تتبنى قوانين مشابهة تتيح أشكالاً من المساعدة على الموت، وفي مقدمتها هولندا وبلجيكا وسويسرا وكندا. وقد عبر الرئيس ماكرون عن ارتياحه لهذا الإنجاز عبر منصة إكس، مؤكداً أن الدولة أوفت بالتزامها تجاه المواطنين الذين يواجهون معاناة لا تحتمل في مراحلهم الأخيرة.
ويضع القانون الجديد ضوابط صارمة لتنفيذ المساعدة على إنهاء الحياة، حيث يقتصر الحق على البالغين الذين يعانون من أمراض مستعصية وصلت إلى مراحلها النهائية. ويشترط النص القانوني أن يكون المريض في حالة من الألم الجسدي أو النفسي الذي لا يمكن علاجه، أو أن تصبح الآلام غير محتملة في حال اتخاذ قرار بوقف العلاجات الحيوية.
وقد شهدت أروقة الجمعية الوطنية لحظات عاطفية عقب التصويت، حيث صفق النواب بحرارة لأوليفييه فالورني، النائب الذي قاد الجهود البرلمانية لسنوات طويلة من أجل الوصول إلى هذه اللحظة. واعتبر فالورني أن القانون يمثل انتصاراً للكرامة الإنسانية، مشيراً بأسى إلى أن الكثير من المرضى فارقوا الحياة وهم ينتظرون منحهم هذا الحق القانوني.
من جانبها، وصفت جمعيات حقوقية مهتمة بالحق في الموت بكرامة هذا التصويت بأنه 'لحظة تاريخية' في مسار الحريات الفردية بفرنسا. وأكد جوناثان دوني، أحد أبرز المدافعين عن القانون أن هذا الإقرار ليس نهاية الطريق، بل هو بداية لمرحلة جديدة تتطلب ضمان تنفيذ الإجراءات بعدالة وشفافية لجميع المستحقين.
في عام 2022، تعهدت بفتح هذا المسار أمام الفرنسيين، واليوم تم الوفاء بهذا التعهد.
وعلى الرغم من تمرير القانون في الغرفة الأدنى للبرلمان، إلا أن المسار لم يكن سهلاً، إذ واجه معارضة شرسة من مجلس الشيوخ الذي تهيمن عليه القوى اليمينية. وقد اضطرت الحكومة لاستخدام صلاحياتها الدستورية التي تتيح للجمعية الوطنية الكلمة الفصل في التشريعات بعد وصول النقاش مع مجلس الشيوخ إلى طريق مسدود.
وفي خطوة تهدف إلى ضمان دستورية القانون وتهدئة المخاوف، أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو إحالة التشريع إلى المجلس الدستوري لمراجعته بشكل دقيق. وأوضح لوكورنو أن غياب النقاش المعمق في مجلس الشيوخ حال دون الوصول إلى توافق وطني واسع، مما يستدعي التأكد من توازن المواد القانونية مع المبادئ الدستورية العليا.
وتقود المعارضة اليمينية، متمثلة في حزب الجمهوريين، جبهة رافضة بقوة لهذا القانون، حيث يرى قادتها مثل جيرار لارشيه وبرونو روتايو أن التشريع يمس بقدسية الحياة. ويحذر المعارضون من أن فتح هذا الباب قد يؤدي إلى تجاوزات أخلاقية وطبية يصعب السيطرة عليها مستقبلاً، مطالبين بتعزيز الرعاية التلطيفية بدلاً من المساعدة على الموت.
في المقابل، دافع نواب من حزب 'النهضة' الحاكم عن القانون، معتبرين إياه فخراً للجمهورية الفرنسية في تعزيز حقوق الأفراد في تقرير مصيرهم. وقالت النائبة بريجيت ليزو إن المشاركة في صياغة وإقرار هذا القانون تمثل لحظة فخر سياسي وإنساني، مؤكدة أنه يوفر مخرجاً قانونياً رحيماً لمن تقطعت بهم سبل الشفاء.
ويبقى القرار النهائي الآن بيد المجلس الدستوري، الذي يملك القدرة على إبطال القانون أو طلب تعديل بعض بنوده قبل دخوله حيز التنفيذ الفعلي. وتترقب الأوساط الطبية والقانونية في فرنسا هذا القرار الذي سيحدد الشكل النهائي لواحد من أكثر القوانين إثارة للجدل في التاريخ الفرنسي الحديث.





Share your opinion
فرنسا تقر قانون 'المساعدة على الرحيل' للمصابين بأمراض عضال