لا تُقاس التحولات الكبرى في الصراعات بعدد البيانات السياسية التي تصدر، بل بما يترسخ على الأرض. فالخرائط لا تتبدل دفعة واحدة، وإنما تتغير تدريجيًا، حتى يصبح ما كان استثناءً واقعًا، وما كان مؤقتًا أمرًا دائمًا. ومن هنا، لا يمكن النظر إلى الاستيطان الإسرائيلي باعتباره مجرد توسع عمراني أو إجراء إداري، بل باعتباره سياسة تستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا بما يفرض معادلات جديدة على أي حل سياسي محتمل.
هذه هي المعضلة الحقيقية. فالقضية لم تعد تقتصر على عدد المستوطنات أو مساحة الأراضي المصادرة، بل أصبحت تتعلق بمصير الفكرة التي تبناها المجتمع الدولي لعقود باعتبارها أساسًا للتسوية، وهي قيام دولتين تعيشان جنبًا إلى جنب. فهذه الفكرة، مهما حظيت من دعم سياسي، لا تستطيع أن تصمد إذا فقدت الأرض التي تقوم عليها مقوماتها الأساسية.
إن المشروع الاستيطاني لا يتقدم بمنطق القرارات المتفرقة، وإنما بمنطق التراكم الهادئ. فكل حي جديد يستدعي طريقًا، وكل طريق يفرض بنية تحتية، وكل بنية تحتية تفتح الباب أمام توسع آخر، حتى تتشكل منظومة متكاملة تغير المشهد الجغرافي والسياسي معًا. وبهذا المعنى، لا يصبح الاستيطان نتيجة للصراع، بل أحد أهم الأدوات التي تعيد تعريفه.
وتبرز خطورة هذا المسار في المشاريع الاستيطانية الكبرى، وعلى رأسها مشروع E1، الذي لا تقتصر تداعياته على زيادة البناء، بل تمتد إلى إعادة رسم العلاقة بين القدس ومحيطها الفلسطيني، وإضعاف التواصل الجغرافي بين مناطق الضفة الغربية، بما يجعل الحديث عن دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا أكثر تعقيدًا. ولهذا، لم يقتصر التحذير من هذه المشاريع على الجانب الفلسطيني، بل تكرر في مواقف دولية رأت فيها تهديدًا مباشرًا لإمكان تطبيق حل الدولتين.
المفارقة أن الخطاب الدولي لم يتغير كثيرًا. فما زالت العواصم الكبرى تؤكد أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام، في الوقت الذي تتسارع فيه الوقائع الميدانية بصورة تجعل هذا الحل أكثر بعدًا عن التطبيق. وبين ثبات الخطاب وتسارع الأحداث تتسع فجوة يصعب تجاهلها، لأن الزمن يعمل لصالح من يفرض الوقائع، لا لصالح من يكتفي بإعلان المواقف.
ولا يكمن التحدي في غياب المرجعية القانونية. فالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة واضحان في اعتبار الاستيطان غير شرعي. لكن قيمة القانون لا تُختبر بوضوح نصوصه، وإنما بقدرته على حماية المبادئ التي ينص عليها. وعندما تستمر الوقائع في التوسع رغم هذا الإجماع، يصبح السؤال مشروعًا حول قدرة النظام الدولي على صون القواعد التي أعلن التزامه بها.
ولعل أخطر ما يميز الاستيطان أنه لا يفرض نفسه بالقوة العسكرية وحدها، بل بقوة الزمن أيضًا. فهو يراهن على أن مرور السنوات كفيل بتحويل الوقائع المستحدثة إلى حقائق يصعب التراجع عنها، وأن ما يبدأ باعتباره مشروعًا محل اعتراض سينتهي، مع مرور الوقت، إلى واقع تتعامل معه السياسة بوصفه أمرًا قائمًا.
من هنا، لا تبدو القضية فلسطينية فحسب، بل تمس جوهر فكرة العدالة الدولية. فإذا أصبح تغيير الواقع بالقوة أكثر فاعلية من الالتزام بالقانون، فإن الخلل لن يقتصر على هذه القضية، بل سيمتد إلى النظام الذي يفترض أن يحكم العلاقات الدولية ويمنع فرض الإرادة بالقوة.
إن السلام لا يفشل حين تتوقف المفاوضات، بل حين تتآكل الأسس التي يمكن أن تقوم عليها. وما يحدث اليوم هو أن الأرض تتغير بوتيرة أسرع من قدرة السياسة على مواكبتها، حتى يبدو أن الجغرافيا تسبق الدبلوماسية بخطوات واسعة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع: إذا استمرت الوقائع في إعادة رسم الخريطة، فما الذي سيبقى من الحلول التي ما زال العالم يرددها؟ فالتاريخ يعلمنا أن السلام لا يُبنى على الأمنيات، وإنما على أرض تحميها العدالة، وقانون يجد من يدافع عنه، وإرادة سياسية تدرك أن الخرائط التي تُفرض بالقوة قد تفرض صمتًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع سلامًا دائمًا.
Thu 16 Jul 2026 8:56 am - Jerusalem Time





Share your opinion
حين تصبح الجغرافيا قدرًا سياسيًا