انطلقت في مدينة النجف العراقية، صباح الأربعاء، مراسم تشييع مهيبة للمرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي، بمشاركة حشود جماهيرية غفيرة جابت شوارع المدينة القديمة. وتأتي هذه المراسم ضمن رحلة وداع استمرت أسبوعاً، حيث نُقل الجثمان من طهران إلى العتبات المقدسة في العراق قبل التوجه به إلى مسقط رأسه في مدينة مشهد الإيرانية ليوارى الثرى.
وشهدت المراسم حضوراً سياسياً ودينياً رفيع المستوى، حيث كان في استقبال النعش بمطار النجف رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي وقادة تحالف الإطار التنسيقي. كما شارك من الجانب الإيراني الرئيس مسعود بزشكيان وقائد فيلق القدس إسماعيل قاآني، بالإضافة إلى مصطفى خامنئي نجل المرشد الراحل، في ظل غياب لافت للمرشد الجديد مجتبى خامنئي.
وتأتي هذه الجنازة بعد أشهر من عملية اغتيال خامنئي التي نفذتها ضربات أمريكية إسرائيلية مشتركة استهدفت مقر إقامته في العاصمة طهران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي. وقد تسببت تلك الحادثة في إشعال فتيل مواجهات عسكرية واسعة في منطقة الشرق الأوسط، وضعت النظام الإيراني أمام اختبار حقيقي لصلابته واستمراريته.
ميدانياً، تزامنت مراسم التشييع مع تصعيد عسكري خطير في مضيق هرمز، حيث أعلن الجيش الأمريكي عن تنفيذ ضربات جوية وصاروخية استهدفت أكثر من 80 موقعاً تابعاً لإيران. وجاءت هذه التحركات الأمريكية رداً على استهداف ثلاث سفن تجارية في الممر المائي الاستراتيجي، وهي الهجمات التي حملت واشنطن مسؤوليتها مباشرة لطهران.
في المقابل، لم يتأخر رد الحرس الثوري الإيراني، الذي أعلن عن استهداف منشآت ومواقع عسكرية تابعة للقوات الأمريكية في دولتي البحرين والكويت. وأكدت مصادر عسكرية أن هذه الضربات تأتي في إطار الرد المشروع على الاستهدافات الأمريكية المتكررة للمصالح الإيرانية، مما يزيد من مخاوف اندلاع حرب إقليمية شاملة.
مراسم التشييع في العراق لا تحمل بعداً دينياً فحسب، بل تعكس عمق العلاقات السياسية والأمنية المتشابكة بين بغداد وطهران في ظل الصراع الإقليمي الراهن.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، انتقد المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أنور قرقاش، السياسات الإيرانية الحالية، معتبراً أن طهران تبدو عاجزة عن طي صفحة الحرب والتوجه نحو الاستقرار. وأشار قرقاش إلى أن التصعيد الأخير في مياه الخليج يعكس عدم التزام إيران بمسار خفض التصعيد الذي تطالب به دول المنطقة لضمان أمن الملاحة الدولية.
واتشحت مدينتا النجف وكربلاء بالسواد، حيث أعلنت الحكومة العراقية عطلة رسمية لتسهيل حركة المشيعين وتأمين المراسم التي تجري وسط استنفار أمني غير مسبوق. وحمل المشاركون صوراً للمرشد الراحل وشعارات تؤكد على وحدة ما يسمى بـ 'محور المقاومة'، في مشهد يبرز الثقل السياسي والديني الذي كان يمثله خامنئي في العراق.
وتحمل إقامة التشييع في العراق دلالات رمزية عميقة، نظراً لمكانة النجف كمركز للمرجعية الدينية العليا، وللتأكيد على النفوذ الإيراني المتنامي في بغداد منذ عام 2003. ورغم التنافس الأمريكي الإيراني المحتدم على الساحة العراقية، إلا أن طهران نجحت في تحويل الجنازة إلى تظاهرة سياسية تؤكد متانة تحالفاتها الإقليمية.
ومن المقرر أن ينتقل موكب التشييع من النجف إلى مدينة كربلاء لزيارة المراقد المقدسة هناك، قبل أن تغادر الطائرة الرئاسية التي تحمل الجثمان باتجاه إيران. وستختتم المراسم في مدينة مشهد، حيث سيتم دفن خامنئي في مرقد الإمام الرضا، لينهي بذلك حقبة قيادية استمرت قرابة أربعة عقود من تاريخ الجمهورية الإسلامية.





Share your opinion
بمشاركة رسمية وشعبية واسعة.. العراق يشيع المرشد الإيراني الراحل وسط توتر إقليمي متصاعد