تواجه الوعود الرسمية التي أطلقها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بشأن 'الشمولية والوحدة' في بطولة كأس العالم 2026 تدقيقاً حقوقياً وصحفياً مكثفاً. وتكشف الوقائع الميدانية عن فجوة عميقة بين الخطاب التسويقي للمنظمة والواقع السياسي المعقد في الدول الثلاث المستضيفة، حيث برزت حركات مناهضة تحذر من تغول الأجهزة الأمنية وسلطات الهجرة خلال الحدث.
وتصاعدت المخاوف بشكل حاد بعد تأكيدات سلطات الهجرة الأمريكية بأن المونديال لن يكون مستثنى من القوانين المتشددة لتطبيق الهجرة. ورغم محاولات المسؤولين تأطير مشاركة وكالات الأمن في سياق الإجراءات التنظيمية، إلا أن السياح والمهاجرين يواجهون مخاوف مشروعة من الاحتجاز أو الترحيل أثناء توجههم للملاعب أو مناطق المشجعين.
وتتهم منظمات المجتمع المدني الاتحاد الدولي بالتنصل من مسؤولياته تجاه القضايا الشائكة، عبر إلقاء لوم انتهاكات حقوق العمال على أرباب العمل واعتبار المخاوف الحقوقية شأناً محلياً. ويرى مراقبون أن دور الفيفا بات يقتصر على جني الأرباح المليارية وتوزيع جوائز السلام، مع ترك التفاصيل اللوجستية المعقدة للدول المضيفة دون ضمانات حقيقية.
ويظهر المشهد انفصالاً واضحاً لمجتمع كرة القدم عن الواقع الجغرافي، حيث يواجه مشجعو دول بعينها إجراءات تدقيق مكثفة ومقابلات مطولة قد تنتهي بالاستبعاد. وتفرض الولايات المتحدة قيوداً أو حظراً على مواطني دول مشاركة بالفعل في البطولة مثل إيران وهايتي والسنغال، مما يفرغ شعار 'النسخة الأكثر شمولية' من مضمونه الفعلي.
على الصعيد المالي، يواجه وصف كرة القدم بأنها 'لعبة الشعب' اختباراً عسيراً في ظل التكاليف الباهظة التي يتحملها دافعو الضرائب. ففي كندا وحدها، تقدر تكلفة الاستضافة بنحو 1.1 مليار دولار، وهو ما يجعل الجمهور مستثمراً مادياً ومعنوياً في الحدث، ومع ذلك يقابل هذا الاستثمار بآليات تسعير مجحفة ترهق كاهل المشجعين.
وانتهج الفيفا نظام 'التسعير الدينامي' الذي يسمح بتغيير أسعار التذاكر بناءً على حجم الطلب، مما جعل هذه النسخة هي الأغلى في التاريخ منذ مراحل البيع الأولى. كما فرضت المنظمة عملية شراء معقدة تجبر الجمهور على الدخول في قرعة ودفع مبالغ مالية لمجرد الحصول على حق الشراء لاحقاً، أو اللجوء للسوق السوداء بأسعار مضاعفة.
كرة القدم التي قامت على ثقافات شعبية وعمالية، أصبحت تديرها مؤسسة تبلغ قيمتها مليارات الدولارات وباتت بعيدة المنال عن الجماهير.
وتزداد معاناة المشجعين مع سياسة حجب المعلومات عن مواقع المقاعد الفعلية إلا بعد إتمام عملية الدفع، مما يؤدي إلى دفع مبالغ طائلة مقابل فئات قد لا توفر رؤية جيدة. وقد أثار هذا الأمر تحقيقات حكومية اتهمت الفيفا ببيع 'إمكانية الحصول على مقعد' بدلاً من المقعد نفسه، في ظل تخصيص أفضل الأماكن لبرامج الضيافة الفاخرة.
وتوفر باقات الضيافة المخصصة للأثرياء، والتي تصل قيمتها لآلاف الدولارات، تجربة مشاهدة منعزلة تدر أرباحاً قياسية للمنظمة الدولية. هذا التوجه الرأسمالي يحرم المشجع العادي من متابعة نجومه المفضلين عن قرب، ويثير تساؤلات جوهرية حول الفئة التي ينظم كأس العالم لأجلها فعلياً في ظل تهميش الطبقات الشعبية.
وامتدت الإجراءات المثيرة للجدل لتشمل منع المشجعين من إدخال مياه الشرب الخاصة بهم، والاكتفاء بزجاجة واحدة محكمة الإغلاق لأسباب وصفت بالأمنية. ويرى منتقدون أن هذا الإجراء يصب مباشرة في مصلحة الشركات الراعية التي تملك حقوق البيع الحصرية داخل الملاعب، مما يعزز من صورة المونديال كحدث تجاري بحت.
وفيما يخص المواقف السياسية، يتبنى رئيس الفيفا جياني إنفانتينو مبدأ 'فصل السياسة عن الرياضة' لثني النشطاء عن التضامن مع القضايا العادلة مثل فلسطين. ومع ذلك، يرى معارضون أن هذا الحياد يتم تفصيله وفق المصالح الخاصة، خاصة بعد منح 'جائزة السلام' للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يتخذ مواقف تصعيدية دولياً.
وتتجلى ازدواجية المعايير بوضوح عند مقارنة سرعة تعليق مشاركة روسيا دولياً مع الموقف المتراخي تجاه الانتهاكات الإسرائيلية بحق الرياضة الفلسطينية. فقد أجهض الفيفا لسنوات مطالبات الاتحاد الفلسطيني باتخاذ إجراءات ضد أندية المستوطنات، متذرعاً بأن الوضع القانوني والسياسي للمنطقة معقد ولم يحسم بعد من قبل الجهات الدولية.
وقد شهد مؤتمر الفيفا الأخير في فانكوفر محاولة من إنفانتينو لهندسة صورة بروتوكولية تجمع ممثلين فلسطينيين وإسرائيليين على منصة واحدة. غير أن رئيس الاتحاد الفلسطيني، جبريل الرجوب، رفض مصافحة ممثل الاتحاد الإسرائيلي، مما سبب إحراجاً مباشراً لرئيس الفيفا وأكد أن كرة القدم لا يمكن عزلها عن الواقع السياسي المعاش.





Share your opinion
مونديال 2026.. صراع بين شعارات 'الشمولية' وهيمنة رأس المال وازدواجية المعايير السياسية