تخيم حالة من الصمت الثقيل على مرافئ قطاع غزة، حيث تحولت المراكب التي كانت يوماً شريان حياة إلى حطام وشواهد على حرب طحنت مقومات العيش. يواجه الصيادون اليوم واقعاً مريراً جعل من رحلة الصيد مغامرة غير مأمونة العواقب، حتى باتت القاعدة السائدة بينهم أن الداخل إلى البحر مفقود والخارج منه مولود.
يستذكر الصيادون بمرارة الأيام التي سبقت الحرب، حين كان أسطول غزة البحري من بين الأكثر تطوراً في المنطقة، معتمدين على تقنيات حديثة وأجهزة تحديد المواقع. اليوم، تبخر ذلك الازدهار تماماً بعدما استهدفت العمليات العسكرية المرافئ واللنشات الكبيرة، محولةً إياها إلى ركام ومعدات محروقة لا تصلح للاستخدام.
أمام هذا الدمار الواسع، اضطر الصيادون لابتكار وسائل بدائية جداً للبقاء على قيد الحياة، حيث يستخدمون حالياً 'ثلاجات وحسكات' مصنوعة من ألواح الفلين المخصصة لحفظ الأغذية. يضع هؤلاء كشافات صغيرة ويجذفون بمجاديف يدوية في عرض البحر، محاولين الظفر بأي صيد يسد رمق عائلاتهم في ظل انعدام البدائل.
لم تتوقف الأزمة عند تدمير القوارب، بل امتدت لتشمل الارتفاع الجنوني في أسعار مستلزمات الصيد الأساسية التي باتت نادرة في الأسواق. فقد قفز سعر لفة غزل الشباك من 100 شيكل إلى أكثر من 2500 شيكل، وهو مبلغ يعجز معظم الصيادين عن توفيره في ظل الانهيار الاقتصادي الشامل.
بسبب غياب المراكب المجهزة والقيود الأمنية المشددة، انحصرت عمليات الصيد في شريط ساحلي ضيق للغاية لا يتعدى مئات الأمتار. هذا الحصار البحري أدى إلى استنزاف الثروة السمكية في المناطق القريبة، واقتصر الصيد على أنواع صغيرة جداً كانت تُهمل سابقاً أو تُستخدم كسماد للأرض.
نحن لا نغامر؛ نحن نرمي بأنفسنا في أحضان الموت لكي لا يموت أطفالنا جوعاً.
انعكس هذا الشح الحاد في كميات الصيد على أسعار الأسماك في الأسواق المحلية، حيث سجلت قفزات هائلة تراوحت بين أربعة إلى سبعة أضعاف. وأصبحت الأنواع الرديئة التي كانت تباع بأسعار زهيدة قبل الحرب، تُعرض اليوم بأسعار مرتفعة تفوق القدرة الشرائية للمواطن الغزي البسيط.
أما الأنواع الفاخرة من الأسماك، فقد باتت حلمًا بعيد المنال حتى بالنسبة للصيادين أنفسهم الذين لا يقوون على تذوقها أو تقديمها لأطفالهم. ويتطلب شراء وجبة سمك متواضعة مبالغ مالية كبيرة أصبحت عزيزة المنال في ظل الانعدام التام لفرص العمل وتفشي البطالة القسرية في القطاع.
إلى جانب المعاناة المادية، يتربص خطر الموت والاعتقال بالصيادين في كل لحظة، حيث تفتح الزوارق الحربية نيرانها دون سابق إنذار تجاه القوارب البدائية. وأفادت مصادر ميدانية باستشهاد صياد شاب واعتقال أكثر من 15 آخرين مؤخراً، بالإضافة إلى مصادرة ما تبقى من معداتهم البسيطة تحت تهديد السلاح.
في ظل هذه اللوحة القاتمة، يشكو العاملون في قطاع الصيد من تهميش دولي وإغاثي واضح، حيث لم تتدخل أي جهة بشكل ملموس لإعادة تأهيل هذا القطاع الحيوي. ويناشد الصيادون المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية للضغط من أجل رفع الحصار البحري وتوفير المعدات اللازمة لاستعادة مصدر رزقهم الوحيد.





Share your opinion
صيادو غزة بين فكي الحصار والموت: رحلة البحث عن الرزق فوق ألواح الفلين