Fri 08 May 2026 10:32 am - Jerusalem Time

إسرائيل ومأزق القوة: من وهم النصر إلى استنزاف الحروب المفتوح

في لحظة نادرة من المكاشفة داخل الخطاب الإسرائيلي، يخرج المحلل السياسي ميشكا بن دافيد ليقول ما يحاول كثيرون تجاهله أو الالتفاف عليه: النصر المطلق الذي يُسوَّق للجمهور الإسرائيلي لن يتحقق، حتى لو دُمّرت غزة ولبنان وقُتل الآلاف، وفي اعتراف ضمني بأن إسرائيل، بكل ما تمتلكه من تفوق عسكري، تصطدم اليوم بحدود القوة، وبفشل عميق في تحويل هذا التفوق إلى إنجاز سياسي حاسم.

لقد بُنيت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على فرضية واضحة: غطرسة القوة، والحسم السريع، ونقل المعركة إلى أرض الخصم، وكسر إرادته في خلال زمن قصير، لكن ما تكشف في السنوات الأخيرة، وبلغ ذروته في الحروب الأخيرة على غزة والتوترات مع لبنان والتصعيد والحرب مع إيران، وهو أن هذه الفرضية لم تعد صالحة فالحروب لم تعد تقليدية، والخصوم لم يعودوا جيوشًا نظامية يمكن هزيمتها بضربة قاصمة، بل شبكات مقاومة مرنة، قادرة على امتصاص الضربات وإعادة تشكيل نفسها.

في غزة، وعلى الرغم من حجم الدمار الهائل والآلة العسكرية غير المسبوقة التي استُخدمت، لم يتحقق الهدف المعلن بالقضاء على المقاومة، بل إن الواقع الميداني أظهر أن الحرب تحولت إلى حالة استنزاف طويلة، تستنزف إسرائيل سياسيًا وأمنيًا وأخلاقيًا، دون أن تمنحها صورة "النصر" التي سعت إليها، الدمار لم يُنهِ الفكرة، والقتل لم يكسر الإرادة، بل أعاد إنتاج الصراع بصورة أكثر تعقيدًا.

أما في لبنان، فإن ميزان الردع بقي حاضرًا بقوة، لم تستطع إسرائيل فرض معادلة جديدة دون المخاطرة بانفجار شامل قد لا تستطيع التحكم في نتائجه، الجبهة الشمالية تحولت إلى مصدر تهديد دائم، لا إلى ساحة يمكن حسمها، وهذا بحد ذاته فشل في تحقيق أحد أبرز أهداف العقيدة الأمنية: إزالة التهديدات أو تحييدها بشكل نهائي.

وفي ما يتعلق بإيران، فإن المشهد أكثر تعقيدًا وتشابكًا، فإسرائيل، رغم كل الضغوط والتهديدات، لم تنجح في كبح النفوذ الإيراني في المنطقة، بل وجدت نفسها أمام محور إقليمي متماسك نسبيًا، قادر على فرض معادلات ردع متعددة المستويات، وهنا يتجلى الفشل ليس فقط في النتائج، بل في فهم طبيعة الصراع ذاته.

إن المشكلة التي يلمّح إليها بن دافيد لا تتعلق فقط بإخفاق عسكري في هذه الجبهة أو تلك، بل بأزمة أعمق في تعريف "النصر" نفسه، فحين يصبح النصر مرادفًا للتدمير الشامل، دون تحقيق أهداف سياسية واضحة، فإنه يتحول إلى عبء استراتيجي، لا إلى إنجاز، القوة في هذه الحالة، تفقد معناها حين تعجز عن فرض واقع جديد مستقر، أو حين تخلق بيئات أكثر عداءً وتفجرًا.

ما نشهده اليوم هو اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي الإسرائيلي، الذي لا يزال يتحدث بلغة الحسم والنصر، وبين الواقع الميداني الذي يعكس حالة من التعثر وإدارة الأزمات المفتوحة ، وهذه الفجوة ليست مجرد خلل إعلامي، بل مؤشر على أزمة بنيوية في التفكير الاستراتيجي.

 لم تفشل إسرائيل فقط في غزة أو لبنان أو في مواجهة إيران، بل فشلت في تحقيق المعادلة التي قامت عليها استراتيجيتها لعقود: تحويل القوة العسكرية إلى نصر سياسي نهائي ، وما لم تُراجع هذه العقيدة من جذورها، فإن كل جولة قادمة لن تكون سوى إعادة إنتاج للفشل ذاته، ولكن بتكاليف أعلى، ونتائج أكثر تعقيدًا.

في النهاية، لا تقف الأزمة عند حدود جبهة هنا أو إخفاق هناك، بل تتجاوز ذلك إلى مأزق وجودي في فهم القوة وحدودها، فحين تتحول الحروب إلى غاية بحد ذاتها، ويُستبدل النصر الحقيقي بصورة إعلامية هشة، تصبح كل جولة جديدة اعترافًا غير مباشر بالفشل السابق، ما كشفته غزة ولبنان، وما تؤكده معادلة الصراع مع إيران، هو أن القوة التي لا تُترجم إلى استقرار ولا تُنتج حلًا سياسيًا، إنما تعيد تدوير العنف وتُعمّق المأزق.

إن الإصرار على وهم "النصر المطلق" لم يعد مجرد خطاب دعائي، بل أصبح عبئًا استراتيجيًا يجرّ إسرائيل إلى حروب مفتوحة بلا أفق، وفي لحظة كهذه، لا يكون السؤال كم تستطيع إسرائيل أن تدمر، بل إلى متى تستطيع أن تتحمل نتائج ما تدمره، هنا تحديدًا يتكشّف المعنى الحقيقي للفشل: ليس في عجز القوة عن الحسم فقط، بل في عجزها عن إنهاء الصراع.

=‫====================================

ما نشهده اليوم هو اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي الإسرائيلي، الذي لا يزال يتحدث بلغة الحسم والنصر، وبين الواقع الميداني الذي يعكس حالة من التعثر وإدارة الأزمات المفتوحة ، وهذه الفجوة ليست مجرد خلل إعلامي، بل مؤشر على أزمة بنيوية في التفكير الاستراتيجي.

Tags

Share your opinion

إسرائيل ومأزق القوة: من وهم النصر إلى استنزاف الحروب المفتوح

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.