ساد الإضراب الشامل مختلف محافظات الضفة الغربية استجابة لدعوات القوى الوطنية والإسلامية، تعبيراً عن الغضب الشعبي العارم تجاه مصادقة الكنيست الإسرائيلي على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين. وقد توقفت الحركة التجارية والمؤسسات التعليمية عن العمل، في خطوة تهدف إلى إيصال رسالة رفض قاطعة للتشريعات العنصرية التي تستهدف حياة المعتقلين في سجون الاحتلال.
وكان الكنيست قد أقر القانون بصفة نهائية بأغلبية 62 صوتاً، حيث ينص على إيقاع عقوبة الإعدام بحق الأسرى الذين يشاركون في عمليات تؤدي لمقتل إسرائيليين. ومن اللافت أن القانون صُمم بصبغة تمييزية واضحة، إذ يستثني الإسرائيليين الذين يرتكبون جرائم قتل بحق الفلسطينيين، مما يعزز توصيف المنظومة القانونية للاحتلال بأنها نظام 'أبرتهايد'.
وأكد الأسير المحرر فخري البرغوثي أن مواجهة هذا القانون تتطلب وحدة ميدانية شاملة تتجاوز حدود الإضراب الرمزي إلى النزول المكثف للشوارع والميادين. وأوضح البرغوثي أن الاحتلال لن يتراجع عن سياساته القمعية إلا إذا شعر بضغط حقيقي وملموس على الأرض، يشمل تعطيل الطرق الحيوية وإرباك المنظومة الأمنية للاحتلال.
وفي مدينة البيرة، أغلقت المحلات التجارية أبوابها تماماً، بينما عبر مواطنون عن استيائهم من ضعف التفاعل الرسمي والعربي مع قضية الأسرى. وأشار مواطنون إلى أن الأسرى يعيشون ظروفاً قاسية تفوق قدرة البشر على الاحتمال، مما يجعل تشريع الإعدام مجرد مأسسة لعمليات القتل البطيء التي تمارسها إدارة السجون يومياً.
وشددت الفعاليات الشعبية على أن الأولوية القصوى يجب أن تتركز على دعم عائلات الأسرى وتعزيز صمودهم، خاصة في ظل الأزمات المالية التي تعصف بهم. وانتقدت مصادر محلية استمرار وقف رواتب عدد من الأسرى، معتبرة أن الوفاء لتضحياتهم يبدأ من حماية كرامة عائلاتهم وتوفير احتياجاتهم الأساسية في مواجهة التحديات المعيشية.
من جانبه، اعتبر نافذ جفال، والد أحد الشهداء أن المرحلة الراهنة هي الأخطر في تاريخ الحركة الأسيرة، مما يستوجب موقفاً وطنياً موحداً يترفع عن الخلافات الفصائلية. وأضاف أن الالتزام بالإضراب في قرى ومدن الضفة هو مؤشر إيجابي، لكنه يظل الحد الأدنى المطلوب أمام حجم التهديدات التي تمس حياة آلاف المعتقلين.
ويرى محللون سياسيون أن الإضراب يمتلك أبعاداً تتجاوز الاحتجاج المحلي، حيث يساهم في إعادة ترتيب الأولويات الوطنية وتسليط الضوء على الانتهاكات الإسرائيلية دولياً. وأوضح المحلل سليمان بشارات أن مثل هذه التحركات تمنح طاقة مجتمعية قادرة على إشعال مواجهة شاملة إذا ما أقدم الاحتلال على تنفيذ أول عملية إعدام رسمية.
التحرك الشعبي الواسع هو الوسيلة الأكثر فاعلية لمواجهة سياسات الاحتلال وإحداث ضغط حقيقي يتجاوز المواقف الرمزية.
وحذر بشارات من أن قانون الإعدام قد يكون الشرارة التي ستغير قواعد الاشتباك في الضفة الغربية، نظراً للحساسية العالية التي يوليها الشارع الفلسطيني لقضية الأسرى. وأكد أن الرسالة الشعبية تهدف إلى وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية للتدخل ومنع ارتكاب جرائم حرب مغطاة بتشريعات قانونية.
وفي سياق متصل، دعا مراقبون إلى استثمار حالة العزلة الدولية التي تعاني منها إسرائيل حالياً لتحويل بيانات الاستنكار إلى عقوبات فعلية. وأشاروا إلى ضرورة التحرك في أروقة محكمة الجنايات الدولية ومجلس حقوق الإنسان لتوثيق هذه القوانين كدليل إضافي على جرائم الإبادة والاضطهاد الممنهج ضد الشعب الفلسطيني.
وعلى صعيد آخر، أشار المحلل السياسي ياسين عز الدين إلى وجود تحديات بنيوية تواجه العمل الوطني في الضفة الغربية نتيجة الممارسات الأمنية المزدوجة للاحتلال والسلطة الفلسطينية. واعتبر عز الدين أن تفريغ العمل الفصائلي من محتواه أدى إلى تراجع زخم المشاركة الشعبية في المسيرات والوقفات الاحتجاجية مقارنة بالسنوات الماضية.
واقترح عز الدين بدائل أكثر تأثيراً من الإضراب التقليدي، مثل التوجه نحو الحواجز العسكرية وكسر الحصار المفروض على المدن والقرى الفلسطينية. وأكد أن المقاومة الشعبية المباشرة، مثل الدفاع عن المزارعين والبدو في المناطق المهددة بالاستيطان، هي الرد الأمثل على محاولات تصفية القضية الفلسطينية عبر القوانين الجائرة.
كما لفت المحلل إلى أهمية دور المؤسسات التعليمية، مطالباً بضرورة انتظام الدوام الوجاهي في المدارس والجامعات لضمان انخراط الكتلة الطلابية في الحراك الوطني. ويرى أن التعليم عن بُعد ساهم في تفتيت الوعي الجمعي للشباب وقلل من قدرتهم على التنظيم والمشاركة الفاعلة في الفعاليات الوطنية الكبرى.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن مدن رام الله، ونابلس، والخليل، وجنين شهدت التزاماً كاملاً بالإضراب، حيث بدت الشوارع خالية تماماً من المارة والمركبات. وأكدت القوى الوطنية أن هذا الإضراب هو مجرد بداية لسلسلة من الخطوات التصعيدية التي سيتم اتخاذها في حال استمرار الاحتلال في غطرسته التشريعية.
ختاماً، يبقى التساؤل قائماً حول قدرة هذه التحركات على لجم القرارات الإسرائيلية، في ظل حكومة يمينية متطرفة لا تعير وزناً للقوانين الدولية. ومع ذلك، يراهن الفلسطينيون على صمودهم الأسطوري وقدرتهم على ابتكار أدوات نضالية جديدة تحمي أسرانا من مقصلة الإعدام التي يحاول الاحتلال فرضها كواقع جديد.





Share your opinion
إضراب شامل يعم الضفة الغربية رفضاً لقانون إعدام الأسرى الإسرائيلي