الحلقة السادسة
إن ما تمّ تسويقه كسلطة وطنية، ليس سوى سلطة بصلاحيات مفوّضة من المحتلّ ضمن ولاية متُفق عليها، كان مجرد القبول بذاك التفويض إضفاء شرعية على سلطة الاحتلال التي لا شرعية لها، والتي مارست صلاحيات إدارة الأرض المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، بعد الاستيلاء عليها بالقوة العسكرية، بالأوامر العسكرية، بعد أن نقلت لنفسها صلاحيات الحكومة الأردنية في الضفة، والإدارة المصرية في قطاع غزة، بالأمر العسكري رقم"2" خلافاً للقاعدة الآمرة بالقانون الدولي التي تنص على "عدم جواز حيازة أرض الغير بالقوة"! والسلطة الفلسطينية لم ولن تبلغ حدّ ممارسة الحكم استناداً لمرجعيته الشرعية، ما لم تنفض عنها أسمال ذلك التفويض.
لقد تم تعطيل سُلطة الشعب وإرادته، فكل أشكال البُنية الديمقراطية للنظام غير سويّة، وغير مكتملة، بل لا يمكن ادّعاؤها أو تسويغها أو التعديل عليها، أو البناء على أساسها. كما لا يمكن الركون إلى إمكانية التراكم على أيّ بناء لا على مستوى منظومة الحكم، ولا على مستوى التنمية الوطنية أو الاقتصادية، فكل شيء مرهون بإرادة المحتل وموافقته؛ الموارد والحدود والحركة، الماء والكهرباء والشوارع وحيز البناء والسكن، ورواتب الموظفين، ومصادر رزق الناس..ظلال الاحتلال السوداء والثقيلة تغمر وتستبيح كل شيء وتخرّبه، وتخلق مناخاً طارداً للاستثمار والتقدم والنماء. وبالتالي؛ فإن التشدّق بإنجاز العديد من المشاريع، ما هو إلاّ ادّعاء في غير مكانه، وتضخيم للهوامش والنتوءات، وتصدير للوَهْم والسراب.
لقد اكتملت عملية التضليل في المفاهيم والرموز في حالتنا الفلسطينية، بمعنى أننا استخدمنا مصطلح "سلطة وطنية"، فيما الولاية المُتّفق عليها هي "سلطة"، فقط، في ظلّ "دولة" أخرى هي دولة الاحتلال، باعتبارها مصدر الولاية، غير أن تلك الولاية تم حيازتها بسلطة القوة وليس بسلطة الشرعية أو من مصدرها.
واستخدمنا مصطلح "سلطة تشريعية" بينما المهمات التشريعية مُوكلة للسلطة في حدود الولاية المُتفق عليها وليس في مطلق إرادة الشعب، فليس للمجلس التشريعي (المُنحلّ) أن يسنّ قانوناً يتعلق بالاستقلال الوطني، لا بل بممارسة صلاحيات خارج منطقة وحيز التفويض ذاك، ما يسمى المنطقة "ج" سواء كانت تلك الصلاحيات مدنية أو أمنية.
واستخدمنا "سلطة تنفيذية" بينما الولاية المنقولة إلينا ليست أكثر من ملفّات، وبالتالي هي سُلطة إدارية مُفَوَّضة! وإلاّ فكيف نفسّر وجود الإدارة المدنية، ومناطق أ،ب،ج..؟
واستخدمنا مفهوم الأمن الوطني، ونحن لا نملك أو نسيطر على الأمن القومي (الحدود، المعابر، الأجواء)، ولا نملك السيطرة على الأمن الوطني (التموين، الكهرباء، الاتصالات، الأرض، المياه، الطرقات)، ولا نملك إلاّ وظيفة أمنية محدودة في الجغرافيا - مناطق أ- والمجالات الاجتماعية والجنائية..وحتى في هذه لا الأفراد ولا حيز الولاية مطلق ولا يوجد ولاية قضائية بالمعنى الدقيق، لا على الأفراد ولا على الحيز، فليس للسلطة الفلسطينية ولاية قضائية لا على المستوطنات ولا على المستوطنين المتواجدين في الضفة الغربية، ولا على الاسرائيلين الذين يتحركون فيها، بل ولا على كل الفلسطينين، فالقدس والمقدسيون خارج الولاية القضائية أيضاً.
ناهيك عن الوظيفة الأمنية، التي تشكل أحد الأسس الثلاثة للولاية المتفق عليها، فبعد أن عطّل المحتل الأساس الأول وهو الأساس السياسي، وسيطر بشكل مطلق على الأساس الثاني وهو الاقتصادي، جعل الأخير وهو الأمني خدمة وحماية لوجوده واستمرار لاحتلال أرضنا، بينما يفتقد الفلسطينيون الأمن وتستباح حياتهم وبيوتهم وممتلكاتهم من قبل المستوطنين المحروسين من جنود الاحتلال، ولا تستطيع السلطة أن توفّر لشعبها أدنى مستويات الحماية، ولسان قيادة السلطة يطلب من المواطنين الفلسطينين حماية أنفسهم! ورغم كل ذلك فإن موازنة الأمن هي الأعلى في الموازنة الفلسطينية!
كما غلب على الأداء الفلسطيني الارتجال المدفوع بمصلحة فئة ما، خاصة بعد استشهاد الرئيس عرفات، علما أن هذا لا يعفي تلك المرحلة تماماً من خلق حالة الإلتباس في المرجعيات الاستراتيجية، فمصدر شرعية الحقوق للفلسطينين على أرضهم يتكون من أساسين؛ الحق التاريخي والشرعية الدولية، إن تجاوز التأكيد على المكونين واستبدالهما بصياغات عامة أخلّ بالأساسين، وخلق حالة التباس، منحت الاحتلال حق منازعتنا على كلاهما، على التاريخ والرواية التاريخية وعلى الأرض والشرعية القانونية، ووضع الحالة وكأنها أرض متنازع عليها بدل أرض محتلة.
لقد خُلقت حالة من الالتباس السياسي التي تتعلّق بالرؤية والاستراتيجيات السياسية، التي من المفروض أن تخدم الأهداف والغايات الوطنية، وتسعى إلى تحقيقها، وتتجلى مظاهر الالتباس في:
- إضعاف مكانة المرجعيات الشرعية والقانونية في الاستراتيجية السياسية الفلسطينية، والتي هي بالأساس القوانين والقرارات الدولية الضامنة للحقوق والغايات الفسطينية "قرارات 181 و194 وبنود القانون الدولي المتعلقة بحقوق الشعوب الرازحة تحت الاحتلال".
- التباس الأدوات، وعلى رأسها المفاوضات، إذ كنّا نفاوض أحياناً في ظلّ استمرار الاستيطان، ثم نتحدث عن تجميد الاستيطان كشرط أساسي، وحتى في هذه لا يبدو أن لنا خطاً سياسياً واضحا وحاسماً، يقدّم صيغة فاصلة في هذا الشأن.
- الالتباس في الأداء، بحيث يبدو أداؤنا أقرب إلى ردّة الفعل منه إلى الفعل والرؤية والتخطيط، فعلى سبيل المثال نتبنّى خارطة الطريق، ثم نذهب إلى أنابوليس، ثم ننتظر خطاب أوباما، ونقع في حيص بيص، وتُعرض علينا خارطة الطريق ونرفضها بحقّ..ثم نُبدي استعدادنا للمفاوضات دون شروط، ثم يرفض الاحتلال مقابلتنا! ويبدو ردّنا عليه متأخراً ومرتبكاً، ونرجع إلى اللجان العربية، ونتوه في مفهوم الذهاب إلى الأمم المتحدة، ويلتبس منطوقنا إلى حدّ قبولنا فعليا بما هو موجود..إلخ، ثم نُعطي الاحتلال مهلة عام للانسحاب..ولا نفعل شيئاً لنحقق إنذارنا! ونطالب حماس بالاعتراف بشروط الرباعية ولا نطالب إسرائيل بذلك! أي أن أداءنا لا تحكمه رؤية مسُبقة أو حتى خطوط عريضة لاستراتيجية محددة ومتفق عليها وطنياً.
- التسليم بإعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني، على أسس مطواعة، تركز على الصراع المدني، وتبتعد عن الصراع ضد الاحتلال، من خلال فتح بواباتنا على مصاريعها لإنشاء المنظمات غير الحكومية، التي بات معظمها يشكّل لُحمة المجتمع المدني الفلسطيني، بأجندات المموّلين وأفكارهم وأولوياتهم، ما يعرّض المؤسسة الفلسطينية للتطويع واستدخال الهجين الغريب والخطير، إلا من البعض الذي لم يعد الاحتلال يطيق بقاءه ممن هم خارج تلك الأجندات.
كل ذلك أدخلنا إلى حالة من العجز السياسي والنضالي والوطني، وأفقَدنا الكثير من مصادر القوة، التي هي في حالة توفّر دائم، ولم يتمّ نفيها، لكننا عطّلنا استخدامها وتوظيفها في سبيل تحقيق غايات لا يمكن أن تكون متعلّقة بالتحرير، ولا يمكن تفسير ذلك إلا كبيع للوَهْم مقابل الحفاظ على وجود سلطة لا تملك من أمرها إلا فتات الأمور.
والمقصود بمصادرة القوة؛ طاقة الشعب الفلسطيني، الذي تم إخراجه من معادلة المواجهة وإغراقه في اهتمامات وهموم أخرى. وكذلك طاقة القوى المنظمة في الشارع التي امتلكت الخبرة وعجنتها ميادين الصراع، وأعني الفصائل الفلسطينية، وكذلك طاقة الجماهير العربية، التي لم تعد تعرف ماذا نريد على وجه الدقّة، وكذلك طاقة القوى الدولية المُساندة، التي التبست أهدافنا في ذهنها..رغم تعاطف شارعها مع ضحايانا، ولم نفد كثيرا من هذا الحراك أو نعمل على مأسسته..
ثمة حالة عجز واغتراب، وتشوّيه البنى الفكرية والثقافية للأفراد والجماعات، وضياع المهمات، عدا أن الاغتراب يعطّل الطاقات، ويدفع الفرد إلى الإحباط أو البحث عن الخلاص الشخصي، ما يعمّق تجليات الارتكاس والذبول والتراجع في مجتمعنا، التي تتمثل في تمزيق الذات، وإهانة الرموز، والانتماء للدوائر الصغيرة، واعتماد اللغة النهائية، والتشبّه بالجلاّد، وتقطّع المنظومة الاجتماعية والأخلاقية، وتعدّد الأولويات، وتشقّق الملامح في الشخصية الفلسطينية..إلخ، ما يستوجب وضع استراتيجيات خلّاقة تخرج عن النمطي والمعتاد والرتيب، تشمل كل مكونات الصراع ميدانياً وسياساً ثقافياً وتربوياً وفكرياً وإعلامياً، لاستعادة التوازن الجَمْعي، وضبط الإيقاع العام للشعب الفلسطيني، بما يضمن حقوقه وثوابته التاريخية ووحدته، ويحرس أحلامه وتطلعاته، وكيف لهذا أن يتم في غياب المناهج والرؤى، وتفريغها من محتواها الوطني والمعرفي والنضالي والحضاري، ما ينبئ بأجيال لا ذاكرة لها أو تترنّح في فراغ العدميّة؟
باختصار؛ فإنّ المجتمع الذي يكون قد فَقَد الكثيرَ من مناعته وحصانته الأخلاقية، يصل إلى شكل من أشكال الهزيمة. ونستدرك لنقول؛ إن المجتمعات الحيّة، ومنها المجتمع العربي، لا يمكن أن تصل الهزيمة فيه إلى حدّ أن يَرْفَعَ الرايةَ البيضاء، لكنها تكون هزيمة نسبيّة أو مجازيّة ومرحليّة بالضرورة.
وأعتقد أن المجتمع لما له من قوة (اجتماعية وأخلاقية) يظل قادراً على إنتاج الرادع والكابح أمام الانفلات الكامل، لكن مسألة النهوض لا تتم بالتلقائية التي يعتقدها البعض، بل لا بد لها من روافع وطلائع وتضحيات .
فالمطلوب هو؛ الوحدة. أن نتحرّر من القيود التي كبّلت أيدينا، وعطّلت قوانا وأدواتنا، واعتبار خيار الوحدة والمصالحة خياراً استراتيجياً وأولوية قصوى، والتوجّه إلى المصالحة بقلب وعقل صادقين وحقيقيين، بعيداً عن أي حسابات، لأننا لا يمكن أن ننجز عملية التحرر الوطني دون إنجاز الوحدة. وإعادة تعريف المهمة الأساسية للشعب الفلسطيني باعتبارها مهمة تحرر وخلاص وطني أساساً، وليست إدارة حُكم مجزوء ومنقوص وبشروط الاحتلال والمموّلين. وإعادة بناء رؤيتنا الاستراتيجية لعملية التحرر الوطني في ظلّ التغيرات الإقليمية الهائلة وضمن مناخات الثورات العربية، والحروب التي تتلاطم من حولنا، بما يتضمن وعياً جديداً للإمكانيات والأدوات وتوظيفها في عملية التحرر. واستعادة وإبراز المرجعيات الضامنة لحقوق الشعب الفلسطيني والارتكاز إليها في صياغة البرنامج السياسي الوطني، الذي يجب أن يكون الأرض الراسخة للوحدة الوطنية ولتكريس المصالحة بمعناها العميق. وتطوير أدواتنا النضالية بما يلائم المهمة والمناخ الإقليمي والدولي. وتحرير الفرد من القيود الفكرية والثقافية والمعيشية التي عطّلت واستلبت قدراته، والمقصود باستعادة المهمة الأساسية، وهي التحرر الوطني، تقديمها على أي مهمة أخرى، حتى لو كانت مهمة الحكم، فإن لم يكن ممكناً توظيف مهمة الحكم في مهمة التحرير، يجب أن لا يسمح أن تكون مهمة الحكم معطلة لمهمة التحرير، فإذا كانت السُلطة أمرا واقعا، علينا أن نحررها من كل القيود التي تجعلها أداة معطلة للتحرير، أو أن تكون جزءا من منظومة المحتل للسيطرة على إرادة الشعب الفلسطيني، ما يعطل مهمة التحرير. إن هذا الفهم هو المدخل الحتمي للانتقال، في الواقع، من صيغة التعايش مع الاحتلال إلى صيغة مقاومة الاحتلال، وغير ذلك ليس سوى إرادة مجموعة تستبدل الحكم في ظلال الاحتلال على التحرر منه. إن هذا يعني تغير كامل بالمهمة الرئيسة للحكم أو استبدالها، من خلال فكّ ارتباطاتها وتعاقداتها مع دولة الاحتلال، وتحويلها إلى منظومة حُكم فلسطيني يخضع لإرادة الشعب المقاوم، حتى أثناء الاحتلال وخلال عملية النضال من أجل إنهائه، وذلك بمحاربة الفساد واعتماد الشفافية وفصل السلطات، والتصرّف كدولة تحت الاحتلال بكل ما يعني ذلك من متطلبات، كالحصول على الاعتراف الدولي والعضوية الكاملة في الأُمم المتحدة، بما لا يخضع لإملاءات وشروط وتهديدات المُحتلّ وحلفائه، لأنّ العالم، اليوم، هو أوسع مما كان، وقد أبدى اعترافا متقدما نحونا..وأعتقد أن الموقف الأمريكي يتغير من قضيتنا بقدر ما نفرضه من حقائق وجودنا الوطني والسياسي على الأرض..ولا مناص من الذهاب إلى اشتباك سياسي، واعٍ لكلّ طاقاتنا وللمتغيرات الإقليمية والدولية، يبدأ هنا على الأرض، بحيث نجعل من كلّ كبيرة وصغيرة موضوعة اشتباك مع المحتل؛ بدءا من غزة وأهوالها، ووصولا إلى القدس، والاستيطان، ومخيمات اللاجئين، والتعليم، والماء والكهرباء، والسكن والطريق، والحركة ورعاية الطفولة والحريات السياسية والعامة، وحق تقرير المصير..يكون اشتباكا فاعلا تشارك فيه كل فئات الشعب، لأن الاحتلال لا يواجَه بنمط العيّنات، أي مواجهة هنا وأخرى هناك، على تباعد من الأوقات، بل مواجهة شاملة على كل مساحة الأرض وفي كل الموضوعات، لحصر مشروع الاحتلال المُناقض لكل القوانين الدولية وإنهائه.
إن التأويل الحصري، أو القراءة الواحدة المكرورة والمفروضة، لا يسهمان في تنوير الشعب وتحسس قضاياه وإدراك مهابطه ومكامن قوته، مثلما يعرقلان الخطوات الملهوفة الباحثة عن مخارج تصلح لضمان حياة الشعب ومصالحه وقضاياه، كما أن إعدام القراءات الأُخرى للواقع السياسي الفلسطيني أو الإقليمي يؤدي إلى التحجّر والتلقين وسيطرة رأي أصحاب المصالح والأهواء، ويُبقي الحياة مهملةً في سلّة المتنفّذين.
وإن إقحام"المصلحة الوطنية" أو توزيع الصفات السلبية "السوداوية والتشاؤم والتطرّف والإحباط واليأس والترهيب" كورقة نافذة ورابحة وذات تأثير، للتأليب ضد النقد والتمحيص والحفر وإضاءة ما يخفى، هو قمع مقنّع، وإضمار لإخراس المختلِف الوطني، وإعدام للرأي الآخر الحريص.
Sun 11 Jan 2026 9:49 am - Jerusalem Time
حركة فتح .. في انطلاقتها
المتوكل طه





Share your opinion
حركة فتح .. في انطلاقتها