يعيد التاريخ إنتاج نفسه مرتين، الأولى على شكل مأساة أو كارثة، والثانية بشكل مسرحي أو ملهاة. بحسب وصف الفيلسوف كارل ماركس. والمتتبع للتاريخ يجد أن التاريخ بعد قرن من الزمان يعيد إنتاج ذاته ببعده الكارثي. فعندما وصل أدولف هتلر للسلطة في ألمانيا قاد بلاده للانسحاب من عصبة الأمم المتحدة التي تشكلت كمنتظم دولي للأمن الجماعي بعد الحرب العالمية الأولى، واليوم يقوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتمهيد للانسحاب من الأمم المتحدة وليدة الحرب العالمية الثانية بالسير على ذات الخطى التي بدأها هتلر وصولا لانسحاب برلين من العصبة الدولية.
والمتتبع لخطوات ترامب في إضعاف الأمم المتحدة ومنظماتها يمكنه وصف ذلك بأنه ميل جدي لتحريك التاريخ الكامن والتمهيد لحروب بأشكال متعددة وقارية. وإن كانت هناك فروق بنيوية بين المرحلتين إلا أن اللحظة التاريخية تكاد تكون متشابهة. فالمؤسستان ولدتا كإطار هش وبلا أدوات ردع أو قرارات جماعية. وفي ظل خوف وتردد وحسابات قاتلة للأعضاء تمنعان الإنزلاق نحو الهاوية.
هتلر استبق سحب بلاده من عصبة الأمم بإجراءات متعددة عبر تشكيك شعبه بالنظام الدولي القائم ووصفه بالظالم لألمانيا، والتحشيد باتجاه القوة الوطنية السيادية المتميزة عرقياً، ومطالبة دول أخرى على الانسحاب من العصبة. أما ترامب فذهب بذات الاتجاه تحت شعار "أمريكا أولاً" كنهج سيادي يفوق القوانين والأعراف والمؤسسات الدولية، إلى جانب تقويضه الأمم المتحدة من داخلها (انسحاب/و/ لا انسحاب). فانسحب فعلا وهدد بالانسحاب من أجنحة متعددة لهيئة الأمم المتحدة ومنها مجلس حقوق الإنسان، ومنظمة الصحة العالمية، وقلص التمويل لوكالات أممية مثل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" وحاربها ودعا لتفكيكها، عدا عن تشكيكه الدائم بالقانون الدولي والمؤسسات المختلفة. ويمكن إدراج هذا السلوك الترامبي بالإضعاف الممنهج للمنتظم الدولي من داخله وخلخلة أركانه وحشد شعبويين آخرين لتقليده تأسيساً لإعلن وفاة المنظمة الدولية رغم عيوبها وقلة حيلتها وإحلال "الطريقة الأمريكية للحياة" مكانها.
صحيح أن هتلر قاد مشروعاً استعمارياً بقوة السلاح والحرب، فإن ترامب يقوم بذات الأمر ولكن بحروب متنقلة وعبر عسكرة الاقتصاد والثروات والضرب بالقانون الدولي عرض الحائط، ولعل المفارقة الدالة بين الرجلين أنهما قادا بلدين ليسا من نسلهما فهتلر نمساوي العرق، وترامب ألماني لجهة الأب. وتفكيك النظام الدولي، سواء بالانسحاب الصريح كما فعل هتلر، أو بالتقويض التدريجي كما يفعل ترامب، يفتح الباب أمام الفوضى.
في عهد ترامب تتعرض هيئة الأمم المتحدة لهجوم سياسي غير مسبوق، وهو ما يبرر السؤال المخيف: هل نحن أمام تكرار تاريخي بصيغة جديدة؟ فسياسات ترامب تفتح الباب أمام قوى أخرى للتتلمذ عليها والمرشح الأقوى لذلك هو دولة الاحتلال الإسرائيلي.
هتلر كان سبق ترامب في تخويف وقتل واختطاف زعماء دول وحركات مقاومة لمشروعه النازي الذي كان عماده الغزو والقتل والتهديد وفرض الأمر الواقع والإكراه، ومن ذلك استدعاء المستشار النمساوي كورت شوشنيغ لبرلين وإجباره على الاستقالة، وسجنه في معسكرات الاعتقال. وكرر ذلك مع رئيس تشيكوسلوفاكيا إميل هاتشا وأجبره على تسليم بلاده بعد جلبه لبرلين تحت التهديد، عدا عن إرساله جهاز المخابرات الألماني "الغستابو" خلف معارضين ألمان ودوليين في كل بقاع الأرض لاختطافهم أو تصفيتهم. أما ترامب فصفى قادة وزعماء دوليين كثر وآخرهم اختطافه الرئيس المنتخب والشرعي لفنزويلا نيكولاس مادورو وتهديده آخرين بذات الفعل مستخفاً بالسيادة الوطنية للدول ومسيساً القانون ومنصباً نفسه قاضياً وجلاداً، ومتهماً الرؤوساء بشرعيتهم كذريعه للخطف والقتل والتهديد وتدفيعهم الأموال والمواقف.
ويلتقي ترامب مع هتلر في اختلاق أكاذيب على التاريخ والجغرافيا لضم أراض ودول بكليتها لإمبراطوريتهما. إن سلوك ترامب الشعبوي يؤسس لنوع جديد من التدخلات والحروب، فخطف الرئيس مادورو عبر عملية عصابية بطريقة خاطفة وسريعة وبكلفة أقل وزمن أقل يحمل دلالات هذا التوجه بشكل يقيني.
ولعله من المفيد التذكير بأن لأمريكا سجل حافل وطويل في عمليات خطف وإزاحة وتصفية لقادة وزعماء دوليين بشكل مباشر أو عبر وكلاء لها، ومنها حالة رئيس بنما مانويل نورييغا (1989) الذي غزت واشنطن بلاده ففر لسفارة الفاتيكان قبل أن تختطفه إلى ميامي، وكذلك الرئيس الهايتي جان-برتران أريستيد – الذي خطفه الفرنسيين والأمريكيين إلى إفريقيا عام (2004) . الرئيس العراقي صدام حسين إختطفه جنود أمريكيين وثبت نقله خارج العراق أكثر من مره قبل إعدامه في بغداد لاحقاً. وفي تشيلي دعم الأمريكي إنقلاباً عام (1973) ضد الرئيس سلفادور أليندي أدى لقتله، وفي فلسطين تمت تصفية الرئيس الفلسطيني الشهيد ياسر عرفات (2004) بضوء أخضر أمريكي وبإشراف وتدبير إسرائيلي، وكذلك الحال مع الشهيد السيد حسن نصرالله في بيروت حيث كانت المقذوفات أمريكية والمعلومات الاستخباراتية أمريكية كذلك والتنفيذ إسرائيلي. وعليه يمكننا القول بأن خطف الزعماء أو تصفيتهم بات “أداة سياسة” مُعلنة.
وفي ظل ما تقدم يثار السؤال عن إمكانية تكرار ما جرى مع الرئيس الفنزويلي مادورو مرةً أخرى مع المرشد الإيراني أو الزعيم الكوري الشمالي باعتبارهما ألد خصوم ترامب؟ قد تكون الإجابة بمنظقها التحليلي لا. رغم الرغبة غير المستترة لدى ترامب. وأسباب ذلك أنه أي ترامب يحاول الظهور بمظهر المغامر وهذا يستخدمه مع نظم وشخصيات مكشوفة، ولكنه يلجأ للصفقات كمستثمر عقاري في القضايا المعقدة ذات الكلفة المالية والسياسية والعسكرية الباهظة التي لا تجر لحرب كبرى، ففي حالة بيونغ يانغ الحديث يدور عن دولة لا يتسلل الطير إليها، وترسانة نووية مخيفة، ومصالح أمريكية مجاورة أهدافاً سهلة للجيش الكوري، وعقيدة عسكرية بلا خطوط حمراء "الرد الشامل"، وأي مغامرة تجاه رئيسها حرب لا تبقي ولا تذر. وفي الحالة الإيرانية، إيران دولة ذات حضور إقليمي وموقع جيوسياسي يعطيها قدرات رد مؤلمة عسكرية واقتصادية تتعلق بتدفق النفط للعالم، ولديها حلفاء على مساحة جغرافية متنوعة وممتدة في الشرق الأوسط .
حالات الخطف في ذهن ترامب محكومة بعوامل يمكن تفعيلها ضد الدول المعزولة والضعيفة ذات القدرات العسكرية المحدودة وهو أمر قد يتهدد كولومبيا، كوبا، المكسيك، انتزاع عرينلاند من الدنمارك.
تفكيك القيادة بدل احتلال الدول عقيدة ترامب العسكرية الجديدة "إذا سقط الرأس، ينهار الجسد دون حرب شاملة" لأن الحروب التقليدية عالية الكلفة خاصة بعد تجارب فيتنام وأفغانستان والعراق، وتشكل إستنزافاً طويل المدى حتى ما بعد الانسحاب، والشارع الأمريكي صحيح أنه نهم للسيطرة على موارد الآخرين ولكنه غير متقبل لدفع كلف بشرية ومالية لقاء ذلك.
هل سيطبق التلميذ الإسرائيلي "نتنياهو" تجربة المعلم الأمريكي "ترامب"؟ إسرائيل ترغب بذلك بقوة وهي مؤهلة لذلك لما تمتلكه من جهاز استخبارات متمرس "الموساد" ولديها سجل سابق في هذا المضمار فقد قامت باختطاف أدولف أيخمان (1960)وخطط شارون غير مرة لاختطاف الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات منذ عام 1982، وكذلك جربت إختطاف أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جورج حبش.
وبعد خطف الرئيس مادورو بات الأمر أكثر إغراءً لإسرائيل مع ما سيقدمه ترامب من غطاء إن هي أقدمت على ذلك فهو أمر بلا كلفة عليها، ويُقدَّم كـ "ضربة نظيفة" ويتوافق مع العقلية الأمنية الإسرائيلية.
ولكن ما قد يردعها عن ذلك أنها بدون موافقة الأمريكي لن تخوض غمار التجربة وستكتفي بتنفيذ الاغتيالات وقضم الأراضي بالتوالي إينما تمكنت، وإطلاق التهديدات، والعبث بالاستقرار من داخل الدول وتوظيف خبراتها في عالم الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية ضد خصومها.
——————————————————————————
ويلتقي ترامب مع هتلر في اختلاق أكاذيب على التاريخ والجغرافيا لضم أراض ودول بكليتها لإمبراطوريتهما. إن سلوك ترامب الشعبوي يؤسس لنوع جديد من التدخلات والحروب، فخطف الرئيس مادورو عبر عملية عصابية بطريقة خاطفة وسريعة وبكلفة أقل وزمن أقل يحمل دلالات هذا التوجه بشكل يقيني.
Thu 08 Jan 2026 9:49 am - Jerusalem Time
ترامب على خطى هتلر في خلق نظام دولي جديد وعقيدة عسكرية مستحدثة قوامها الخطف للزعماء وإسرائيل تلميذ في المدرستين
بقلم الإعلامي خالد الفقيه





Share your opinion
ترامب على خطى هتلر في خلق نظام دولي جديد وعقيدة عسكرية مستحدثة قوامها الخطف للزعماء وإسرائيل تلميذ في المدرستين