بداية، لنتفق على الرأي السديد الذي يقول: لن يُبنى مستقبل القدس خاصة، والوطن والبشرية عامة، على الشرذمة والفئوية والكراهية الناجمة عن الجهل، متناسين أن الحرية المنشودة تبدأ حين ينتهي الجهل.
تلتقي جميع الديانات السماوية والمنطلقات الفكرية على أن الأخلاق هي السمة الأساسية للإنسان "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وعليه فمن حسنت أخلاقه حسن دينه. أولى ركائز الأخلاق كظم الغيظ والقدرة على العفو عند المقدرة، بهذا نضمن نوعاً ما العيش بتفاهم وأمان.
بكل أسف، نرى اليوم أن التعليم الرسمي قد أهمل ما ورد أعلاه عند البدء في تربية وتعليم الطفل.
تناولنا في مقالات سابقة الوضع الاآخذ بالانزلاق نحو الهاوية للتربية والتعليم الذي نريد في القدس، مؤكدين عدم السماح بخسارة معركة التربية والتعليم والثقافة وإن كنا قد خسرنا، نوعاً ما ومؤقتاً، المعركة السياسية. جاء هذا من خلال بدء فرط المسبحة التربوية التعليمية عبر الإغراءات المادية وبيع الوهم للطلبة وأولياء أمورهم، ناهيك عن اذكاء الصراعات الداخلية، ما نتج عنه تلاشي دور قلاع تربوية مقدسية تاريخية، مع محاصرة البعض الاّخر منها للحد من دورها أولا ثم إجهاضها لاحقاً، كي لا تنجز الدور المنشود، وللأسف بمشاركة أيادٍ مقدسية عربية. كل هذا بسبب غياب رؤية تربوية تعليمية واضحة تحدّد أدوار مكونات المجتمع ككل، وقد ينطبق هذا القول على القطاعات الأخرى ( اقتصادية، اجتماعية، بيئية... إلخ).
مع ذلك، يبقى الأمل قائماً بأن الأرض التي أنبتت قامات وقلاعاً تربوية مقدسية عبر فترات تاريخية قد تكون أشد حلكة وظلاماً مما نحن فيه اليوم، تبقى قادرة على إعادة تصويب البوصلة لإنجاز هذا الأمل المنشود، وذلك من خلال إرادة واستراتيجية تربويتين عتيدتين، يمكننا إعادة العصر الذهبي للتربية والتعليم في القدس وباقي محافظات الوطن من خلال:
* تفعيل دور الأسرة وبناء علاقات تعاون متداخلة بينها وبين المدرسة، إذ لا يمكن فصل العلاقة الترابطية المتداخلة (Correlation) بينهما. تكمن الركيزة الأولى في هذا الجانب من خلال ضمان الاستقرار الأسري المتوازن، ليس فقط على الصعيد المادي، بل وأيضاً السيكولوجي والاجتماعي من خلال توزيع الأدوار والمهام، ما يعزّز من قيمة الشراكة المسؤولة عملاً لا مجرد قولاً. قد يكون ذلك عبر بناء علاقات ودّية: أولاً داخل العائلة، تقوم على التسامح، الذي هو أسلوب حياة من شأنه تحقيق الشعور بالسلم الداخلي لأفراد العائلة، وبالتالي ازالة مشاعر الغضب والكراهية وتعزيز قيم الاختلاف وتقبل الرؤى الأخرى، من خلال تعزيز مهارات الإصغاء النشط لفهم الآخر، التحث بصراحة وهدوء، ممارسة فن الاعتذار والتعلم من الأخطاء.
أيضاً، من الأهمية بمكان استقبالهم، عند العودة بكل ترحاب وبابتسامة غير مبالغ بها مع تجنب التعزير واستبداله بالتعزيز لكل ما هو إيجابي دون قصر هذا على العلامات المدرسية،(مساعدته زميله، مشاركته بأعمال مجتمعية تطوعية كقطف الزيتون، مساعدة كبار/ صغار السن). ولتحرص الأسرة على أن يكون المنزل نظيفا وبأجمل ما يكون (طبعاً، أعمال الترتيب هذه خلال وجود الأبناء في المدرسة).
دور المدرسة كمصدر تنوير وتهيئة للمستقبل العتيد
كي تبدأ المدرسة في تأدية دورها بشكل ايجابي، على الأسرة أن تحرص على عدم ذهاب الأبناء إلى المدرسة وهم في حالة غضب وكراهية وتوتر، لندربهم على مهارة وأهمية صنع البسمة للأمور مع التركيز والانتباه بدون إفراط. يكون ذلك من خلال الشرح والتبيان، وتوضيح الأسباب والنتائج المتوخاة، وتعزيز المواقف الإيجابية، وتجنب الصراخ والشتائم، والابتعاد عن استعمال ألفاظ سلبية من شأنها إيجاد نمط تفكير سلبي لدى الطالب/ة، أو اللجوء إلى أسلوب الحرمان كعقاب على سلوك غير مقبول، وتوظيف مهارات وأسس تعديل السلوك، كل هذا بهدف جعل المدرسة حاضنة دافئة لتنمية المشاعر الإيجابية نحو ذاته ونحو الآخرين، وبالتالي أن ينهل المزيد من القيم والمهارات والمعارف كما أسلفنا سابقاً، هذه هي المدرسة المقدسية التي نريد وتعتمد أسلوب التعلم والتعليم التفاعلي القائم على التحفيز والمشاركة، ولتكون أنموذجاً لمدارس الوطن الحبيب.
من الأهمية بمكان أن يعي طاقم المدرسة، وهم يؤدون رسالتهم التربوية التعليمية، أن هؤلاء الطلبة هم أمانة تم إيداعها لديهم، وبالتالي، يتوجب العمل بكل عزيمة وإرادة، دون تطفيف، لزراعة وغرس القيم والأخلاق والمحبة في نفوسهم، وتنمية المهارات لضمان تحصيل المعرفة وتطبيقها عملياً قدر المستطاع.
عودة إلى ما يجري هذه الأيام في بعض مدارس القدس، وفق ما تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي حديثاً، وبعض وسائل الإعلام، وقعت حالات يندى له الجبين في بعض من مدارس القدس الخاصة، وكأن القدس بحاجة إلى المزيد من البلاوي وخيبات الأمل، على المستوى التربوي التعليمي الذي قد ينعكس على السلم الأهلي في القدس، والوضعين الاجتماعي والاقتصادي.
بشكل مختصر، العنف- العدوان ( بكل أشكاله) ووفق رؤية الكاتب هو عمل- فعل، سلوك ، نجم عن فشل في التعامل مع الاآخر.
لا أريد تكرار ما كنت قد نشرته سابقاً تحت عنوان "مصيدة العسل" في آذار 2025. وما تبع ذلك من ردود وحوارات. سيتم التركيز هنا على حالة مقيتة تسود في المجتمع المقدسي عامة وبعض المدارس خاصة، ألا وهي حالات العنف (بكل أنواعه) وسلوك التنمر وسط الطلبة اليافعين ومن هم في سن المراهقة، ذكوراً وإناثاً، والتي بعضها يطول للأسف كافة أضلاع المثلث التربوي: الطلبة والإدارة وأفراد من طاقم التدريس، وأحياناً تورط أولياء أمور. في الوقت الذي نفخر به بدور غالبية مدارس القدس، نتحدث هنا عن ما جرى في مدرستين من المدارس الخاصة، إحداهما يثبت التاريخ أنها قلعة من قلاع القدس التربوية الأصيلة، والثانية تصنف على أنها مدرسة لأبناء الطبقة الميسورة، أما الحالة الثالثة فتعود إلى ما جرى بين الطلبة مؤخراً، حيث تم اللجوء إلى استعمال أدوات حادّة، الأمر الذي تطلّب تدخل قوات رسمية من خارج المدرسة (ما جرى في إحدى مدارس بيت حنينا التي تعود إدارتها إلى سلطة الأمر الواقع بالقوة).
قبل الغوص في المسببات واقتراح آليات للخروج من هذا الواقع المزري والمتكرر، أرى لزاماً الرجوع الى عام 1995، حيث عقدنا في مركز الدراسات والتطبيقات التربوية (CARE) مؤتمراً تربوياً تتويجاً لسلسة الدورات التي عقدناها في كافة محافظات الوطن الجنوبية والشمالية برعاية وزير التربية والتعليم اآنذاك المرحوم ياسر عمرو، وبمشاركة مجموعة من الخبراء التربويين، وذلك في قاعة بلدية البيرة. وكذلك المؤتمر التربوي التعليمي الأخير(أواسط آب 2025) تحت عنوان "أي تربية وتعليم نريد للقدس وفي القدس وعن القدس؟"، بمشاركة ثلة من التربويين وأولياء الأمور (الغالبية العظمى منهم مقدسيون/ مقدسيات)، حيث افتتح المؤتمر سماحة الشيخ الدكتور عكرمة صبري، إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك ورئيس الهيئة الإسلامية العليا، تلاه الأخ الدكتور أمجد برهم، وزير التربية والتعليم العالي.
اليوم، قد يختلف الكاتب هنا مع قول المربي الفلسطيني المرحوم خليل السكاكيني، حين سأل: إلى أين أنت ذاهب يا بني؟ الطالب: إلى المدرسة. ماذا تتعلم فيها؟ الطالب: القراءة والكتابة والحساب ودروساً أُخرى. قد يكون أن السكاكيني في عهده قد أوكل مهمة التربية والتنشئة السليمة إلى الأسرة، وهذا فعلاً ما كان يتم. لو عاش السكاكيني معنا اليوم ورأى اضمحلال دور الأسرة في التربية والتنشئة، نظراً لعدة أمور، نذكرها بعجالة وليس من باب التبرير:
* تحول نمط العائلة من عائلة ممتدة إلى عائلة نووية، حيث في الأولى كان الكل يساهم في تعزيز قيم المودة والتعاضد، أما اليوم، وللأسف، نرى حالات التفكك ومحدودية التفاعل الاجتماعي بين الأسر، سواء ذوي القربي أو حتى الجيران.
* الضغوطات الاجتماعية والاقتصادية والسيكولوجية، التي تترك آثاراً عديدة على أفراد المجتمع.
* تنوع وتعدد الهويات والأنظمة التعليمية المعمول بها، خاصة في القدس.
* تعدد أشكال وأنماط الغزو الثقافي الذي يعيشه المجتمع المقدسي، كبقية المجتمعات البشرية الأخرى، سواء من خلال الإعلام (بكل أنماطه: المرئي أو المسموع أو المكتوب، الرسمي منه والخاص)، ناهيك عن تنامي تأثير وسائل التواصل الاجتماعي تحت مسميات مختلفة.
* تعاطي المخدرات من قبل البالغين وانعكاس ذلك على اليافعين، الأمر الذي أدى إلى إيجاد نمط جديد من هذه المخدرات نسميه في علم النفس السلوكي المخدرات الرقمية (digital drugs) وما ينجم عنها من محاولات عنف (aggression ) وإدمان (addiction) أو اكتئاب (depression) بسبب الميل إلى تقليد ومحاكاة ما يشاهدونه أو يسمعونه.
أضف إلى ذلك عوامل أخرى لا يتسع المجال لذكرها لأسباب فنيّة، أو بسبب الوضع السياسي الظالم القائم.
في ظل هذا الوضع المزري، لا بد من البحث عن خطوات عملية قابلة للتطبيق والتقييم والتقويم، تجدونها بالتفصيل في كتابَي وقائع المؤتمرين المذكورين أعلاه، علماً أنه يتم توزيعهما مجاناً على المدارس والمؤسسات والأشخاص المهتمين.
ندرك جميعاً واقع مفهوم "العين بصيرة واليد قصيرة" بحكم ممارسة سياسة قمعية تفرضها سلطات الأمر الواقع، ولكن رغم تذويت بعض صانعي القرار لهذا الفهم والتستر خلفه، نأمل من خلال ما ورد أعلاه والاقنراح العملي الآتي، لفتح ليس فقط نوا فذ بل وأبواب أمام ممارسة التربية والتعليم من أجل التحرر وإحداث التنمية المستدامة، بدلاً من مواصلة التعود والاعتياد على القبول بذاك الفهم الذي يعمل على استمرار الاستعباد والتبعية والإلحاق.
بشكل سريع، نتناول هنا ضرورة:
- التركيز على الأسس الدينية العقدية في التدريس، من خلال تكثيف وزيادة حصص التربية الدينية كتعليم إلزامي، في كل المراحل، بدءاً من الروضة حتى التخرج من المدرسة والالتحاق باتعليم الجامعي. كما يتوجب تكثيف احياء المناسبات الدينية في المدرسة وبشراكة مسؤولة من الطلبة وذويهم، فالطالب المقدسي ليس بحاجة إلى زيادة البياع (بخشيش) 5 علامات على معدل التوجيهي، بقدر ما هو بحاجة إلى توفير كل ما يمكن توفيره لصقل شخصيته وتعزيز قيم التعددية والاختلاف وقيم العطاء والتسامح لديه، من خلال التركيز على نهج لغة الحوار كأسلوب حياة.
- للأسرة دور هام من خلال أن تكون القدوة في تطبيق ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله، كي يتسلح للطالب بمهارات عملية تمكنه من تجسيد التكافل والتعاضد الاجتماعي بدلاً من التنمر واستخدام العنف والاساليب العدوانية كما نشهد وللأسف.
- نظراً للوضع السياسي القائم والذي يحدّ بل ويمنع السلطة الوطنية الفلسطينية من ممارسة دورها في القدس (رغم المحاولات) هناك ضرورة للتفكير ببناء المجلس الأعلى للتربية والثقافة والعلوم في القدس، ليعمل بشكل جماعي وحدوي، يضم فعاليات رسمية (وزارة الأوقاف والمقدسات، مجلس الافتاء الأعلى، دائرة الأوقاف- مديرية التربية والتعليم، دائرة الوعظ والإرشاد، أو غير الرسمية: الهيئة الاسلامية العليا، اتحاد المعلمين الفلسطينين، اتحاد الكتاب الفلسطينيين، اتحاد الجمعيات الخيرية، جمعية تنظيم وحماية الأسرة، جمعية الهلال الأحمر، جمعية المقاصد الخيرية، مؤسسة كاريتاس، مجلس الكنائس في الشرق الأوسط– مكتب القدس،الاتحاد العام لنقابات العمال، الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، الاتحاد العام لطلبة فلسطين، جامعة القدس، جمعية برج اللقلق، مؤسسة النيزك، إيليا للإعلام الشبابي، جمعية الدراسات العربية، يبوس للثقافة، لجنة التراث المقدسية، مركز الإخاء الإسلامي المسيحي، مؤسسة فيصل الحسيني، المجلس الأعلى للسياحة، المؤسسة الفلسطينية للتدريب المهني، مجمع النقابت المهنية)، اتحاد مجالس أولياء الأمور، يتم عن هؤلاء تشكيل مجالس شعبية مناطقية لحماية التعليم ليس فقط في القدس درة التاج، بل وفي كافة محافظات الوطن قاطبة)، من أجل ليس فقط حماية العملية التربوية التعليمية من أيّ محاولات للعابثين والخارجين عن النهج الأخلاقي القويم، إذ لايعقل أن نبقى نعتقد أن ما يجري هو مجرد هفوة أو صدفة، على العكس هناك من يعمل بكل ما أوتي من قوة وقدرات على تدمير المؤسسة التربوية التعليمية في القدس وغيرها، والأدلة كثيرة تم تناولها في مقالات منشورة سابقاً، أيضاً، يكون على عاتقه بناء وتطوير خطط تربوية تنموية تستجيب لاحتاجات القدس وبقية المحافظات، ولعل أهمها خطط وبرامج تعليم مهني وتكنولوجي، آملين بهذا أن نخطو الخطوة الأولى نحو إنقاذ التربية والتعليم والبدء بالتحرر من أنياب التبعية والالحاق عبر غسل الأدمغة بهدف طمس الهوية الوطنية، فلنعمل وبشكل جماعي ووحدوي لتعزيز الانتماء والهوية الوطنية عبر أهم قناة فاعلة، ألا وهي المؤسسة التربوية التعليمية.
في الختام ، نأمل أن يخضع هذا الاقتراح إلى حالات من الحوار البناء لتطويره وبدء العمل به، حتى لا تردد الأجيال القادمة "سبق السيف العذل".





Share your opinion
نحو إنقاذ بعض ما تبقى لنا في القدس!