الفساد في فلسطين ليس حدثا عابرا، ولا شذوذا يمكن محاصرته بحمله إعلامية، بل هو نتيجة بنيوية لاقتصاد ريعي هش، وإدارة عمومية مرهقة، ادت الى تغلغل شبكات "الزبائنية"، التي تربط المنفعة بالولاء، لذلك بات يسمع بـ”أساطير" الفساد لكن بعد فوات الأوان، ما جعل المحاسبة هي الاستثناء الذي يخرق "عرفا" غير مكتوب، او بان الامور يمكن ادارتها على حساب القانون، لذلك نجد في الدول الأقل فسادا ان المحاسبة روتين يومي هادئ، فالمنظومة صممت كي تمنع الانحراف قبل وقوعه، لا لتلاحق آثاره بترقيع متأخر، فلا دولة بلا فساد، لكن الاختلاف الجوهري بين هذه الدول والنظم الشمولية، هو ان الفساد هناك هو الاستثناء.
في واقعنا الفلسطيني، تشتد هذه الهشاشة مع ضغوط مزمنة، من ضغط الاحتلال عبر احتجاز الاموال، الى تقلبات مزاج المانحين، وبالتالي، حين تعمل المؤسسات تحت ضغط العجز الدائم، تتوسع مساحات الاستثناء، وتنتعش الوساطة، وتتداخل حدود العام والخاص، وفي هذه الحالة لا يفيد إلقاء اللوم على أفراد بعينهم، لان المشكلة أعمق، ومتصلة بقواعد تسمح بان تمر كثير من العمليات عبر أبواب جانبية.
إضافة الى ما سبق، تبرز إشكالية أخرى، تتمثل بضعف أدوات الردع والشفافية، ما يعني غياب المنظومات الفعالة التي تمنع الفساد قبل وقوعه، وتفضحه حال حدوثه، عندما تضعف الادوات، يصبح الفساد سهلا ومألوفا، فتفقد الدولة قدرتها على السيطرة على المال العام، او محاسبة اصحاب النفوذ، وهذا ما يدعمه تراجع او تذبذب الأداء، بحسب المؤشرات العالمية حول الحكم الرشيد، والتي تقيس فاعلية الحكومة وجودة التنظيم وسيادة القانون والسيطرة على الفساد، هذا الى جانب مؤشر مدركات الفساد، والذي يقيس كيف يُنظر إلى الفساد في القطاع العام، ما يعني ان الاستجابة التجزيئية او الموسمية، كحملات المحاسبة الفردية او شعارات النزاهة لا تغير واقعا بنيويا طالما ان القواعد التي تسمح بالفساد لم يعاد هيكلتها، ما يجعل الخلط بين النفوذ السياسي والمال العام خطرا قائما، فحين تدمج السياسة بالاقتصاد، يصبح القرار المالي اداة سياسية، لذلك نجد ان الدول التي تفصل بوضوح بين النفوذ السياسي والادارة المالية هي الاقل فسادا.
ويبقى السؤال، كيف خرجت الدول "الأقل فسادا" من فخ هذه العادة السيئة، والتي جعلت الفساد جزءا من الحياة اليومية، طبيعيا، او ثقافة مؤسسية، لا يثير الصدمة، ما يعني ان الجمهور يتوقعه، والموظف يتعامل معه كأمر واقع، فصارت الأنظمة تلتف حوله بدل منعه.
الدرس الأبرز من مجمل هذه التجارب، هو جعل الوقاية آلية وعلنية، اي ان الانظمة الرقمية تمنع الفساد تلقائيا دون انتظار رقابة بشرية، وكذلك عند جعل المعلومات والبيانات متاحة للعامة، بمن فيهم الاعلام والمجتمع المدني، ما يجعل من الصعب اخفاء التلاعب بوجود هذه الطبقات المتعددة من الرقابة، وبالتالي، تم نقل مكافحة الفساد من مرحلة "رد الفعل" الى "المنع المسبق"، وبدلا من انتظار وقوع الجريمة، ثم البحث عن الفاسد، صمم النظام ليُصعب ارتكاب الجريمة اصلا، وبهذا الشكل يصبح الفساد مكشوفا تلقائيا، والردع نتاج شفافية النظام، لا بسبب الخوف من العقوبة فقط.
وبالنظر الى تجارب عالمية، بعضها ملهمة وجديرة بالاستفادة منها، سنجد ان اوكرانيا واجهت بيئة فساد صعبه قبل العام 2014، لكنها عممت منصة مشتريات مفتوحه تربط كل عقد بالاسعار والاداء، وتتيح للعموم التدقيق، فتحسنت المنافسة، وتراجعت كلفه التعاقد، وحققت وفورات بالمليارات، اما كوريا الجنوبية فقد وحدت المشتريات في منصة حكومية الكترونيه، منعت الاحتكاك المباشر بين الموظف والمورد، وتتبع كل مرحله بشكل رقمي، اما تشيلي فقد بنت مرصدا تحليليا داخل منظومه الشراء، يرصد الانماط الشاذة ويصدر تقارير علنيه، فتسد الثغرات مبكرا، لكن استونيا ذهبت ابعد، فحولت الخدمة العامة الى بيئة رقمية بهوية موحدة، وتوقيع اليكتروني، وربط فوري مع السجلات المالية والتجارية، فاختفت المساحات الرمادية التي تعيش عليها الترتيبات الجانبية.
وعند الحديث عن الردع المؤسسي، نجد ان سنغافورة وهونغ كونغ انشأت هيئات مستقله بصلاحية واسعة، ودون خوف او محاباة، جمعت بين التحقيق والوقاية والتثقيف، فحافظت على مستويات فساد متدنية جدا، وبمرور الوقت، ارتفعت رغبه الجمهور في الإبلاغ، وتراجعت الرشا في الخدمات العامة، لأن ثقة الجمهور بنيت على استقلالية حقيقية ونتائج ملموسة، لا على بيانات انشائية.





Share your opinion
الفساد في فلسطين بنية لا حدث: لماذا فشلت وصفات الإصلاح الترقيعي؟