Mon 22 Sep 2025 11:34 am - Jerusalem Time

بين أنقاض غزة وشاشات الذكاء الاصطناعي في الخليج: هل يُمكن للتعليم العربي أن ينهض من ركامه ليُصبح رافعة حضارية… أم أننا نُجهّز له تابوتًا رقميًا؟

ياسر أبوبكر

في صباح يوم عادي في محافظة نابلس، يلتقط طالب جامعي حقيبته ويبدأ رحلةً قد تستغرق ساعتين عبر حواجز عسكرية فقط ليصل إلى محاضرته — إن وُجدت. وفي غرفة مظلمة في مخيم جباليا، تُمسك طفلة بستة أعوام شمعةً لتُضيء لها كتابًا ممزقًا، بينما تُحاول أمها أن تُقنعها أن “المدرسة ستفتح قريبًا”، رغم أن آخر مبنى تعليمي في الحي سُوّي بالأرض قبل أشهر. وفي الوقت نفسه، على بعد آلاف الكيلومترات، يجلس طلاب في الرياض أو أبوظبي أمام شاشات لامعة تُدرّبهم على برمجة الروبوتات وتحليل البيانات، بينما تُرسل أنظمة المدارس تنبيهات تلقائية لأولياء الأمور: “ابنكم غائب للمرة الثالثة — سيتم خصم درجات أو حرمانه من الاختبار”. وبين هذا وذاك، يُعلن مسؤول في منظمة دولية عن “منحة استثنائية لخمسين طالبًا فلسطينيًا”، بينما يُصدر آخر تقريرًا يحذر من “استهداف 400 مدرسة في مناطق النزاع” دون أن يُرفق به خطة إنقاذ واحدة.
هذا هو المشهد العربي للتعليم اليوم: مشهد مُزّق بين واقع مُدمّر ومستقبل مُفرط في البريق، بين إنسان يُحارب من أجل مقعد دراسي، وآخر يُعاقب لأن نظام الحضور الآلي لم يسجّله في الصف. لكن وراء هذا التناقض المُفجع، تلوح في الأفق رؤية — ليست خيالية، بل عملية، قابلة للتنفيذ، ومبنية على تشخيص دقيق — رؤية تقول: التعليم العربي لا يجب أن يكون ساحة للهشاشة، بل يمكن — بل يجب — أن يتحول إلى رافعة نهضة حقيقية، شرط أن نملك الشجاعة لاتخاذ قرارات غير تقليدية.
ما نراه اليوم ليس مجرد أزمة تعليمية، بل انهيار في المفهوم نفسه للتعليم كحق إنساني شامل. في فلسطين، لم يعد الخطر فقط في قصف المدارس، بل في تدمير “الممرات التعليمية الآمنة” — تلك المسارات التي تسمح للطالب بالوصول إلى العلم دون خوف من القتل أو الاعتقال أو التهجير. المنح الخارجية، مهما كانت سخية، تبقى مسكنات فردية لا تعالج السرطان المؤسسي. نحن بحاجة إلى كونسورتيوم عربي–دولي لا يُرسل الطلاب للخارج كلاجئين أكاديميين، بل يُعيد بناء التعليم في الداخل كمنظومة متكاملة: مدارس هجينة مؤقتة تجمع بين الصف المتنقل والمنصة الرقمية، محتوى تعويضي مصمم نفسيًا وتربويًا، وإدارة مشتركة بين الأونروا والجامعات العربية لضمان الاستمرارية والجودة. هذا ليس مستحيلاً — فمدارس “الكرفانات الذكية” موجودة في دول نامية، والمناهج الرقمية التعويضية مُجرّبة في مناطق ما بعد الكوارث. المطلوب هو الإرادة السياسية، والتمويل المستدام، وشراكة حقيقية لا تُعامل فلسطين كملف إغاثي، بل كجزء عضوي من المشروع التعليمي العربي.
وفي المقابل، في قلب الخليج، حيث تُنفق المليارات على التحول الرقمي، تبرز مفارقة صارخة: كيف نُدخل الذكاء الاصطناعي إلى المناهج، ونُطلق منصات تعليمية ذكية، بينما نُهمل البُعد الإنساني الذي يجعل التعليم ممكنًا؟ كيف نُعاقب الطالب على الغياب، بينما لا نسأل: لماذا غاب؟ هل لأنه مريض؟ جائع؟ مُرهق؟ مُهمّش؟ الورقة التي نستند إليها لا تهاجم التقدم التقني، بل تدعو إلى “مرافقة” هذا التقدم بسياسات اجتماعية ذكية: بنوك حصص تعويضية تسمح للطالب بالتعويض دون عقاب، مرشدين اجتماعيين يتابعون الحالات المعرضة للتسرب، مؤشرات إنذار مبكر تُنبّه قبل أن يسقط الطالب من المنظومة. والأهم: برنامج إقليمي لتأهيل المعلمين على أدوات الذكاء الاصطناعي — ليس كتدريب تقني جاف، بل كتطوير مهني شامل يشمل أخلاقيات البيانات، وأمن المعلومات التربوية، وطرق التدريس التكيفية. لأن الذكاء الاصطناعي بدون معلم واعٍ قد يُصبح أداة للرقابة والقمع، لا للتحرير والتمكين. ومؤتمر “الجامعات الرقمية العربية 2025” في مسقط؟ يجب أن لا يكون معرضًا للتكنولوجيا، بل سوقًا للمشاريع القابلة للقياس، ذات التمويل التنافسي، والمرتبطة بأهداف وطنية حقيقية — لا شعارات.
وعلى الصعيد الدولي، نحن أمام عجز مؤسسي مُخجل. اليونسكو تصدر تحذيرات، والإيسيسكو تعقد ندوات، لكن لا يوجد إطار ملزم يحمي المدرسة — لا فقط من القصف، بل من الاختراق الرقمي، من سرقة البيانات، من التلاعب بالمحتوى، من استخدام المنصات كأدوات للتجسس أو التضليل. نحتاج إلى “ميثاق دولي لحماية التعليم في النزاعات الرقمية” — يُلزم الدول والشركات والمنظمات بمعايير أخلاقية وأمنية صارمة. ونحتاج إلى “مرصد عربي للتنقل الأكاديمي” — لا لمجرد تتبع أعداد المنح، بل لربطها بسياسات العودة، وبناء القدرات المحلية، وتحويل “قصص النجاة الفردية” إلى “سياسات إنقاذ جماعية”. لأن تصدير العقول دون خطة لإعادتها هو هروب من المسؤولية، وليس حلاً.
والجميل — بل والثوري — في هذه الرؤية أنها لا تقف عند التشخيص أو حتى الحلول الجزئية، بل ترسم مسارًا زمنيًا واضحًا للتحول: على المدى القصير، حلول هجينة تُنقذ ما يمكن إنقاذه في فلسطين، وضبط ذكي للانضباط يُقلل التسرب في الخليج. على المدى المتوسط، معلم عربي مؤهل رقميًا، وطالب يثق بجامعته المحلية لأنها تُقدّم له تعليمًا متكافئًا مع الخارج. وعلى المدى الطويل — وهذا هو الجوهر — بناء منظومة تعليم عربية مستقلة، لا تستجدي المعرفة، بل تُنتجها. لا تستورد المناهج، بل تُصممها. لا تستهلك التكنولوجيا، بل تطوّرها. منظومة تُحرر التعليم من كونه أداة للسيطرة أو التبعية، وتجعله أداة للتحرر والابتكار والعدالة.
هذا ليس حلمًا. هذا برنامج عمل. والسؤال الوحيد المتبقي هو: هل نملك الشجاعة لتنفيذه؟ هل نملك الجرأة لتحويل التعليم من ملف إداري تُديره وزارات البيروقراطية، إلى مشروع وطني تُديره إرادة الأمة؟ هل نقبل أن يبقى طالب غزة يدرس تحت القصف، بينما طالب آخر يُعاقب لأن ساعة الحضور الرقمية لم تسجّله؟ هل نرضى بأن يُكتب في كتب التاريخ أننا كنا نملك التكنولوجيا والثروة والخبرة… لكننا فشلنا في إنقاذ جيل؟
التعليم العربي يقف اليوم على مفترق طرق: إما أن نُعيد تعريفه كمشروع تحرري — يربط بين حماية الطالب في زمن الحرب، وتمكينه في زمن السلم، وتحصينه في زمن التحول الرقمي — أو أن نسمح له بأن يتحول إلى سلعة للأسواق، أو أداة للأنظمة، أو مجرد ذكرى في تقارير المنظمات الدولية. الخيار صعب، لكنه واضح. والوقت لم يعد في صالحنا. فلنبدأ… الآن. لأن من يُهمل التعليم اليوم، يُهمل الأمة غدًا.  ومن يبنيه… يبني المستقبل. ليس بأحلام… بل بسياسات. ليس بشعارات… بل بتفاصيل. ليس بانتظار الخارج… بل بإرادة الداخل.   التعليم… أو لا شيء.

Tags

Share your opinion

بين أنقاض غزة وشاشات الذكاء الاصطناعي في الخليج: هل يُمكن للتعليم العربي أن ينهض من ركامه ليُصبح رافعة حضارية… أم أننا نُجهّز له تابوتًا رقميًا؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.