Sun 17 Aug 2025 8:59 am - Jerusalem Time

زنزانة تحت الخطر.. جريمة معلنة وتهديد مباشر

بن معمر الحاج عيسى

لم يكن مشهد اقتحام وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير زنزانة القائد الأسير مروان البرغوثي مجرد إجراء استفزازي عابر، بل هو لحظة فاصلة تحمل أبعادًا سياسية وأمنية وقانونية خطيرة، وتكشف عن انحدار غير مسبوق في سلوك حكومة نتنياهو التي باتت تمنح الضوء الأخضر لوزراء متطرفين كي يمارسوا صلاحياتهم داخل المعتقلات كأنها ساحة شخصية للانتقام والتصفية المعنوية والجسدية. إن دخول شخصية تنفيذية رفيعة، مكلفة بملف الأمن القومي، إلى زنزانة أسير فلسطيني محكوم بالمؤبد، يشكل انتهاكًا فجًا للقانون الدولي الإنساني، ويهدد مباشرة حياة الأسير الذي يعتبر بموجب اتفاقيات جنيف "شخصًا محميًا" لا يجوز المساس بسلامته الجسدية أو النفسية، وهو ما نصت عليه بوضوح المادة (27) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تلزم القوة المحتلة بضمان احترام كرامة المعتقلين وحمايتهم من أي اعتداء أو تهديد.

إن هذا الفعل لم يكن معزولًا عن سياق متصاعد من الانتهاكات الممنهجة ضد الحركة الأسيرة، بل جاء امتدادًا لسياسة طويلة مارستها سلطات الاحتلال عبر تاريخها، بدءًا من الإعدامات الميدانية للأسرى بعد اعتقالهم في السبعينيات والثمانينيات، وصولًا إلى اغتيال قيادات بارزة داخل السجون أو بعد الإفراج عنهم، كما حدث مع قادة أمثال علي الجعفري وهايل عبد الحميد وغيرهم ممن لاحقتهم يد الاحتلال. الجديد في واقعة مروان البرغوثي أن الاعتداء والتهديد لم يأتيا من ضابط ميداني أو وحدة قمع خاصة فحسب، بل من وزير متطرف يحمل حقيبة "الأمن القومي"، أي أن التهديد انتقل من مستوى "التنفيذ الميداني" إلى "القرار السياسي"، وهذا ما يضاعف خطورته ويعزز المخاوف من نية مبيتة لاستهداف حياة البرغوثي عبر أدوات رسمية توفر لها الحكومة الإسرائيلية غطاءً كاملاً.

مروان البرغوثي ليس مجرد أسير عادي، بل هو رمز وطني جامع، يمثل في وعي الفلسطينيين والعالم حالة نضالية خاصة تجمع بين البعد السياسي والمقاوم، وهو ما جعل الكثيرين يصفونه بـ"مانديلا فلسطين". منذ اعتقاله عام 2002، ومحاكمته الجائرة أمام محكمة إسرائيلية فاقدة للشرعية القانونية، ظل البرغوثي عنوانًا لصمود الأسرى ورمزًا للحركة الوطنية الفلسطينية داخل السجون، حيث أطلق بيانات ودعوات للوحدة الوطنية، وخاض مع رفاقه إضرابات عن الطعام هزّت المنظومة الأمنية الإسرائيلية وأجبرت الاحتلال على التراجع عن إجراءات قمعية عديدة. ولذلك‪, فإن المساس به اليوم لا يعني فقط استهداف شخص، بل محاولة لكسر رمز يشكل تهديدًا استراتيجيًا للاحتلال كونه يجسد مشروعًا وطنيًا وحدويًا.

من الناحية الحقوقية، ما جرى يرتقي إلى مستوى الجريمة المزدوجة: "جريمة تهديد بالقتل" و"معاملة لا إنسانية" محظورة بموجب القانون الدولي. فالمادة (32) من اتفاقية جنيف تحظر صراحة "أي إجراءات قد تعرض حياة الأسرى أو صحتهم للخطر"، بينما نصت المادة (75) من البروتوكول الإضافي الأول على "تحريم الاعتداء على الكرامة الشخصية وخاصة المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة". إضافة إلى ذلك، فإن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في مادته (7) يجرم مثل هذه الأفعال باعتبارها "جريمة ضد الإنسانية" إذا مورست بشكل منظم، وفي مادته (8) يصنفها كـ"جريمة حرب" حين تستهدف أشخاصًا محميين في ظل الاحتلال. وهذا يعني أن مجرد وصول وزير إسرائيلي إلى زنزانة أسير فلسطيني وإطلاقه تهديدات علنية، كافٍ لتشكيل ملف قضائي يمكن أن يُعرض أمام المحكمة الجنائية الدولية باعتباره سلوكًا ممنهجًا يندرج ضمن سياسة الاحتلال ضد الأسرى.

لقد حذر رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين رائد أبو الحمص من أن ما صدر عن بن غفير يمثل تجاوزًا لكل الخطوط الحمراء، محملًا إياه ومعه نتنياهو المسؤولية الكاملة عن حياة البرغوثي، وهو تحذير يعكس قلقًا عميقًا لا على شخص مروان فحسب، بل على واقع الحركة الأسيرة برمتها التي باتت تواجه سياسة انتقامية مفضوحة. بن غفير ليس غريبًا على جرائم كهذه، فقد اشتهر بظهوره العلني وهو يحرض على قتل الفلسطينيين ويمارس التعذيب الرمزي أمام عدسات الكاميرا، وهو ما يجعله اليوم أخطر من مجرد وزير؛ إنه تجسيد حي للعنصرية المنظمة التي باتت تهيمن على القرار الإسرائيلي.

على الصعيد التاريخي، لطالما حاول الاحتلال كسر رمزية الأسرى عبر التضييق والعزل والتعذيب، لكنه في كل مرة فشل في النيل من مكانتهم الاعتبارية، فخرجوا من السجون قادة ورموزًا، بل إن كثيرًا من التحولات السياسية الكبرى في الساحة الفلسطينية كان للأسرى دور مباشر فيها، كما حدث عقب إضراب 2017 الذي قاده مروان البرغوثي شخصيًا. واليوم، حين يصل التهديد إلى هذه الدرجة من الخطورة، يصبح الصمت الدولي شريكًا في الجريمة، إذ أن الاكتفاء ببيانات القلق أو التنديد لا يعدو كونه غطاءً لممارسات الاحتلال ويشجع على تكرارها.

المطلوب اليوم ليس مجرد إدانة، بل فتح تحقيق دولي عاجل، وتفعيل آليات المساءلة في مجلس حقوق الإنسان، واللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة المسؤولين الإسرائيليين عن هذه الانتهاكات. كما أن على القيادة الفلسطينية والفصائل أن تتعامل مع الحادثة باعتبارها جرس إنذار يهدد حياة قائد وطني، وأن تترجم بياناتها إلى خطوات عملية، سياسية ودبلوماسية، تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته.

إن ما جرى في زنزانة مروان البرغوثي يوم الرابع عشر من الشهر الجاري لم يكن مجرد اقتحام، بل كان إعلانًا صريحًا أن حياة الأسرى الفلسطينيين باتت تحت رحمة وزراء متطرفين يتبنون عقيدة عنصرية لا تعترف بالقانون الدولي ولا بالقيم الإنسانية. وهنا يطرح السؤال نفسه بحدة: هل يقبل العالم أن تُدار السجون كمختبرات للانتقام السياسي، وأن يتحول الأسرى إلى أهداف مباشرة لوزراء يفاخرون بكراهيتهم؟ أم أن لحظة الحقيقة قد حانت لوضع حد لهذا التوحش عبر محاسبة مرتكبيه وفرض حماية دولية فعلية للأسرى الفلسطينيين؟

Tags

Share your opinion

زنزانة تحت الخطر.. جريمة معلنة وتهديد مباشر

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.