في القدس، لا تحتاج إلى ساعة لتعرف التوقيت، بل إلى قلب.
فكل شيء فيها يمر عبر القلب: الطريق، الجدار، البوابة، وحتى الأحكام القضائية.
تبدو المدينة في ظاهرها ساكنة، لكن تحت حجارتها، وتحديدًا في حيّ الشيخ جراح، تدور أشرس معارك القرن: معركة الوجود الفلسطيني، لا بالسلاح، بل بورقة وقرار وأمر إخلاء.
الحدث الأخير لم يكن سوى حلقة في سلسلة طويلة من الألم المنهجي، إذ تواجه عائلة صالح دياب أمرًا بالإخلاء من بيتها الذي تقيم فيه منذ عقود، رغم امتلاكها وثائق إقامة وتاريخًا محفورًا في الجدران.
القرار، الصادر عن المحكمة المركزية الإسرائيلية، لا يحمل فقط توقيع قاضٍ بل توقيع حقبة كاملة من التهويد الصامت، الذي يُدار على هيئة قانون.
والمُدهش – بل المُفجع – أن المحكمة لم تُنكر أحقية الإقامة، بل وافقت على استمرارها... مقابل دفع إيجار لجهات استيطانية غاصبة تدّعي ملكية الأرض قبل عام 1948.
أيّ قانون هذا الذي يحكم بين الضحية والجلاد بمنطق "تقاسم الغنيمة"؟
وكيف يتحول الفلسطيني – وهو صاحب البيت قبل النكبة وبعدها – إلى "مستأجر محميّ" فقط لأنّ الجهة المقابلة تملك مستندًا عثمانيًا مُزورًا أو معقودًا على أرض لم تكن في يوم من الأيام فارغة من الحياة؟
القدس اليوم تعيش صراعًا قانونيًا مركبًا، فيه المحكمة ليست ساحة عدل بل امتداد مباشر لمؤسسة الاحتلال.
والمحامي الفلسطيني لا يحمل ملفًا فقط، بل يحمل ذاكرة شعب، فيما القضاة ينظرون إلى قضيته وكأنها عبء إجرائي، لا مأساة شعب يُسلب منه بيته حجرًا حجرًا.
نعم، هناك محكمة، وهناك جلسات استماع، وهناك أوراق.
لكن هناك أيضًا ميزانٌ مختلّ، يُرجّح كفة المستوطن، حتى لو حضر بلا تاريخ ولا أثر.
المحكمة تُقرر، لكن قراراتها لا تنبع من النصوص وحدها، بل من إرادة سياسية تريد القدس بلا فلسطينيين.
لا يُفهم هذا إلا في ضوء ما صدر عن محكمة العدل الدولية في لاهاي في تموز الماضي، حين أكدت أن الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية "غير قانوني"، وأن وجود المستوطنات فيها يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.
بل طالبت المحكمة إسرائيل بالانسحاب الكامل وتعويض الفلسطينيين، ودعت العالم إلى الامتناع عن دعم الاحتلال بأي شكل.
لكن من يقرأ؟ ومن يسمع؟
حين يصدر حكم في لاهاي، تُحتفى به المؤسسات الحقوقية، لكنه لا يعطل أمر إخلاء واحد في القدس.
وها نحن اليوم، نشهد محاكم إسرائيلية تُجبر فلسطينيين على قبول الإقامة في بيوتهم... بشروط الغازي.
وإذا رفضوا، ورفعوا الصوت، نُعتوا بـ"المخربين".
وإذا قبلوا، وصمتوا، ماتوا قهرًا في وطنٍ أصبحوا فيه زوّارًا مؤقتين.
هذه ليست مجرد قضية ملكية، بل قضية كينونة.
إنها معركة يومية يخوضها المقدسيّ العادي وهو يفتح نافذته، أو يدفع ضريبة، أو يتلقى بلاغًا بالمثول أمام محكمة تمارس عليه نوعًا خاصًا من الاستعمار القانوني.
لقد آن الأوان أن نتوقف عن استخدام مصطلحات "النزاع العقاري" و"الخلاف القانوني"، ونسمّي الأشياء بأسمائها:
ما يحدث في القدس هو تطهير حضري منظَّم، تتعدد فيه الأدوات وتبقى النتيجة واحدة: اقتلاع الإنسان الفلسطيني من مدينته باسم القانون.
القدس، تلك المدينة التي نُحبها حتى الألم، تستحق أكثر من بيانات إدانة باردة، ومن محامين يترافعون داخل حدود المستحيل، ومن بيانات صحفية تقف عند "نستنكر ونشجب".
إنها تستحق وقفة ضمير عالمي.
تستحق أن يُعاد النظر في شرعية نظام قضائي يفرض سيادة دولة محتلة على شعب أعزل.
وتستحق أن نتحدث عنها لا بصفتها ملفًا سياسيًا، بل جرحًا أخلاقيًا مفتوحًا على البشرية كلها.





Share your opinion
القدس.. حيث تُختنق العدالة تحت عباءة القانون