لم، ولن، أجد أفضل مما قاله الأديب الشهيد غسان كنفاني للبدء بهذه المناشدة " ان خسرنا المعركة السياسية ، حذار علينا أن نخسر المعركة الثقافية " .
أي مصير ينتظر التعليم في القدس ؟ هل أجهزت المصيدة على التعليم في القدس ومؤسساته العريقة ؟؟
سبق وأن أعددت رؤية حول واقع التعليم في القدس وباللغة الانجليزية بعنوان " مصيدة العسل The honey trap" وذلك بناء على طلب احدى المنشورات الدورية التي تصدر في القدس ، للأسف لم تقم هذه الدورية بنشرها في حينه ولغاية الاّن !!
مما جاء في تلك الرؤية أن التعليم في القدس الشرقية بات لعبة سياسية
مع احتلال اسرائيل للجزء الشرقي لمدينة القدس عام1967،حاولت بسط سيطرتها على التعليم في هذا الجزء المحتل ،لكن واجهت مقاومة صلبة رفضت المحاولة الاسرائيلية هذه . قاد حملة المقاومة كل من التربوي الفذّ حسني الأشهب، والتربوي نهاد أبو غربية والتربوية المثابرة علية نسيبة ولاحقا انضم لهم المهندس ابراهيم الدقاق و المهندس حسن القيق .
تتوزع الجهات المشرفة على التعليم في القدس على : الأوقاف الاسلامية والتي باتت تعرف مدارسها لاحقا ب مدارس حسني الأشهب والتي باتت تتبع وزارة التربية والتعليم الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو،(وان كان دور الوزارة بمثابة الحاضر الغائب ، بدليل اقدام حكومة بينت على اغلاق مكتب التربية والتعليم في البلدة القديمة من القدس واذعان السلطة للقرار من خلال الانتقال الى بلدة الرام ، أحد ضواحي مدينة القدس )، ومدارس تشرف عليها مؤسسات دينية اسلامية ومسيحية خاصة،ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين .
وضع مصيدة " honey trap"
عودة الى محاولات الحكومات الاسرائيلية المتتابعة للسيطرة على التعليم في القدس وبدء أسرلته تدريجيا ،وهروبا من مسؤوليتها ،(كسلطة قائمة بالاحتلال تجبي الضرائب ذات المسميات المتنوعة )، في بناء مدارس وتأمين احتياجات العملية التعليمية، أوجدت بلدية الاحتلال ما يسمى بمدارس المقاولات تحت مسمى مدارس غير قانونية وغير رسمية ، لكن معترف بها . تقوم البلدية بدفع مبالغ شهرية الى مشغلي هذه المدارس من الفلسطينين مع اغراءات ماديةعديدة ، ووجدت ضالتها في بعض من تجاوب معها ، اذ بادر هؤلاء المشغلون الى استئجار بنايات ، غالبيتها غير مرخّصة من هذه البلدية ( ونحن نعرف الحرب الشعواء من قبل البلدية على مثل هذه البنايات ، تبدأ بالغرامات الباهظة وتنتهي بالهدم)، يتركز معظمها في منطقة سمير أميس – كفر عقب ، مخيم شعفاط ،كمناطق تابعة جغرافيا للقدس منذ القدم .
جنت اسرائيل من ذلك ،فائدة أخرى تتمثل في عدم ضخ طلبة فلسطينيين الى مدارس القدس داخل جدار الفصل العنصري، الأمر الذي ساهم في شلّ الوجود العربي و الحركة التجارية في القدس ، اذ كان اّلاف الطلبة يتوجهون صباحا الى هذه المدارس ويعودون منها مساء وذلك قبل بناء جدار الفصل.
سنوات عديدة لاحقا ، بدأت الجهات الرسمية الاسرائيلية القيام بتحريف المنهاج الفلسطيني المطبّق عر حذف أشعار واّيات قراّنية ومصطلحات جغرافية معينة ، تبع ذلك وصراحة مطالبة هذه المدارس البدء بتطبيق المنهاج الاسرائيلي وفي حالة عدم الاستجابة ، تتوقف المساعدات المالية ، لدرجة مداهمة طواقم بلدية رسمية الصفوف المدرسية للتأكد من تطبيق المنهاج الاسرائيلي ،كما حصل مع الكلية الابراهيمية ومدارس الايمان . يمكن القول أن نسبة عالية من المدارس الخاصة ، بما فيها تلك التي كانت قد تأسست ابان العهد الأردني ، مسيحية كانت أم اسلامية تتلقى الدعم المالي بموجب السياسة الاسرائلية هذه ، فقط مدارس تعد على أصابع اليد الواحدة لا تتلقى دعما ماديا من هذا القبيل، ( مدارس الأوقاف الاسلامية ومدرسة الحصاد التابعة الى جمعية الفتاة اللاجئة ،وهي جمعية نسوية مخضرمة في القدس) .
من أبرز التحديات
• تعدد وتناحر الجهات المشرفة على التعليم في القدس ) ( ما اّلت اليه مدرسة لجنة اليتيم العربي مثالا على ذلك))
• غياب دور وطني فاعل يشرف على التعليم في القدس،فالسلطة بمثابة الحاضر الغائب وبقية المؤسسات محدودة الامكانيات والقدرات المالية والتكنولوجية، وهنا لا بد من تسجيل التقدير والاحترام الى مبادرات نوعية تقوم بها مؤسسة فيصل الحسيني حيال بعض المدارس في القدس
• غياب رؤى عملية قبالة للتنفيذ والتطبيق ،قد يكون الضعف هنا فلسطينيا حيث تسود الفئوية الضيّقة والانقسامات السياسية
• جدار الفصل العنصري الذي شتتت العائلات الفلسطينية اجتماعيا وسيكولوجيا واقتصاديا
• تعمد اعتقال الطلبة لا سيما في المراحل العمرية المبكرة( أحمد مناصرة 12 عاما ورولا باكير 14 عاما ،اضافة الى قتل وحرق جثمان الطفل محمد أبو خضير شعفاط القدس)
• يكمن التحدي الأكبر في تفشي ظاهرة البطالة في القدس وارتفاع نسبة الفقر ، اذ حوالي 39% من سكان القدس الشرقية يعيشون دون خط الفقر وهذا حسب احصاءات مؤسسة التأمين الوطني الاسرائيلية والذي تم نشره في الاعلام العبري والعربي، الأمر الذي أوجد منسوبا عاليا من اللامبالاة والحافزية الى الانخراط في العملية التعليمية.
• محاولات تدمير ما تبقى من أسس تعليمية متينة من خلال نشر واقامة معاهد ومراكز تعليمية وسيطة بين بعض الشباب ومؤسسات تعليمية وهمية ، اذ يقوم مثل هؤلاء الوسطاء ببيع كراتين ، يسمونها شهادات تعليمية وبمختلف التسميات والدرجات
• الافتقار المتنامي الى غرف صفيّة وبنايات مدارس مجهزة بالبنية التعليمية التربوية ،تصلح لتكون مدرسة فعليا
• الحاجة الى تدريب طواقم الهيئات التدريسية و الادارية وتزويدها بمهارات تعليم في ظل الأزمات ,اعادة بناء ذات الانسان المقدسي .
• غياب منهاج مدرسي موحد تتوحد عليه الرؤى التعليمية كي تصل الى الأهداف المنشودة من تعليم المضطهدين .
ولا زال جرس الانذار يقرع
من خلال ما سبق لنا أن نؤكد على صدق رؤية ومطلب الكاتب الفذّ غسان كنفاني ،وكذلك أن نسجيّ التحيات والتقدير للجهود التي بذلها أوائل التربويين المقدسيين مما وردت أسمائهم اعلاه ومن باب رؤيتة الكاتب بأن حماية التعليم في القدس والمؤسسات التعليمية الرصينة ،هو بمثابة فرض عين وليس فرض كفاية، والله أعلم، ولنا أيضا أن نؤكد على ضرورة الاستجابة العملية والفورية بعد أن قرع الجرس عدة مرات ،كان منها قرع أجراس مدارس المقاولات التي تتزايد يوما عن يوم ، تبعها قرع جرس مدرسة لجنة اليتيم العربي ، والتي على ما يبدواّثر الغيورين عليها طبطبة الأمر دون بلورة المستقبل المنشود لهذه المؤسسة المقدسية ،نظرا لاسهامتها العديدة في رفد الاقتصاد المقدسي بل والفلسطين والعربي من خلال تخريج الأفواج المهنية المتقاطرة، وها هو يقرع اليوم جرس مدرسة دار الطفل العربي ذات التاريخ التربوي الانساني العريق .
بناء على هذا الواقع المتردي للتعليم في القدس ،وكم كما أوضح الأستاذ الدكتور علي أبو راس /جامعة القدس ، في مداخلته أثناء انعقاد مؤتمر " مخرجات التعليم الجامعي بين فرص العمل المتاحة وقوافل البطالة المتلاحقة ، الذي عقده مركز الدراسات والتطبيقات التربوية – أيلول 2023الواقع المتدهور للتعليم في القدس ، هناك ضرورة ملّحة للاسراع في انقاذ التعليم ومؤسساته في القدس .
في نظري ،تكمن الخطوة الأولى في ضرورة الاسراع بتشكيل مجلس حماية التعليم في القدس ،بعيدا عن الولاءات النظيمية الفئوية السياسية الضيّقة ، يضم نخبة من التربويين الفاعلين ،على أن لا يكونوا من صنف " الدفع المسبق"، يمتلك هؤلاء رؤى ثاقبة وعملية ،للنهوض بواقع التعليم في القدس بل وفي كافة محافظات الوطن ، حيث بات الخطر الكبير يداهم مؤسساتنا التعليمية ، بغض النظر عن مستوياتها التعليمية ، وجهات الاختصاص المشرفة عليها ، وما انحدار القيم والأخلاق الا خير داعم لقونا هذا.
Mon 12 Feb 2024 11:58 am - Jerusalem Time
رغم قرع الجرس عدة مرات !!!
د. غسان عبد الله





Share your opinion
رغم قرع الجرس عدة مرات !!!