فلسطين

الثّلاثاء 12 مايو 2026 10:56 صباحًا - بتوقيت القدس

التحشيد الأمريكي.. استراتيجية ضغط تُبقي المنطقة على حافة التوتر


د. قصي حامد: واشنطن تبدو بصدد التخطيط لمرحلة تتعلق بالضغط على إيران وتقليص فعالية مضيق هرمز كورقة ضغط تستخدمها طهران
نبهان خريشة: التحشيد لا يعني الانزلاق نحو حرب شاملة ويشكل جزءاً من المعركة بحد ذاتها بهدف رفع كلفة الرفض لدى الطرف المقابل وإجباره على إعادة حساباته
د. جمال حرفوش: المنطقة تقف أمام صراع على شكل النظام الإقليمي الجديد لكن كل ما يجري قد لا يضبط الانزلاق نحو حرب شاملة
عريب الرنتاوي: المنطقة لا تزال تعيش سباقاً محموماً بين قرع طبول الحرب وحراك الوسطاء والدبلوماسية مع صعوبة الجزم بمآلات المشهد
د. سهيل دياب: خيار الحرب المفتوحة مع إيران لا يبدو مطروحاً بقوة في المرحلة الحالية حتى داخل أوساط الحزب الجمهوري الأمريكي
نعمان توفيق العابد: السيناريو الأقرب استمرار الحصار والضغوط السياسية والاقتصادية بانتظار نتائج التحركات الدبلوماسية مع بقاء احتمالات الحرب قائمة


رام الله - خاص بـ"القدس"-

يتصاعد المشهد العسكري في منطقة الخليج على وقع تحشيد أمريكي متزايد، شمل تعزيزات بحرية وجوية وتحركات لوجستية واسعة، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت المنطقة تقترب من مواجهة عسكرية مع إيران، أم أن واشنطن تستخدم القوة العسكرية كورقة ضغط لفرض شروط تفاوضية أكثر تشدداً.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث مع "ے"، أن الحشود الأمريكية لا تعكس بالضرورة قراراً نهائياً بخوض حرب شاملة، بقدر ما تندرج ضمن استراتيجية ضغط متعددة الأدوات، تقوم على التهديد العسكري، وتشديد العقوبات الاقتصادية، وإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة في الوقت ذاته، بهدف دفع طهران إلى تقديم تنازلات تتعلق بالملف النووي، ومضيق هرمز، والدور الإقليمي الإيراني، وسط إدراك أمريكي بأن أي مواجهة مفتوحة ستكون باهظة الكلفة سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
ورغم بقاء احتمالات الضربات المحدودة أو التصعيد العسكري قائمة، فإن المشهد الإقليمي يبدو أقرب إلى مرحلة "عض أصابع" سياسية وعسكرية، تتداخل فيها حسابات الردع مع رهانات الوساطات الدولية، خصوصاً مع ترقب أدوار صينية وإقليمية محتملة لدفع مسار التهدئة، بحسب الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات.
وبينما تبقى المنطقة على حافة توتر مرتفع، لا يمكن ضمان عدم الانزلاق نحو الحرب المفتوحة، يرى الكتاب والمختصون وأساتذة الجامعات أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار الضغوط المتبادلة والحشد العسكري، دون الوصول –حتى الآن– إلى انفجار شامل، وإن ظلت احتمالات الخطأ في الحسابات أو الانزلاق المفاجئ حاضرة بقوة.


الدبلوماسية القسرية

يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس المفتوحة د.قصي حامد أن التحشيد العسكري الأمريكي المتزايد في منطقة الخليج، لا يشير بالضرورة إلى قرار واشنطن بشكل حاسم بالذهاب إلى حرب شاملة، بقدر ما يعكس اعتمادها لاستراتيجية "الدبلوماسية القسرية" الهادفة إلى الضغط على طهران وإجبارها على تقديم تنازلات سياسية وأمنية في ملفات حساسة، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً في الوقت ذاته.
ويوضح حامد أن الولايات المتحدة تجمع حالياً بين مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في التهديد باستخدام القوة العسكرية وإظهار الجاهزية الميدانية، والثاني يقوم على عدم إغلاق المسار التفاوضي مع إيران، بما يسمح باستخدام الضغوط العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية كوسائل لإرغام طهران على تعديل سلوكها السياسي والإقليمي والاستجابة للمطالب الأمريكية.

خنق أوراق القوة الإيرانية

وبحسب حامد، فإن الحشد العسكري في الخليج، إلى جانب الحديث عن اجتياحات برية محدودة أو استهداف مواقع داخل إيران، لا يمكن فصله عن سياسات الضغط الاقتصادي والعقوبات ومحاولات خنق أوراق القوة الإيرانية، وعلى رأسها مضيق هرمز، معتبراً أن هذه الأدوات تندرج ضمن مفهوم "التفاوض تحت التهديد".
ويشير حامد إلى أن الفجوة الواسعة بين ما تعرضه إيران وما تطلبه الولايات المتحدة تدفع واشنطن إلى تصعيد أدوات الضغط العسكري، لكن من المستبعد أن تلجأ الإدارة الأمريكية إلى نموذج حرب شاملة أو ضربات واسعة النطاق على كامل الأراضي الإيرانية، بل على أهداف محددة، بما يضغط على قدرة إيران الاقتصادية ويحد من هامش مناورتها.
ويرى أن واشنطن تبدو بصدد التخطيط لمرحلة قد تمتد لأربعة أشهر على الأقل، تتعلق بالضغط على إيران، والسعي إلى تقليص فعالية مضيق هرمز كورقة ضغط تستخدمها طهران.
ويعتقد حامد أن هذه السياسة تندرج ضمن الانتقال التدريجي من "الدبلوماسية القسرية" إلى ما يعرف بـ"الردع القسري"، أي استخدام القوة المحدودة إذا لم تحقق الضغوط أهدافها.

تحول ملحوظ بأهداف واشنطن من الحرب

ويعتبر حامد أن أهداف واشنطن من الحرب شهدت تحولاً ملحوظاً، إذ بات هناك إدراك أمريكي بصعوبة إسقاط النظام الإيراني بصورة مباشرة، الأمر الذي دفع إلى تغيير المقاربات باتجاه زيادة الضغوط الاقتصادية والعسكرية لإضعاف قدرة إيران على الصمود وانتزاع تنازلات تتعلق بالملف النووي، ومضيق هرمز، والسلوك الإقليمي الإيراني.
وحول السيناريوهات المحتملة، يؤكد حامد أن جميع الاحتمالات ما تزال قائمة، سواء التوصل إلى اتفاق إطار بين الطرفين، أو العودة إلى الضربات العسكرية، في ظل تمسك كل طرف بسقف مرتفع من المطالب ورغبته في الظهور بمظهر المنتصر.
ويوضح حامد أن إيران لا ترى نفسها خاسرة في المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولذلك لا تبدو مستعدة لتقديم تنازلات واسعة في الملفات الأساسية، مستندة إلى قدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي عبر التلويح بتداعيات مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط.
ويشير حامد إلى أن الولايات المتحدة بحاجة إلى اتفاق يثبت أنها حققت مكاسب واضحة، خصوصاً في ظل اعتبارات تتعلق بهيبتها العسكرية وضغوط داخلية تواجه إدارة ترمب، سواء من التيار المحافظ داخل الحزب الجمهوري أو الحسابات الانتخابية المرتبطة بالانتخابات النصفية المقبلة.
ويلفت حامد إلى أن الدور الصيني قد يصبح عاملاً مؤثراً في المرحلة المقبلة، خصوصاً مع الاتصالات المتوقعة بين واشنطن وبكين، إذ قد تسعى الصين إلى لعب دور ضامن أو وسيط لدفع إيران نحو تقديم تنازلات تقرّب وجهات النظر، لكن المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متناقضة.

مرحلة ضغط سياسي وعسكري ونفسي

يرى الكاتب الصحفي نبهان خريشة أن التصعيد العسكري الأمريكي المتزايد في منطقة الخليج، وما يرافقه من تعزيزات بحرية وجوية وتحركات لوجستية متقدمة، لا يعني بالضرورة أن المنطقة باتت على أعتاب حرب شاملة مع إيران، بقدر ما يعكس مرحلة ضغط سياسي وعسكري ونفسي تقودها واشنطن بهدف انتزاع تنازلات إيرانية ضمن شروط تفاوضية أكثر تشدداً.
ويشير خريشة إلى أن حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن وجود نحو 50 ألف جندي أمريكي في المنطقة، بالتزامن مع تحركات لطائرات التزود بالوقود داخل المطارات الإسرائيلية، أثار تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مواجهة عسكرية فعلية أم أن ما يجري يدخل في إطار ممارسة ضغوط نفسية وسياسية على إيران.
في حين، يعتبر خريشة أن نشاط طائرات التزود بالوقود يحمل دلالات مهمة، إذ يستخدم هذا النوع من الطائرات عادة لدعم العمليات الجوية بعيدة المدى، بما قد يشير إلى استعدادات لسيناريوهات هجومية محتملة ضد أهداف إيرانية أو مواقع مرتبطة بحلفاء طهران، لكنه لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار نهائي بالحرب، بل قد يكون جزءاً من استراتيجية الردع وإرباك الخصم استخبارياً ونفسياً.

التحشيد جزء من المعركة

ويعتبر خريشة أن التحشيد في كثير من الأحيان لا يعني الانزلاق نحو حرب شاملة ويشكل جزءاً من المعركة بحد ذاتها، باعتباره رسالة قوة تهدف إلى رفع كلفة الرفض لدى الطرف المقابل وإجباره على إعادة حساباته.
ويشير خريشة إلى أن الولايات المتحدة تدرك جيداً أن أي حرب واسعة مع إيران ستكون مختلفة عن تجارب سابقة في المنطقة، فإيران تمتلك قدرات صاروخية وشبكات نفوذ إقليمية، وأدوات ضغط قادرة على تهديد القواعد الأمريكية وخطوط الملاحة والطاقة في الخليج، ما يجعل أي مواجهة مفتوحة ذات كلفة استراتيجية واقتصادية مرتفعة على العالم.

الضغط المتبادل دون الانزلاق لمواجهة شاملة

وحول السيناريوهات المحتملة، يرجّح خريشة استمرار سياسة الضغط المتبادل دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، عبر الجمع بين العقوبات الاقتصادية ورفع الجاهزية العسكرية مع إبقاء قنوات التفاوض غير المباشر مفتوحة.
ويشير خريشة إلى احتمال تنفيذ ضربات أمريكية أو إسرائيلية محدودة تستهدف منشآت عسكرية أو نووية أو مواقع لفصائل حليفة لإيران، إذا ما اعتُبر أن طهران اقتربت من "خطوط حمراء" معينة.

عض أصابع سياسي

ولم يستبعد خريشة سيناريو الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع نتيجة خطأ في الحسابات أو ردود فعل غير محسوبة، لكنه يصف الحديث عن غزو بري أمريكي واسع لإيران بأنه يبدو حتى الآن أقرب إلى المبالغات الإعلامية، في ظل تعقيدات الجغرافيا الإيرانية وتجارب واشنطن السابقة في العراق وأفغانستان، إضافة إلى تراجع الحماسة داخل الولايات المتحدة لخوض حروب طويلة ومكلفة.
ويعتبر خريشة أن المنطقة تقف حالياً على حافة توتر مرتفع أشبه بـ"عض أصابع" سياسي وعسكري، حيث تسعى الأطراف إلى فرض شروطها عبر استعراض القوة دون الوصول إلى انفجار شامل، مع بقاء احتمال التصعيد قائماً.

رسالة ضغط متعددة المستويات

يعتبر أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل د.جمال حرفوش أن التحشيد العسكري الأمريكي المتزايد في منطقة الخليج، إذا صحت تقديراته الميدانية والسياسية، يمثل رسالة ضغط متعددة المستويات، هدفها إبقاء خيارات التصعيد العسكري قائمة بالتوازي مع رفع سقف الضغوط السياسية على إيران.
ويوضح حرفوش أن انتشار حاملات الطائرات الأمريكية، وتعزيز قدرات الطيران المتقدم، وتحريك طائرات التزود بالوقود، يعكس استعداداً لعمليات قد تكون طويلة الأمد، وليس لتحركات ظرفية محدودة، مع سعي واشنطن إلى إبقاء خيار الضربات الواسعة أو التدخل المحدود مطروحاً على الطاولة، حتى وإن لم تحسم بعد قرار الذهاب إلى حرب برية شاملة.
ويرى حرفوش أن الحديث عن حشد نحو 50 ألف جندي أمريكي يحمل دلالتين أساسيتين؛ الأولى ردعية تهدف إلى إيصال رسالة مباشرة لطهران بأن أي تصعيد سيترتب عليه ثمن مرتفع، والثانية تفاوضية، عبر تكثيف الضغط قبل أي تسوية سياسية محتملة، مؤكداً أن الولايات المتحدة عادة لا تلجأ إلى هذا المستوى من الحشد إلا عندما تسعى إلى فرض معادلة سياسية جديدة قوامها "اتفاق بشروطها أو مواجهة بشروطها".
ويشير حرفوش إلى أن الحديث عن تحريك طائرات التزود بالوقود داخل المطارات الإسرائيلية يعكس انتقال التفكير العسكري من مجرد الدفاع أو الرد المحدود إلى تجهيز مسرح عمليات يسمح بتنفيذ ضربات بعيدة ومتكررة ضد أهداف داخل العمق الإيراني.

الخليج يتحول لساحة اختبار كبرى

ويبيّن حرفوش أن الخليج يتحول مجدداً إلى ساحة اختبار كبرى بين الردع والحرب، في وقت لا ترغب فيه دول الخليج باندلاع مواجهة شاملة ستكون لها كلفة مباشرة، معتبراً أن التحشيد الأمريكي يحمل أيضاً رسالة للحلفاء مفادها بأن واشنطن ما تزال الطرف القادر على الإمساك بمفاتيح الأمن الإقليمي ومنع أي فراغ استراتيجي.
ويحذر حرفوش من أن أي غزو بري لإيران سيطرح إشكاليات عميقة تتعلق بميثاق الأمم المتحدة، إذ إن استخدام القوة العسكرية لا يعد مشروعاً قانونياً إلا في إطار الدفاع الشرعي عن النفس أو بتفويض من مجلس الأمن، فيما قد تؤدي الضربات الوقائية أو استهداف المنشآت النووية إلى تداعيات قانونية وسياسية خطيرة.
ويحذر أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة "حرب متصاعدة" بالمعنى السياسي والاستراتيجي، حتى وإن لم تتحول بعد إلى مواجهة شاملة.

خمسة سيناريوهات محتملة

ويطرح حرفوش خمسة سيناريوهات محتملة للمشهد المقبل، تبدأ باستمرار الضغط العسكري دون غزو بري، مروراً بحرب جوية وصاروخية محدودة تستهدف مواقع نووية أو عسكرية، أو توسع المواجهة عبر ساحات إقليمية متعددة كالعراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج، وصولاً إلى سيناريو الغزو البري المحدود كخيار أكثر كلفة وأقل عقلانية، وانتهاءً باحتمال الوصول إلى تسوية تحت النار" تتيح لجميع الأطراف حفظ مصالحها وتجنب الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
ويشير حرفوش إلى أن المنطقة تقف اليوم أمام صراع يتجاوز الحرب التقليدية إلى صراع على شكل النظام الإقليمي الجديد، لكن كل ما يجري قد لا يضبط الانزلاق نحو حرب شاملة.

حالة من الترقب المشوب بالحذر

يوضح مدير مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي أن الخيار العسكري لم يغب يوماً عن طاولة التفاوض غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكداً أن المشهد الإقليمي ما زال محكوماً بحالة من الترقب المشوب بالحذر، في ظل توازي الاستعدادات للحرب مع استمرار المساعي السياسية والدبلوماسية لتفادي انفجار واسع في المنطقة.
ويشير الرنتاوي إلى أن واشنطن وطهران تتعاملان مع المرحلة الراهنة وفق احتمالين متناقضين يسيران بالتوازي؛ أولهما إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية في أي لحظة، وثانيهما اندلاع مواجهة عسكرية قد تبدأ دون مقدمات.
ويلفت الرنتاوي إلى أن الولايات المتحدة تواصل تعزيز استعداداتها الميدانية عبر حشد قواتها، وإعادة تعبئة مخازن الذخيرة وتعويض النقص فيها، إلى جانب استعراض قدراتها العسكرية البحرية، فيما تواصل إيران الإعلان عن رفع مستوى الجاهزية العسكرية، وتطوير قدراتها الدفاعية والهجومية، بالتزامن مع استعراضات لغواصاتها وزوارقها الحربية، وسط تصاعد واضح في خطاب التحدي السياسي والميداني الإيراني.

إسرائيل الأكثر اندفاعاً نحو خيار الحرب

ويوضح الرنتاوي أن إسرائيل تبدو الطرف الأكثر اندفاعاً نحو خيار الحرب، لافتاً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدفع باتجاه توجيه ضربة واسعة لإيران، انطلاقاً من قناعة إسرائيلية بأن استهدافاً مكثفاً للبنى التحتية للطاقة والنفط والغاز والمواقع الاستراتيجية الإيرانية قد يدفع طهران إلى حافة الانهيار أو القبول بالشروط الأمريكية.
ويبيّن أن الولايات المتحدة، رغم إبقائها الخيار العسكري مطروحاً ضمن السيناريوهات المحتملة، لم تتخل بعد عن المسار السياسي، إذ ما تزال المفاوضات مستمرة، فيما تتكثف جهود الوسطاء وتتزايد الضغوط الدولية لإنقاذ فرص الحل الدبلوماسي.
ويتوقع الرنتاوي أن تشكل الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى بكين ولقائه بالرئيس الصيني شي جين بنغ محطة مؤثرة في هذا الملف، مرجحاً أن تضطلع بكين بدور أكثر وضوحاً في دفع مسار التهدئة.
ويؤكد الرنتاوي أن المنطقة لا تزال تعيش سباقاً محموماً بين قرع طبول الحرب وحراك الوسطاء والدبلوماسية، مع صعوبة الجزم بمآلات المشهد في ظل التعثر المتزايد للمفاوضات والتقلبات المرتبطة بمواقف الإدارة الأمريكية، ولا سيما طبيعة قرارات ترمب المتغيرة.

إسرائيل قاعدة مركزية لتجميع القوة العسكرية الأمريكية

يرى أستاذ العلوم السياسية د.سهيل دياب أن التحركات العسكرية الأمريكية المتزايدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك داخل إسرائيل، لا تعكس بالضرورة اقتراب اندلاع حرب واسعة مع إيران، معتبراً أن هذه التحركات تستند إلى جملة من الأسباب العسكرية والسياسية واللوجستية، أكثر من كونها مؤشراً مباشراً على مواجهة عسكرية وشيكة.
ويوضح دياب أن أحد أبرز أسباب إعادة التموضع العسكري الأمريكي يتمثل في التحولات التي طرأت على انتشار القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، مشيراً إلى أن استهداف غالبية هذه القواعد خلال الفترات الماضية دفع الولايات المتحدة إلى تحويل إسرائيل إلى قاعدة مركزية لتجميع القوة العسكرية الأمريكية، بما يشمل مخازن الأسلحة والذخائر المخصصة لمنطقة الشرق الأوسط والأسطول الأمريكي.
ويلفت دياب إلى أن جزءاً كبيراً من الذخائر التي كانت موزعة على قواعد أمريكية مختلفة جرى نقلها إلى إسرائيل، الأمر الذي أثار حالة من القلق داخل الأوساط الإعلامية الإسرائيلية لأسباب أمنية تتعلق بحجم التركيز العسكري داخلها.

محدودية الفاعلية العسكرية للأساطيل البحرية الأمريكية

ويبيّن دياب أن السبب الثاني يعود إلى محدودية الفاعلية العسكرية للأساطيل البحرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، لافتاً إلى أن حاملات الطائرات والبارجات البحرية باتت مضطرة إلى الابتعاد عن السواحل الإيرانية ومضيق هرمز والبحر العربي، خشية تعرضها للاستهداف المباشر، ما قلل من قدرتها على أداء دور القواعد العسكرية المتحركة كما في السابق. وبحسب دياب، فإن هذا الواقع دفع واشنطن إلى الاعتماد بصورة أكبر على اليابسة الإسرائيلية بوصفها قاعدة عسكرية آمنة وثابتة لتخزين السلاح وإدارة الانتشار العسكري.

رسالة طمأنة للحلفاء الإقليميين

ويشير دياب إلى أن التحرك العسكري الأمريكي يحمل أيضاً بعداً سياسياً ورسالة طمأنة إلى الحلفاء الإقليميين، خصوصاً في الخليج، مفادها بأن الولايات المتحدة ما زالت حاضرة بقوة وتمتلك أدوات الردع العسكرية، بما في ذلك الشراكة الأمنية مع إسرائيل، رغم التوترات القائمة في المنطقة.
ويعتبر دياب أن الخيارات الأمريكية تجاه إيران تبدو محدودة وضاغطة زمنياً، في ظل استحقاقات سياسية واقتصادية متلاحقة تواجه الإدارة الأمريكية، من بينها الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الصين، والملفات الاقتصادية المرتبطة بالتجارة الدولية وأسعار النفط، إضافة إلى الاستعدادات الداخلية للاستحقاقات السياسية المقبلة، بما فيها انتخابات التجديد النصفي.
ويرى دياب أن خيار الحرب المفتوحة مع إيران لا يبدو مطروحاً بقوة في المرحلة الحالية، حتى داخل أوساط الحزب الجمهوري الأمريكي، موضحاً أن تجارب المواجهات العسكرية السابقة ومحاولات فرض حصار واسع على إيران لم تحقق النتائج المرجوة، كما أن الجهود الأمريكية لحشد دعم أوروبي ودولي أوسع اصطدمت بتحفظات متزايدة، لا سيما من دول أوروبية وخليجية تخشى تداعيات التصعيد الأمني في منطقة الخليج.
ويرجّح دياب أن تتجه الولايات المتحدة نحو الإبقاء على صيغة "اللاحرب واللاسلم"، مع استمرار المسار الدبلوماسي بوصفه الخيار الأكثر واقعية.

البحث عن دور صيني محتمل

ولم يستبعد دياب أن تتحول زيارة ترمب إلى بكين إلى محطة رئيسية للبحث في دور صيني محتمل في حماية الملاحة بمضيق هرمز ودفع جهود الوساطة الدولية، مرجحاً بروز وساطة صينية أو صينية–روسية، إلى جانب أدوار إقليمية تقودها دول مثل قطر والسعودية وباكستان، بهدف إبقاء الملف الإيراني ضمن المسار السياسي وتفادي الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.

ترمب وتحقيق صورة النصر السياسي

يعتبر الكاتب والباحث السياسي والمختص في العلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن جوهر الأزمة المتصاعدة بين واشنطن وطهران يتمثل في سعي الإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس دونالد ترمب، إلى تحقيق "صورة نصر سياسي"، عبر محاولة فرض ما تعتبره طهران صيغة استسلام وإذعان من خلال الورقة الأمريكية المطروحة للتفاوض.
ويوضح العابد أن الضغوط الأمريكية على إيران لا تنفصل عن المسار العسكري والسياسي الذي انتهجته واشنطن خلال الفترة الماضية، مشيراً إلى أن الحرب التي استمرت 12 يوماً، تلتها جولة تصعيد أخرى امتدت 40 يوماً، إضافة إلى تشديد الحصار على الموانئ الإيرانية ومجمل الاقتصاد الإيراني، تندرج جميعها ضمن أدوات ضغط متراكمة تهدف إلى دفع طهران نحو توقيع الاتفاق وفق الرؤية الأمريكية ومن دون تعديلات تمس الأسس الجوهرية التي وضعتها واشنطن.

النهج التفاوضي الأمريكي بطرح "صفقة جاهزة"

ويبيّن العابد أن النهج التفاوضي الأمريكي يقوم على طرح "صفقة جاهزة" تسعى الإدارة الأمريكية إلى فرضها مع هامش محدود للتعديلات الشكلية، دون المساس بالأهداف الاستراتيجية الأساسية.
ويلفت العابد إلى أن أي رد إيراني لا يتماهى بصورة كاملة مع الرؤية الأمريكية يواجه رفضاً مباشراً من واشنطن، وهو ما انعكس في الموقف الأمريكي من الرد الإيراني الأخير.
ويشير العابد إلى أن تصريحات ترمب الأخيرة، التي شكك فيها بمن يمثل النظام الإيراني، حملت بعداً وصفه بـ"الإهانة السياسية"، معتبراً أن ترمب يتصرف انطلاقاً من قناعة بأنه أضعف النظام الإيراني أو أحدث تحولاً داخله، في إطار تقديم الحرب باعتبارها حققت أهدافها.

رفض إيران للإملاءات

ويشدد العابد على أن العقلية السياسية الإيرانية لا تقبل الإملاءات أو لغة الإهانة، وهو ما يفسر استمرار الرفض الإيراني للضغوط الأمريكية.
ويشير العابد إلى أن الرد الإيراني على الورقة الأمريكية استند بصورة رئيسية إلى غياب الثقة بالولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة في ضوء تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي تحدث فيها عن أن الحرب على طهران لم تنتهِ بعد، ومن هنا، جاءت المطالب الإيرانية بضمانات دولية واضحة تتعلق بإنهاء الحرب وعدم تجددها، وضمان سير المفاوضات وأي اتفاق محتمل ينتج عنها.

"تفكيك الملفات" عبر خطوات تدريجية

ويؤكد العابد أن طهران تسعى أيضاً إلى "تفكيك الملفات" عبر خطوات تدريجية، تشمل مهلة زمنية بعد فك الحصار عن الموانئ الإيرانية وإعادة فتح مضيق هرمز، إلى جانب الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، مشيراً إلى أن إيران تستند في حذرها الحالي إلى دروس مستخلصة من تجارب تفاوضية سابقة في المنطقة، وتخشى تكرار نماذج اتفاقات لم تُنفذ بنودها كاملة.

التصعيد العسكري المؤجل

ويرجّح العابد أن يبقى التصعيد العسكري مؤجلاً إلى ما بعد زيارة ترمب المرتقبة إلى الصين، موضحاً أن الرئيس الأمريكي قد يلجأ إلى مقاربة "تبادل الملفات" مع بكين، بما يتيح للصين لعب دور وساطة أو المساهمة في إدارة الملف الإيراني مقابل تفاهمات في ملفات أخرى، بالتوازي مع وجود أدوار إقليمية ودولية داعمة للمسار التفاوضي.
ويعتقد العابد أن السيناريو الأقرب حالياً يتمثل في استمرار الحصار والضغوط السياسية والاقتصادية بانتظار نتائج التحركات الدبلوماسية، مع بقاء احتمالات الحرب أو تنفيذ عمليات عسكرية محدودة وقائمة، خصوصاً إذا أخفقت الجهود السياسية أو تعثرت الحسابات الأمريكية المرتبطة بالملف النووي الإيراني والاستقرار الداخلي في إيران، محذراً من أن تداعيات أي تصعيد إضافي لن تقتصر على طهران وحدها، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي وحركة التجارة والطاقة الدولية.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 12 مايو 2026 10:53 صباحًا - بتوقيت القدس

دولة الاحتلال تكرّس واقعاً احتلالياً مستداماً في غزة


بينما تتواصل المفاوضات غير المباشرة بشأن استكمال اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تمضي إسرائيل بخطى متسارعة لفرض وقائع ميدانية تجعل أي اتفاق سياسي لاحق خاضعاً لشروطها الأمنية والجغرافية. فالهدف الإسرائيلي لم يعد يقتصر على إدارة الحرب أو ممارسة الضغط العسكري، بل يتجه نحو تكريس واقع احتلالي طويل الأمد يعيد رسم حدود القطاع ويقلّص مساحته الفعلية، ويحوّل أكثر من مليوني فلسطيني إلى سكان محاصرين في جيوب مكتظة ومعزولة.

في أحدث خطواتها، وسّعت إسرائيل ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” شرق قطاع غزة ليتجاوز طريق صلاح الدين، الشريان الرئيسي الذي يربط شمال القطاع بجنوبه. ومع هذا التوسع، ارتفعت نسبة الأراضي الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة إلى نحو 60% من مساحة قطاع غزة البالغة 365 كيلومتراً مربعاً.
وكان هذا الخط في الأصل حداً افتراضياً مؤقتاً ضمن تفاهمات وقف إطلاق النار، لكنه يتحول تدريجياً إلى حدود فعلية جديدة. ومع التوغلات الإسرائيلية المتكررة غرباً،  وأصبح يسمى “الخط البرتقالي”، في إشارة إلى اتساع مناطق السيطرة الإسرائيلية وتآكل المساحة المتبقية للفلسطينيين.

ويُعد طريق صلاح الدين اليوم من أخطر الطرق في القطاع، إذ تحوّل من شريان حياة إلى مصدر خوف دائم نتيجة الاستهداف المتكرر للمركبات والمارة، بحجة اقترابهم من مناطق عازلة يحددها الجيش الإسرائيلي بشكل أحادي ودون أي علامات واضحة. هذه التطورات الميدانية لا تبدو إجراءات عسكرية مؤقتة أو أوراق ضغط تفاوضية عابرة، بل تعكس استراتيجية إسرائيلية متكاملة تهدف إلى تحويل الاحتلال العسكري المؤقت إلى واقع دائم منخفض التكلفة.

وقد عبّر عن هذا التوجه بوضوح عدد من المحللين والمقربين من دوائر صنع القرار في إسرائيل، ومن بينهم إلياهو بن آشر من المجموعة الاستراتيجية في حزب الليكود، الذي رأى أن أفضل سيناريو بالنسبة لإسرائيل هو الإبقاء على الوضع الحالي دون حسم نهائي. وقال إن إسرائيل تسيطر على ثلثي مساحة القطاع بما في ذلك المعابر، وإن غياب إعادة الإعمار، وارتفاع دوافع الهجرة، يجعلان هذا الواقع أفضل بكثير من سيناريو انسحاب إسرائيل وعودة السلطة الفلسطينية. ورغم أن هذا التقدير لا يمثل موقفاً رسمياً معلناً، فإنه يعكس إلى حد كبير الاتجاه العملي الذي تتبعه الحكومة الإسرائيلية على الأرض.

ويقوم هذا التصور على عدم القضاء الكامل على حركة حماس، وعدم الانسحاب من المناطق المحتلة، والإبقاء على غزة في حالة إنهاك دائم تمنع إعادة إعمارها أو استعادة أي شكل من أشكال الحياة الطبيعية.
وليس شرطاً أن تعيد إسرائيل بناء المستوطنات كي تكرّس احتلالاً دائماً، إذ يكفيها الاحتفاظ بالسيطرة العسكرية والأمنية، ومنع السكان من الوصول إلى أراضيهم، وإخضاع القطاع لحصار مشدد، مع الاحتفاظ بحرية التدخل العسكري في أي وقت.

وهذا النموذج هو ذاته الذي تطبقه إسرائيل في جنوب لبنان وفي الأراضي السورية التي تحتلها، حيث تفرض سيطرة أمنية مستمرة من دون أن تتحمل أعباء الإدارة المدنية أو المسؤولية القانونية الكاملة. وفي غزة يتجسد هذا النموذج بوضوح في مدينة رفح التي أصبحت شبه خالية من السكان بعد تدميرها الواسع، وكذلك في بيت حانون التي تعرضت لدمار مماثل، إلى جانب المناطق الشرقية والشمالية والوسطى التي تحولت إلى أحزمة عسكرية معزولة.

ويتقاطع هذا المسار الميداني مع النهج الإسرائيلي في المفاوضات الجارية بشأن استكمال اتفاق وقف إطلاق النار. إذ تتعثر المباحثات حول الانتقال إلى المرحلة الثانية بسبب إصرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على نزع سلاح حركة حماس والفصائل الفلسطينية قبل أي انسحاب إسرائيلي أو بدء عملية إعادة الإعمار.

في المقابل، تؤكد حركة حماس أن الاتفاق الأصلي، المدعوم بقرار من مجلس الأمن الدولي، ينص على استكمال المرحلة الأولى أولاً، بما يشمل الانسحاب الإسرائيلي، ورفع القيود، والشروع في إعادة الإعمار، قبل بحث القضايا السياسية والأمنية الأخرى. لكن إسرائيل تستخدم هذا الشرط أداةً لتعطيل الانتقال إلى المرحلة الثانية وكسب الوقت اللازم لتثبيت مواقعها العسكرية وتوسيع مناطق سيطرتها. وهكذا تتحول المفاوضات من مسار يفترض أن يقود إلى إنهاء الحرب إلى غطاء سياسي لترسيخ نتائجها على الأرض.

ولا تقتصر السياسة الإسرائيلية على منع عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب، بل تسعى إلى إعادة هندسة قطاع غزة ديموغرافياً وجغرافياً وسياسياً عبر تقليص المساحة المتاحة للسكان، ومنع إعادة الإعمار الحقيقية، والإبقاء على المعابر تحت السيطرة الإسرائيلية، ودفع السكان نحو الهجرة القسرية، وتحويل المناطق المدمرة إلى أحزمة أمنية وحدود فعلية جديدة.
وبهذا المعنى، لم تعد الحرب مجرد عملية عسكرية، بل أصبحت مشروعاً لإعادة تشكيل قطاع غزة بما يخدم الرؤية الأمنية والسياسية الإسرائيلية لعقود مقبلة.

ومن بين جميع السيناريوهات المطروحة، يبدو أن السيناريو المفضل لحكومة نتنياهو هو الإبقاء على غزة منطقة مدمرة ومحاصرة، مع سيطرة إسرائيل على معظم أراضيها، ومنع أي إعادة إعمار حقيقية أو قيام سلطة فلسطينية فاعلة. ويحقق هذا السيناريو لإسرائيل عدة أهداف في آن واحد: السيطرة على الأرض دون تحمل مسؤولية السكان، والإبقاء على حماس ضعيفة ولكن قائمة بما يمنع البدائل السياسية، وتعطيل قيام سلطة فلسطينية موحدة، واستخدام الوضع الإنساني كورقة ضغط مستمرة، وفرض حدود جديدة يعتاد العالم عليها تدريجياً. وبذلك، تصبح المفاوضات وسيلة لإدارة هذا الواقع لا لإنهائه أو تغييره.

ما يجري في غزة اليوم ليس مجرد خرق لاتفاق وقف إطلاق النار، بل عملية منظمة لإنتاج واقع احتلالي مستدام. فبينما ينشغل الوسطاء بمحاولات إنقاذ المفاوضات، تعمل إسرائيل على تثبيت حدود جديدة بالقوة وتحويل أكثر من نصف قطاع غزة إلى منطقة عسكرية مغلقة. وفي حال استمر هذا المسار، فإن المرحلة الثانية من الاتفاق قد تصبح بلا معنى، لأن إسرائيل ستكون قد حققت فعلياً أهدافها الأساسية: السيطرة على الأرض، وتعطيل إعادة الإعمار، ومنع أي تسوية سياسية يمكن أن تفضي إلى إنهاء الاحتلال.
إن أخطر ما في هذه السياسة أنها لا تحتاج إلى إعلان رسمي أو قرارات صاخبة؛ يكفي أن يتوسع “الخط الأصفر” بضعة أمتار في كل مرة، وأن يصمت العالم، حتى يتحول الاحتلال المؤقت إلى واقع دائم.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 12 مايو 2026 10:51 صباحًا - بتوقيت القدس

فتح أمام لحظة المراجعة الكبرى... لماذا يحتاج المؤتمر الثامن إلى برنامج إنقاذ وطني لا مجرد انتخابات؟


في اللحظات العادية، تتحول المؤتمرات الحركية إلى استحقاقات تنظيمية تتنافس فيها الأسماء والتحالفات والتمثيلات. أما في اللحظات المصيرية، فإن المؤتمر يصبح سؤالًا عن مستقبل الحركة والقضية معًا. وهذا تحديدًا ما يواجهه حركة فتح اليوم، وهي تدخل مؤتمرها العام الثامن في ظل واحدة من أخطر المراحل التي تمر بها القضية الفلسطينية منذ عقود.
فالحرب على غزة لم تعد مجرد عدوان عسكري محدود بزمن أو جغرافيا، بل أصبحت مدخلًا لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني كله: سياسيا، وجغرافيا، وأمنيًا، وحتى إداريا. وفي الوقت الذي تُطرح فيه ترتيبات دولية وإقليمية لإدارة غزة وإعادة إعمارها، تتعرض القدس لتهويد متسارع، وتُستنزف الضفة الغربية بالاستيطان والاقتحامات والحواجز، بينما يعيش النظام السياسي الفلسطيني حالة إنهاك وفقدان ثقة غير مسبوقة.

في مثل هذه اللحظة، لا يكفي أن تعقد فتح مؤتمرا انتخابيا ينتهي بإعادة تشكيل اللجنة المركزية والمجلس الثوري. القضية أعمق من ذلك بكثير. المطلوب هو مراجعة شاملة لمسار الحركة والنظام السياسي الفلسطيني كله، لأن الأزمة لم تعد فقط أزمة احتلال، بل أيضا أزمة داخلية مرتبطة بتراجع الحياة التنظيمية، وغياب المحاسبة، واتساع الفجوة بين القيادة والقاعدة، وتحول جزء من الحركة من مشروع تحرر وطني إلى بنية مرتبطة بإدارة السلطة ومتطلباتها اليومية.

المشكلة الأساسية ليست في الانتخابات بحد ذاتها، بل في أن تتحول الانتخابات إلى نهاية الطريق بدل أن تكون بدايته. فالحركات الكبرى لا تُقاس فقط بمن يفوز داخلها، بل بقدرتها على تجديد نفسها واستعادة دورها الوطني والتاريخي.
لقد دفعت فتح ثمنا سياسيا وتنظيميا باهظًا خلال السنوات الماضية بسبب غياب المراجعة الجدية. فالانقسام الفلسطيني لم يكن مجرد خلاف عابر، بل زلزالًا أصاب المشروع الوطني كله، وكشف حجم التآكل الذي أصاب النظام السياسي والحركة الوطنية. ومع ذلك، لم تحصل مراجعة حقيقية وعميقة لأسباب خسارة غزة، أو لفشل المصالحة، أو للعلاقة المرتبكة بين الحركة والسلطة، أو لتأثير البيروقراطية على الروح الكفاحية للحركة.
ولهذا فإن أول ما يحتاجه المؤتمر الثامن هو شجاعة الاعتراف بالأزمة بدل إنكارها أو تجميلها. فالحركات لا تسقط حين تخطئ، بل حين تفقد القدرة على مراجعة أخطائها. ومن هنا تأتي أهمية الدعوة إلى تشكيل هيئة مستقلة للنزاهة والمحاسبة داخل الحركة، تكون قادرة على مراجعة الأداء المالي والتنظيمي، والتحقيق في ملفات الفساد والإقصاء الداخلي، ومراقبة تضارب المصالح بين المواقع التنظيمية والتنفيذية. كما أن مراجعة تجربة الانقسام منذ عام 2007 يجب أن تتحول إلى مهمة وطنية وتنظيمية حقيقية، لا مجرد مادة للخطابات أو تبادل الاتهامات.
لكن النقد الذاتي وحده لا يكفي. فالقضية الفلسطينية تواجه اليوم خطرًا أكبر يتمثل في إعادة تشكيلها خارج الإرادة الوطنية الفلسطينية. وغزة تقف في قلب هذا الخطر. فالمسألة لم تعد فقط إعادة إعمار أو إدارة خدمات، بل سؤال من يملك الشرعية والقرار والتمثيل في المرحلة القادمة. وإذا تحولت ترتيبات "الإدارة الانتقالية" أو "الإعمار المشروط" إلى واقع دائم، فإننا نكون أمام خطر إنتاج غزة منفصلة سياسيًا وإداريًا عن المشروع الوطني الفلسطيني.

لهذا فإن أي رؤية وطنية جادة يجب أن تبدأ من التأكيد أن غزة ليست ملفًا إنسانيًا منفصلًا، بل جزء من وحدة سياسية وجغرافية ووطنية لا يمكن التفريط بها. ومن هنا تبرز ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية بصلاحيات كاملة في غزة والضفة، والتحضير لانتخابات عامة خلال فترة زمنية محددة، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها المرجعية الوطنية الجامعة لكل الفلسطينيين.
وفي موازاة ذلك، لا يمكن تجاهل أن القدس تواجه أخطر مراحل الاستهداف عبر التهويد والاستيطان والعزل، بينما تتعرض المخيمات الفلسطينية لمحاولات تهميش وتفكيك متواصلة، ويعيش الأسرى ظروفًا قاسية غير مسبوقة، في وقت تتراجع فيه قضيتهم سياسيًا وإعلاميًا. كما أن استهداف وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ليس قضية مالية فقط، بل محاولة لشطب البعد السياسي لقضية اللاجئين وحق العودة.

كل ذلك يفرض إعادة تعريف أولويات الحركة الوطنية الفلسطينية. فالمطلوب اليوم ليس فقط الحفاظ على السلطة أو إدارة الأزمة، بل إعادة بناء مشروع وطني قادر على الصمود والمواجهة. وهذا يتطلب إعادة الاعتبار للمقاومة الشعبية المنظمة باعتبارها استراتيجية وطنية مستمرة، لا مجرد رد فعل موسمي. كما يتطلب مراجعة العلاقة الأمنية والسياسية مع الاحتلال، لأن استمرار التنسيق الأمني بصيغته الحالية يخلق تناقضًا عميقًا مع أي مشروع مقاومة شعبية حقيقية.
في المقابل، لا يمكن لأي حركة أن تتجدد دون أن تفتح الباب أمام الشباب والمرأة والكفاءات الوطنية. فجزء كبير من أزمة فتح اليوم مرتبط بتراجع الدور الشبابي والنقابي والطلابي داخلها، وتحول كثير من الأطر التنظيمية إلى هياكل تقليدية تفتقر للحيوية والتجديد. ولهذا فإن إعادة بناء الحركة يجب أن تبدأ أيضًا من إعادة الاعتبار للجامعة والمخيم والنقابة باعتبارها مساحات إنتاج للوعي والقيادة الوطنية.
فتح اليوم أمام لحظة مفصلية: إما أن تستعيد دورها كحركة تحرر وطني تقود شعبها وتعيد بناء مشروعه الوطني، أو تتحول تدريجيًا إلى إطار إداري يعيش داخل الأزمة بدل أن يقود الخروج منها.

إن قوة فتح لم تكن يومًا في عدد مواقعها أو حجم سلطتها، بل في قدرتها على التعبير عن نبض الشعب الفلسطيني والدفاع عن وحدته الوطنية وحقوقه التاريخية. ولهذا فإن نجاح المؤتمر الثامن لن يُقاس فقط بمن فاز فيه، بل بقدرته على إطلاق مشروع استعادة وطنية شامل يحمي غزة والقدس والضفة والمخيمات والأسرى واللاجئين، ويعيد للحركة روحها الأولى: روح المبادرة، والنقد، والتجديد، والقدرة على قيادة الناس لا مجرد إدارة أزماتهم.

عربي ودولي

الثّلاثاء 12 مايو 2026 10:47 صباحًا - بتوقيت القدس

تقرير استخباري: إيران نقلت طائرات عسكرية ومدنية إلى باكستان وأفغانستان لحمايتها من ضربات أمريكية

كشفت تقارير إعلامية أمريكية نقلاً عن مسؤولين أمنيين ومصادر مطلعة، عن قيام السلطات الباكستانية بالسماح لطائرات عسكرية تابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية بالتمركز داخل قواعدها الجوية بشكل سري. وتأتي هذه الخطوة في إطار مساعي طهران لتوفير ملاذ آمن لأصولها الجوية وحمايتها من أي ضربات جوية أمريكية محتملة في ظل تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، رغم محاولات إسلام آباد الظهور بمظهر الوسيط الدبلوماسي المحايد بين الطرفين.

وأشارت المصادر إلى أن التحركات الإيرانية لم تقتصر على باكستان فحسب، بل شملت أيضاً إرسال طائرات مدنية إلى الأراضي الأفغانية المجاورة في محاولة واضحة لتأمين ما تبقى من قدراتها الجوية. ويعكس هذا التوجه الإيراني استراتيجية دفاعية تهدف إلى توزيع الأصول العسكرية خارج الحدود الوطنية لتقليل الخسائر في حال اندلاع مواجهة شاملة مع القوات الأمريكية التي تراقب التحركات الإيرانية عن كثب.

وبحسب المعلومات المسربة، فقد بدأت عمليات نقل الطائرات بعد أيام قليلة من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن وقف إطلاق النار مع إيران في مطلع شهر نيسان/ أبريل الماضي. وقد رصدت المصادر هبوط عدة طائرات إيرانية في قاعدة نور خان الجوية التابعة لسلاح الجو الباكستاني، وهي قاعدة استراتيجية تقع بالقرب من مدينة روالبندي التي تعد مركزاً عسكرياً حيوياً في البلاد.

ومن أبرز المعدات العسكرية التي تم رصد نقلها إلى القواعد الباكستانية، طائرة استطلاع وتجسس متطورة من طراز RC-130 تابعة لسلاح الجو الإيراني. وتعد هذه الطائرة نسخة استخباراتية مطورة من طراز Lockheed C-130 Hercules الأمريكية الشهيرة، مما يعكس الأهمية الكبيرة التي توليها طهران للحفاظ على قدراتها في مجال التجسس والإنذار المبكر بعيداً عن متناول الصواريخ الأمريكية.

في المقابل، سارع مسؤول باكستاني رفيع المستوى إلى نفي هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، مؤكداً أن قاعدة نور خان الجوية تقع في منطقة حضرية مأهولة ومكشوفة تماماً للعيان. وأوضح المسؤول في تصريحات صحفية أن الادعاءات بإخفاء أسطول جوي أجنبي في مثل هذه الظروف الجغرافية هو أمر غير منطقي ولا يمكن تحقيقه من الناحية الفنية أو الأمنية دون أن يلاحظه أحد.

أما على الجانب الأفغاني، فقد أكد مسؤول في هيئة الطيران المدني أن طائرة مدنية إيرانية تابعة لشركة 'ماهان إير' كانت قد هبطت في مطار كابول قبيل اندلاع الأعمال العدائية وبقيت هناك عقب إغلاق الأجواء الإيرانية. ومع تدهور الأوضاع الأمنية ووقوع غارات جوية لاحقة، جرى نقل الطائرة إلى مطار مدينة هرات القريب من الحدود الإيرانية لضمان سلامتها وتجنب تدميرها في الصراع الدائر.

فلسطين

الثّلاثاء 12 مايو 2026 10:47 صباحًا - بتوقيت القدس

اللواء بلال النتشة يدعو لجعل القدس أولوية المؤتمر الثامن وتعزيز الحضور المقدسي في مؤسسات الحركة

أكد الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس والمرشح لعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح، أن المرحلة الحالية تتطلب تحمل مسؤولية وطنية وتاريخية في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه الشعب الفلسطيني، خاصة في مدينة القدس، داعيا إلى تعزيز الوحدة الوطنية والعمل المشترك لحماية المدينة المقدسة ودعم صمود أهلها في مواجهة سياسات الاحتلال.

وشدد في بيان صحفي، على ضرورة أن تكون القدس العنوان الأول في خيارات وقرارات وانتخابات أعضاء المؤتمر العام الثامن لحركة فتح، معتبرا أن القدس تمثل جوهر القضية الفلسطينية ورمز النضال الوطني الفلسطيني، وليست مجرد ملف سياسي عابر.

ودعا إلى توحيد الجهود المقدسية الفتحاوية والوطنية لصياغة برنامج وطني خاص بمدينة القدس، يهدف إلى تثبيت صمود المواطنين المقدسيين، ودعم المؤسسات الوطنية، وتعزيز الوجود الفلسطيني في المدينة، إلى جانب مواجهة سياسات التهجير والهدم والاستيطان والتضييق التي تستهدف الأرض والإنسان والهوية الفلسطينية.

كما طالب بضرورة نبذ الانقسام والخلافات الداخلية وتوحيد الصفوف في هذه المرحلة الحساسة، مؤكدا أن القدس بحاجة إلى جميع أبنائها دون استثناء، وأن المقدسيين كانوا دائما في مقدمة المدافعين عن المشروع الوطني الفلسطيني وقدموا التضحيات دفاعا عن عروبة المدينة ومقدساتها.

وفي سياق متصل، أشار إلى أن معاناة أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة نتيجة العدوان والحصار المستمر، تستوجب تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية، مؤكدا أن وحدة الدم الفلسطيني بين القدس وغزة والضفة الغربية وكافة أماكن وجود الشعب الفلسطيني، تشكل أساس قوة المشروع الوطني الفلسطيني.

وأكد أن انتخاب الكفاءات الوطنية المقدسية وتمكين الشخصيات القادرة على الدفاع عن قضايا القدس داخل أطر حركة فتح ومؤسساتها، يمثل رسالة واضحة بأن الحركة ما زالت تعتبر القدس بوصلتها الأولى وعنوان نضالها المركزي.

وأضاف أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد حضورا مقدسيا أقوى داخل اللجنة المركزية وكافة مؤسسات الحركة، بما يضمن نقل معاناة المقدسيين والعمل على توفير مقومات الصمود لهم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

وختم بيانه بالتأكيد على أن القدس تستحق موقفا وطنيا موحدا وبرنامجا جامعا، وأن تبقى في مقدمة الخيارات والقرارات الوطنية، وفاء لتاريخها وصمود أهلها وتضحيات الشعب الفلسطيني.

تحليل

الثّلاثاء 12 مايو 2026 9:22 صباحًا - بتوقيت القدس

نتنياهو بين الاعتراف والمراوغة: كيف تحوّل إخفاق 7 تشرين الأول إلى مشروع حرب مفتوحة؟



واشنطن – سعيد عريقات – 12/5/2026


تحليل إخباري


في مقابلته مع برنامج "ستون دقيقة 60 Minutes"، حاول رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أن يقدم نفسه بوصفه قائداً واجه "لحظة وجودية" بعد هجوم السابع من تشرين الأول 2023، لا بوصفه المسؤول السياسي الأول عن الانهيار الأمني والاستخباري الذي هز إسرائيل. وبينما أقرّ للمرة الأولى بصورة شبه مباشرة بأن المسؤولية "تقع على الجميع، من رئيس الوزراء إلى أسفل الهرم" ، فإنه سرعان ما حاول نقل النقاش من سؤال الإخفاق إلى سؤال "ما بعد الإخفاق"، أي إلى الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ ذلك اليوم ضد غزة ولبنان واليمن وإيران.


هذا التحول في الخطاب ليس ارتجالياً، بل يعكس محاولة واضحة لإعادة صياغة الوعي الإسرائيلي والدولي: من محاسبة القيادة السياسية والعسكرية على الكارثة الأمنية، إلى تصوير نتنياهو كقائد حرب تاريخي يقود معركة "إنقاذ إسرائيل" من "الطوق الإيراني". وبهذا المعنى، فإن الاعتراف المحدود بالمسؤولية لم يكن سوى مناورة سياسية لتخفيف الضغوط الداخلية، لا تمهيداً لمحاسبة حقيقية.


الأكثر دلالة أن نتنياهو رفض مجدداً تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة، مفضلاً لجنة ذات طابع سياسي يمكن التحكم بنتائجها. وهذا الرفض يكشف جوهر الأزمة: فالرجل لا يخشى فقط نتائج التحقيق، بل يخشى أن يتحول التحقيق إلى لحظة انهيار لمشروعه السياسي كله، خاصة بعد سنوات طويلة من تقديم نفسه باعتباره "السيد الأمني" القادر على حماية إسرائيل وردع خصومها.


وتكشف تصريحات نتنياهو عن معضلة عميقة داخل النظام السياسي الإسرائيلي: فالنخبة الحاكمة تريد الاعتراف بالفشل دون دفع ثمنه السياسي. لذلك يجري تعميم المسؤولية على الجميع حتى تضيع المسؤولية الحقيقية. وعندما يصبح الجميع مسؤولين، لا يعود أحد مسؤولاً فعلياً. هذه الصيغة تسمح لنتنياهو بالبقاء في السلطة رغم أكبر إخفاق أمني في تاريخ إسرائيل الحديث. لكن المشكلة أن المجتمعات لا تستعيد ثقتها عبر توزيع اللوم جماعياً، بل عبر محاسبة واضحة وشفافة تبدأ من رأس السلطة، لا من الجنود أو الموظفين الأدنى رتبة.


في المقابلة ذاتها، حاول نتنياهو أيضاً تبرير التحول الإسرائيلي نحو الحروب الإقليمية المفتوحة، معتبراً أن هجوم حماس لم يكن سوى جزء من مشروع إيراني شامل لـ"خنق إسرائيل". ومن هنا، برّر توسيع الحرب إلى لبنان واليمن، ثم المواجهة المباشرة مع إيران بالتعاون مع الولايات المتحدة. لكن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة أساسية: أن السياسات الإسرائيلية نفسها، خصوصاً في غزة والضفة الغربية، ساهمت في إنتاج بيئة الانفجار المستمر.


لقد اعتمد نتنياهو طوال سنوات على إدارة الصراع لا حله، وعلى إضعاف السلطة الفلسطينية مقابل غض الطرف عن تعاظم قوة حماس، ضمن تصور يقوم على إبقاء الفلسطينيين منقسمين. غير أن هجوم السابع من تشرين الأول كشف انهيار هذه العقيدة بالكامل. ومع ذلك، يرفض نتنياهو الاعتراف بأن الأزمة ليست فقط أمنية، بل سياسية وأخلاقية أيضاً.


ومن أكثر المقاطع إثارة في المقابلة، مطالبة نتنياهو الولايات المتحدة بإرسال قوات خاصة إلى داخل إيران لاستخلاص اليورانيوم الإيراني المخصب، معتبراً أن ذلك هو "الوسيلة الوحيدة" لإنهاء ما سماه "الطموحات النووية الإيرانية". هذا الطرح يكشف حجم التصعيد الذي بات يحكم التفكير الإسرائيلي، إذ لم يعد الأمر مقتصراً على الضربات الجوية أو العقوبات الاقتصادية، بل انتقل إلى الدعوة لعمليات عسكرية مباشرة داخل الأراضي الإيرانية، بما تحمله من احتمالات انفجار إقليمي واسع. والأكثر لفتاً أن المقابلة لم تتطرق إطلاقاً إلى الترسانة النووية الإسرائيلية غير المعلنة، والتي تُعد من أكثر أسرار المنطقة وضوحاً وإنكاراً في آن واحد. وهكذا، بدا الخطاب وكأنه يطالب باحتكار نووي كامل لإسرائيل، تحت غطاء "منع الانتشار" و"حماية الاستقرار"، بينما تُستثنى إسرائيل نفسها من أي مساءلة أو رقابة دولية.


الخطير في خطاب نتنياهو ليس فقط تبرير الحرب، بل تحويل الحرب إلى عقيدة دائمة. فبدلاً من مراجعة أسباب الانفجار، يجري تقديم التصعيد العسكري باعتباره الحل الوحيد. وهذه الرؤية تجعل المنطقة بأسرها رهينة منطق القوة المفتوحة. فالحروب التي بدأت في غزة تمددت إلى لبنان واليمن وإيران، فيما تبدو الولايات المتحدة أكثر تورطاً في الحسابات الإسرائيلية. والنتيجة ليست استعادة الاستقرار، بل إنتاج شرق أوسط أكثر اضطراباً، حيث تتراجع السياسة لصالح الأمن، والدبلوماسية لصالح منطق العدوان والاحتلال.


وفي حديثه عن إيران، بدا نتنياهو أقل ثقة مما يحاول إظهاره علناً. فعندما سُئل عن توقعاته السابقة بشأن ضعف إيران وعدم قدرتها على تهديد مضيق هرمز، اعترف بأنه "لا أحد يملك رؤية كاملة". كما أقر بوجود "مخاطر وعدم يقين" في الحرب المشتركة مع واشنطن ضد طهران. وهذا الاعتراف مهم، لأنه يكشف حدود القوة العسكرية، حتى لدى إسرائيل والولايات المتحدة.


ورغم ذلك، واصل نتنياهو الرهان على فكرة انهيار النظام الإيراني تدريجياً، معتبراً أن سقوطه سيؤدي تلقائياً إلى انهيار حلفائه في المنطقة، من حزب الله إلى حماس والحوثيين. لكن هذا التصور يعكس فهماً تبسيطياً لبنية الصراعات الإقليمية، إذ يتجاهل أن هذه القوى لم تعد مجرد "أذرع" إيرانية، بل أصبحت جزءاً من واقع سياسي واجتماعي معقد تشكل عبر عقود من الحروب والاحتلال والانقسامات.


وفي جانب آخر من المقابلة، اشتكى نتنياهو من تراجع صورة إسرائيل عالمياً، معتبراً أن السبب يعود إلى "حروب الدعاية" ووسائل التواصل الاجتماعي. غير أن هذا التفسير يتجاهل مشاهد الدمار الهائل في غزة، وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين، وتنامي الانتقادات الدولية لسياسات إسرائيل العسكرية. فالأزمة ليست فقط أزمة "صورة"، بل أزمة واقع سياسي وإنساني بات يصعب تسويقه حتى داخل المجتمعات الغربية الحليفة.


محاولة نتنياهو اختزال التراجع العالمي في شعبية إسرائيل بمشكلة "دعاية" تعكس انفصالاً متزايداً بين الخطاب الرسمي الإسرائيلي والتحولات العالمية الجارية. فالأجيال الشابة في الغرب لا تعتمد فقط على الرواية التقليدية القادمة من الحكومات ووسائل الإعلام الكبرى، بل ترى مباشرة صور الحرب والدمار عبر المنصات الرقمية. لذلك، فإن الأزمة أعمق من مجرد معركة إعلامية؛ إنها أزمة شرعية أخلاقية وسياسية. وكلما استمرت الحرب بلا أفق سياسي، ازداد التآكل في صورة إسرائيل، حتى داخل المجتمعات التي كانت تاريخياً أكثر تعاطفاً معها.

عربي ودولي

الثّلاثاء 12 مايو 2026 9:17 صباحًا - بتوقيت القدس

طهران تعلق على إرسال مقاتلات مصرية للإمارات وتؤكد استمرار التواصل مع القاهرة

أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي أن الروابط التي تجمع بلاده بجمهورية مصر العربية ترتكز على أسس الاحترام المتبادل. وأشار بقائي، خلال إيجاز صحفي تناول فيه التطورات الأخيرة المتعلقة بإرسال مصر لمفرزة من الطائرات المقاتلة إلى دولة الإمارات، إلى أن القنوات الدبلوماسية بين وزيري خارجية البلدين لا تزال مفتوحة ونشطة لمناقشة الملفات الثنائية وقضايا المنطقة.

وشدد المسؤول الإيراني على أن طهران تتبنى موقفاً ثابتاً يقضي برفض أي تحركات أو تدخلات من شأنها إضعاف الاستقرار الإقليمي أو زعزعة جسور الثقة بين دول المنطقة، موضحاً أن هذا الموقف ينطبق على كافة الأطراف دون استثناء. واعتبر بقائي أن الحفاظ على التوازن الأمني في الشرق الأوسط يجب أن يظل مسؤولية حصرية تقع على عاتق دول المنطقة وحدها.

تأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه المنطقة تحركات عسكرية ودبلوماسية مكثفة، حيث تسعى إيران من خلال خطابها الرسمي إلى التأكيد على رؤيتها للأمن الجماعي، مع الحفاظ على وتيرة التقارب الدبلوماسي التي بدأت تتبلور في الآونة الأخيرة مع القاهرة عبر اللقاءات الوزارية المستمرة.

فلسطين

الثّلاثاء 12 مايو 2026 9:17 صباحًا - بتوقيت القدس

تقرير حقوقي يكشف عن فجوة سكانية حادة وسياسات تمييز تخطيطي في القدس المحتلة

كشف تقرير حقوقي صادر عن جمعية "بمكوم" الإسرائيلية عن تصعيد خطير في سياسات التمييز التخطيطي التي تنتهجها سلطات الاحتلال ضد السكان الفلسطينيين في مدينة القدس المحتلة. وأوضح التقرير أن عام 2025 شهد فجوة هائلة في المصادقة على الوحدات السكنية، حيث لم تُمنح الموافقة إلا لـ 600 وحدة سكنية فلسطينية فقط، في مقابل المصادقة على نحو 9 آلاف وحدة سكنية لصالح المستوطنين واليهود في المدينة.

وتشير هذه الأرقام الصادمة إلى أن حصة الفلسطينيين من المخططات السكنية المعتمدة لم تتجاوز 7%، وهو رقم لا يتناسب مطلقاً مع حجمهم الديمغرافي حيث يشكلون نحو 40% من سكان القدس. ويعكس هذا الواقع تدهوراً مستمراً في حقوق السكن، إذ لا يستفيد المقدسيون حالياً إلا من 26% من إجمالي الوحدات السكنية القائمة في عموم المدينة بشطريها.

وبالمقارنة مع العام السابق، تُظهر المعطيات أن عام 2024 كان قد شهد المصادقة على ألفي وحدة سكنية في الأحياء الفلسطينية، ما يعني أن عام 2025 سجل انخفاضاً حاداً بنسبة تقارب 70% في حقوق البناء الممنوحة للفلسطينيين. وفي المقابل، حظيت الأحياء اليهودية والمستوطنات في عام 2024 بمصادقات شملت 15 ألفاً و700 وحدة سكنية، منها آلاف الوحدات فوق الأراضي المحتلة عام 1967.

ووصفت الجمعية الحقوقية هذا الوضع بأنه حالة تجميد متفاقمة للتخطيط العمراني المخصص للفلسطينيين في القدس الشرقية، يقابلها تسريع واسع النطاق للمشاريع الاستيطانية. وتهدف هذه السياسة المزدوجة إلى خنق النمو الطبيعي للمقدسيين وتوسيع الوجود اليهودي في مختلف أنحاء المدينة، بما يخدم أجندات سياسية وديمغرافية واضحة.

ومن أبرز العراقيل التي تضعها سلطات الاحتلال، تشديد الإجراءات المتعلقة بإثبات ملكية الأراضي كشرط أساسي للمصادقة على أي مخططات بناء أو إصدار تراخيص. وتعد هذه السياسة ضربة قاضية للسكان الفلسطينيين، نظراً لأن غالبية الأراضي في القدس الشرقية لا تزال غير مسجلة رسمياً في السجل العقاري المعروف بـ "الطابو" منذ عقود.

ويربط التقرير بين تجميد التخطيط وبين استئناف إجراءات "تسوية الأراضي" التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية منذ عام 2018، وهي عملية تهدف لتسجيل ملكية الأراضي التي لم تُستكمل إجراءاتها منذ عام 1967. ورغم أن هذه العملية تُسوق كإجراء تنظيمي، إلا أن النتائج الميدانية تثبت أنها أداة لمصادرة الأراضي وشرعنة السيطرة عليها لصالح المؤسسات الصهيونية.

وتكشف الأرقام أن إجراءات التسوية شملت نحو 9 آلاف دونم، ولكن من أصل 2300 دونم استُكملت إجراءاتها، لم يُسجل سوى 1% فقط باسم مالكين فلسطينيين. وفي المقابل، جرى تسجيل نحو 82% من تلك الأراضي باسم دولة الاحتلال وبلدية القدس وهيئات عامة أخرى، بينما خُصصت النسبة المتبقية لجهات استيطانية خاصة.

وأكدت مصادر حقوقية أن غالبية الأراضي التي تخضع لهذه التسوية يتم تخصيصها فوراً لإقامة مستوطنات جديدة، حيث يجري العمل حالياً على الدفع بثماني مستوطنات تضم قرابة 20 ألف وحدة سكنية. ويتم التخطيط لجزء كبير من هذه المشاريع الضخمة على أراضٍ سُجلت حديثاً باسم الدولة بعد انتزاعها من أصحابها الأصليين عبر آلية التسوية المذكورة.

من جانبه، أوضح خبراء في التخطيط العمراني أن ما يحدث في القدس لم يعد مجرد تمييز إداري، بل هو عملية "هندسة ديمغرافية" ممنهجة تهدف لإعادة تشكيل هوية المدينة. فبينما تُذلل العقبات أمام آلاف الوحدات الاستيطانية خلف الخط الأخضر، تُوضع شروط تعجيزية أمام الفلسطينيين تمنعهم من ممارسة حقهم الأساسي في السكن فوق أراضيهم التاريخية.

وكانت حكومة الاحتلال قد اتخذت قراراً في فبراير الماضي يقضي بإنهاء كافة إجراءات تسوية وتسجيل أراضي القدس بحلول عام 2029، مع رصد ميزانيات ضخمة لهذا الغرض. وحذرت منظمات حقوقية من أن هذه الخطوة تهدف لترسيخ السيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية المحتلة، وتسهيل عملية اقتلاع التجمعات الفلسطينية التي تفتقر لأوراق ثبوتية تتوافق مع المعايير الإسرائيلية.

ويواجه المقدسيون صعوبات مستحيلة في توفير الأوراق الثبوتية، خاصة وأن عمليات التسجيل التي بدأت في عهد الإدارة الأردنية توقفت قسراً بعد احتلال المدينة عام 1967. ويُقدر المختصون أن ما بين 5% إلى 10% فقط من الأراضي هي المسجلة رسمياً، مما يترك الغالبية العظمى من السكان عرضة لخطر الهدم أو المصادرة تحت ذريعة البناء غير المرخص.

إن تفتت الملكيات وتوزع الورثة بين الداخل والخارج يجعل من إثبات الحق في الأرض مهمة شبه مستحيلة أمام المحاكم واللجان الإسرائيلية، وهو ما تستغله سلطات الاحتلال لتنفيذ مخططاتها. وتستمر هذه السياسات في دفع المقدسيين نحو الهجرة القسرية خارج حدود المدينة، في إطار صراع صامت على الأرض والهوية يشتد يوماً بعد يوم.

اسرائيليات

الثّلاثاء 12 مايو 2026 9:17 صباحًا - بتوقيت القدس

مسيّرات حزب الله تلاحق جنود الاحتلال: إصابات بليغة وعجز دفاعي إسرائيلي

تتصاعد حالة القلق والارتباك داخل الأوساط العسكرية والسياسية الإسرائيلية نتيجة التهديد المتزايد الذي تشكله الطائرات المسيّرة التابعة لحزب الله. وأفادت مصادر مطلعة بأن هذا الملف بات يتصدر قائمة التحديات الأمنية، في ظل اعترافات متزايدة بعجز المنظومات الدفاعية الحالية عن اعتراض هذه الأهداف بدقة. وتؤكد التقارير الواردة من الداخل أن الرقابة العسكرية تفرض قيوداً مشددة على نشر التفاصيل، إلا أن الخلاصة المتداولة تشير إلى غياب أي حل تقني فعال في المدى المنظور.

وفيما يتعلق بالخسائر البشرية، كشفت مصادر إعلامية عن وقوع إصابات بليغة في صفوف جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي نتيجة الاستهدافات المباشرة. وبالرغم من أن البيانات الرسمية تكتفي بذكر أعداد المصابين، إلا أن التسريبات تشير إلى تسجيل حالات بتر أطراف متعددة بين العسكريين. وتعتبر هذه الإصابات الدائمة كابوساً يلاحق المؤسسة الطبية والعسكرية، نظراً لصعوبة إعادة تأهيل المصابين وتأثير ذلك الطويل الأمد على الروح المعتالية للقوات.

وتواجه إسرائيل ما يوصف بـ 'الفشل الثلاثي' في التعامل مع هذا التهديد النوعي، حيث يتمثل المستوى الأول في الإخفاق التقني بتطوير رادارات ومنظومات اعتراض قادرة على رصد المسيّرات الصغيرة والبطيئة. أما المستوى الثاني فيتعلق بمحدودية القدرة على الوصول إلى الكوادر البشرية المشغلة لهذه الطائرات في لبنان. وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن الجيش لم ينجح سوى في استهداف عدد ضئيل جداً من المشغلين الذين يقدر عددهم بنحو مئة عنصر.

وعلى صعيد العمليات الاستباقية، يبرز الفشل الثالث في عدم القدرة على تقويض البنية التحتية لسلاح المسيّرات التابع لحزب الله. ورغم الغارات الجوية المكثفة التي استهدفت ورش التصنيع ومخازن الإمداد، إلا أن سلاسل التوريد والإنتاج لا تزال تعمل بفعالية عالية. هذا الواقع يضع القيادة العسكرية في مواجهة انتقادات حادة حول جدوى الاستراتيجية المتبعة في تحييد القدرات التصنيعية للطرف الآخر.

وتتعرض المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لموجة من الانتقادات الداخلية اللاذعة بسبب ما يوصف بـ 'التجاهل المتعمد' لدروس الحروب المعاصرة. ويرى مراقبون أن الجيش الإسرائيلي لم يستخلص العبر الكافية من الحرب الأوكرانية التي أظهرت بوضوح تفوق المسيّرات الرخيصة على المنظومات الدفاعية المكلفة. هذا التباطؤ في قراءة التحولات التكنولوجية في ساحة المعركة جعل الجنود في الميدان عرضة لهجمات قاتلة دون غطاء دفاعي كافٍ.

إن خطورة هذه الهجمات لا تقتصر على الخسائر المادية أو البشرية اللحظية، بل تمتد لتشكل ضغطاً نفسياً هائلاً على الجبهة الداخلية والجنود المرابطين على الحدود الشمالية. فالمسيّرات التي تخترق الأجواء وتصل إلى أهدافها بدقة تثير تساؤلات حول جدوى الاستثمارات المليارية في منظومات 'القبة الحديدية' وغيرها. ويؤكد خبراء أن استمرار هذا العجز سيؤدي بالضرورة إلى تآكل قوة الردع الإسرائيلية أمام تكتيكات حزب الله المتطورة.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبدو أن الجيش الإسرائيلي يبحث عن حلول طارئة قد تشمل العودة إلى استخدام المدافع الرشاشة التقليدية أو تقنيات التشويش الإلكتروني المكثف. ومع ذلك، تظل هذه الحلول جزئية ولا ترقى لمستوى التهديد الشامل الذي تفرضه أسراب المسيّرات. ويبقى ملف المصابين بعاهات دائمة شاهداً على حجم الفجوة بين التكنولوجيا الدفاعية الإسرائيلية والواقع الميداني المتغير في جنوب لبنان.

اسرائيليات

الثّلاثاء 12 مايو 2026 9:17 صباحًا - بتوقيت القدس

تحذيرات من شلل تام.. مطار 'بن غوريون' يتحول إلى قاعدة عسكرية أمريكية

أطلق رئيس هيئة الطيران الإسرائيلية، شموئيل زكاي، تحذيرات شديدة اللهجة بشأن التداعيات الخطيرة المترتبة على تحول مطار 'بن غوريون' الدولي إلى ما يشبه القاعدة العسكرية الأمريكية. وأوضح زكاي أن هذا التحول المفاجئ أدى إلى إحداث حالة من الشلل في نشاط شركات الطيران المحلية، فضلاً عن كونه عاملاً منفراً للشركات الأجنبية التي بدأت تتردد في استخدام المطار.

وأكدت تقارير اقتصادية عبرية أن زكاي وجه رسائل رسمية عاجلة إلى وزيرة النقل ميري ريغيف، والمدير العام للوزارة موشيه بن زاكن، مطالباً بضرورة التدخل الفوري. وشدد في خطابه على أن استمرار وجود الطائرات العسكرية الأمريكية بكثافة داخل المطار المدني يضر بالاستقرار الاقتصادي لقطاع الطيران الإسرائيلي بشكل غير مسبوق.

وطالب المسؤول الإسرائيلي بضرورة إخلاء الطائرات الأمريكية ونقلها إلى القواعد العسكرية المخصصة لها بعيداً عن المرفق المدني الرئيسي. وحذر من أن التقاعس عن اتخاذ هذه الخطوة سيجعل موسم الصيف المقبل مكلفاً للغاية بالنسبة للمسافرين الإسرائيليين، مع توقعات بقفزات حادة في أسعار التذاكر نتيجة نقص المعروض من الرحلات.

وأشار زكاي إلى أن تحويل المطار إلى ثكنة عسكرية يعيق عودة شركات الطيران العالمية التي كانت قد علقت رحلاتها في وقت سابق. وأضاف أن هذا الوضع يضع قيوداً تشغيلية معقدة أمام الشركات الوطنية، مما يهدد قدرتها على المنافسة أو حتى الحفاظ على استقرارها المالي في ظل الظروف الراهنة.

وفي سياق متصل، كشف الرئيس التنفيذي لشركة 'يسرائيل أوري سيركيس' عن حجم المعاناة التي تواجهها الشركة، حيث تراجعت قدرتها الاستيعابية في المطار بشكل حاد. فبعد أن كانت الشركة تشغل عادة 17 طائرة من مطار بن غوريون، لا يسمح لها حالياً إلا باستيعاب 4 طائرات فقط، وهو ما يحد من عدد الرحلات المتاحة للجمهور.

ولفتت المصادر إلى أن الأزمة بدأت تتفاقم منذ أواخر فبراير الماضي، تزامناً مع تصاعد التوترات الإقليمية وبدء عمليات عسكرية واسعة. وقد دفع هذا الوضع العديد من الشركات إلى نقل أساطيلها للخارج، ولم تتمكن حتى الآن من استعادة كامل نشاطها بسبب ضيق المساحات المخصصة للطيران المدني لصالح العمليات العسكرية.

وانتقد رئيس هيئة الطيران تدخل المؤسسة العسكرية في شؤون وزارة النقل، معتبراً أن الجيش يمنع الوزارة من أداء مسؤولياتها في إدارة المطار دولياً. ووصف الحالة الراهنة بأنها حولت المطار إلى 'مجال عسكري' يمارس فيه النشاط المدني بحدوده الدنيا فقط، مما يفقد إسرائيل بوابتها الجوية الرئيسية نحو العالم.

وتطرق زكاي إلى الأضرار الجسيمة التي تلحق بالشركات الصغيرة على وجه الخصوص، والتي تجد نفسها مضطرة للعمل في ظروف تشغيلية قاسية ومكلفة. وأوضح أن هذه الشركات تعاني من ارتفاع تكاليف وقود الطائرات والقيود المفروضة على حركتها، مما يضعها في خطر حقيقي أمام الشركات الكبرى مثل 'إل العال'.

كما عبر المسؤول عن استيائه من آلية التعويضات المالية الحالية، مؤكداً أنها لا تغطي الخسائر الحقيقية في الإيرادات المفقودة. وأشار إلى أن التعويضات تقتصر على تكاليف ركن الطائرات في الخارج، وهي نفقات إضافية لم تكن الشركات لتتحملها لو كان المطار يعمل بصورته الطبيعية والآمنة.

وفي الختام، شدد زكاي على أن عدم توفر مواقف كافية للطائرات سيمنع الشركات الأجنبية من التفكير في العودة إلى 'إسرائيل' في المدى المنظور. ودعا الحكومة إلى اتخاذ قرارات شجاعة بإجلاء الأسطول الأمريكي فوراً لضمان استمرارية قطاع الطيران المدني وحماية الجمهور من الانهيار الاقتصادي للقطاع.

فلسطين

الثّلاثاء 12 مايو 2026 8:17 صباحًا - بتوقيت القدس

بعد ترحيله من إسرائيل.. الناشط البرازيلي تياغو أفيلا يروي تفاصيل تعرضه للتعذيب

وصل الناشط البرازيلي تياغو أفيلا إلى مدينة ساو باولو، يوم الإثنين، عقب قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي بترحيله بعد فترة احتجاز استمرت عشرة أيام. وفور وصوله إلى مطار ساو باولو-غواروليوس الدولي، صرح أفيلا بأنه تعرض لشتى أنواع التنكيل والتعذيب، واصفاً ما جرى معه بأنه عملية اختطاف مكتملة الأركان وليس اعتقالاً قانونياً.

وأوضح أفيلا في تصريحاته أن الانتهاكات لم تقتصر عليه وحده، بل شملت رفيقه الناشط الإسباني سيف أبو كشك، حيث واجها ظروفاً قاسية داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية. كما نقل الناشط البرازيلي شهادات مؤلمة عما شاهده خلف القضبان، مؤكداً أن الأسرى الفلسطينيين في الزنازين المجاورة يتعرضون لمعاملة أكثر وحشية وقسوة تتجاوز كافة المواثيق الدولية.

وفي سياق الردود القانونية، رفضت سلطات الاحتلال الاتهامات التي ساقها مركز 'عدالة' الحقوقي، والذي تولى مهمة الدفاع عن الناشطين أمام المحاكم الإسرائيلية. وزعمت المصادر الإسرائيلية أن كافة الإجراءات المتخذة بحق المتضامنين الدوليين تمت وفقاً للقانون، وهو ما نفته حكومتا البرازيل وإسبانيا اللتان اعتبرتا الاحتجاز إجراءً غير قانوني وتعدياً صارخاً.

وكان أفيلا وأبو كشك قد شاركا في 'أسطول الصمود العالمي' الثاني، الذي انطلق من السواحل الإسبانية في الثاني عشر من أبريل/ نيسان الماضي. ويهدف الأسطول إلى محاولة كسر الحصار البحري الجائر المفروض على قطاع غزة منذ سنوات، وإيصال مساعدات إنسانية وإغاثية عاجلة للسكان المحاصرين الذين يعانون من أزمات معيشية طاحنة.

وأفادت مصادر بأن القوات البحرية الإسرائيلية اعترضت طريق الأسطول في عرض البحر ومنعته من التقدم نحو وجهته، حيث جرى اعتقال أفيلا وأبو كشك ونقلهما إلى الداخل المحتل. وفي الوقت ذاته، قامت سلطات الاحتلال بتحويل مسار أكثر من مئة ناشط دولي آخرين كانوا على متن السفن، حيث جرى ترحيلهم قسراً إلى جزيرة كريت اليونانية.

وواجه الناشطان تهماً أمنية خطيرة وجهتها لهما النيابة الإسرائيلية، شملت 'مساعدة العدو' و'التواصل مع تنظيمات إرهابية'، وهي اتهامات نفاها الناشطان جملة وتفصيلاً أمام المحكمة. وبعد ضغوط دولية وحقوقية، قررت السلطات الإفراج عنهما يوم السبت الماضي وتسليمهما لدوائر الهجرة تمهيداً لطردهما خارج البلاد.

واستقبل حشد من المتضامنين والنشطاء أفيلا في المطار، رافعين لافتات تطالب الحكومة البرازيلية بضرورة قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل رداً على جرائمها. ومن جانبه، دعا أفيلا المجتمع الدولي إلى العمل الجاد لهزيمة من وصفهم بـ 'مجرمي الحرب'، مشيراً بالذكر إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والسياسات الداعمة له.

تحليل

الثّلاثاء 12 مايو 2026 7:47 صباحًا - بتوقيت القدس

خريطة الحرس الثوري الجديدة: إعادة صياغة أمن الخليج تحت الضغط الجيوسياسي

أثار نشر الحرس الثوري الإيراني مؤخراً لخريطة جديدة تحدد مناطق سيطرته في مضيق هرمز تساؤلات استراتيجية عميقة حول توقيت ودوافع هذا التحرك. وتظهر الخريطة توسعاً ملحوظاً يمتد من جنوب إمارة الفجيرة الإماراتية وصولاً إلى جبل مبارك، ومن أم القيوين إلى جزيرة قشم، مما يرسم مثلثاً يضع الممرات المائية الحيوية تحت القبضة الإيرانية المباشرة.

تعتبر هذه الخطوة محاولة واضحة لعرقلة الملاحة في الخليج العربي، وتهدف بشكل مباشر إلى منع السفن من سلوك مسارات بديلة عبر إمارة الفجيرة. ومن خلال هذا الإجراء، تسعى طهران للاعتداء على الميزة التنافسية لدولة الإمارات التي تتيح لها تصدير النفط من خارج حدود المضيق، مما يحول المنطقة إلى ساحة ضغط اقتصادي وسياسي.

على المستوى العملياتي، تمثل هذه الخريطة تحولاً جوهرياً في العقيدة العسكرية الإيرانية، حيث كان الحرس الثوري والجيش يتقاسمان المسؤوليات سابقاً بين شرق المضيق وغربه. أما اليوم، فإن إدراج الحدود البحرية للإمارات ضمن منطقة السيطرة يعني أن صانع القرار في طهران بات يصنف المنطقة كمسرح مواجهة مباشر، واضعاً جيرانه ضمن دائرة الاستهداف العسكري.

يرى مراقبون أن هذا التوسع الجيوستراتيجي يعكس محاولة إيران إعادة صياغة الترتيبات الأمنية في الخليج وفق فلسفتها الخاصة، خاصة بعد تراجع مشروعها الإقليمي. فمع فقدان الزخم في الساحة السورية وتراجع نفوذ حزب الله في لبنان، أصبحت السيطرة المطلقة على الخليج العربي تمثل مصد الدفاع الأخير للنظام الإيراني للحفاظ على أوراقه التفاوضية.

تتأرجح خيارات التعامل الدولي مع هذا التهديد بين أسلوبين؛ الأول هو حصار الموانئ الإيرانية الذي تنتهجه الولايات المتحدة حالياً لتقويض القدرات الاقتصادية لطهران. ويهدف هذا الحصار إلى إضعاف القبضة الإيرانية على المضيق تدريجياً، رغم أن نتائجه قد لا تظهر بشكل فوري وتتطلب نفساً طويلاً لمواجهة التعنت الإيراني.

أما الخيار الثاني فيتمثل في العمل العسكري الصرف لتأمين المضيق، وهو مسار محفوف بالمخاطر ويتطلب ضربات جوية مركزة وعمليات برية لاحتلال جزر استراتيجية. ويؤكد خبراء عسكريون أن تحييد تهديدات الألغام والمسيرات والصواريخ الإيرانية لا يمكن أن يتم عبر القصف الجوي فقط، بل يستلزم خلق مناطق عازلة على الساحل الإيراني لضمان أمن الملاحة.

تراهن طهران في استراتيجيتها الحالية على عامل الوقت، حيث تهدف من خلال حصار المضيق وتوسيع نطاقه إلى دفع المجتمع الدولي للضغط على واشنطن لوقف التصعيد. فالحسابات الإيرانية تفترض أن الوجع الاقتصادي العالمي الناجم عن اضطراب إمدادات الطاقة سيجبر الولايات المتحدة على التراجع عن ملفات حساسة مثل البرنامج النووي والصواريخ الباليستية.

ومع ذلك، يبدو أن الحصار الأمريكي المشدد على الموانئ الإيرانية قد انتزع زمام المبادرة من يد طهران، حيث بدأ الألم الاقتصادي يرتد إلى الداخل الإيراني بشكل متسارع. هذا الضغط المتبادل جعل استمرار الوضع الراهن غير مريح للجانبين، مما قد يدفع نحو مواجهة عسكرية أو تسوية سياسية قسرية تتجاوز سقف التوقعات السابقة.

في نهاية المطاف، تعكس خريطة الحرس الثوري حالة من الاستنفار الاستراتيجي، حيث تحاول طهران مقايضة أمن الملاحة الدولية برفع الحصار عن موانئها. إن إصرار واشنطن على شروطها قد يفقد إيران أوراق قوتها الواحدة تلو الأخرى، مما يجعل من مضيق هرمز ساحة لاختبار الإرادات الدولية في ظل متغيرات إقليمية متسارعة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 12 مايو 2026 7:32 صباحًا - بتوقيت القدس

حقائق الحرب الجارية: القضية الفلسطينية تعود للمركزية وسقوط رهانات الحماية الخارجية

تفرض التحولات الكونية الراهنة نحو نظام عالمي جديد على العرب إعادة صياغة هويتهم القومية ورؤيتهم لمصالحهم الاستراتيجية. لقد أفرزت المواجهات العسكرية الأخيرة جملة من الحقائق التي لا يمكن تجاوزها، وعلى رأسها أن القضية الفلسطينية تظل القضية المركزية الأولى مهما حاول البعض تقليل شأنها أو تقديم أولويات أمنية أخرى عليها.

تستمد القضية الفلسطينية ثقلها من كونها جوهر الصراع مع المشروع الاستعماري الغربي المتمثل في إسرائيل. وتؤكد الوقائع أن الأطماع الإسرائيلية لا تتوقف عند حدود فلسطين، بل تمتد لتستهدف المحيط العربي الواسع ضمن رؤية توسعية تسعى للسيطرة على مقدرات المنطقة وسيادتها بالكامل.

لقد كشفت الحرب أن الرهان الحصري على الولايات المتحدة لضمان الأمن والاستقرار الإقليمي هو رهان خاسر بامتياز. فرغم وجود تسع عشرة قاعدة عسكرية أمريكية في منطقة الخليج، إلا أنها لم توفر الحماية اللازمة للدول المستضيفة لها حين تصاعدت التوترات العسكرية في المنطقة.

تحولت هذه القواعد العسكرية في كثير من الأحيان إلى عبء أمني على الدول التي استقبلتها، حيث كانت سبباً مباشراً في استهداف بنيتها التحتية. وقد تبين أن القرار الأمريكي بشن الحروب أو الانخراط فيها يصدر لصالح الأجندة الإسرائيلية حصراً، دون اعتبار لمصالح أو مواقف الدول العربية الحليفة.

تشير القراءات السياسية إلى أن الوجود العسكري الأجنبي يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية إسرائيل وإسقاط الهوية العربية الجامعة. وتسعى هذه القوى لتحويل المنطقة إلى كيانات قطرية أو طائفية متناحرة، مما يسهل عملية زعزعة الأمن الاستراتيجي للدول الكبرى في الإقليم.

وفيما يتعلق بالقدرات العسكرية، أنفق العرب مئات المليارات على التسلح دون الحصول على تفوق تقني حقيقي، حيث تفرض القيود الدولية تزويدهم بأجيال متخلفة من السلاح. يمتلك العرب الثروات والعقول، لكنهم يفتقرون حتى الآن للإرادة السياسية لتطوير صناعات عسكرية وطنية مستقلة تعفيهم من الارتهان للخارج.

تظل معاهدة الدفاع العربي المشترك، الموقعة منذ عام 1945، حبيسة الأدراج دون تفعيل حقيقي على أرض الواقع. ورغم وجود بوادر لصحوة نظرية نحو إقامة حلف سياسي عسكري بقيادة السعودية، إلا أن الضغوط الأمريكية والإسرائيلية تظل العائق الأكبر أمام تحقيق هذا الطموح القومي.

يجب على صانع القرار العربي إدراك أن الدول الناجحة هي التي ترسم استراتيجياتها بناءً على رؤية مستقبلية وقراءة دقيقة لموازين القوى المتغيرة. لم تعد الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة التي يمكن المراهنة عليها، مما يفتح الباب أمام خيارات واسعة للتحرك نحو أقطاب دولية أخرى مثل روسيا والصين وأوروبا.

إن الخروج من تحت المظلة الأمريكية الإسرائيلية يتطلب أولاً استعادة بناء الهوية القطرية والقومية على أسس متينة. هذا التحول يتطلب شجاعة في اتخاذ القرار والبحث عن تحالفات دولية تضمن التوازن وتحمي المصالح العربية العليا بعيداً عن التبعية المطلقة لقطب واحد.

بالنظر إلى العلاقة مع إيران، تبرز حقيقة أن الجغرافيا تحكم الجانبين بضرورة التعايش، حيث لا يمكن إزاحة الحضارات العريقة الواقعة على ضفتي الخليج. وقد أكدت طهران في مناسبات عدة أنها لا تسعى لعداء جوارها العربي، وأن التوترات غالباً ما ترتبط بوجود القواعد الأجنبية التي تستفز الأمن الإقليمي.

إن الصراعات البينية العربية، كما يظهر في السودان وليبيا واليمن، ساهمت في إضعاف الموقف القومي العام وأتاحت التدخلات الخارجية. فبدلاً من توجيه الجهود نحو بناء قوة ردع مشتركة، استنزفت هذه النزاعات الموارد العربية وأدت إلى انقسامات حادة خدمت المشاريع المعادية للمنطقة.

أثبتت التجربة الفلسطينية الطويلة، وصولاً إلى أحداث عام 2023 أن إرادة الصمود هي العامل الحاسم في أي صراع. فرغم اختلال موازين القوى العسكرية، إلا أن التمسك بالحق والإصرار على المواجهة يفرض واقعاً جديداً لا يمكن لآلة الحرب التقليدية حسمه بسهولة.

يحتاج العرب اليوم إلى الانتقال من مرحلة بيانات الإدانة والشجب إلى مرحلة الفعل الاستراتيجي المنظم. إن صرخة 'يا وحدنا' التي رددها الفلسطينيون طويلاً، باتت تتردد اليوم في عواصم عربية أخرى، مما يستوجب وحدة المصير والهدف لمواجهة التحديات الوجودية المشتركة.

في الختام، تظل الحرب الجارية مدرسة قاسية لتعلم الدروس السياسية والعسكرية، حيث لا مكان للضعفاء في نظام عالمي يتشكل بالقوة. إن استعادة زمام المبادرة تتطلب الاعتماد على الذات، وتفعيل العمل العربي المشترك، وفهم أن أمن القدس هو جزء لا يتجزأ من أمن الرياض والقاهرة وبغداد.

فلسطين

الثّلاثاء 12 مايو 2026 6:17 صباحًا - بتوقيت القدس

منظمة الرقابة الصحفية البريطانية تقر مشروعية وصف الحرب على غزة بـ 'الإبادة الجماعية'

أصدرت هيئة الرقابة الصحفية المستقلة في المملكة المتحدة (إيسبو) حكماً يقضي بمشروعية استخدام الصحف البريطانية لمصطلح 'إبادة جماعية' عند الإشارة إلى العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة. وجاء هذا القرار بعد مراجعة دقيقة للمعايير المهنية، حيث أكدت الهيئة أن هذا الوصف يقع ضمن نطاق حرية التعبير والتحرير الصحفي المتاحة للمؤسسات الإعلامية في البلاد.

ورفضت المنظمة بشكل رسمي شكوى تقدم بها أحد القراء ضد صحيفة 'ذي ناشونال'، والتي كانت قد استخدمت المصطلح في عنوان رئيسي لتقرير نشرته في شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. وتناول التقرير حينها زيارة وفد يضم 27 نائباً بريطانياً إلى إسرائيل، واصفاً التوقيت بأنه تزامن مع ما أسماه 'إبادة غزة'، وهو ما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية.

من جانبها، عبرت منظمات وجماعات يهودية عن احتجاجها الشديد على هذا التوجه، معتبرة أن إطلاق صفة الإبادة الجماعية يفتقر إلى الدقة القانونية ويمثل إهانة لضحايا المحرقة التاريخية. وأوضحت هذه الجماعات في مذكرات احتجاجية أن تكرار هذه الأوصاف يسهم في تصاعد مشاعر معاداة السامية ويخلق بيئة عدائية ضد الجاليات اليهودية في بريطانيا وخارجها.

وفي سياق ردود الفعل الغاضبة، نقلت مصادر إعلامية عن متحدث باسم حملة مكافحة معاداة السامية وصفه لقرار الهيئة بأنه 'مثير للسخرية' ويتجاهل الحقائق الموضوعية. وانتقد المتحدث تركيز الهيئة على الجوانب الإجرائية دون النظر في خطورة توجيه اتهامات جسيمة مثل الإبادة الجماعية دون استناد إلى أحكام صادرة عن هيئات قضائية دولية مستقلة وكفؤة.

ويفتح هذا القرار الباب أمام نقاشات قانونية وأخلاقية جديدة حول حدود المصطلحات السياسية في الصحافة الغربية، خاصة في ظل استمرار الصراع في الأراضي الفلسطينية. ويرى مراقبون أن حكم 'إيسبو' قد يشجع المزيد من الوسائل الإعلامية على تبني لغة أكثر حدة في انتقاد السياسات الإسرائيلية، رغم الضغوط المستمرة من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.

فلسطين

الثّلاثاء 12 مايو 2026 6:02 صباحًا - بتوقيت القدس

كاتب أمريكي يوثق جرائم العنف الجنسي الممنهج في سجون الاحتلال الإسرائيلي

سلط الكاتب الأمريكي نيكولاس كريستوف الضوء على ممارسات العنف والاغتصاب الجنسي واسعة النطاق التي يتعرض لها الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي. وأكد كريستوف في تقرير مطول استند فيه إلى مقابلات ميدانية في الضفة الغربية أن هذه الانتهاكات تتم على أيدي حراس السجون والجنود والمحققين، داعياً إلى ضرورة إدانة هذه الممارسات بشكل قاطع من كافة الأطراف الدولية.

واعتمد الكاتب في توثيقه على شهادات حية لـ 14 فلسطينياً وفلسطينية، تحدثوا بمرارة عن تعرضهم لاعتداءات جنسية قاسية خلال فترات الاعتقال والتحقيق. ولم يكتفِ كريستوف بهذه الشهادات، بل عزز تقريره بمقابلات مع محامين وعاملين في منظمات إغاثية ومحققين دوليين للتحقق من دقة الروايات التي أدلى بها الضحايا حول ما يجري خلف القضبان.

ومن بين الشهادات الأكثر إيلاماً التي أوردها المقال، برزت رواية الصحفي الفلسطيني سامي الساعي الذي اعتُقل في عام 2024. ووصف الساعي كيف تعرض للتجريد من الملابس والضرب المبرح والاعتداء بأدوات مختلفة وسط سخرية الحراس، مؤكداً أن الهدف من هذه الممارسات كان تحطيمه نفسياً للضغط عليه للعمل كمخبر لصالح الاستخبارات الإسرائيلية.

وأشار كريستوف إلى أنه رغم عدم وجود أدلة على صدور أوامر مباشرة بالاغتصاب من القيادة العليا، إلا أن السلطات الإسرائيلية مسؤولة عن خلق بيئة من 'اللاإنسانية'. ويرى الكاتب أن سياسة الإفلات من العقاب المتبعة تمنح الضوء الأخضر للعناصر الأمنية لارتكاب هذه الجرائم دون خوف من الملاحقة القانونية أو المحاسبة القضائية.

وفيما يخص الدور الأمريكي، وجه الكاتب انتقادات حادة لواشنطن، معتبراً أن أموال دافعي الضرائب الأمريكيين تساهم بشكل مباشر في دعم المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. وأوضح أن الولايات المتحدة تصبح شريكة في هذا العنف إذا لم تربط مساعداتها العسكرية بوقف الانتهاكات الجنسية وضمان وصول الصليب الأحمر للمعتقلين الفلسطينيين بشكل منتظم.

واستشهد التقرير ببيانات أممية صادرة في عام 2025، وصفت العنف الجنسي بأنه بات جزءاً من 'الإجراءات المعتادة' في تعامل إسرائيل مع الفلسطينيين. كما لفت إلى تقارير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان التي خلصت إلى أن العنف الجنسي المنهجي أصبح ممارسة منتشرة داخل نظام الاعتقال الإسرائيلي ولا يقتصر على حالات فردية.

وتحدث المعتقلون في شهاداتهم عن أنماط متكررة من الانتهاكات، شملت التفتيش العاري القسري والضرب المتعمد على الأعضاء التناسلية والتهديد المستمر بالاغتصاب. وأكد عدد من المفرج عنهم أنهم تلقوا تهديدات مباشرة من السلطات الإسرائيلية لمنعهم من الحديث للإعلام أو المنظمات الحقوقية عما واجهوه من إهانات جنسية داخل الزنازين.

وعلى صعيد حماية الطفولة، نقل الكاتب عن منظمة 'أنقذوا الأطفال' نتائج استطلاع صادم أظهر أن أكثر من نصف الأطفال الفلسطينيين الذين احتجزتهم إسرائيل شهدوا أو تعرضوا لعنف جنسي. وتعكس هذه الأرقام حجم الكارثة الإنسانية التي تلحق بالقاصرين داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية التي تفتقر لأدنى معايير الحماية الدولية.

كما كشفت لجنة حماية الصحفيين عن إحصائيات تشير إلى أن نحو 29% من الصحفيين الفلسطينيين المفرج عنهم تعرضوا لأشكال مختلفة من العنف الجنسي. وأفاد بعض هؤلاء الصحفيين بتعرضهم للاغتصاب الفعلي، مما يشير إلى استخدام هذه الوسائل الدنيئة كأداة لترهيب الكوادر الإعلامية ومنعهم من أداء واجبهم المهني في نقل الحقيقة.

وتشير الإحصائيات الواردة في المقال إلى أن إسرائيل احتجزت أكثر من 20 ألف فلسطيني في الضفة الغربية منذ أحداث 7 أكتوبر 2023. ولا يزال نحو 9000 معتقل يقبعون في السجون حتى الآن، أغلبهم محتجزون تحت مسمى 'الاعتقال الإداري' دون تهم واضحة، مع حرمانهم من زيارات المحامين أو ممثلي الصليب الأحمر الدولي.

وفي سياق غياب العدالة، نقل كريستوف عن المحامية ساري باشي أن مئات الشكاوى التي قدمتها منظمتها لم تسفر عن أي محاكمات فعلية للجنود المتورطين. واستذكر المقال حادثة عام 2024 حين أُسقطت التهم عن جنود احتياط اعتدوا جنسياً على معتقل فلسطيني حتى أصيب بجروح خطيرة، وسط دفاع مستميت من سياسيين يمينيين عن هؤلاء الجنود.

ولم تقتصر الانتهاكات على السجون، بل امتدت لتشمل اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية الذين يستخدمون التهديد بالاغتصاب كوسيلة لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم. وأكد تقرير 'ائتلاف حماية الضفة الغربية' أن هذا النمط من العنف الجنسي الممارس من قبل المستوطنين يهدف بشكل أساسي إلى دفع العائلات الفلسطينية للنزوح القسري وتوسيع المستوطنات.

أحدث الأخبار

الثّلاثاء 12 مايو 2026 3:33 صباحًا - بتوقيت القدس

تصدعات في صفوف الدعم السريع: انشقاقات القيادات تضعف النفوذ القبلي والميداني

تواجه قوات الدعم السريع في السودان أزمة داخلية متفاقمة مع توالي انشقاق كبار قادتها الميدانيين وانضمامهم إلى صفوف القوات المسلحة السودانية. تأتي هذه التحولات في وقت حساس مع دخول النزاع المسلح عامه الرابع، مما يشير إلى وجود تصدعات عميقة في البنية العسكرية والسياسية لهذه القوات.

أحدث هذه الانشقاقات تمثلت في خروج القائد الميداني البارز علي رزق الله، الملقب بـ 'السافنا'، الذي نجح في الوصول إلى مناطق سيطرة الجيش بعد عملية تمويه دقيقة. ويعد السافنا رقماً صعباً في المعادلة الميدانية، نظراً لدوره القيادي في معارك الخرطوم وكردفان، فضلاً عن ثقله الاجتماعي في إقليم دارفور.

لم تقتصر الانسحابات على السافنا فحسب، بل سبقه اللواء النور أحمد أدم، المعروف بـ 'النور قبة'، في خطوة وصفتها مصادر مطلعة بأنها ضربة قاصمة للروح المعنوية. وتعكس هذه التحركات حالة من عدم الرضا المتزايد بين القيادات التي كانت تشكل العمود الفقري للعمليات الميدانية في الأقاليم الاستراتيجية.

تلعب التركيبة القبلية دوراً محورياً في هذه الانشقاقات، حيث ينتمي السافنا إلى قبيلة المحاميد التي يتزعمها موسى هلال. وقد تسببت الهجمات التي شنتها قوات الدعم السريع على منطقة 'مستريحة'، معقل القبيلة، في شرخ اجتماعي كبير أدى إلى مراجعة العديد من المقاتلين لولاءاتهم.

أفادت مصادر ميدانية بأن حالة من التململ تسود أوساط المقاتلين بسبب سوء إدارة الموارد وإهمال ملف الجرحى والمصابين. ويبدو أن العجز عن توفير الرعاية الطبية اللازمة للمقاتلين في الميدان قد ساهم بشكل مباشر في تآكل الثقة بين القيادة العليا والقواعد المقاتلة.

يرى مراقبون أن الحرب التي كان من المفترض أن تكون خاطفة تحولت إلى استنزاف طويل الأمد لم تستعد له قوات الدعم السريع بشكل كافٍ. هذا الاستنزاف طال العتاد والأفراد، مما أدى إلى انهيار تدريجي في المشروع السياسي الذي كانت تحاول القوة تسويقه داخلياً وخارجياً.

على الصعيد الحقوقي، شددت منظمات قانونية سودانية على أن تغيير الولاء العسكري لا يسقط التهم المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان. وأكدت مجموعة 'محامو الطوارئ' أن القادة المنشقين يظلون مسؤولين جنائياً عن أي جرائم ارتكبت تحت قيادتهم خلال سنوات الحرب الماضية.

من جانبه، أشار رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان إلى أن مسألة العفو عن القادة المنشقين أو محاسبتهم هي قرار يعود للشعب السوداني وحده. ويأتي هذا التصريح ليوضح أن الانضمام للجيش قد يوفر مخرجاً عسكرياً، لكنه لا يضمن حصانة قانونية من الملاحقات المستقبلية.

تتزايد المخاوف في إقليمي دارفور وكردفان من أن تؤدي هذه الانشقاقات إلى اندلاع صراعات بينية داخل المكونات المسلحة نفسها. إن تفكك الولاءات قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من العنف القبلي وتصفيات الحسابات، مما يهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية المتدهورة أصلاً.

تشير تقارير دولية إلى أن المدنيين لا يزالون الضحية الأكبر لهذا الصراع المستمر، حيث وثقت الأمم المتحدة مقتل المئات في هجمات عشوائية. وتستخدم الطائرات المسيرة بشكل مكثف في العمليات القتالية، مما أدى إلى سقوط ضحايا في مناطق سكنية بعيدة عن جبهات القتال المباشرة.

أوضح محللون سياسيون أن انشقاق قادة بحجم 'السافنا' و'النور قبة' يحمل دلالات تتجاوز العمل العسكري إلى التأثير النفسي على الجنود. ففقدان القادة الذين يحظون باحترام قبلي واسع يؤدي بالضرورة إلى تشتت القوات التي كانت تأتمر بأمرهم وتثق في توجهاتهم.

تؤكد المصادر أن 'القشة التي قصمت ظهر البعير' كانت التجاوزات العنيفة في مناطق نفوذ القبائل المساندة للدعم السريع. إن عمليات القتل والنهب التي طالت حلفاء الأمس ولدت شعوراً بالخيانة لدى القيادات الميدانية، مما عجل بقرار الانفصال عن المنظومة.

يتوقع خبراء في الشأن السوداني أن تستمر ظاهرة الانشقاقات كـ 'كرة الثلج' التي تكبر مع مرور الوقت وتزايد الضغوط العسكرية. ومع غياب أفق سياسي واضح، يجد الكثير من المقاتلين أنفسهم في مواجهة مصير مجهول، مما يدفعهم للبحث عن خيارات بديلة تضمن بقاءهم.

في نهاية المطاف، تظل الساحة السودانية مفتوحة على كافة الاحتمالات مع استمرار التغيرات في خارطة التحالفات الميدانية. إن خروج هذه القيادات يضعف من قبضة الدعم السريع على مناطق استراتيجية، ويعيد رسم موازين القوى لصالح القوات المسلحة في معارك الحسم المقبلة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 12 مايو 2026 3:17 صباحًا - بتوقيت القدس

مقايضة الأمن بالتمويل: خفايا الوجود العسكري المصري في الخليج وأزمة الديون

كشفت مصادر مطلعة عن تفاصيل جديدة تتعلق بالوجود العسكري المصري في منطقة الخليج، حيث أكدت تقارير وجود مفرزة من القوات الجوية المصرية في العاصمة الإماراتية أبوظبي. وأشارت المصادر إلى أن هذا التواجد يمتد ليشمل ثلاث دول خليجية أخرى منذ الأسبوع الأول لاندلاع المواجهات العسكرية الإقليمية الأخيرة، في خطوة تعكس تحولاً في الموقف المصري تجاه أمن الخليج.

يأتي هذا الإعلان بعد زيارة رسمية أجراها رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي إلى الإمارات، رافقه فيها رئيس الدولة محمد بن زايد لتفقد القوات المصرية هناك. وقد أثار هذا التحول تساؤلات واسعة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا الانتشار العسكري، خاصة بعد فترة من الانتقادات الخليجية لما وُصف بالحياد المصري في الأزمات الإقليمية المتصاعدة.

ربط مراقبون وسياسيون بين هذا التحرك العسكري وبين الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها مصر، حيث تعالت الأصوات المطالبة بأن يكون الدعم العسكري المصري مقابله مصالح مالية واقتصادية مباشرة. ودعا دبلوماسيون سابقون إلى ضرورة استغلال هذا الدور لإسقاط جزء من الديون الخارجية المصرية التي باتت تثقل كاهل الموازنة العامة للدولة.

في سياق متصل، أعلن البنك الدولي عن تقديم قرض جديد لمصر بقيمة مليار دولار، مع توفير غطاء جزئي من المملكة المتحدة بقيمة 200 مليون دولار. وأوضح المدير الإقليمي للبنك أن الحصة التمويلية رُفعت لمساعدة القاهرة على مواجهة الصدمات الاقتصادية الناجمة عن الحرب الجارية في المنطقة، بشروط سداد تمتد لثلاثين عاماً.

على الصعيد الخليجي، أظهرت بيانات البنك المركزي المصري حصول القاهرة على تمويلات إضافية من السعودية والكويت رغم الضغوط الاقتصادية التي تعاني منها المنطقة. فقد قدمت المملكة العربية السعودية نحو 1.9 مليار دولار في مطلع شهر مايو الجاري، مما رفع إجمالي ودائعها لدى البنك المركزي المصري إلى أكثر من 15 مليار دولار.

من جانبها، قررت الكويت تجديد وديعة مالية بقيمة ملياري دولار كانت قد انتهت مدتها في سبتمبر الماضي، لتمتد لعام إضافي حتى نهاية 2024. وتعكس هذه الخطوات رغبة خليجية في الحفاظ على استقرار الاقتصاد المصري، الذي يواجه تحديات جسيمة في سداد أقساط وفوائد ديون تصل إلى 164 مليار دولار.

يرى محللون اقتصاديون أن الحاجة المالية أصبحت المحرك الأساسي لتوجهات السياسة الخارجية المصرية، حيث تسعى القاهرة لتأمين تدفقات دولارية عاجلة. وأشار خبراء إلى أن الاستثمارات والتدفقات المالية الخليجية تمنح النظام المصري مساحة للحركة والقدرة على مواجهة الالتزامات الدولية المتراكمة في ظل تراجع الاحتياطيات.

في المقابل، انتقدت شخصيات سياسية معارضة ما وصفته بـ 'ارتهان القرار السيادي المصري' للمساعدات المالية الخليجية، معتبرة أن إرسال القوات العسكرية يأتي كجزء من مقايضة غير معلنة. وحذر هؤلاء من أن تصبح المؤسسة العسكرية أداة في صراعات إقليمية لا تخدم الأمن القومي المصري بشكل مباشر، بل تخدم أجندات الممولين.

وتشير التقارير إلى أن مصر بصدد اقتراض 1.4 مليار دولار إضافية بتسهيلات من بنوك إماراتية وبحرينية وسعودية لتأمين واردات السلع الأساسية والغذائية. وتشارك في هذه التسهيلات مؤسسات مالية كبرى مثل بنك أبوظبي الأول والإمارات دبي الوطني، بالإضافة إلى المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة التابعة للبنك الإسلامي للتنمية.

تواجه مصر ضغوطاً هائلة لسداد نحو 37.65 مليار دولار خلال الأشهر التسعة القادمة، وهو ما يفسر تكثيف التحركات الدبلوماسية والعسكرية تجاه دول الفائض المالي. ويحذر معهد التمويل الدولي من أن أزمة الديون باتت تلتهم ما يقرب من 90% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يضع الدولة أمام خيارات صعبة للاستمرار في الوفاء بالتزاماتها.

على الجانب الآخر، استبعد باحثون لجوء أطراف إقليمية مثل إيران لاستهداف المصالح المصرية مباشرة رداً على هذا التواجد العسكري، نظراً للدور المصري كوسيط موثوق. وأوضح الخبراء أن القاهرة تمتلك أوراق ضغط استراتيجية، من بينها التحكم في حركة الملاحة بقناة السويس، وهو ما يجعل أي مواجهة مباشرة معها مغامرة غير محسوبة النتائج.

تظل القواعد العسكرية المصرية، مثل قاعدة محمد نجيب وقاعدة برنيس، نقاطاً محورية في الاستراتيجية الإقليمية الجديدة التي تتداخل فيها المصالح المصرية والإماراتية بشكل وثيق. ويرى مراقبون أن افتتاح هذه القواعد بحضور قيادات خليجية كان مؤشراً مبكراً على شكل التحالفات العسكرية والسياسية التي تبلورت في الأزمة الحالية.

إن المشهد الحالي يضع الدولة المصرية أمام تحدي الموازنة بين دورها التاريخي كقوة إقليمية وبين احتياجاتها الاقتصادية الملحة التي تفرض عليها تحالفات اضطرارية. ومع استمرار الحرب وتصاعد وتيرة الأزمة المالية، يبدو أن الانخراط المصري في أمن الخليج سيظل مرتبطاً بشكل عضوي بحزم الإنقاذ المالي والودائع البنكية.

ختاماً، يبقى التساؤل حول مدى قدرة هذه التمويلات على انتشال الاقتصاد المصري من عثرته، أم أنها مجرد مسكنات مؤقتة مقابل أدوار عسكرية ميدانية. إن الأيام القادمة ستكشف عن حجم الالتزامات التي تعهدت بها القاهرة مقابل هذه الحزم المالية، ومدى تأثير ذلك على استقلالية قرارها الوطني في ظل التجاذبات الإقليمية المحتدمة.

فلسطين

الثّلاثاء 12 مايو 2026 3:17 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة القبور في غزة: تكاليف باهظة ومقابر بدائية تنهشها الكلاب

تتفاقم المأساة الإنسانية في قطاع غزة لتطال الأموات بعد الأحياء، حيث يواجه أهالي الشهداء صعوبات بالغة في تأمين قبور لائقة لذويهم. وأفادت مصادر محلية بأن تكلفة القبر الواحد في مقابر مدينة غزة قفزت إلى مستويات قياسية تتراوح بين 1200 و1400 شيكل، أي ما يعادل نحو 500 دولار أمريكي، وهو مبلغ يفوق قدرة الغالبية العظمى من المواطنين المحاصرين.

وأكد الشيخ حمدي، أحد القائمين على الدفن في مقبرة الشيخ رضوان أن المساحات المخصصة للدفن نفدت تماماً، ولم يعد هناك متسع ولو لنصف متر إضافي. وأوضح أن الضغط الشديد على مقبرتي الشيخ رضوان والمعمداني أجبر العائلات على إعادة فتح القبور القديمة لدفن أكثر من جثمان في اللحد الواحد، في محاولة لمواجهة الأعداد المتزايدة من الضحايا يومياً.

وفي ظل استحالة الوصول إلى المقابر العامة أو تحمل تكاليفها، اضطرت مئات العائلات المكلومة إلى تحويل باحات منازلها وحدائقها الخاصة إلى مدافن اضطرارية للأبناء والأحفاد. هذه الخطوة جاءت كخيار أخير للحفاظ على كرامة الشهداء ومواراتهم الثرى قريباً من منازلهم، بعيداً عن مخاطر الطرقات والقصف المستمر الذي يمنع الوصول للمقابر الرسمية.

وتعاني عملية بناء القبور من انعدام تام لمواد البناء الأساسية مثل الإسمنت والحجارة جراء الحصار المطبق الذي يفرضه الاحتلال. ويضطر الأهالي إلى جمع ركام المنازل التي دمرتها الطائرات واستخدام الطين والوسائل البدائية لبناء اللحود، مما يجعل هذه القبور هشة وغير محصنة بشكل كافٍ أمام العوامل الخارجية والبيئية.

وكشفت شهادات مؤلمة من مواطنين عن تعرض بعض القبور البدائية، التي لا يتجاوز عمقها نصف المتر، لعمليات نبش من قبل الكلاب الضالة. وأدى الردم السطحي باستخدام ألواح الصفيح (الزينقو) إلى تمكين الحيوانات من الوصول إلى الجثامين وإخراجها، في مشهد يجسد قسوة الحرب التي لم توفر حرمة الموتى في القطاع المنكوب.

إلى جانب الأزمة الطبيعية، وثقت مصادر ميدانية قيام آليات الاحتلال الإسرائيلي بتجريف متعمد لمقابر كاملة، كما حدث في مقبرة 'البطش' شرقي غزة. هذا التدمير الممنهج أدى إلى ضياع معالم القبور واختلاط الرفات، مما حرم العائلات من حقها في زيارة أضرحة أطفالها أو التعرف على أماكن دفنهم بعد انسحاب القوات.

وتأتي هذه المعاناة في وقت يسيطر فيه الاحتلال على نحو 59% من مساحة قطاع غزة، مع استمرار حرب الإبادة التي خلفت أكثر من 72 ألف شهيد و172 ألف مصاب. ويبقى الفلسطيني في غزة مطارداً بآلة القتل حياً، ومحروماً من الاستقرار في قبره بعد وفاته، في ظل تدمير شامل للبنية التحتية والخدماتية في كافة أرجاء القطاع.

فلسطين

الثّلاثاء 12 مايو 2026 3:17 صباحًا - بتوقيت القدس

من بيت لاهيا إلى قلقيلية.. مزارع غزي ينقل تجربة زراعة الفراولة للضفة الغربية

بإرادة صلبة وخبرة تمتد لسنوات طويلة، نجح الشاب الفلسطيني شحدة زعرب في نقل تجربة زراعة الفراولة الغزاوية، المعروفة بجودتها العالية، إلى مدينة قلقيلية شمال الضفة الغربية. زعرب الذي ينحدر من بلدة بيت لاهيا الشهيرة بـ'الذهب الأحمر'، استطاع تطويع التربة في قلقيلية لإنتاج محصول وفير وبطرق زراعية محسنة.

بدأت الحكاية عندما وجد زعرب نفسه بعيداً عن عائلته في قطاع غزة بسبب اندلاع الحرب، حيث كان يعمل داخل الخط الأخضر لتأمين قوت أطفاله السبعة. ومع استحالة العودة إلى القطاع في ظل الظروف الراهنة، قرر استثمار مهارته التي ورثها عن آبائه وأجداده في استصلاح الأراضي بالضفة الغربية.

بمساعدة المواطن أبو أحمد الدرني، الذي آمن بالفكرة وقدم له قطعة أرض بمساحة دونمين، شرع زعرب في رحلة التحدي. وقد استهجن المزارع الغزي اعتماد الأسواق في الضفة الغربية على الفراولة المستوردة من المستوطنات الإسرائيلية، معتبراً أن الأرض الفلسطينية أولى بإنتاجها.

أثبتت التجربة نجاحاً باهراً منذ موسمها الأول، حيث تمكن زعرب من إنتاج نوعية متميزة من الفراولة تُعرف باسم 'توت المكتيرة'. وتتميز هذه الثمار بحجمها الكبير، إذ يصل وزن الحبة الواحدة منها إلى نحو 40 غراماً، مما جعلها محط أنظار المزارعين والتجار في المنطقة.

لم يتوقف طموح زعرب عند الزراعة فحسب، بل بدأ في استنساخ أشتال مثمرة ذات جودة عالية لتوزيعها على المزارعين المحليين. وقد أنتج بالفعل نحو 1000 شتلة هذا العام، مع خطة طموحة للوصول إلى 100 ألف شتلة في المواسم القادمة لتقليل الاعتماد على الأشتال المستوردة من الاحتلال.

وفي ظل القيود الإسرائيلية المشددة على إدخال الأسمدة الكيماوية، اعتمد زعرب بشكل كامل على السماد العضوي الطبيعي. وأكدت مصادر زراعية أن هذا التوجه لا يحسن جودة الثمار فحسب، بل يحافظ على صحة المستهلكين ويجعل المحصول يدوم لفترة أطول بحالة يانعة.

وتشير الأرقام التاريخية إلى أن قطاع غزة كان يمثل السلة الغذائية الأساسية للفراولة، حيث كان يصدر آلاف الأطنان سنوياً إلى الضفة الغربية والاتحاد الأوروبي. ووفقاً لبيانات رسمية، فإن مساحة الأراضي المزروعة بالفراولة في غزة كانت تتجاوز 4300 دونم قبل الدمار الذي خلفته الحرب الأخيرة.

خلف هذا النجاح المهني، يعيش زعرب مأساة إنسانية عميقة، حيث فقد أكثر من 170 فرداً من عائلته وأقاربه جراء القصف المستمر على قطاع غزة. ورغم هذه الآلام، يواصل العمل في أرضه بقلقيلية، مترقباً هاتفه باستمرار خشية سماع أخبار مفجعة جديدة عن بقية أفراد أسرته.

يؤكد زعرب أن بقاء عائلته في بيت لاهيا رغم تدمير منزلهم وتحويله إلى مأوى بسيط من الخشب والبطانيات هو الدافع الأكبر لصموده. ويرى أن العمل في الأرض هو شكل من أشكال المقاومة والبقاء، ورسالة لكل فلسطيني بضرورة التمسك بالهوية الوطنية والإنتاج المحلي.

ختاماً، يوجه المزارع الغزي رسالة أمل لكل الشباب الفلسطينيين بضرورة العودة إلى الأرض واستثمارها مهما كانت الصعوبات. ويشدد على أن مشروعه في قلقيلية ليس مجرد نشاط تجاري، بل هو تجسيد لوحدة الأرض والشعب، وإصرار على العيش والموت في تراب الوطن.

فلسطين

الثّلاثاء 12 مايو 2026 3:17 صباحًا - بتوقيت القدس

مستوطنون يسطون على 80 رأساً من الأغنام في كفر مالك شرقي رام الله

نفذت مجموعات من المستوطنين، اليوم الأحد، عملية سطو استهدفت الثروة الحيوانية في قرية كفر مالك الواقعة إلى الشرق من مدينة رام الله. وأفادت مصادر محلية بأن المهاجمين استولوا على نحو 80 رأساً من الأغنام تعود ملكيتها لأحد المزارعين الفلسطينيين في المنطقة، وذلك في ظل تصاعد وتيرة الاعتداءات الممنهجة التي تستهدف سبل عيش الفلسطينيين في الأرياف المحتلة.

وذكر شهود عيان أن المستوطنين اقتحموا المزرعة بشكل مفاجئ وأشهروا السلاح في وجه أصحابها، مما مكنهم من اقتياد القطيع بالقوة نحو إحدى البؤر الاستيطانية المقامة على أراضي القرية. وتأتي هذه الحادثة لتعكس حجم المخاطر التي يواجهها مربو المواشي في الضفة الغربية، حيث باتت ممتلكاتهم هدفاً مباشراً لعمليات النهب المنظمة التي تجري تحت أنظار قوات الاحتلال.

ويرى مراقبون ميدانيون أن هذه السرقات ليست مجرد حوادث عشوائية، بل هي جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى الضغط على السكان الأصليين لإجبارهم على الرحيل عن أراضيهم الرعوية. وتسعى هذه الممارسات إلى تفريغ المناطق المصنفة 'ج' من الوجود الفلسطيني، تمهيداً لتوسيع الرقعة الاستيطانية والسيطرة الكاملة على الموارد الطبيعية والمراعي في ريف رام الله.

وتواجه مئات العائلات الفلسطينية التي تعتمد على تربية المواشي تهديدات معيشية وجودية نتيجة هذه الهجمات المتكررة التي تشمل أيضاً حرق المحاصيل الزراعية وتقطيع أشجار الزيتون المعمرة. وتتم هذه الاعتداءات غالباً بحماية مباشرة من جيش الاحتلال، الذي يوفر الغطاء للمستوطنين ويمنع المواطنين من الدفاع عن ممتلكاتهم أو استرداد ما سُلب منهم بقوة السلاح.

وفي ظل هذا التصعيد، جدد أهالي قرى شرق رام الله مطالبهم بضرورة توفير حماية دولية عاجلة للمزارعين والمواطنين في المناطق المهددة بالاستيطان. وأكد الأهالي أن تقاعس سلطات الاحتلال عن لجم اعتداءات المستوطنين يساهم في تعميق المعاناة الإنسانية والاقتصادية، ويفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات التي تطال كافة مناحي الحياة في الضفة المحتلة.

تحليل

الثّلاثاء 12 مايو 2026 3:03 صباحًا - بتوقيت القدس

مستنقع القوة المطلقة: قراءة في سيكولوجيا الهزيمة الاستراتيجية وعقلنة الانسحاب الإسرائيلي

تتبنى دولة الاحتلال الإسرائيلي في المرحلة الراهنة عقيدة أمنية مفرطة، تحولت مع الوقت إلى بنية وظيفية دائمة تستدعي وجود 'عدو ضروري' بشكل مستمر. هذا المستنقع الاستراتيجي الذي تغرق فيه إسرائيل ليس مجرد حالة عابرة، بل هو تجلٍ عميق لأزمة العقلية الاستيطانية التي تخلط بين الوجود الفعلي والتمدد الجغرافي.

تظهر الجبهات المتعددة الممتدة من قطاع غزة وصولاً إلى طهران استنزافاً شاملاً للموارد الجيوسياسية والعسكرية والرمزية للاحتلال. إن فشل عقيدة الردع التراكمي يحيل كل ساحة عمليات إلى فخ مكاني وزماني، لا يوفر نصراً قابلاً للاستدامة أو الاستثمار السياسي طويل الأمد.

باتت الهوة بين الخطاب السياسي التعبوي والواقع الميداني تمثل انزياحاً وجودياً نحو الارتطام الكامل بالحقائق الجغرافية. شعار 'النصر المطلق' الذي ترفعه القيادة الإسرائيلية في غزة تحول إلى مجرد طقس لغوي يفتقر للمضمون، ويخفي عجزاً عن تحويل الآلة العسكرية إلى إنجازات سياسية.

في الجبهة الشمالية، اصطدمت وعود سحق حزب الله بجغرافيا المقاومة المتجذرة، مما حول المنطقة إلى مسرح لنزوح ديموغرافي عكسي للمستوطنين. هذا الفشل الميداني يعكس عدم قدرة الجيش على حماية العمق الاستراتيجي في مواجهة تهديدات غير تقليدية تتجاوز قدرة القصف الجوي.

تمثل إيران العقدة الكبرى في العقل الإسرائيلي، حيث يتخيل صانع القرار إمكانية تصفية كيان جيوسياسي يضم ثمانية وثمانين مليون نسمة عبر القوة العسكرية. هذا التصور يتجاهل الواقع الديموغرافي والسياسي المعقد، ويغرق إسرائيل في فانتازيا الاجتثاث التي لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع.

تتزايد التكلفة الجيواقتصادية لهذه الحروب المفتوحة، مسببة تآكلاً في البنية التحتية للتحالفات الغربية التاريخية مع دولة الاحتلال. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن زعزعة الاستقرار الإقليمي بدأ يضرب اقتصادات الحلفاء، مما يولد استياءً بنيوياً داخل أروقة الكونغرس الأمريكي.

يتآكل رأس المال السياسي الإسرائيلي مع كل غارة جوية جديدة، مما يسرع من وتيرة العزلة الدولية المكتملة التي بدأت تلوح في الأفق. القيادة الحالية تجسد شخصنة لأزمة المشروع الصهيوني، حيث يختزل رئيس الوزراء الكينونة السياسية في الظهور الإعلامي والمكاسب الشخصية الضيقة.

يبرز في هذا السياق مفهوم 'الاستثمار في الخسارة المدروسة' كمدخل لإعادة تعريف النصر بعيداً عن الغريزة التدميرية. التاريخ يؤكد أن إدمان القوة المباشرة يولد عمىً استراتيجياً يعجل بالسقوط الذاتي، تماماً كما حدث في تجارب إمبراطورية سابقة تجاوزت حدود قدرتها.

يمكن تشبيه الحالة الراهنة بمصارعي السومو، حيث يصبح الانسحاب المؤقت وسيلة لخلخلة توازن الخصم المتصلب في مواقفه. الانسحاب التكتيكي في العلم العسكري ليس استسلاماً، بل هو عملية عقلنة للصراع تسمح بتحويل الضغط إلى انهيار في بنية العدو الهجومية.

تستحضر الذاكرة التاريخية نموذج مناحيم بيغن حين أعاد سيناء لمصر وفق اتفاقية كامب ديفيد، رغم اتهامه آنذاك بالتنازل المهين. أثبتت العقود اللاحقة أن ذلك الانسحاب كان الخطوة الأكثر عمقاً في تأمين الجبهة الجنوبية وفك الارتباط بين الأسطورة التوراتية والمصلحة القومية.

إن الجمود الجيوسياسي الحالي والتمسك بكل شبر من الأرض كعقيدة هوياتية يحول عدم المرونة إلى معول هدم ذاتي للمجتمع الإسرائيلي. هذا التحالف الهجين بين الأصولية الدينية والشعبوية الإعلامية يشل القدرة على إنتاج أي خيار تراجعي عقلاني يحمي الكيان من الارتطام الكبير.

في المواجهة مع طهران، يجب التمييز بين التهديد النووي الفعلي ووهم القدرة على تغيير النظام الإيراني بالقوة الغاشمة. الخطاب التبسيطي يخلط بين ضرورة الاحتواء عبر الأدوات الدبلوماسية وبين أحلام اليقظة التي تنادي باجتثاث قوى إقليمية متجذرة في الجغرافيا والتاريخ.

أي نظام إقليمي مستقبلي سيجبر الأطراف على التعايش مع فواعل معقدة بدلاً من محاولة تصفيتها الفاشلة، كما حدث بين القوى الأوروبية الكبرى. مبدأ الاحتواء الشامل هو النموذج الإجرائي الذي يمكن أن يجنب المنطقة حروب إبادة متبادلة لا منتصر فيها.

الاعتراف بأن 'العدو الحقيقي' يتواجد أحياناً داخل غرف اتخاذ القرار المغلقة هو أولى خطوات الخروج من مأزق الاستنزاف الدائم. إن الخطوة الصغيرة إلى الوراء هي التي تسحب البساط من تحت أقدام المحرضين، وتعيد تعريف القوة كمقدرة على تجميد الصراع وإدارته بحكمة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 12 مايو 2026 2:48 صباحًا - بتوقيت القدس

بيونغيانغ تقر 'الانتقام النووي التلقائي' لحماية كيم وتلغي حلم التوحيد

شهدت العقيدة العسكرية لكوريا الشمالية تحولاً جذرياً وُصف بالأخطر في تاريخها، حيث كشفت تقارير دولية عن إقرار بيونغيانغ لتعديلات دستورية جديدة تُلزم الدولة بتنفيذ ضربة نووية انتقامية. وتأتي هذه الخطوة لضمان رد فعل 'تلقائي وفوري' في حال تعرض الزعيم كيم جونغ أون أو منظومة القيادة والسيطرة النووية لأي استهداف مباشر.

ووفقاً لما تداولته مصادر صحفية، فقد عقد مجلس الشعب الأعلى في العاصمة بيونغيانغ اجتماعاً طارئاً للمصادقة على هذه التعديلات التي تهدف إلى حماية رأس الهرم السياسي والعسكري. وتأتي هذه التحركات في سياق ترتيبات أمنية معقدة لضمان استمرارية الردع النووي حتى في حال غياب القيادة المركزية عن المشهد نتيجة عمل عسكري معادي.

وأشارت التقارير إلى أن هذا التوجه الكوري الشمالي تبلور بشكل أوضح عقب تصاعد التوترات الدولية الكبرى، وتحديداً بعد الضربة العسكرية التي استهدفت العاصمة الإيرانية طهران. حيث أدى اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين هناك إلى إثارة مخاوف جدية لدى بيونغيانغ من سيناريوهات مشابهة تستهدف قيادتها.

وتخشى كوريا الشمالية مما يعرف في العقيدة العسكرية بـ 'ضربة قطع الرأس'، وهي استراتيجية تعتمد على تصفية القيادة السياسية لشل قدرة الدولة على اتخاذ قرار الرد. ومن هنا جاء النص الدستوري الجديد ليقطع الطريق على أي أوهام بإمكانية تحييد الترسانة النووية عبر استهداف الزعيم كيم جونغ أون شخصياً.

وينص التعديل الجديد صراحة على أنه في حال تعرض نظام القيادة والسيطرة للخطر بفعل هجمات معادية، فإن منظومة الردع ستفعل تلقائياً دون الحاجة لقرار بشري. وهذا يعني أن الصواريخ النووية ستنطلق بمجرد رصد استهداف للقيادة، مما يحول الرد النووي إلى عملية آلية مبرمجة مسبقاً لا تقبل التراجع أو التفاوض.

ولم تقتصر التعديلات الدستورية على الجانب النووي فحسب، بل امتدت لتشمل إعادة صياغة الهوية الوطنية للدولة وعلاقتها بجارتها الجنوبية. فقد تم رسمياً حذف أي إشارات تتعلق بإعادة توحيد شبه الجزيرة الكورية، في خطوة تنهي عقوداً من السياسة الرسمية التي كانت تضع الوحدة هدفاً استراتيجياً طويل الأمد.

ويعكس هذا التحول رؤية كيم جونغ أون الجديدة التي تتعامل مع الكوريتين كدولتين منفصلتين في حالة صراع دائم، بدلاً من كونهما شعباً واحداً مقسماً. وقد تجلى هذا الموقف في وصف الزعيم الكوري الشمالي لسيول بأنها 'الدولة الأكثر عدائية على الكوكب'، مما يغلق الباب أمام أي تقارب دبلوماسي في المدى المنظور.

وفي سياق متصل، تعهد كيم بمواصلة تعزيز الترسانة النووية لبلاده وتطوير قدراتها الهجومية والدفاعية لمواجهة ما وصفه بالتهديدات الوجودية. وأكد أن بيونغيانغ لن تتردد في استخدام كافة الوسائل المتاحة لحماية سيادتها، مشدداً على أن القوة النووية هي الضمانة الوحيدة لبقاء النظام في ظل الظروف الدولية الراهنة.

كما شن الزعيم الكوري الشمالي هجوماً حاداً على الولايات المتحدة، متهماً واشنطن بقيادة ما وصفه بـ 'الإرهاب والعدوان الرسمي' ضد الدول ذات السيادة. وأعلن أن بلاده ستتبنى دوراً أكثر حزماً ونشاطاً في الساحة الدولية لمواجهة السياسات الأمريكية، خاصة مع تزايد وتيرة المناورات العسكرية في المنطقة.

وقد أثارت هذه التطورات موجة من القلق العالمي، حيث حذر مراقبون من أن العالم بات يقف على أعتاب مواجهة كارثية لا يمكن السيطرة عليها. واعتبر محللون أن تحويل قرار الضربة النووية إلى نظام آلي يرفع من احتمالات وقوع حرب نووية نتيجة خطأ تقني أو سوء تقدير، مما يجعل الاستقرار العالمي في مهب الريح.

اسرائيليات

الثّلاثاء 12 مايو 2026 1:32 صباحًا - بتوقيت القدس

الكنيست يصادق نهائياً على قانون المحكمة العسكرية لـ"نخبة حماس": تمهيد لأحكام إعدام جماعية

أنهى الكنيست الإسرائيلي، مساء الإثنين، الإجراءات التشريعية الخاصة بقانون إنشاء محكمة عسكرية استثنائية مخصصة لمن يصفهم بـ"عناصر النخبة" في حركة حماس. وجاءت المصادقة النهائية في القراءتين الثانية والثالثة لتجعل من هذا المشروع قانوناً نافذاً يدخل حيز التنفيذ الفوري، وسط أجماع برلماني واسع.

وذكرت مصادر صحفية أن التصويت شهد تأييد 93 عضواً في الكنيست، في حين لم يسجل أي اعتراض أو امتناع من قبل الكتل البرلمانية المختلفة. ويعكس هذا الإجماع التوجه الإسرائيلي المتصاعد نحو تشديد الإجراءات القضائية والعقابية ضد الأسرى الفلسطينيين الذين تم اعتقالهم منذ السابع من أكتوبر.

ويعود أصل هذا التشريع إلى مقترح قدمه النائبان سيمحا روتمان من حزب الصهيونية الدينية، ويوليا مالينوفسكي من حزب إسرائيل بيتنا، حيث حظي بدعم حكومي واسع منذ القراءة الأولى في يناير الماضي. ويهدف القانون إلى توفير غطاء قانوني لمحاكمات وصفتها الأوساط العبرية بأنها ستكون تاريخية واستثنائية في تاريخ القضاء الإسرائيلي.

وشبهت تقارير إعلامية إسرائيلية هذه المحاكمات المرتقبة بمحاكمة الضابط النازي أدولف إيخمان الذي اختطفته إسرائيل من الأرجنتين وأعدمته في أوائل الستينيات. ويشير هذا الربط إلى نية الاحتلال تحويل هذه المحاكمات إلى منصة سياسية وقانونية دولية لتبرير عدوانه المستمر على قطاع غزة.

من جانبه، صرح ياريف ليفين، الذي يشغل منصب وزير العدل في حكومة الاحتلال أن القانون الجديد يمنح المحكمة سلطة كاملة لإصدار أحكام الإعدام بحق المتهمين. وأكد ليفين أن هذه الأحكام ستكون قابلة للتنفيذ الفوري بمجرد صدورها، مشيراً إلى أن مئات المعتقلين سيخضعون لهذه الإجراءات القانونية المشددة.

وأوضح ليفين أن المؤسسة العسكرية والجيش سيكونان الجهة المسؤولة بشكل مباشر عن إدارة وقيادة هذه الإجراءات القانونية والمحاكمات. ويأتي هذا التفويض للجيش ليعزز الصبغة العسكرية للمحاكمات، مما يقلص من فرص الدفاع القانوني المتعارف عليه في المحاكم المدنية الدولية.

وبحسب التفاصيل المنشورة حول آلية المحاكمة، فإن معظم الجلسات ستعقد عبر تقنية الاتصال المرئي من داخل مراكز الاحتجاز والسجون التي يتواجد فيها الأسرى. ولن يتم إحضار المتهمين شخصياً إلى قاعة المحكمة إلا في حالات محدودة وجلسات معينة يقررها القضاة العسكريون المشرفون على الملفات.

وتأتي هذه التحركات القانونية في وقت تواصل فيه إسرائيل حرب الإبادة الجماعية ضد سكان قطاع غزة، والتي دخلت عامها الثاني مخلفةً دماراً هائلاً وكارثة إنسانية غير مسبوقة. حيث تشير الإحصائيات إلى ارتقاء أكثر من 72 ألف شهيد وإصابة ما يزيد عن 172 ألف فلسطيني، غالبيتهم العظمى من النساء والأطفال.

وتدعي سلطات الاحتلال أن المعتقلين الذين ستشملهم هذه المحاكمات هم من شاركوا في عمليات السابع من أكتوبر، وهو اليوم الذي شهد هجوماً للمقاومة الفلسطينية على القواعد العسكرية والمستوطنات المحيطة بغزة. وتؤكد المقاومة أن عملياتها جاءت رداً طبيعياً على جرائم الاحتلال المستمرة وانتهاكاته المتواصلة بحق المسجد الأقصى والشعب الفلسطيني.

اقتصاد

الإثنين 11 مايو 2026 11:47 مساءً - بتوقيت القدس

ناقلات نفط عملاقة تعبر مضيق هرمز بـ 'أجهزة تتبع مغلقة' لتفادي الهجمات

كشفت بيانات ملاحية حديثة صادرة عن مؤسسات دولية متخصصة في تتبع الشحن، عن مغادرة ثلاث ناقلات نفط عملاقة لمضيق هرمز خلال الأسبوع الماضي ويوم الأحد المنصرم. وأوضحت المصادر أن هذه السفن لجأت إلى إيقاف تشغيل أجهزة التتبع والإرسال الخاصة بها كإجراء احترازي لتفادي التعرض لهجمات محتملة، مما يعكس تزايد المخاوف الأمنية في الممرات المائية الحيوية بالشرق الأوسط.

وأشارت البيانات إلى أن الناقلتين (آجيوس فانوريوس1) و(كيارا إم.)، اللتين تحمل كل منهما نحو مليوني برميل من النفط الخام العراقي، نجحتا في عبور المضيق يوم الأحد. وتتجه الناقلة الأولى نحو السواحل الفيتنامية لتفريغ حمولتها في مجمع 'نغي سون' للبتروكيماويات، ومن المتوقع وصولها في السادس والعشرين من شهر مايو الجاري بعد محاولات عبور سابقة لم تكلل بالنجاح.

في سياق متصل، غادرت الناقلة (كيارا إم.) التي ترفع علم سان مارينو مياه الخليج مع استمرار إغلاق جهاز الإرسال والاستقبال، ولم تتضح حتى الآن وجهتها النهائية بدقة. وتدار هذه الناقلة من قبل شركة تتخذ من مدينة شنغهاي مقراً لها، بينما تعود ملكيتها لجهة مسجلة في جزر مارشال، وهو ما يصعب عملية التواصل المباشر مع الجهات المالكة للحصول على تعليقات رسمية.

وعلى صعيد آخر، أفادت بيانات 'كبلر' بأن ناقلة النفط العملاقة (بصرة إنرجي) قد أتمت رحلتها بنجاح بعد تحميل مليوني برميل من خام 'زاكوم العلوي' من مرفأ زيركو التابع لشركة 'أدنوك' الإماراتية. وقد غادرت السفينة مضيق هرمز في السادس من مايو، لتفرغ حمولتها لاحقاً في محطات الفجيرة، في إطار جهود مستمرة لتأمين تدفق الإمدادات النفطية رغم التحديات الجيوسياسية.

وتأتي هذه التحركات الملاحية في وقت تسعى فيه شركة بترول أبوظبي الوطنية 'أدنوك' وعدد من المشترين الدوليين إلى تحريك كميات النفط التي تعطلت في منطقة الخليج. وتعد هذه الخطوات جزءاً من استراتيجية أوسع لمواجهة تداعيات الأزمة في الشرق الأوسط، والتي أثرت بشكل مباشر على سلاسل التوريد ورفعت من تكاليف التأمين والمخاطر المرتبطة بالشحن البحري.

يُذكر أن الناقلة (آجيوس فانوريوس1) كانت قد واجهت صعوبات بالغة في عبور المضيق، حيث رصدت المصادر محاولتين فاشلتين على الأقل منذ تحميلها لخام البصرة المتوسط في منتصف أبريل الماضي. وتسلط هذه الحوادث الضوء على التوجه المتزايد لدى شركات الشحن العالمية لاستخدام تكتيكات 'الإبحار الصامت' لضمان وصول صادرات الطاقة من المنطقة إلى الأسواق العالمية بأمان.

اسرائيليات

الإثنين 11 مايو 2026 11:47 مساءً - بتوقيت القدس

تحذيرات إسرائيلية من 'خطر وجودي' يهدد شرعية الدولة في المحافل الدولية

سلطت تقارير عبرية الضوء على ما وصفتها بالإخفاقات العسكرية المتزامنة مع خسارة فادحة في 'حرب الوعي' العالمية، وذلك في ظل تصاعد الخطاب الدولي المناهض للصهيونية. وأشار خبراء إلى أن خريطة التهديدات التي تواجه إسرائيل باتت مكتظة ومعقدة، حيث تبذل الدولة جهوداً مضنية لإحباط المخاطر في الجبهات الشمالية والجنوبية والشرقية.

واعتبر يديديا شتيرن، رئيس معهد سياسات الشعب اليهودي أن التهديد الأكبر على المدى البعيد يكمن في التحدي الذي يواجه شرعية وجود الدولة نفسها في نظر العالم الحر. وأوضح أن هذا التحدي لا يتم التعامل معه بالجدية الكافية، رغم أنه يمس جوهر البقاء الاستراتيجي لإسرائيل في المنظومة الدولية.

ورغم شبكة العلاقات الواسعة التي تربط إسرائيل بالعالم الغربي على المستويات الثقافية والاقتصادية والأمنية، إلا أن الآونة الأخيرة شهدت تآكلاً خطيراً في هذه الشبكة الحيوية. وبات تشويه صورة إسرائيل مادة دسمة للنقاش في أوروبا، كما بدأ يتغلغل بشكل مقلق في قطاعات واسعة من الرأي العام داخل الولايات المتحدة.

وأكدت مصادر أن إسرائيل باتت تعيش حالة من العزلة غير المسبوقة، وهو ما دفع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لتشبيهها بـ 'إسبرطة' المحاربة والمنعزلة. ويرى مراقبون أن هذا التشويه ناتج عن مزيج من سياسات الحكومة المتطرفة، وتصاعد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في صياغة الرأي العام العالمي.

وحذر شتيرن من الاستسلام لنظرة 'العالم كله ضدنا'، معتبراً أن الركون إلى وجود أصدقاء محدودين مثل الهند أو بعض التيارات الإنجيلية هو تصرف غير مسؤول. وشدد على أن صورة إسرائيل المهتزة باتت تشكل خطراً استراتيجياً حقيقياً يهدد مستقبل المشروع الصهيوني برمته.

وتسعى إسرائيل حالياً لتأمين صفقات تسلح ضخمة وأسراب طائرات جديدة من الولايات المتحدة، خشية تغير المزاج السياسي الأمريكي في المستقبل. وتتخوف الدوائر الإسرائيلية من وصول رئيس إلى البيت الأبيض لا يسير على خطى بايدن أو ترامب في دعمهما المطلق والتقليدي لتل أبيب.

وأشار التحليل إلى أن إسرائيل لا يمكنها الاعتماد على أوروبا كبديل استراتيجي، خاصة مع صعود قوى ديمغرافية وسياسية جديدة هناك تؤثر على صنع القرار. وهذا الواقع يستدعي حشداً فورياً للموارد الوطنية لتغيير الخطاب المناهض للصهيونية وتطهير الوعي العالمي من الأفكار التي تصفها إسرائيل بالعدائية.

وانتقد شتيرن الاكتفاء بجهود المنظمات التقليدية مثل 'أيباك' أو حملات الدعاية الروتينية، داعياً إلى تحول جذري في المفاهيم الإستراتيجية. وأوضح أن صراع البقاء لا يُحسم فقط عند الحدود الجغرافية، بل يتحدد بناءً على نظرة العالم الحر ومدى تقبله للرواية الإسرائيلية.

وتشير الأرقام إلى فجوة هائلة في الإنفاق، حيث تخصص إسرائيل أكثر من مئة مليار شيكل سنوياً لحماية حدودها الأمنية، بينما تنفق مبالغ زهيدة جداً على ساحة الوعي العالمي. ووصف الخبراء هذا التفاوت بالإهمال الذي قد يؤدي إلى عواقب وجودية وخيمة على المدى البعيد.

ويرى الأكاديمي الإسرائيلي أن المعركة لم تُحسم بعد، لكنها تتطلب قيادة تدرك عمق التحدي وتتعامل معه باحترافية وحزم بعيداً عن الشعارات. وتتطلب هذه الاحترافية وضع 'عقيدة حرب' ملائمة للعصر الرقمي الجديد، وصياغة سردية قادرة على اختراق المجتمعات الغربية.

واقترح التحليل بناء شراكات دولية واسعة ورسم خريطة دقيقة لساحات التأثير العالمي لضمان وصول الرواية الإسرائيلية بشكل فعال. واعتبر أن الفشل في صياغة هذه السردية يعني ترك الساحة مفتوحة للروايات المنافسة التي تضعف الموقف الإسرائيلي في المحافل الدولية.

ودعا شتيرن إلى إسناد مهمة 'أمن الوعي' إلى هيئة حكومية جديدة ومستقلة، تعمل جنباً إلى جنب مع أجهزة الجيش والشاباك والموساد. ويجب أن تكون هذه الهيئة غير حزبية وتحظى بميزانية سخية وطويلة الأجل تتناسب مع حجم التحديات التي تواجهها الدولة في الخارج.

ووفقاً للمقترح، يجب أن تخضع هذه الهيئة للمسؤولية المباشرة لمكتب رئيس الوزراء أو وزارة الأمن، لضمان تنسيقها مع الأهداف العليا للدولة. ويؤكد هذا التوجه أن معركة الوعي لم تعد شأناً ثانوياً أو مجرد علاقات عامة، بل أصبحت ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي.

وختم التحليل بالتأكيد على أن مصير إسرائيل لا يتقرر فقط في ميادين القتال في رفح أو جنوب لبنان، بل في أروقة السياسة في واشنطن وبرلين وباريس. إن كسب العقول والقلوب في العواصم الكبرى هو الضمانة الوحيدة لاستمرار الدعم العسكري والسياسي الذي تحتاجه إسرائيل للبقاء.

فلسطين

الإثنين 11 مايو 2026 11:47 مساءً - بتوقيت القدس

فيدان يعزي خليل الحية باستشهاد نجله الرابع في غزة

أفادت مصادر دبلوماسية بأن وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، التقى في العاصمة القطرية الدوحة برئيس حركة حماس في قطاع غزة، خليل الحية، لتقديم واجب العزاء في استشهاد نجله 'عزام'. وكان نجل الحية قد ارتقى يوم الأربعاء الماضي إثر غارة جوية نفذتها طائرات الاحتلال الإسرائيلي استهدفت مدينة غزة، في تصعيد جديد يطال عائلات القيادات الفلسطينية.

وتأتي زيارة فيدان إلى قطر في إطار الترتيبات الدبلوماسية لعقد الاجتماع الثاني عشر للجنة الاستراتيجية العليا بين أنقرة والدوحة، والمزمع إقامته في تركيا قبل نهاية العام الجاري. ويعد الشهيد عزام الابن الرابع الذي يفقده خليل الحية خلال سنوات الصراع، حيث سبق واستشهد أبناؤه حمزة وأسامة، بالإضافة إلى نجله همام الذي قضى في وقت سابق بالعاصمة القطرية.

وفي سياق متصل، تشير التقارير الميدانية إلى استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم منذ العاشر من أكتوبر 2025. ووفقاً لأحدث بيانات وزارة الصحة الفلسطينية، فقد أدت عمليات القصف وإطلاق النار المستمرة منذ ذلك التاريخ إلى ارتقاء 846 شهيداً وإصابة نحو 2418 آخرين، مما يضع الاتفاق الهش أمام تحديات كبرى في ظل تواصل الاستهدافات المباشرة.

فلسطين

الإثنين 11 مايو 2026 11:17 مساءً - بتوقيت القدس

بؤرة استيطانية جديدة شرق رام الله وعقوبات أوروبية تستهدف قادة المستوطنين

أقدمت مجموعات من المستوطنين، اليوم الاثنين، على تأسيس بؤرة استيطانية جديدة فوق أراضٍ فلسطينية خاصة تتبع لبلدة رمون شرق مدينة رام الله. وأوضحت مصادر حقوقية أن المستوطنين اقتحموا منطقة 'جسر الخلة' وشرعوا بنصب خيام وبيوت متنقلة، في خطوة تهدف إلى فرض واقع جغرافي جديد بالمنطقة.

وحذرت منظمة 'البيدر' للدفاع عن حقوق البدو من تداعيات هذه البؤرة، مؤكدة أنها تمثل منطلقاً لتنفيذ هجمات ضد القرى الفلسطينية المجاورة. وأشارت المنظمة إلى أن الهدف الاستراتيجي من هذه التحركات هو التهجير القسري للسكان المحليين وتوسيع رقعة السيطرة الإسرائيلية على حساب أراضي المواطنين.

وفي سياق التصعيد الميداني، شهدت منطقة شمال الخليل اعتداءً جديداً أسفر عن إصابة ثلاثة فلسطينيين بجروح متفاوتة إثر تعرضهم للضرب من قبل مستوطنين قرب بلدة حلحول. وقامت طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني بتقديم الإسعافات الأولية للمصابين في الموقع قبل نقلهم إلى المستشفيات لتلقي العلاج اللازم.

وعلى الصعيد السياسي الدولي، أعلن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل التوصل إلى اتفاق رسمي يقضي بفرض عقوبات على منظمات وقيادات استيطانية إسرائيلية. وتأتي هذه الخطوة رداً على تصاعد أعمال العنف والترهيب التي يمارسها المستوطنون ضد المدنيين الفلسطينيين في مختلف محافظات الضفة الغربية المحتلة.

وأكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس أن الوقت قد حان للانتقال من مرحلة الإدانة إلى التنفيذ الفعلي لمواجهة التطرف. وأوضحت مصادر دبلوماسية أن العقوبات تشمل تجميد أصول ومنع سفر لثلاثة مستوطنين وأربع منظمات استيطانية، بالإضافة إلى إدراج قيادات من حركة حماس ضمن القائمة.

وقد مهد التغير في الموقف المجري، عقب التحولات السياسية الأخيرة في بودابست، الطريق أمام الاتحاد الأوروبي لتجاوز حالة الشلل التي استمرت لأشهر بسبب 'الفيتو'. ويعد هذا القرار تحولاً نوعياً في تعامل بروكسل مع ملف الاستيطان العنيف الذي بات يهدد الاستقرار الإقليمي بشكل مباشر.

من جانبه، حذر قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال من خطورة ممارسات المستوطنين، واصفاً إياها بأنها 'إرهابية وغير أخلاقية'. وأشار المسؤول العسكري إلى أن هذه الاعتداءات تدفع المنطقة نحو حافة الكارثة، مما يعكس حجم التوتر المتزايد بين المستويين العسكري والسياسي في إسرائيل.

وفي ردود الفعل الإسرائيلية، هاجم وزراء في حكومة بنيامين نتنياهو القرار الأوروبي بشدة، حيث وصف وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الاتحاد الأوروبي بـ'المعادي للسامية'. وتعهد بن غفير بمواصلة دعم التوسع الاستيطاني في كافة المناطق، معتبراً العقوبات الدولية محاولة لتقويض المشروع الصهيوني.

كما اعتبر وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر أن العقوبات اتُخذت بشكل تعسفي وسياسي وتفتقر إلى أي أساس قانوني متين. وزعم ساعر أن استهداف المواطنين والكيانات الإسرائيلية يأتي على خلفية آرائهم السياسية، في محاولة لنزع الشرعية عن الوجود الاستيطاني في الضفة والقدس.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن الضفة الغربية تعيش حالة من الغليان، حيث تم توثيق أكثر من 1600 اعتداء خلال شهر أبريل الماضي وحده. ومع وجود نحو 780 ألف مستوطن في 192 مستوطنة، تستمر المعاناة الفلسطينية التي خلفت منذ أكتوبر 2023 أكثر من 1155 شهيداً وآلاف الجرحى والمعتقلين.

رياضة

الإثنين 11 مايو 2026 10:47 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة حراسة المرمى تؤرق بيتكوفيتش قبل مونديال 2026

يواجه المدير الفني لمنتخب الجزائر، فلاديمير بيتكوفيتش، تحدياً كبيراً في ترتيب أوراق 'محاربي الصحراء' قبل انطلاق نهائيات كأس العالم 2026. وتتمثل المعضلة الأساسية في تفشي الإصابات بين الحراس المرشحين لحماية العرين الجزائري، مما وضع الجهاز الفني في سباق مع الزمن لإيجاد بدائل موثوقة قبل إعلان القائمة النهائية المسافرة إلى الولايات المتحدة.

وتلقى المدرب السويسري صدمة قوية بخروج الحارس المخضرم أنتوني ماندريا من الحسابات بشكل رسمي، إثر تعرضه لإصابة خطيرة على مستوى الكتف أنهت موسمه الكروي. ولم تتوقف الأزمة عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل الوافد الجديد ميلفين ماستل الذي خضع لعملية جراحية، بالإضافة إلى الانتكاسة الصحية التي تعرض لها لوكا زيدان مع فريقه غرناطة الإسباني، مما أربك حسابات الجهاز الفني بالكامل.

وفي ظل هذا النقص العددي الحاد، كشفت مصادر مطلعة أن بيتكوفيتش يدرس بجدية الاستعانة بخدمات الحارس أسامة بن بوط، حامي عرين اتحاد العاصمة. ويأتي هذا التوجه رغم قرار بن بوط السابق بالاعتزال دولياً احتجاجاً على تجاهله في فترات سابقة، إلا أن تألقه اللافت في كأس الكونفدرالية الإفريقية أعاده إلى دائرة الضوء كخيار إنقاذ محتمل للمنتخب في المونديال.

وتشير التقارير إلى وجود مؤشرات على 'ذوبان الجليد' بين المدرب والحارس بن بوط، خاصة بعد تصريحات الأخير التي لمحت إلى استعداده للتراجع عن التقاعد الدولي لخدمة المنتخب. ويرى مراقبون أن حاجة المنتخب الماسة لحارس يمتلك الخبرة والثبات في المواعيد الكبرى قد تعجل بعودة بن بوط لتمثيل الجزائر في المحفل العالمي القادم.

من جهة أخرى، يبرز اسم ريان يسلي، حارس مرمى أولمبيك أقبو، كأحد الحلول 'خارج الصندوق' التي يفكر فيها الجهاز الفني لتعزيز القائمة الموسعة. ويأتي التفكير في يسلي بعد المستويات المبشرة التي قدمها في الدوري المحلي، وفي ظل تراجع أرقام الحارس ماستل الذي استقبلت شباكه عدداً كبيراً من الأهداف مؤخراً، مما يفتح الباب أمام وجوه جديدة لإثبات جدارتها بتمثيل الخضر.

فلسطين

الإثنين 11 مايو 2026 10:32 مساءً - بتوقيت القدس

سلاح المسيرات يربك الحسابات الإسرائيلية: 100 مشغل لدى حزب الله وتحديات تقنية تواجه الدفاعات

أفصحت تقديرات عسكرية إسرائيلية، اليوم الاثنين، عن معطيات جديدة تتعلق بسلاح الطائرات المسيرة التابع لحزب الله، حيث قُدر عدد العناصر المتخصصة في تشغيل المسيرات المتفجرة بنحو 100 كادر ميداني. ويأتي هذا الإعلان في وقت يتصاعد فيه القلق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من فاعلية هذا السلاح الذي تحول إلى أحد أبرز التهديدات المباشرة للقوات المتمركزة في الجبهة الشمالية وجنوبي لبنان.

ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذه الطائرات بأنها 'تهديد رئيسي' يتطلب استجابة عسكرية غير تقليدية، نظراً لقدرتها العالية على التخفي والمناورة بعيداً عن أعين الرادارات. وقد وجه نتنياهو تعليمات مباشرة للجيش بضرورة ابتكار حلول تقنية لمواجهة هذه المنظومات التي باتت تستنزف القدرات الدفاعية وتوقع خسائر بشرية ومادية متلاحقة في صفوف الوحدات العسكرية.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن هذه المسيرات تعتمد في تحركاتها على الارتفاعات المنخفضة جداً، مستغلة التضاريس المعقدة لجنوب لبنان من وديان وجبال لتجنب الكشف المبكر. ويمتلك مشغلو هذه الطائرات خبرة واسعة في الجغرافيا المحلية، مما يسمح لهم بتوجيه الضربات بدقة متناهية نحو الأهداف العسكرية الحساسة، متجاوزين بذلك الخطوط الدفاعية التقليدية التي وضعها جيش الاحتلال.

وفي سياق التحليل التقني، أفادت مصادر عسكرية بأن السر الكامن وراء قوة هذه المسيرات يكمن في ارتباطها بتقنية الألياف الضوئية، وهو ما يجعلها محصنة تماماً ضد عمليات التشويش الراديوي. وبخلاف الطائرات التي تعتمد على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، لا يمكن لوحدات الحرب الإلكترونية الإسرائيلية تضليل هذه المسيرات أو قطع اتصالها بمركز التحكم، مما يمنحها موثوقية عالية في الوصول إلى أهدافها المرسومة.

وأمام هذا التطور التقني، اضطر جيش الاحتلال للجوء إلى أساليب توصف بالبدائية لمواجهة خطر الانتحاريات، شملت نصب شباك حديدية واستخدام ذخائر متشظية في محاولة لاعتراضها يدوياً. ومع ذلك، تؤكد التقارير أن هذه الوسائل لم تنجح في توفير حماية فعالة، خاصة مع لجوء المقاومة إلى تكتيك الهجمات المتزامنة بأكثر من مسيرة لإرباك الدفاعات وضمان تحقيق إصابات مباشرة في المنظومات الحيوية.

وعلى الصعيد العملياتي، ساهمت هذه الهجمات في تقويض مفهوم 'المنطقة العازلة' التي تسعى إسرائيل لفرضها، حيث طالت الضربات منصات القبة الحديدية وتجمعات الجنود في مواقع خلفية. ولا يقتصر تأثير هذا السلاح على الجانب المادي فحسب، بل يمتد ليخلق ضغطاً نفسياً هائلاً على الجنود الإسرائيليين، نتيجة عنصر المباغتة وضيق الوقت المتاح لاتخاذ إجراءات وقائية عند انطلاق صافرات الإنذار.

فلسطين

الإثنين 11 مايو 2026 10:17 مساءً - بتوقيت القدس

شهداء وجرحى في غزة: الاحتلال يواصل خروقاته ويقلص مساحات العيش للفلسطينيين

تصاعدت وتيرة الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة منذ فجر اليوم الاثنين، حيث أسفرت الهجمات المتفرقة عن استشهاد أربعة فلسطينيين وإصابة ثمانية آخرين بجروح متفاوتة. وأفادت مصادر طبية بوصول جثامين الشهداء إلى مستشفيات دير البلح وخانيونس، مشيرة إلى أن من بين المصابين سيدة وطفلاً سقطوا في استهدافات طالت مناطق مأهولة.

وفي تفاصيل الميدان، استشهد مواطن فلسطيني برصاص قوات الاحتلال المتمركزة على شارع صلاح الدين في الجهة الجنوبية الشرقية من مدينة غزة. كما استهدفت طائرة مسيرة إسرائيلية مواطناً آخر أثناء ممارسته لعمله في جمع الحطب والمواد البلاستيكية قرب دوار بني سهيلا شرقي مدينة خانيونس، مما أدى إلى ارتقائه على الفور.

وشهدت بلدة بيت لاهيا شمالي القطاع قصفاً مدفعياً مكثفاً استهدف محيط مسجد النبي يوسف في منطقة تل الذهب، ما أدى إلى إصابة ستة مواطنين بجروح مختلفة. ونُقل المصابون، ومن بينهم امرأة وطفلها، إلى مستشفى الشفاء بمدينة غزة لتلقي العلاج، في ظل ظروف صحية صعبة يعاني منها القطاع جراء الحصار المستمر.

وفي وسط مدينة غزة، أصيب شاب برصاص أطلقته رافعات إسرائيلية متمركزة في المنطقة الشرقية المعروفة بـ 'الخط الأصفر' أثناء مروره قرب مفترق السامر. وتزامن ذلك مع عمليات إطلاق نار عشوائية من قبل جيش الاحتلال استهدفت المارة والمناطق السكنية القريبة من خطوط التماس التي أعاد الجيش التمركز فيها مؤخراً.

وهز انفجار عنيف أرجاء مدينة غزة فجر اليوم، تبين لاحقاً أنه ناجم عن عملية نسف واسعة نفذها جيش الاحتلال لمبانٍ سكنية في المنطقة الشرقية للمدينة. ورافق عملية النسف قصف مدفعي مكثف وإطلاق نار من الآليات العسكرية، مما أثار حالة من الذعر بين المواطنين الذين يحاولون العودة لتفقد منازلهم في تلك المناطق.

ولم يسلم ساحل مدينة خانيونس من الاعتداءات، حيث أطلقت الزوارق الحربية الإسرائيلية قذائفها ونيران رشاشاتها الثقيلة تجاه الشواطئ والمناطق الغربية للمدينة. وتزامن هذا القصف البحري مع تحركات برية للآليات العسكرية التي أطلقت نيرانها بكثافة تجاه الأحياء الشرقية والوسطى، مما أعاق حركة المواطنين في تلك المناطق.

وكشفت بيانات وزارة الصحة الفلسطينية عن حصيلة ثقيلة للخروقات الإسرائيلية منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار، حيث بلغ عدد الشهداء نحو 854 فلسطينياً. كما سجلت الطواقم الطبية إصابة 2453 آخرين بجروح مختلفة، جراء عمليات القصف وإطلاق النار المباشر التي لم تتوقف في مختلف محافظات قطاع غزة.

وأفادت مصادر محلية بأن جيش الاحتلال يتبع استراتيجية التوسع الميداني على طول ما يسمى بـ 'الخط الأصفر'، وهو ما يؤدي إلى التهام المزيد من الأراضي الفلسطينية. هذه الإجراءات العسكرية تهدف إلى فرض واقع جغرافي جديد يقلص المساحات المتاحة للسكان، ويجبر أكثر من مليوني فلسطيني على التكدس في مناطق ضيقة جداً غربي القطاع.

وتعاني المناطق التي ينسحب منها الاحتلال من تضييق متواصل، حيث تمنع القوات الإسرائيلية المواطنين من استغلال الأراضي الزراعية أو الوصول إلى المنشآت الحيوية. ويؤدي هذا الحصار الداخلي إلى تراجع حاد في القدرة على العيش وتوفير الاحتياجات الأساسية، مما يفاقم من معاناة النازحين الذين فقدوا ممتلكاتهم خلال الحرب.

وعلى الصعيد الإنساني، يواصل الاحتلال خرق بنود الاتفاق عبر إبقاء معبر رفح مغلقاً بشكل كامل أمام حركة المسافرين والبضائع. هذا الإغلاق المتعمد يعقد إجراءات السفر لعشرات آلاف الجرحى والمرضى الذين يحتاجون لتدخلات طبية عاجلة خارج القطاع، ويحول المعبر إلى أداة للضغط السياسي والتحكم في مصير السكان.

وتتحكم سلطات الاحتلال بشكل صارم في كميات ونوعية المساعدات الإنسانية التي تدخل إلى غزة، حيث يلاحظ تفضيل إدخال البضائع التجارية على حساب المواد الإغاثية الضرورية. هذا النهج يهدف إلى إبقاء القطاع في حالة من العوز الدائم، ويمنع أي تحسن حقيقي في الواقع المعيشي المتردي الذي خلفته شهور طويلة من العدوان.

وخلصت التقارير الميدانية إلى أن إسرائيل تواصل عدوانها على قطاع غزة بأساليب مختلفة، تجمع بين القتل المباشر والخنق الاقتصادي والجغرافي. ورغم وجود اتفاق معلن، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى استمرار العمليات العسكرية التي تستهدف المدنيين وتمنع استقرار الأوضاع الإنسانية في كافة مناطق القطاع.