منوعات

الإثنين 18 مايو 2026 2:09 مساءً - بتوقيت القدس

ذاكرة الشاشة المصرية: كيف شكلت البرامج الثقافية وعي الأجيال؟

ارتبط الوجدان المصري لسنوات طويلة بشاشة التلفزيون الرسمي التي كانت بمثابة مدرسة تثقيفية شاملة، حيث تربت أجيال متعاقبة على محتوى بصري وسمعي يتسم بالرقي والعمق الجمالي. لم تكن تلك البرامج مجرد مواد ترفيهية عابرة، بل كانت نوافذ حقيقية أطل من خلالها المشاهد على الثقافات العالمية وفنون الحرب والسياسة من منظور إبداعي.

من أبرز تلك المحطات كان برنامج 'السينما والحرب' الذي قدمه الإعلامي الراحل أحمد سمير، حيث استطاع من خلاله تفكيك المشاهد القتالية وصناعة الأفلام الحربية. وقد ساهم هذا الطرح في بناء وعي نقدي لدى المشاهدين تجاه ما يعرض على الشاشات، متجاوزاً فكرة الاستهلاك السطحي للمحتوى السينمائي.

وفي سياق متصل، برز برنامج يعنى بالأفلام التسجيلية قدمه الراحل شفيع شلبي، والذي عُرف بأسلوبه المتمرد والمختلف في ذلك الوقت. فتح هذا البرنامج الباب أمام الجمهور المصري للتعرف على واقع الشعوب الأخرى وتوثيق اللحظات الإنسانية من كافة أرجاء المعمورة عبر عدسات المخرجين المستقلين.

أما برنامج 'نادي السينما' الذي ارتبط باسم المذيعة درية شرف الدين، فقد شكل علامة فارقة في تاريخ الإعلام العربي وليس المصري فحسب. كان البرنامج يعرض كبريات الأعمال السينمائية العالمية، ويتبعها بنقاشات تحليلية معمقة يشارك فيها نخبة من كبار النقاد لتشريح جماليات العمل الفني.

بفضل 'نادي السينما'، تعرف الجمهور المحلي على أسماء لامعة في عالم الإخراج مثل ألفريد هيتشكوك وفرانسيس فورد كوبولا وستيفن سبيلبرغ. ولم يقتصر الأمر على العرض فقط، بل كان المشاهد يتعرف بالتبعية على المدارس السينمائية المختلفة واتجاهاتها الفلسفية والتقنية التي سادت في شرق العالم وغربه.

وفي مرحلة لاحقة، جاء برنامج 'أوسكار' للمذيعة سناء منصور لينقل المشاهد المصري إلى أجواء الاحتفالات العالمية الكبرى والجوائز الدولية. كان هذا البرنامج بمثابة جسر يربط بين البيت المصري وبين كواليس صناعة السينما في هوليوود وأوروبا، مسلطاً الضوء على الأفلام التي تركت بصمة في التاريخ.

من خلال 'أوسكار'، شاهد الجمهور أعمالاً خالدة مثل فيلم 'دكتور جيفاغو' الذي تألق فيه النجم العالمي عمر الشريف تحت إدارة المخرج ديفيد لين. كما تعرف المشاهدون على ملحمة 'سبارتاكوس' للنجم كيرك دوغلاس والمخرج ستانلي كوبريك، مما عزز من ثقافة المشاهدة النوعية لدى الجمهور.

وعلى صعيد الموسيقى والغناء، كان برنامج 'العالم يغني' الذي قدمته حمدية حمدي يمثل متعة حقيقية في زمن ما قبل منصات التواصل الاجتماعي. كانت هذه النافذة هي المصدر الأساسي للتعرف على أحدث وأجمل الأغاني العالمية التي كانت تحقق انتشاراً واسعاً وتؤثر في الذائقة الموسيقية للشباب آنذاك.

كما لا يمكن إغفال دور المذيعة المخضرمة هند أبو السعود في برنامجها 'نافذة حول العالم'، الذي كان يقدم جرعة ثقافية ومعلوماتية متنوعة. هذه البرامج مجتمعة كانت تشكل جداراً دفاعياً ضد السطحية، وتساهم في بناء إنسان مثقف يدرك أبعاد العالم من حوله من خلال شاشة وطنية رصينة.

ولم يقتصر الحراك الثقافي على المذيعين المهنيين فقط، بل شارك فيه كبار الفنانين والمثقفين مثل الفنان القدير محمود مرسي. فقد قدم مرسي برامج استضاف فيها قامات فكرية وفنية لمناقشة القضايا الملحة في الفن والفكر، مما أضفى صبغة من الجدية والعمق على المحتوى التلفزيوني المقدم.

أما الإذاعة المصرية، فقد كان لها نصيب الأسد في تربية الذائقة من خلال محطة 'البرنامج الثاني' الثقافي التي تخصصت في الفنون الرفيعة. قدمت الإذاعة أمهات المسرح العالمي بأصوات كبار الفنانين، مما أتاح للمستمع تخيل روائع الأدب العالمي وتذوقها بأسلوب درامي احترافي.

وفي مجال الموسيقى الكلاسيكية، لعبت البرامج الإذاعية دوراً محورياً في تعليم الجمهور أصول التذوق الموسيقي عبر تحليل السيمفونيات الكبرى. كان المستمعون على موعد دائم مع عبقريات باخ وموزارت وبيتهوفن، حيث لم يكن الأمر مجرد استماع بل رحلة في فهم البناء الأوركسترالي وتاريخ الموسيقى.

إن استحضار هذا التاريخ الثقافي الغني يهدف إلى تسليط الضوء على القوة الناعمة التي امتلكها الإعلام المصري في عقود مضت. لقد كان الهدف الأسمى هو الارتقاء بالوعي الجمعي وتنمية الحس الجمالي لدى المواطن، بعيداً عن صخب المادة التجارية التي قد تفتقر أحياناً للجوهر الثقافي.

اليوم، ومع التطور التكنولوجي الهائل، تبرز الحاجة لاستعادة هذا الزخم الثقافي برؤية عصرية تواكب طموحات الجيل الجديد. إن التطلع إلى عودة هذه البرامج بأسلوب مطور ليس مجرد حنين للماضي، بل هو ضرورة ملحة لإعادة بناء الإنسان وتطوير مداركه في مواجهة التحديات الثقافية الراهنة.

عربي ودولي

الإثنين 18 مايو 2026 2:08 مساءً - بتوقيت القدس

بوكر الدولية 2026: روايات تحاكي خراب العالم وتنتصر لصوت الإنسان المحاصر

تكشف القائمة القصيرة للجائزة الدولية للرواية 'بوكر' لعام 2026 عن حضور لافت للقضايا السياسية والوجودية التي تؤرق العالم المعاصر. وتتنوع الأعمال المرشحة جغرافياً وفنياً، حيث تمتد من إيران وألمانيا إلى البرازيل وتايوان، مقدمة مزيجاً بين الواقعية والسرد التجريبي وأدب الفانتازيا.

ومع اقتراب موعد الإعلان عن الفائز في التاسع عشر من أيار/ مايو الجاري، تبدو الروايات الست المرشحة بمثابة مرآة أدبية لعالم مأزوم. تتقاطع في هذه النصوص أسئلة الاستبداد والمنفى والعنف، محاولةً تفكيك الهوية والذاكرة الجماعية في ظل تحولات عالمية متسارعة وقاسية.

تعتبر مصادر نقدية أن القائمة الحالية تعد واحدة من أكثر القوائم تنوعاً في تاريخ الجائزة، سواء من حيث الجغرافيا أو الأساليب الفنية المتبعة. وأشارت المصادر إلى أن هذه الروايات لا تكتفي بسرد حكايات محلية، بل تطرح تساؤلات كونية عميقة حول طبيعة السلطة ومعنى الحرية للإنسان المعاصر.

تبرز رواية 'الليالي هادئة في طهران' للكاتبة شيدا بازيار كأحد أكثر الأعمال التصاقاً بالواقع السياسي، حيث تتبع تاريخ عائلة إيرانية على مدار ثلاثة عقود. وتسلط الرواية الضوء على تحول الأحلام الثورية إلى أنظمة قمعية، مستعرضة مصائر الأفراد بين الوطن والمنفى في ألمانيا.

وفي سياق متصل، تأخذ رواية 'المخرِج' للكاتب دانيال كيلمان القارئ إلى حقبة ألمانيا النازية، من خلال قصة سينمائي يواجه معضلات أخلاقية كبرى. وتطرح الرواية تساؤلاً جوهرياً حول إمكانية حياد الفن في ظل الأنظمة الشمولية، معتبرة أن الصمت قد يتحول إلى شكل من أشكال التواطؤ.

أما الأدب البرازيلي فيحضر عبر رواية 'على الأرض كما في الأعماق' لآنا باولا مايا، التي تبني عالماً كابوسياً داخل مستعمرة عقابية نائية. ويتحول السجن في هذا العمل إلى استعارة لنظام اجتماعي متوحش، حيث يغيب المعنى ويطغى العنف والعبث على حياة المهمشين.

وتنشغل روايات أخرى بالهويات الهامشية، مثل رواية 'هي التي تبقى' للبلغارية رينيه كاراباش، التي تتناول تحدي التقاليد الاجتماعية في ألبانيا. وتستخدم الكاتبة لغة شعرية وتجريبية لتفكيك مفاهيم الجندر والسلطة العائلية، مقدمة صوتاً مختلفاً للأصوات المقموعة تاريخياً في المجتمعات المحافظة.

من جهتها، تقدم الكاتبة التايوانية يانغ شوانغ زي في 'دليل السفر إلى تايوان' عملاً يمزج بين المذكرات والتاريخ الاستعماري الياباني. ورغم الطابع اليومي البسيط للرواية، إلا أنها تخفي أسئلة عميقة حول الطبقات الاجتماعية والرغبة، وكيف يشكل الاستعمار هوية الشعوب عبر الزمن.

وفي رواية 'الساحرة'، تستعيد الفرنسية ماري نداي صورة المرأة القلقة داخل الحياة العائلية الحديثة باستخدام عناصر غرائبية وفانتازية. ويعالج العمل قضايا السلطة داخل الأسرة والعجز عن التحكم في المصير الشخصي، في مزيج فريد بين الكوميديا السوداء والتأمل النفسي العميق.

ويلاحظ النقاد أن القاسم المشترك بين هذه الأعمال هو التركيز على فكرة 'الإنسان المحاصر' داخل بنى سياسية أو اجتماعية خانقة. ويعكس هذا التوجه انتقال الرواية العالمية من الانشغال بالسرديات الكبرى إلى التركيز على التجارب الفردية كمدخل لفهم التحولات الأخلاقية الكبرى في العالم.

وتسجل دورة هذا العام سابقة تاريخية بوضع أسماء المترجمين على أغلفة الكتب المرشحة، تقديراً لدورهم كشركاء في صناعة الأدب العابر للحدود. وتأتي هذه الخطوة لتعزز الاعتراف العالمي بالترجمة كأداة أساسية لإعادة تشكيل الحوار الثقافي بين اللغات والهويات المختلفة في زمن الاستقطاب.

تاريخياً، ارتبطت جائزة بوكر التي انطلقت عام 1969 بالنخبة البريطانية، لكنها تحولت تدريجياً إلى منصة عالمية شاملة. ومنذ إعادة هيكلة النسخة الدولية عام 2016، أصبح الفوز يمنح بالتساوي بين الكاتب والمترجم، مما دفع بالأدب المترجم من الهامش إلى مركز الاهتمام العالمي.

وعلى صعيد المشاركة العربية، يظل فوز العُمانية جوخة الحارثي عام 2019 برواية 'سيدات القمر' العلامة الأبرز في تاريخ الجائزة. كما سجلت الرواية الفلسطينية حضوراً قوياً من خلال عدنية شبلي في 'تفصيل ثانوي'، التي وصلت للقائمة القصيرة عام 2021، مثيرة نقاشاً واسعاً حول الذاكرة والعنف الاستعماري.

ورغم التحديات التي تواجه الأدب العربي في سوق النشر العالمي، إلا أن حضوره المتزايد يعكس تحولاً في موازين القوى الثقافية. وباتت الأصوات القادمة من الجنوب تفرض نفسها داخل فضاء ظل لعقود محكوماً بالمركزية الأوروبية، مقدمة رؤى إنسانية تتجاوز الصور النمطية السائدة.

فلسطين

الإثنين 18 مايو 2026 2:08 مساءً - بتوقيت القدس

من هو عز الدين الحداد؟ 'شبح' القسام الذي يزعم الاحتلال اغتياله

يبرز اسم عز الدين الحداد كأحد أكثر الشخصيات العسكرية غموضاً وتأثيراً في صفوف كتائب عز الدين القسام، حيث بات يُعرف في الأوساط الاستخباراتية الإسرائيلية بلقب 'الشبح' أو 'ذو الأرواح السبعة'. وتأتي هذه التسمية نتيجة قدرته الفائقة على التخفي والنجاة من سلسلة طويلة من محاولات الاغتيال المعقدة التي نفذها جيش الاحتلال على مدار العقد الماضي.

زعم رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، مساء الجمعة أن قواته تمكنت أخيراً من الوصول إلى الحداد واغتياله إثر غارة جوية استهدفت بناية سكنية في منطقة وسط قطاع غزة. ورغم هذه الادعاءات الرسمية، إلا أن حركة حماس التزمت الصمت المطبق، حيث لم يصدر عنها أي بيان يؤكد أو ينفي صحة هذه الأنباء حتى اللحظة.

تعتبر الدوائر الأمنية الإسرائيلية أن الحداد هو الرجل الذي تولى قيادة أركان كتائب القسام فعلياً، خلفاً للقائد الراحل محمد الضيف. ويُنظر إليه كمهندس لعمليات إعادة ترتيب الصفوف العسكرية للمقاومة في ظل حرب الإبادة المستمرة، مما جعله المطلوب الأول والمباشر لأجهزة الاستخبارات.

تدرج القائد المكنى بـ 'أبو صهيب' في الهيكل التنظيمي لكتائب القسام من القواعد الدنيا، حيث بدأ مسيرته كقائد سرية ثم تدرج ليصبح قائداً لكتيبة، وصولاً إلى قيادة لواء مدينة غزة الاستراتيجي. هذا التدرج الميداني منحه خبرة واسعة في جغرافيا القطاع وآليات العمل العسكري المعقدة تحت الأرض وفوقها.

قبل اندلاع المواجهة الحالية، كان الحداد يشغل عضوية المجلس العسكري المصغر لكتائب القسام، وهو الجسم المسؤول عن اتخاذ القرارات الاستراتيجية الكبرى. وتحت إمرته المباشرة، عملت ست كتائب عسكرية على الأقل، من بينها قوات النخبة التي نفذت الهجوم الواسع في السابع من أكتوبر 2023.

تشير تقارير عبرية إلى أن الحداد كان حلقة الوصل المركزية بين مختلف أجنحة الحركة وقادتها الميدانيين، خاصة في فترات الحصار المطبق وعزل شمال القطاع عن جنوبه. وقد نجح في إدارة العمليات العسكرية بكفاءة عالية رغم الانتشار الكثيف لقوات الاحتلال في المناطق التي كان يشرف عليها.

في نوفمبر من عام 2023، أعلن جيش الاحتلال عن مكافأة مالية ضخمة بلغت 750 ألف دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى الوصول للحداد. هذا الإجراء يعكس مدى الإحباط الإسرائيلي من الفشل المتكرر في تعقبه، ومدى الخطورة التي يمثلها على المنظومة الأمنية للاحتلال.

تزعم وثائق استخباراتية إسرائيلية أن الحداد هو من أعطى الأوامر النهائية والسرية لقادة الكتائب قبل ساعات قليلة من انطلاق عملية 'طوفان الأقصى'. وبحسب هذه المزاعم، فقد وزع تعليمات مكتوبة تشدد على السرية المطلقة وعدم استخدام الهواتف المحمولة والبقاء في الأنفاق حتى ساعة الصفر.

تضمنت توجيهات 'أبو صهيب' لمقاتليه ضرورة توثيق العمليات العسكرية بالبث المباشر، والتركيز على أسر أكبر عدد ممكن من جنود الاحتلال في اللحظات الأولى للقتال. كما أشارت الوثائق المزعومة إلى توجيهات برفع أعلام الدول العربية والإسلامية فوق المواقع العسكرية التي يتم السيطرة عليها.

خلال عام 2024، أكدت مصادر إعلامية عبرية أن حماس عينت الحداد رسمياً قائداً للجناح العسكري، وذلك في أعقاب إعلان الاحتلال عن استهداف محمد الضيف في مجزرة خانيونس. ومنذ ذلك الحين، تولى الحداد مسؤولية إدارة العمليات العسكرية في كافة مناطق قطاع غزة، مع تركيز خاص على الجبهة الشمالية.

كان آخر ظهور إعلامي علني للحداد في يناير 2025، حيث أجرى مقابلة تلفزيونية عبر مصادر إعلامية، تحدث فيها بوضوح عن رؤية المقاومة لمسار الحرب وشروط وقف إطلاق النار. وقد اتسم ظهوره بالثقة، مؤكداً أن البنية التحتية للمقاومة لا تزال قادرة على الاستمرار والمواجهة لفترات طويلة.

في تصريحات سابقة له عام 2022، حذر الحداد الاحتلال من أن عمليات الاغتيال التي تستهدف القادة والمهندسين لن توقف تطور القدرات الصاروخية للقسام. وأكد حينها أن دقة وكثافة النيران في أي مواجهة قادمة ستفاجئ المنظومة الدفاعية الإسرائيلية وتحدث أثراً غير مسبوق.

يمثل الحداد نموذجاً للقائد الميداني الذي يجمع بين التخطيط السياسي والقيادة العسكرية المباشرة، وهو ما جعله يحظى باحترام واسع داخل صفوف الحركة. وتعتبر نجاته من محاولات اغتيال عديدة، بما في ذلك غارات استهدفت أماكن تواجده المفترضة، جزءاً من الأسطورة التي تحيط بشخصيته في الشارع الفلسطيني.

يبقى مصير عز الدين الحداد معلقاً بين الرواية الإسرائيلية التي تسعى لتحقيق صورة نصر، وبين صمت المقاومة الذي قد يكون تكتيكاً أمنياً أو انتظاراً للوقت المناسب. وفي كلتا الحالتين، يظل 'أبو صهيب' رقماً صعباً في معادلة الصراع التي أعادت صياغة المنطقة منذ أكتوبر 2023.

فلسطين

الإثنين 18 مايو 2026 1:51 مساءً - بتوقيت القدس

غزة: 46 ضحية جديدة خلال 24 ساعة وحصيلة الشهداء تتجاوز 72 ألفاً

أفادت مصادر طبية في قطاع غزة، اليوم الاثنين، بأن المستشفيات استقبلت 6 شهداء و40 جريحاً خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، جراء استمرار الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم مؤخراً. وتأتي هذه الإصابات الجديدة في ظل وضع إنساني متدهور ومحاولات مستمرة لانتشال الضحايا من المناطق المستهدفة.

ووفقاً للتقرير الإحصائي اليومي الصادر عن وزارة الصحة، فقد ارتفعت الحصيلة الإجمالية لضحايا العدوان الإسرائيلي المستمر منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 إلى 72,769 شهيداً، بالإضافة إلى إصابة 172,704 أشخاص بجروح متفاوتة، ما يعكس حجم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي يواجهها القطاع.

وفيما يخص الفترة التي تلت إعلان وقف إطلاق النار في الحادي عشر من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، أوضحت المصادر أن عدد الشهداء ارتفع إلى 877 شهيداً، بينما بلغت الإصابات 2,602 حالة. كما تمكنت الفرق المختصة من انتشال 776 جثماناً من تحت الأنقاض منذ بدء سريان التهدئة، في حين لا تزال بلاغات المفقودين تشير إلى وجود ضحايا في أماكن يصعب على طواقم الدفاع المدني الوصول إليها.

فلسطين

الإثنين 18 مايو 2026 1:23 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة قوانين الأحوال الشخصية في مصر: صراع المرجعيات وتساؤلات حول دور الأزهر

تعيش الدولة المصرية حالة من الجدل القانوني والاجتماعي حول تعديلات قوانين الأحوال الشخصية، وهي القوانين التي تمتد جذورها لأكثر من قرن من الزمان. بدأت هذه الرحلة التشريعية في عهد الملك فؤاد عام 1920 بصدور أول قانون استند لمذهب المالكية، قبل أن يتم التوسع في المرجعيات الفقهية لتشمل المذاهب الأربعة في تعديلات عام 1929.

شهدت الحقبة الملكية تطورات هامة، منها قانون عام 1937 الذي عكس سيادة الدولة على قضائها بعد إلغاء المحاكم المختلطة. وقد منح ذلك التشريع للأجانب حق اختيار قانون بلادهم في النزاعات الأسرية، مما عكس تداخلاً بين الأوضاع السياسية والسيادية والمنظومة التشريعية في تلك المرحلة التاريخية.

مع وصول الحكم الناصري، لم تشهد قوانين الأحوال الشخصية تغييرات جوهرية في نصوصها، بل انصب التركيز على الهيكلية القضائية. وكان القرار الأبرز هو إلغاء القضاء الشرعي ودمجه ضمن القضاء المدني، وهو ما انسحب أيضاً على ما كان يعرف بـ 'القضاء الملي' للطوائف غير المسلمة.

في عهد الرئيس السادات، وتحديداً عام 1979، صدر قانون أثار عاصفة من الانتقادات وعُرف شعبياً باسم 'قانون جيهان'. تضمن القانون مادة تلزم الزوج بإعلام زوجته الأولى عند الزواج بأخرى، وفرض عقوبات جنائية على المخالفين، مما اعتبره البعض تدخلاً في الشؤون الخاصة وتجاوزاً للمألوف الشرعي.

لم يستمر قانون السادات طويلاً، حيث قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستوريته عام 1984 لأسباب تتعلق بآلية صدوره في غيبة البرلمان. هذا الحكم لم يترك فراغاً تشريعياً، بل أعاد العمل بقانون 1929 حتى سارعت الحكومة بتقديم بدائل تشريعية أقرتها المجالس النيابية اللاحقة.

شهدت حقبة الرئيس مبارك محطة مفصلية أخرى بصدور قانون الخلع عام 2000، والذي حظي بدعم مباشر من شيخ الأزهر الراحل محمد سيد طنطاوي. أحدث هذا القانون انقساماً حاداً في الشارع المصري وبين النخب الدينية، حيث غاب المفتي آنذاك عن جلسات البرلمان المخصصة لمناقشته.

اليوم، يبرز مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية تكتنفه حالة من الغموض والسرية في كواليس الحكومة والبرلمان. وتنتقد أوساط حقوقية وفقهية غياب الشفافية في عرض المسودة الكاملة للقانون على الرأي العام، واكتفاء الجهات الرسمية بتسريبات غير مؤكدة حول بنوده المثيرة للجدل.

تتحدث مصادر رسمية عن موافقة الأزهر الشريف على الغالبية العظمى من مواد المشروع الجديد، لكن غياب الإعلان الرسمي يثير الشكوك. ويرى مراقبون أن وجود المفتي في لجان إعداد القانون لا يغني عن الدور الدستوري للأزهر وهيئة كبار العلماء كمرجعية أساسية في الشؤون الإسلامية.

تتصاعد الانتقادات الموجهة لبعض النائبات في البرلمان الحالي بسبب مقترحات توصف بالهزالة والبعد عن الواقع الاجتماعي المصري. ويُتهم البعض بمحاولة استغلال منصات التواصل الاجتماعي لطرح أفكار تهدف للظهور الإعلامي دون اتباع المسارات التشريعية الرصينة داخل أروقة اللجان المختصة.

يبقى التساؤل قائماً حول توقيت خروج شيخ الأزهر الحالي، الدكتور أحمد الطيب، للحديث علانية عن موقف المشيخة من المسودة النهائية. ويُتوقع أن يلتزم الشيخ الصمت حتى يخرج المشروع من اللجنة التشريعية للمناقشة العامة، ليكون الرد مبنياً على نصوص واضحة لا تسريبات إعلامية.

التجارب السابقة تؤكد أن مؤسسة الأزهر لن تتوانى عن إعلان موقفها الحازم في حال وجود مخالفات شرعية صريحة، كما حدث في قضية الطلاق الشفهي. فقد سبق وأن عقدت هيئة كبار العلماء اجتماعاً طارئاً انتهى برفض مقترحات السلطة التنفيذية بالإجماع، حمايةً للمنظومة الفقهية المستقرة.

هناك مخاوف حقيقية من محاولة 'سلق' القانون في جلسات برلمانية سريعة دون منح فرصة كافية للنقاش المجتمعي الموسع. ويرى محللون أن السرية المحيطة بعمل اللجنة المشكلة لإعداد القانون تخالف الدستور الذي يمنح الأزهر حق الاختصاص الأصيل في هذه التشريعات الحساسة.

المقارنة بين تعامل الحكومة مع الكنائس في قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين وتعاملها مع الأزهر تثير تساؤلات حول المساواة الدستورية. فبينما يتم التنسيق الكامل مع المؤسسات الكنسية، يبدو أن هناك محاولات لتجاوز المرجعيات الفقهية الكبرى في الجانب المتعلق بالمسلمين.

في الختام، يشدد المتابعون على أن قوانين الأسرة ليست مجرد معادلات قانونية أو استنساخاً لنماذج غربية، بل هي انعكاس لدين المجتمع وقيمه الاجتماعية. إن أي محاولة لفرض تشريعات مدفوعة بأجندات خارجية أو ضغوط دولية قد تؤدي إلى تفكك مؤسسة الأسرة بدلاً من حمايتها.

فلسطين

الإثنين 18 مايو 2026 1:23 مساءً - بتوقيت القدس

الشيوعية الفلسطينية في غزة: من مقاومة التوطين إلى قيادة الانتفاضة الأولى

يستعرض كتاب 'الحزب الشيوعي الفلسطيني من التأسيس إلى التغيير' للباحث محمد منصور أبو ركبة، المسار التاريخي المعقد للحركة الشيوعية في فلسطين، مسلطاً الضوء على الدور المحوري الذي لعبته عصبة التحرر الوطني إبان نكبة عام 1948. فقد نجحت العصبة في تثبيت نحو 150 ألف فلسطيني في قراهم ومدنهم، معتبرة أن القبول بقرار التقسيم آنذاك كان الوسيلة الوحيدة المتاحة للحفاظ على الهوية الوطنية وإقامة دولة مستقلة.

بعد النكبة، ظل قطاع غزة المنطقة الوحيدة التي لم تخضع لإجراءات الضم، لكنه عاش تحت إدارة عسكرية مصرية وأحكام عرفية مشددة. وفي هذا المناخ، برزت عصبة التحرر الوطني كقوة سياسية وحيدة صمدت بعد انهيار المؤسسات الأخرى، ودخلت في صدام مباشر مع الإدارة المصرية التي لاحقت أعضاءها بتهم العمالة وأودعتهم السجون، قبل أن تنقلهم قوات الاحتلال لاحقاً إلى سجن بئر السبع.

شكلت عودة الشاعر والمناضل معين بسيسو من العراق إلى غزة نقطة تحول جوهرية في تاريخ الحركة، حيث وظف خبرته السياسية وقدراته الخطابية لاستقطاب الشباب. وبفضل جرأته في طرح الأفكار اليسارية العالمية وتقديمه لأدب نيرودا وناظم حكمت، تحول الفكر الشيوعي في القطاع من مجرد شعارات إلى منطق عملي ومنظم استهدف الشخصيات التقليدية والقوى المحافظة.

في عام 1952، وفي ظل ملاحقة الأجهزة الأمنية، تأسست أول خلية سرية للحزب الشيوعي الفلسطيني في غزة بجهود معين بسيسو وسمير برقوني ومحمود نصر. وجاءت هذه الخطوة رداً على تحول فرع العصبة في الضفة الغربية إلى الحزب الشيوعي الأردني، وانضمام نشطاء الداخل إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي، مما فرض ضرورة إيجاد إطار وطني مستقل يمثل الكادحين في القطاع.

وضع الحزب الوليد برنامجاً سياسياً ركز على العودة والتعويض وفق القرارات الأممية، وإلغاء الأحكام العرفية وحماية الحدود من الاعتداءات الإسرائيلية. وأصدر الحزب نشرة سرية بعنوان 'الشرارة' لتكون لسان حاله في القضايا الوطنية، ورغم نشاطه المكثف، واجه منافسة قوية من حركة الإخوان المسلمين التي ركزت على العمل الاجتماعي والإغاثي في المخيمات.

سجل التاريخ للحزب الشيوعي قيادته للمظاهرات الشعبية العارمة عام 1955 رفضاً لمشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين في سيناء. وتحت شعار 'لا توطين ولا إسكان يا عملاء الأمريكان'، انفجر الشارع الغزي عقب هجوم إسرائيلي دامي، مما أجبر الإدارة المصرية على إعادة النظر في سياساتها تجاه الحراك الشعبي والمطالب الوطنية.

أثمر الضغط الشعبي الذي قاده الشيوعيون بالتحالف مع الإخوان والمستقلين عن نتائج استراتيجية، حيث استجاب الرئيس جمال عبد الناصر لمطالب إلغاء التوطين. وتوج هذا المسار بتشكيل الكتيبة 141 فدائيين بقيادة مصطفى حافظ، وعقد صفقة الأسلحة التشيكية التي كسرت احتكار الغرب للسلاح، مما شكل رافعة حقيقية للكفاح المسلح الفلسطيني.

مع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، قطف الحزب الشيوعي ثمار عقود من النضال الجماهيري، حيث كان أحد الأعمدة الأربعة المكونة للقيادة الوطنية الموحدة. وأكدت الانتفاضة صحة الرؤية الشيوعية الداعية إلى جدوى المقاومة الشعبية من الداخل، وقدرتها على تحييد التفوق العسكري للاحتلال عبر أدوات نضالية نوعية.

ساهم الحزب بفعالية في صياغة البرنامج الكفاحي للانتفاضة، وقاد أعضاؤه المسيرات الشعبية وبناء المتاريس، مما عرض كوادره لموجات واسعة من الاعتقال والاغتيال. وقد جسد الشيوعيون في تلك المرحلة نموذجاً للصمود في أقبية التحقيق، معتبرين أن الانتفاضة هي التي ترسم حدود الدولة الفلسطينية المستقلة على أراضي عام 1967.

شهدت الحركة الشيوعية نقاشات حادة حول توحيد التنظيمات في الضفة وغزة والشتات، وهي الفكرة التي واجهت معارضة من بعض التيارات بدواعي 'الأممية'. وصاغ بشير البرغوثي تقريراً سياسياً أكد فيه على ضرورة استقلال الحزب الفلسطيني وتوحيد قواه لمواجهة الواقع الاجتماعي والسياسي الناجم عن الاحتلال وتعزيز دور منظمة التحرير.

ظهر في الساحة أيضاً 'الحزب الشيوعي الفلسطيني الثوري' كفصيل يساري مستقل، جاء تعبيراً عن أزمة الحلقات الماركسية التي تطلعت لممارسة الكفاح المسلح بشكل مباشر. وانتقد هذا التيار ما وصفه بـ'النهج اليميني' في الحزب الشيوعي الأردني الذي كان يعرقل قيام كيان شيوعي فلسطيني مستقل وقادر على المبادرة العسكرية.

استقطب الحزب الثوري قطاعات واسعة من الشباب واليساريين الذين لم ينخرطوا في تنظيمات سابقة، داعياً إلى تحالف ديمقراطي ثوري واسع. وركز برنامجه على ضرورة دمج الهوية الوطنية بالبعد الطبقي، معتبراً أن الكفاح المسلح هو الوسيلة الأنجع لاستنهاض الحالة الوطنية بعد نكسة حزيران وتشتت الهوية.

في تحول دراماتيكي مع بداية التسعينيات، تحول الحزب الشيوعي الفلسطيني إلى 'حزب الشعب الفلسطيني'، تزامناً مع انهيار المنظومة الاشتراكية عالمياً وبروز تفاهمات التسوية. ويعكس هذا التحول محاولة اليسار الفلسطيني التكيف مع المتغيرات الدولية والإقليمية، والانتقال من مرحلة الثورة الشاملة إلى واقع البحث عن كيان سياسي في ظل اتفاقيات أوسلو.

يخلص الكتاب إلى أن اليسار الشيوعي، رغم الانقسامات والأزمات الفكرية، ظل جزءاً لا يتجزأ من معركة الهوية الوطنية الفلسطينية. فقد ساهم الشيوعيون في صياغة الوعي السياسي لأجيال متعاقبة، وربطوا بين النضال الوطني من أجل الاستقلال وبين العدالة الاجتماعية، مؤكدين على دور الجماهير كفاعل أساسي في مسيرة التحرر.

فلسطين

الإثنين 18 مايو 2026 12:52 مساءً - بتوقيت القدس

من نكبة بئر السبع إلى ركام جباليا.. ثمانيني فلسطيني يروي فصول التهجير المريرة

بين جدران منزله الذي طالت الحرب أجزاء واسعة منه في مخيم جباليا للاجئين شمالي قطاع غزة، يجلس الحاج عبد المهدي الوحيدي، البالغ من العمر 85 عاماً، مستنداً إلى ذكريات مثقلة بالوجع. يراقب الوحيدي بصمت ما تبقى من ملامح حياته التي باتت محاصرة بالركام، بينما تجلس بجانبه رفيقة دربه الثمانينية عزيزة، التي شاركته ستة عقود من الصبر والتهجير.

وُلد عبد المهدي في عام 1940، وكان لا يزال طفلاً حين وقعت نكبة عام 1948، التي شردت مئات آلاف الفلسطينيين من ديارهم. ورغم هول الصدمات التي عاشها في طفولته، إلا أنه يؤكد اليوم أن ما يكابده الشعب الفلسطيني في غزة حالياً يفوق في بشاعته كل ما شهده طوال ثمانية عقود من حياته.

بصوت متهدج يملؤه التعب، يستذكر الحاج موطنه الأصلي قائلاً إن عائلته تنحدر من مدينة بئر السبع، كبرى مدن صحراء النقب. يروي كيف أجبرت القوات الإسرائيلية السكان على الرحيل القسري، ليتحول وطنه إلى ذكرى بعيدة تطارد مخيلته وسط أنقاض المخيم الذي لجأ إليه لاحقاً.

تعود الذاكرة بالوحيدي إلى أيام بئر السبع، حيث كانت الحياة وادعة بين الممتلكات والمواشي قبل وصول ميليشيات 'الهاغاناه'. يتذكر النقاشات الحادة بين العائلات حول قرار البقاء أو الرحيل، وكيف قررت عائلته التوجه غرباً نحو غزة على أمل العودة التي ظنوها ستتحقق خلال أسابيع قليلة.

يصف الحاج رحلة اللجوء الأولى بأنها كانت سيراً على الأقدام لأيام طويلة، حملوا خلالها ما استطاعوا من مؤن وأموال. يقول بأسى إنهم لم يتخيلوا أبداً أن ذلك الخروج سيكون بداية لمنفى أبدي، استقروا في بدايته بحي الزيتون قبل أن ينتهي بهم المطاف في خيام مخيم جباليا.

كانت بدايات اللجوء قاسية جداً، حيث عاشت العائلة في خيام لا تقي برد الشتاء ولا حر الصيف، وسط ظروف صحية متردية ونقص حاد في الغذاء. يروي الوحيدي كيف كانت طوابير المياه والطعام تشكل جزءاً من يومياتهم المؤلمة، في ظل انتشار الأمراض وتردي النظافة العامة في المخيم الناشئ.

طوال عقود المنفى، ظل والد عبد المهدي وجده يزرعان في نفوس الأبناء والأحفاد التمسك بحق العودة كوصية مقدسة. ورغم أن العودة لم تتحقق، إلا أن الوحيدي كافح لبناء حياة جديدة، حيث عمل لسنوات طويلة في قطاع البناء، وتمكن بجهده من تشييد منازل وشراء أراضٍ في القطاع.

لكن العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة أتى على كل ما بناه الحاج وأشقاؤه طوال سنوات التعب والشقاء. يقول الوحيدي إن الحرب دمرت الحجر والشجر، وأعادتهم جميعاً إلى نقطة الصفر في أواخر أعمارهم، مما جعل الشعور بالفقد مضاعفاً ومريرأً هذه المرة.

ويؤكد المسن الفلسطيني أن حجم الدمار في هذه الحرب غير مسبوق مقارنة بكل الحروب السابقة التي شهدها القطاع. ويرى أن استهداف البنية التحتية والمنازل بشكل شامل يعكس رغبة في محو الوجود الفلسطيني، واصفاً ما يحدث بأنه نكبة ثانية تأتي في ختام عمره المثقل بالهموم.

مع اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، أُجبر الوحيدي على النزوح مجدداً وهو في سن الثمانين، متنقلاً بين مراكز الإيواء والخيام. نزح من جباليا إلى ميناء غزة ثم إلى دير البلح، وعاش لحظات مرعبة عندما اقتحم جيش الاحتلال مدرسة تابعة للأمم المتحدة كان يحتمي بها مع عائلته.

يتذكر الحاج صرخات النساء والأطفال تحت وابل الرصاص الإسرائيلي، وكيف أُجبر النازحون على الإخلاء القسري نحو الجنوب عبر مكبرات الصوت. يصف تلك اللحظات بأنها كانت اختباراً قاسياً لكرامة الإنسان، حيث اضطر للسير مسافات طويلة متكئاً على زوجته المسنة للنجاة من القصف المستمر.

يعترف الوحيدي بمرارة أنه تمنى الموت في لحظات معينة بسبب قسوة النزوح والعيش في الخيام فوق الرمال، بعيداً عن أدنى مقومات الحياة. يقول إن فقدان البيت يعني فقدان الكرامة، وأن المجاعة ونقص الاحتياجات الأساسية جعلت التحمل فوق طاقة البشر، صغاراً وكباراً.

رغم الدمار، شعر الحاج ببصيص أمل حين تمكن من العودة إلى شمال غزة في أكتوبر 2025 بعد إعلان وقف إطلاق النار. صُدم بحجم الخراب الذي حول جباليا إلى ركام، لكنه أصر على البقاء فوق أنقاض منزله، مفضلاً العيش وسط الحطام على حياة التشرد والنزوح.

يختم عبد المهدي شهادته بالتأكيد على أن هذه الكارثة مستمرة ولم تنتهِ كما يروج البعض، مشيراً إلى استيلاء الاحتلال على مساحات واسعة من أراضي القطاع. ويرى أن ما يعيشه الفلسطينيون اليوم هو فصل جديد وأكثر دموية من صراع طويل بدأ منذ طفولته في بئر السبع ولم ينتهِ بعد.

فلسطين

الإثنين 18 مايو 2026 12:50 مساءً - بتوقيت القدس

وزارة التربية والتعليم العالي والمجلس الثقافي البريطاني يوقعان اتفاقية جديدة لتعزيز التعاون الأكاديمي بين المملكة المتحدة وفلسطين

وقّعت وزارة التربية والتعليم العالي والمجلس الثقافي البريطاني مذكرة تفاهم جديدة، في خطوة تمثل محطة مهمة في مسار التعاون الأكاديمي بين المملكة المتحدة وفلسطين في اطار برنامج منح التعليم العالي لفلسطين – هسبال، وتهدف إلى تعزيز التعاون في مجالي التعليم العالي والبحث العلمي بين المؤسسات الاكاديمية الفلسطينية والبريطانية.

وقد وقّع مذكرة التفاهم معالي الأستاذ الدكتور أمجد برهم، وزير التربية والتعليم العالي، والسيدة شاهدة ماكدوغال، مديرة المجلس الثقافي البريطني في فلسطين، بحضور القنصل العام البريطاني في القدس، هيلين وينترتون، وذلك في مقر الوزارة بمدينة رام الله.

وتؤسس الاتفاقية لإطار عمل يتيح تعميق التعاون بين مؤسسات التعليم العالي في فلسطين والمملكة المتحدة، وذلك امتدادًا لالتزام المجلس الثقافي البريطاني المستمر منذ أكثر من 15 عامًا بدعم قطاع التعليم العالي في فلسطين من خلال برنامج "هسبال"، الذي يوفر فرصًا للدراسات العليا بالشراكة مع 19 جامعة فلسطينية و35 جامعة بريطانية.

وسيسهم هذا التعاون في توسيع الشراكات الأكاديمية بين الجامعات الفلسطينية والبريطانية، وتعزيز التعاون الأكاديمي والبحث العلمي من خلال المنح والمشاريع البحثية المشتركة، وإطلاق برنامج زمالات جديد، إضافة إلى توفير فرص لبناء القدرات للأكاديميين والمؤسسات الفلسطينية.

وقالت شاهدة ماكدوغال، مديرة المجلس الثقافي البريطاني في فلسطين:

"تعكس هذه الاتفاقية جوهر الشراكة الممتدة بين فلسطين والمملكة المتحدة في مجالي التعليم العالي والبحث العلمي. فمن خلال برنامج هسبال، قدّم الباحثون والأكاديميون الفلسطينيون إسهامات قيّمة لقطاع التعليم العالي في كل من فلسطين والمملكة المتحدة، من خلال تميز أبحاثهم وجودتها، ومشاركتهم الفاعلة في المجتمعات الأكاديمية، وتعزيز التعاون والعمل المشترك. ونحن فخورون بمواصلة خلق الفرص التي تدعم مؤسسات التعليم العالي، وتعزز صمود القطاع الأكاديمي، وتقوي التعاون بين الجامعات الفلسطينية والبريطانية."

وتأتي مذكرة التفاهم هذه في وقت حساس وبالغ الأهمية لدعم قطاع التعليم العالي الفلسطيني، لا سيما في ظل التحديات غير المسبوقة التي تواجهها الجامعات والأكاديميون والطلبة في غزة ومختلف أنحاء الضفة الغربية. وتعكس هذه الشراكة التزامًا مشتركًا بدعم صمود القطاع الأكاديمي، وتعزيز استمرارية مؤسسات التعليم العالي، وخلق فرص للأجيال القادمة من الطلبة والباحثين.

نبذة عن المجلس الثقافي البريطاني

المجلس الثقافي البريطاني هو منظمة المملكة المتحدة الدولية للعلاقات الثقافية والفرص التعليمية. نحن ندعم السلام والازدهار من خلال بناء الروابط والتفاهم والثقة بين الناس في المملكة المتحدة والبلدان في جميع أنحاء العالم. ونقوم بذلك من خلال عملنا في مجالات الفنون والثقافة، والتعليم، واللغة الإنجليزية. نحن نعمل مع أشخاص في أكثر من 200 بلد وإقليم، ونتواجد على الأرض في أكثر من 100 بلد. وفي عامي 2022 و2023 وصلنا إلى 600 مليون شخص.

www.britishcouncil.org.

اقتصاد

الإثنين 18 مايو 2026 11:53 صباحًا - بتوقيت القدس

ارتفاع قياسي في أسعار البنزين بالولايات المتحدة وسط توترات مضيق هرمز

أعلنت الرابطة الأمريكية للسيارات عن تسجيل قفزة ملحوظة في أسعار المحروقات داخل الأسواق المحلية، حيث بلغ متوسط سعر غالون البنزين مستويات قياسية جديدة ناهزت 4.5 دولار. وتأتي هذه الزيادة في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة ضغوطاً متصاعدة أدت إلى ارتباك في جداول التوزيع وارتفاع تكاليف الشحن الداخلي.

وأوضحت البيانات الصادرة عن الرابطة أن هذا الارتفاع لا يلقي بظلاله بشكل متساوٍ على كافة الأراضي الأمريكية، بل يظهر تبايناً جغرافياً وسياسياً واضحاً في الأسعار. فبينما تسجل الولايات ذات الأغلبية الديمقراطية مستويات سعرية هي الأعلى، تظل الأسعار في الولايات ذات الطابع الجمهوري أقل نسبياً بفعل تفاوت الضرائب المحلية والسياسات البيئية.

ويرجع خبراء الاقتصاد هذا الاضطراب السعري إلى التطورات المتسارعة في إمدادات النفط على الصعيد العالمي، والتي تأثرت بشكل مباشر بالتوترات الجيوسياسية المرتبطة بالملف الإيراني. وقد انعكست هذه الأزمات السياسية على استقرار تدفق الخام من الدول المنتجة إلى الأسواق المستهلكة الكبرى، مما دفع الأسعار نحو الصعود.

وتبرز أزمة مضيق هرمز كعامل محوري في هذه المعادلة، حيث أدى اضطراب حركة الملاحة في هذا الممر الاستراتيجي إلى مخاوف جدية بشأن أمن الطاقة العالمي. وباعتباره الشريان الرئيسي لتصدير النفط، فإن أي تهديد لسلامة الشحن فيه يترجم فوراً إلى تقلبات حادة في بورصات النفط الدولية وزيادة في تكاليف التأمين البحري.

وتتوقع مصادر اقتصادية أن تستمر حالة عدم الاستقرار في أسعار التجزئة طالما بقيت التوترات في منطقة الشرق الأوسط قائمة دون حلول جذرية. ويراقب المستهلك الأمريكي بقلق هذه التحولات التي تؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية وتزيد من أعباء التضخم، في ظل ترقب لما ستسفر عنه التحركات الدبلوماسية لتهدئة الأوضاع في ممرات التجارة الدولية.

اسرائيليات

الإثنين 18 مايو 2026 11:22 صباحًا - بتوقيت القدس

رئيس معهد أمن قومي إسرائيلي: الحرب مع إيران حققت مكاسب تكتيكية ولم تمس جوهر مشروعها النووي

قدم الجنرال في الاحتياط تامير هايمان، رئيس معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب، قراءة نقدية للمرحلة الأولى من المواجهة المباشرة مع إيران. وأوضح هايمان، الذي شغل سابقاً منصب رئيس الاستخبارات العسكرية أن الإنجازات المحققة تظل في الإطار التكتيكي، بينما لم يطرأ أي تحول استراتيجي على بنية النظام أو طموحاته النووية.

واعتبرت الدراسة أن الحالة الراهنة بين إسرائيل وإيران ووكلائها تمر بمرحلة 'هدنة' مؤقتة، تتزامن مع مسارات تفاوضية بين طهران وواشنطن. وأشارت مصادر بحثية إلى أن هذه المواجهة هي الأوسع في المنطقة منذ عام 2003، وتميزت بكون إسرائيل شريكاً فاعلاً ضمن تحالف تقوده الولايات المتحدة.

وكشف التقرير عن قدرة إيران الفائقة على ترميم قدراتها العسكرية والنووية في فترات قياسية، خاصة بعد حملة 'شعب كالأسد' في يونيو 2025. حيث تمكنت طهران من إعادة إعمار موقع فوردو النووي وتحصينه ضد الغارات الجوية، مما قلل من فاعلية الضربات السابقة.

وعلى صعيد القدرات الصاروخية، سجلت الدراسة قفزة هائلة في معدلات الإنتاج الإيراني، حيث ارتفعت الوتيرة من 125 صاروخاً شهرياً إلى نحو 2500 صاروخ مع انطلاق عملية 'زئير الأسد'. هذا التطور يعكس إصرار طهران على تعويض مخزونها الاستراتيجي رغم الضغوط العسكرية المستمرة.

وفيما يخص أذرع إيران في المنطقة، أكد هايمان أن حزب الله اللبناني شهد عملية ترميم سريعة شملت مضاعفة ميزانيته وتأمين طرق إمداد بديلة عبر الأراضي السورية. ورغم التحولات السياسية الكبيرة وسقوط نظام الأسد، إلا أن الحزب حافظ على قنوات تواصل لوجستية حيوية.

وتطرقت الدراسة إلى ما وصفته بـ'الصمود السلطوي' في طهران، حيث نجحت القيادة الإيرانية في الانتقال إلى هيكلية لا مركزية لإدارة الدولة. وقد ساهم تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى في سد الفراغ القيادي ومنع انهيار المؤسسات رغم عمليات التصفية التي طالت مسؤولين كباراً.

ونبهت المصادر إلى أن 'العمق الاستراتيجي تحت الأرض' شكل التحدي الأكبر لسلاح الجو الإسرائيلي خلال العمليات الأخيرة. فمعظم الأصول الحيوية للبرنامج النووي ومنصات الصواريخ الباليستية نجت من التدمير بفضل تموضعها في ملاجئ عميقة يصعب اختراقها.

وحذر هايمان من ثلاثة سيناريوهات وصفها بالسيئة، أولها التوصل إلى اتفاق نووي يمنح النظام شرعية دولية ويخفف عنه الضغوط الاقتصادية دون حل جذري. أما السيناريو الثاني فهو استمرار الضغط الضعيف الذي يتيح لإيران تجديد قدراتها بعيداً عن الرقابة الدولية الصارمة.

ويتمثل الاحتمال الثالث السيئ في تنفيذ 'هجوم وعي' يستهدف البنى التحتية المدنية كالجسور ومحطات الكهرباء دون المساس بالقدرات النووية. ويرى الباحثون أن مثل هذا الهجوم قد يكون مؤلماً لكنه لن يدفع طهران لتقديم تنازلات حقيقية في ملفاتها الاستراتيجية.

في المقابل، طرحت الدراسة خيارات 'جيدة' من وجهة نظر إسرائيلية، تبدأ باتفاق نووي يمنع العسكرة تماماً ويحصر النشاط النووي فوق سطح الأرض. هذا النوع من الاتفاقات يجب أن يضمن رقابة دولية لصيقة تمنع أي تحركات سرية في المنشآت المحصنة.

كما اقترح هايمان ممارسة ضغط اقتصادي متواصل عبر حصار جزئي ومراقب يهدف لإجبار النظام على تغيير سياساته الجذرية. وشدد على أن هذا الحصار يجب أن يكون وسيلة لتحقيق غايات سياسية محددة وليس مجرد إجراء عقابي طويل الأمد بلا أفق.

ودعت التوصيات العملية إلى ضرورة استغلال فترة رئاسة ترامب لتحقيق 'ضربة ساحقة' أو اتفاق نووي صارم يصمد لسنوات طويلة. وأشار هايمان إلى أن فرص الحصول على دعم أمريكي مماثل في أي حملات عسكرية مستقبلية بعد عهد ترامب ستكون منخفضة جداً.

وبالنسبة للجبهة اللبنانية، اقترحت الدراسة العمل على مسار ثنائي يهدف لنزع سلاح حزب الله تحت إشراف دولي مقابل انسحاب إسرائيلي كامل. ويرى المعهد أن تحويل لبنان إلى دولة منزوعة السلاح الثقيل هو الضمانة الوحيدة لتعطيل استراتيجية الوكلاء الإيرانية.

واختتم هايمان دراسته بالتأكيد على أن الحرب لم تنتهِ بعد، وأن الحكم على نجاحها يتوقف على مدى إزالة التهديدات طويلة المدى. وشدد على ضرورة بقاء المؤسسة الأمنية في حالة جاهزية قصوى لمواجهة احتمال وجود مشروع نووي إيراني سري يعمل بالتوازي مع المسارات المعلنة.

عربي ودولي

الإثنين 18 مايو 2026 11:22 صباحًا - بتوقيت القدس

إدارة ترامب تتبنى رواية 'التأسيس المسيحي' لأمريكا بفعالية صلاة كبرى في واشنطن

تتجه الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب نحو إحداث تغيير جوهري في السردية الوطنية للولايات المتحدة، من خلال الدفع برواية تعتبر البلاد دولة تأسست على طابع مسيحي صرف. وتتجسد هذه الجهود في تنظيم فعالية صلاة ضخمة تمتد لتسع ساعات في قلب العاصمة واشنطن، وذلك ضمن التحضيرات الجارية للاحتفال بالذكرى الـ250 لتأسيس البلاد، بمشاركة واسعة من قيادات دينية وسياسية.

وأفادت مصادر صحفية بأن البرنامج المعد لهذه الفعالية يربط بشكل وثيق بين الجوانب الدينية والسياسية، حيث يسعى المنظمون لتعزيز حضور الدين في الحياة العامة. وتتبنى هذه السردية تيارات مؤثرة داخل حركة 'ماغا' المؤيدة لترامب، والتي ترى في هذه المناسبة فرصة لإعادة صياغة التاريخ الأمريكي بما يتوافق مع رؤيتها المحافظة.

وبث القائمون على الحدث مقطعاً ترويجياً يظهر فيه صليب موضوع فوق العلم الأمريكي يخرج من الظلام، مصحوباً بموسيقى درامية توحي بالمعارك الملحمية. ويتضمن المقطع تصريحات لقساوسة إنجيليين يصفون الولايات المتحدة بأنها أمة مكرسة منذ البداية لإله الكتاب المقدس، داعين الجمهور للمشاركة في تجمع 'ناشيونال مول' يوم 17 مايو المقبل.

ومن المتوقع أن يشهد التجمع توافد آلاف المشاركين لحضور طقوس دينية وخطابات وطنية تضع المسيحية في قلب السرد التاريخي الأمريكي. وتعد هذه الخطوة تتويجاً لجهود استمرت سنوات داخل التيار اليميني المؤثر، بهدف تقليص المسافة بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الحكم في واشنطن.

وتشير التقارير إلى أن الرئيس دونالد ترامب سيوجه رسالة مصورة للمشاركين، مؤكداً دعمه لهذا التوجه الذي يربط القوة الأمريكية ببعد إلهي. كما يشارك في الفعالية كبار أركان الإدارة، وفي مقدمتهم وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث، مما يضفي صبغة رسمية على هذا النشاط الديني.

من جانبه، يبرز رئيس مجلس النواب مايك جونسون كأحد أهم المدافعين عن هذا التوجه، حيث صرح بأن مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة غالباً ما يُساء فهمه في الأوساط السياسية. ويرى جونسون أن الآباء المؤسسين كانوا يهدفون لحماية الكنيسة من تغول الدولة، وليس عزل الدين عن التأثير في القرار السياسي والتشريعي.

في المقابل، واجهت هذه التحركات انتقادات حادة من قبل مؤرخين وأكاديميين بارزين، اعتبروا أن محاولة صبغ الدولة بالهوية المسيحية تتناقض مع الحقائق التاريخية. وأكد المؤرخ جوزيف إليس أن الآباء المؤسسين رفضوا صراحة النموذج الأوروبي القائم على الهوية الدينية الواحدة، واختاروا بدلاً من ذلك نظاماً يقوم على التعددية.

وحذر إليس من أن هذا الطرح يشوه جوهر الثورة الأمريكية التي قامت على مبادئ الفصل الواضح بين المؤسسات الدينية والسياسية. وأضاف أن محاولة دمج الهويتين في إطار واحد تمثل تراجعاً عن المكتسبات الدستورية التي ميزت الولايات المتحدة منذ نشأتها كجمهورية علمانية تحترم كافة المعتقدات.

وعلى الصعيد الديني، أثار غياب التنوع في قائمة المتحدثين تساؤلات حول شمولية هذه الاحتفالات، حيث خلت القائمة تماماً من أي تمثيل للمسلمين الأمريكيين. ويأتي هذا الاستبعاد في وقت تشهد فيه البلاد تصاعداً في مظاهر العداء للمسلمين، مما يعزز المخاوف من تحول الخطاب الرسمي نحو الإقصاء.

ولم تقتصر الانتقادات على الأكاديميين، بل شملت قيادات كاثوليكية حذرت من أن استخدام مصطلح 'أمة مسيحية' قد يؤدي إلى تهميش الأقليات الدينية الأخرى. وذكرت هذه القيادات بأن الكاثوليك أنفسهم عانوا في فترات سابقة من الاستبعاد، وأن العودة لهذا الخطاب تهدد السلم المجتمعي والتنوع الذي تفخر به البلاد.

وتشير استطلاعات الرأي الحديثة إلى وجود فجوة بين توجهات الإدارة الحالية ورغبات غالبية الشعب الأمريكي، الذي لا يزال يرفض تحويل المسيحية إلى دين رسمي. ورغم تسجيل ارتفاع طفيف في نسبة المؤيدين لهذا التوجه، إلا أن القاعدة الشعبية العريضة لا تزال تتمسك بمبدأ حياد الدولة تجاه الأديان.

وتستخدم التيارات المسيحية المحافظة أدوات تعليمية ورموزاً دينية معاد صياغتها لترسيخ هذه الرواية في أذهان الأجيال الجديدة، مستغلة تراجع نسبة المسيحيين في المجتمع كدافع للتحرك. ويرى مراقبون أن هذا النشاط السياسي المكثف يهدف إلى استعادة نفوذ الكنيسة عبر بوابة السلطة التنفيذية والتشريعية.

وخلال فترة ولايته الثانية، عمل ترامب على تعزيز الطقوس الدينية داخل البيت الأبيض، حيث أصبحت الصلوات جزءاً روتينياً من المشهد الرسمي للدولة. ويربط العديد من المسؤولين في إدارته بين مهامهم الدبلوماسية والعسكرية وبين ما يصفونه بـ 'الرسالة الدينية'، في تحول جذري عن التقاليد السياسية الأمريكية.

وتختتم المصادر بالإشارة إلى أن فعالية 'ناشيونال مول' ستكون الاختبار الأبرز لمدى قدرة هذا التيار على فرض أجندته على المشهد العام. ومع اقتراب موعد الذكرى الـ250، يبقى الصراع على هوية أمريكا بين 'الدولة المدنية' و'الأمة المسيحية' مفتوحاً على كافة الاحتمالات السياسية والقانونية.

فلسطين

الإثنين 18 مايو 2026 11:22 صباحًا - بتوقيت القدس

الاحتلال يستولي على سفن 'أسطول الصمود' في عرض المتوسط ويعتقل عشرات الناشطين

أعلنت قيادة أسطول الصمود العالمي عن انقطاع الاتصال بشكل كامل مع كافة السفن المشاركة في رحلة كسر الحصار عن قطاع غزة، وذلك عقب تعرضها لهجوم مباغت من قبل القوات البحرية الإسرائيلية في عرض البحر الأبيض المتوسط. وأوضحت المصادر أن الهجوم أدى إلى فقدان السيطرة على السفن بعد محاصرتها من قبل زوارق حربية تابعة للاحتلال.

وأكدت المتحدثة باسم الأسطول، خالدية أبو بكرة أن جنود الاحتلال نفذوا عملية إنزال استولوا خلالها على معظم السفن المشاركة في القافلة الدولية. وأشارت في تصريحات إعلامية من العاصمة الإسبانية مدريد، إلى أن هذا الاعتداء يمثل قرصنة واضحة في المياه الدولية تهدف إلى منع وصول المساعدات الإنسانية إلى المحاصرين في غزة.

وبحسب المعلومات الواردة، فإن وحدة الكوماندوز البحري الإسرائيلية 'شايتيت 13' هي من تولت تنفيذ عملية الاعتراض والاستيلاء على الأسطول. وذكرت مصادر مطلعة أن العملية تمت قبالة السواحل القبرصية، على بعد مئات الكيلومترات من وجهتها النهائية، مما يعكس إصرار الاحتلال على منع وصول السفن حتى قبل اقترابها من المياه الإقليمية الفلسطينية.

وشرعت قوات الاحتلال فور سيطرتها على السفن باعتقال عدد كبير من الناشطين الدوليين الذين كانوا على متنها، حيث جرى نقلهم تحت حراسة مشددة إلى سفن حربية تابعة لسلاح البحرية. ومن المتوقع أن يتم اقتياد جميع المعتقلين والسفن المصادرة إلى ميناء أسدود الإسرائيلي لاتخاذ إجراءات قانونية وأمنية بحقهم.

من جانبها، شددت وزارة الخارجية الإسرائيلية في بيان مقتضب على أن تل أبيب لن تسمح بأي حال من الأحوال بخرق الحصار البحري المفروض على قطاع غزة منذ سنوات. واعتبرت الخارجية أن محاولات الوصول إلى شواطئ غزة تمثل استفزازاً أمنياً يستوجب التدخل العسكري المباشر لمنعه.

وقبيل انقطاع الاتصال، أظهرت أنظمة التتبع المنشورة على الموقع الرسمي للأسطول أن المسافة التي كانت تفصل القوافل عن شواطئ غزة تقدر بنحو 300 ميل بحري. وكان المشاركون قد رصدوا تحركات مريبة لسفن مجهولة الهوية بدأت بملاحقة الأسطول فور دخوله المياه الدولية، مما أثار مخاوف مبكرة من هجوم وشيك.

وكان أسطول الصمود قد انطلق يوم الخميس الماضي من ميناء مرمريس على السواحل التركية، في رحلة إنسانية ضمت 54 قارباً وسفينة شحن. ويشارك في هذه المبادرة ناشطون وحقوقيون من نحو 70 دولة حول العالم، يسعون من خلالها إلى تسليط الضوء على المعاناة الإنسانية المتفاقمة في القطاع نتيجة الحصار المستمر.

وفي سياق الرد القانوني، أكدت قيادة الأسطول أنها بدأت بالفعل في تجهيز ملفات قانونية لمقاضاة السلطات الإسرائيلية أمام المحاكم الدولية بتهمة القرصنة البحرية. وشددت أبو بكرة على أن ما جرى يمثل انتهاكاً صارخاً لقانون البحار الدولي الذي يكفل حرية الملاحة في المياه الدولية، خاصة وأن السفن كانت تحمل طابعاً مدنياً وإنسانياً صرفاً.

وتأتي هذه المحاولة الجديدة لكسر الحصار في ظل ظروف إنسانية صعبة يعيشها سكان قطاع غزة، حيث كان الأسطول يحمل على متنه كميات من المساعدات الطبية والاحتياجات الأساسية. وقد حظيت الرحلة بتضامن دولي واسع، حيث تضم في عضويتها شخصيات سياسية وبرلمانية من مختلف القارات.

يُذكر أن الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007 قد تسبب في شلل شبه كامل في كافة مناحي الحياة، وتعتبر هذه القافلة واحدة من أكبر المحاولات البحرية لتحدي هذا الإغلاق. ورغم الاعتداء الأخير، أكد القائمون على الحملة أن جهودهم لن تتوقف وأن القرصنة الإسرائيلية لن تمنعهم من تكرار المحاولة مستقبلاً.

عربي ودولي

الإثنين 18 مايو 2026 11:22 صباحًا - بتوقيت القدس

إدانات خليجية واسعة لمحاولة استهداف السعودية بمسيّرات وبغداد توضح موقفها

شهدت المنطقة العربية موجة من الإدانات الخليجية الرسمية في أعقاب إعلان المملكة العربية السعودية عن إحباط محاولة هجوم بطائرات مسيّرة استهدفت أراضيها. وأوضحت التقارير أن هذه الطائرات تم رصدها واعتراضها بعد دخولها المجال الجوي للمملكة قادمة من جهة الحدود العراقية، مما أثار ردود فعل سياسية واسعة النطاق.

من جانبها، أعربت وزارة الخارجية القطرية عن استنكارها الشديد لهذه المحاولة، واصفة إياها بالاعتداء المرفوض الذي ينتهك سيادة المملكة ويهدد أمنها واستقرارها بشكل مباشر. وأكدت الدوحة في بيان رسمي تضامنها الكامل مع الرياض، مشددة على دعمها لكافة الإجراءات التي تتخذها السعودية لحماية مواطنيها والمقيمين على أراضيها.

وفي سياق متصل، أصدرت الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي بياناً أدانت فيه ما وصفته بـ 'الهجوم العدائي' الذي استهدف العمق السعودي عبر الأجواء العراقية. وشدد المجلس على أن أمن المملكة العربية السعودية يمثل ركيزة أساسية لا تتجزأ من أمن منظومة دول المجلس ككل، محذراً من تداعيات مثل هذه الأعمال على الاستقرار الإقليمي.

بدورها، انضمت دولة الكويت إلى قائمة المنددين، حيث أصدرت وزارة خارجيتها بياناً شديد اللهجة أدان العدوان الذي تعرضت له المملكة. وأكدت الكويت وقوفها الثابت إلى جانب الرياض في مواجهة أي تهديدات تستهدف أمنها، مشيرة إلى ضرورة احترام سيادة الدول وحرمة أراضيها وفق القوانين الدولية.

وعلى الصعيد العراقي، سارعت بغداد لتوضيح موقفها الرسمي من الحادثة، حيث أكد الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان أن العراق يرفض بشكل قاطع تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات أو منطلقاً للاعتداء على دول الجوار. وأشار النعمان إلى أن الحكومة العراقية تلتزم بسياسة النأي بالنفس عن محاور الصراع الإقليمية.

وأضاف المسؤول العسكري العراقي في تصريحات رسمية أن حماية الاستقرار الداخلي تتطلب الابتعاد عن التجاذبات الخارجية، مؤكداً أن بغداد لا تسمح لأي طرف بالتدخل في شؤونها أو استخدام جغرافيتها للإضرار بالآخرين. وتأتي هذه التصريحات في وقت تسعى فيه الحكومة العراقية لتعزيز علاقاتها مع المحيط العربي والخليجي.

وكانت وزارة الدفاع السعودية قد كشفت في وقت سابق عن تفاصيل العملية، مشيرة إلى أن قوات الدفاع الجوي تمكنت من اعتراض وتدمير ثلاث طائرات مسيّرة صباح يوم الأحد. وأكدت الوزارة أن التعامل مع هذه الأهداف تم بدقة عالية قبل وصولها إلى أهدافها المفترضة، مشددة على جاهزية القوات المسلحة للتعامل مع أي تهديد.

وفي بيان رسمي، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية، اللواء الركن تركي المالكي إن المملكة تحتفظ بحق الرد المشروع في الزمان والمكان اللذين تراهما مناسبين. وأوضح المالكي أن القوات المسلحة ستتخذ كافة الإجراءات العملياتية اللازمة لردع أي محاولات تمس سيادة المملكة أو تهدد سلامة المنشآت الحيوية والمدنيين.

وتعكس هذه التطورات حالة من التوتر الأمني في المنطقة، وسط دعوات دولية لضبط النفس واحترام سيادة الدول. وتراقب الأوساط السياسية مدى تأثير هذه الحادثة على العلاقات الثنائية بين بغداد والرياض، خاصة في ظل الجهود المشتركة لتعزيز التعاون الأمني وضبط الحدود المشتركة بين البلدين.

أقلام وأراء

الإثنين 18 مايو 2026 10:17 صباحًا - بتوقيت القدس

قابَ صاروخين!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

ستة أسابيع انقضت على الهدنة المفتوحة مع إيران، لم يستطع خلالها ترمب أن يُحقق بالدبلوماسية ما عجز عن انتزاعه بالعمليات العسكرية. وها هو اليوم يعود إلى سيرته الأولى؛ متوعداً باستئناف القتال، مدفوعاً برغبةٍ محمومةٍ في الحصول من طهران على "سعرٍ تفضيليّ" يتفوق به على سلفه اللدود أوباما، ليثبت لناخبيه أنه قادر على المجيء بما لم تستطعه الإدارة السابقة، التي انقلب على اتفاقها في ولايته الأولى.
ورغم الحفاوة البروتوكولية التي استُقبل بها في بكين، فإن ترمب عاد صفر اليدين؛ فلم يحصل من الصين على تعهدٍ بالضغط على طهران لتليين موقفها، في حين ظل ملف تايوان عصياً على المقايضة في لعبة المصالح المعقدة بين القوتين العظميين.
اليوم، يقف ترمب وحيداً في المضيق الذي حشر نفسه فيه وحشر معه العالم، متسبّباً في أزمة مزدوجة: اختناق النفط في آبار المُصدّرين، وشحه في أسواق المشترين. ولن يتدخل أحد لانتشاله مجاناً من هذا المأزق، ما قد يدفعه للنفخ مجدداً في رماد الحرب؛ رغبةً في تفاقم الأزمة العالمية لإجبار الدول المتضررة على التدخل ومساعدته لإقالته من عثرته.
كل الشواهد المرئية في المواقف العلنية وفي التحركات العسكرية في المياه الدافئة تشي بأن العودة إلى الحرب باتت حتمية، إذ لم يعد السؤال المطروح اليوم: هل سيعود ترمب إلى الحرب؟ بل: متى سيعود إليها؟.. ويبدو أنها باتت قاب صاروخين أو تصريحين.

أقلام وأراء

الإثنين 18 مايو 2026 10:16 صباحًا - بتوقيت القدس

معنى أن تعيش في عالم ثالث

عندما نسمع عبارة العالم الثالث، تتبادر إلى أذهاننا صور الفقر والضعف والتبعية والجهل وغياب الحريات والحقوق والخدمات. نتذكر العشوائية، الارتجال، المدن المزدحمة، والأنظمة التي تبدو عاجزة عن حماية الإنسان أو منحه شعورًا حقيقيًا بالأمان والاستقرار. العالم الثالث هو العالم المستباح، الساحة الخلفية لصراعات الأقوياء، والمكان الذي تُفرض عليه الأزمات والحروب والتبعية الاقتصادية والسياسية. لذلك لم يُخلق العالم الثالث ثالثًا بطبيعته، بل دُفع دفعًا إلى هذا الموقع عبر الاستعمار والاستغلال وإدامة التخلف.
لكن معنى العيش في عالم ثالث لا يقتصر فقط على السياسة أو الاقتصاد، بل يمتد إلى طريقة تفكير الناس وسلوكهم اليومي. فحين تكون المنظومة السياسية مضطربة، والمنظومة الاجتماعية غير متماسكة، والمنظومة الفكرية مليئة بالتناقضات، يصبح الإنسان نفسه انعكاسًا لهذا الاضطراب. المواطن في العالم الثالث يشبه مدينته ونظامه السياسي؛ يعيش وسط الفوضى ويحاول النجاة بأي طريقة ممكنة، حتى لو اضطر إلى الكذب أو التظاهر أو المبالغة أو ممارسة الفهلوة والشطارة باعتبارها وسائل للبقاء.
في العالم الثالث يتعلم الإنسان الريبة والشك والتوجس منذ طفولته. يتعلم أن القانون ليس دائمًا لحماية الحق، بل قد يكون أداة بيد الأقوى. ويتعلم أن المعاملة تحتاج إلى واسطة، وأن الورق أهم أحيانًا من الحقيقة، وأن ملء الاستمارات وإرضاء البيروقراطية أهم من الالتزام بالقيم أو احترام النظام. لذلك تصبح المظاهر أهم من الجوهر، وتتحول الحقيقة إلى أنصاف حقائق وأرباعها، ويصبح الالتفاف على القانون نوعًا من الذكاء الاجتماعي الذي يفتخر به البعض بدل أن يخجلوا منه.
ولأن العنف في العالم الثالث غالبًا ما يكون محتكرًا من السلطة أو محكومًا بمنطق القوة، فإن العنف يتوالد بأشكال مختلفة داخل المجتمع. يظهر في البيت والمدرسة والشارع، ويتحول إلى عنف أسري وعشائري وفردي. الناس هنا لا يعيشون فقط تحت ضغط الفقر أو القهر، بل يعيشون أيضًا تحت ضغط الغضب المكبوت والإحساس المستمر بالظلم وانعدام الأفق. لذلك نرى أن الإنسان قد يبدو متبلدًا أو مستسلمًا لفترة طويلة، لكنه قد ينفجر فجأة بعنف كبير، لأن الداخل ممتلئ بالاحتقان واليأس.
ومن أخطر ما يميز العالم الثالث أنه لا يستثمر في الإنسان نفسه. الكفاءات تُهاجر، والمبدعون يُحاربون، وأصحاب المبادرات يُحاصرون، بينما تتقدم العلاقات الشخصية والولاءات الضيقة على الكفاءة والمعرفة. وهكذا ندخل دائرة مغلقة من قتل الفكر والإبداع والتفكير الحر، وتصبح النجاة الفردية أهم من بناء مجتمع حقيقي قادر على التطور. ومع غياب الأهداف الكبرى والقيم المشتركة، يبحث الناس عن بدائل ضيقة للانتماء، فتزداد الطائفية والعرقية والانقسامات الاجتماعية باعتبارها تعويضًا عن غياب المشروع الجماعي.
إن العيش في عالم ثالث ليس مجرد وصف جغرافي أو اقتصادي، بل تجربة يومية قاسية يعيشها الإنسان في تفاصيل حياته الصغيرة. هو شعور دائم بالازدحام والاختناق والخوف وعدم الثقة. هو الإحساس بأن المستقبل هش، وأن الإنسان يبذل جهدًا هائلًا فقط لكي يعيش حياة عادية. لذلك فإن العيش في عالم ثالث عذاب حقيقي، ليس فقط لأنه يدمر الحاضر والمستقبل، بل لأنه يستهلك روح الإنسان نفسها ويجعله يعيش دائمًا بين القلق والغضب ومحاولة النجاة.
وفي العالم الثالث أيضًا تتآكل فكرة العدالة بالتدريج. الناس لا يشعرون بأن الفرص متساوية، لذلك يفقدون الثقة بالعمل الجاد وحده، ويبدأ كثيرون بالبحث عن الطرق المختصرة للوصول. يصبح النجاح مرتبطًا بالعلاقات أو النفوذ أكثر من ارتباطه بالكفاءة، ويتحول الإحباط إلى جزء طبيعي من الحياة اليومية. حتى الأحلام البسيطة، مثل الحصول على وظيفة محترمة أو بيت آمن أو تعليم جيد، تبدو أحيانًا وكأنها معركة طويلة تستنزف الإنسان نفسيًا وعاطفيًا. ولهذا تنتشر السخرية السوداء بين الناس باعتبارها وسيلة دفاع ضد القهر والخيبة، ويصبح الضحك أحيانًا محاولة للهروب من واقع ثقيل لا يتغير بسهولة.
ورغم كل ذلك، يبقى الإنسان في العالم الثالث قادرًا على الصبر والمقاومة ومحاولة الاستمرار. لكنه يعيش دائمًا وهو يشعر بأن حياته مؤجلة، وأن ما يستحقه من كرامة وعدالة وفرص ما زال بعيدًا عنه. لهذا يصبح الحلم بالهجرة عند كثيرين ليس رفاهية، بل محاولة للبحث عن مكان يشعرون فيه بأن الإنسان له قيمة، وأن القانون يمكن أن يحميه بدل أن يرهقه أو يهدده باستمرار.

أقلام وأراء

الإثنين 18 مايو 2026 10:15 صباحًا - بتوقيت القدس

تقييم أميركي لحرب ترمب


أوردت صحيفة وول ستريت جورنال، مقالاً تحليلياً، نشرته أول شهر آيار مايو 2026، معتمدة على مصادر ومسؤولين أميركيين وفق تصنيفها تُشير إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترمب حققت «مكاسب تكتيكية» بحكم تفوقها، ولكنها أخفقت في تحقيق «أهداف استراتيجية» طويلة المدى، في حربها ضد إيران.
وقالت إن إدارة ترمب حققت مع المستعمرة الإسرائيلية  مكاسب تكتيكية، ونجاحات مرحلية تتمثل بالضغط الاقتصادي، خنق الصادرات النفطية الإيرانية، مما سبب صعوبات للنظام وللشعب الإيراني، وتمكنت من ضرب القدرات العسكرية، والمنشآت النووية، والبنى التحتية لطهران، وفرض حصار عسكري وتقليص قدرة إيران على التحرك بحرية.
بينما أخفقت إدارة ترمب مع المستعمرة الإسرائيلية في تحقيق الأهداف الإستراتيجية للحرب على إيران، حيث لا زالت ترفض التخلي عن التخصيب النووي، ولا زالت تتحكم بمضيق هرمز، وأثر ذلك على الوضع الاقتصادي العالمي، بما فيها الاقتصاد الأميركي، كما فشلت واشنطن في إسقاط النظام وتغييره، أو على الأقل دفعه نحو الرضوخ لمتطلبات الولايات المتحدة وشروطها، كما أخفقت في تقليص الامتداد الإيراني في الإقليم العربي، وهذا يعطيه القوة وحرية المناورة.
ولهذا قررت الصحيفة أن السياق الاشتباكي الأميركي الإيراني وصل إلى حالة الجمود، وأطلقت عليه وصف «المنطقة الرمادية» أي لا حرب شاملة ولا سلام كاملا، وباتت المفاوضات هي وسيلة التعاطي لتحقيق مكاسب لم يحققها أي منهما أو التوصل إلى تفاهمات منتصف الطريق.
حرب أميركا مع المستعمرة ضد إيران، ستشكل حالة يقظة، يجب الاستفادة منها، ومفادها أن الأولوية للولايات المتحدة هي «المستعمرة الإسرائيلية»، وهي حليفها الاستراتيجي التي ما زالت تملك نفوذاً لدى مؤسسات صنع القرار الأميركي، وتعمل بكل جهدها كي تستجيب للمصالح الأميركية وهي أداتها العنيفة التي تعمل على خدمتها، مقابل مكاسب، وهو ما تحققه المستعمرة من خلال إدماجها بالمشروع الأميركي، في مواجهة خصوم واشنطن، والحصول على القدرة والتفوق الذي يمكنها في بقاء الاحتلال والعمل على تمدده على حساب المصالح الوطنية والقومية لبلدان العالم العربي.
الشيء المؤكد أن سياسات البلدان العربية يجب أن تتجه نحو خيارات التوازن في التعامل والتعاون مع الأطراف الدولية الفاعلة: الولايات المتحدة، الصين، روسيا وأوروبا، كما يجب أن تتوجه نحو التعامل مع البلدان الصاعدة في العالم: تركيا، الباكستان، الهند، جنوب إفريقيا، ماليزيا وأندونيسيا.
لقد ثبت بالملموس أن الوجود الأميركي في منطقتنا سبب للعالم العربي الأذى بدلاً من الحماية، وعلى الأطراف العربية المتعددة أن تُدرك تملك المقومات الهامة: الجغرافيا السياسية، الطاقة من البترول والغاز، المال الاستثماري والسوق، مما يؤهلها أن تحقيق تطلعات شعوبها نحو الغد الأفضل بتماسك وحدتها الداخلية أولاً، وأولوياتها القومية ثانياً، وتحالفاتها متعددة العناوين والأغراض مع الأطراف الدولية ثالثاً، وهذا التوجه هو ضمانتها للأمن والاستقرار، وهذا ما يجب فعله وتأديته عبر الجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومؤسسات الأمم المتحدة ذات الصلة.



أقلام وأراء

الإثنين 18 مايو 2026 10:14 صباحًا - بتوقيت القدس

الشعب الفلسطيني لن ولم يرحل


القضية الفلسطينية تبقى محور اهتمام العالم وهي بمثابة الاختبار الحقيقي للمنظومة الدولية ومصداقيتها، ولن يتحقق الأمن والسلم في المنطقة ما لم ينل الشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية كاملة، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
تمر القضية الفلسطينية في أعقد وأقسى المراحل التي يمر بها الشعب الفلسطيني، خصوصاً في ظل الحرب على قطاع غزة، وتصاعد الاعتداءات في الضفة الغربية بما فيها القدس ولم تكن النكبة حدثاً عابراً في التاريخ الفلسطيني، بل جريمة تطهير عرقي أدت إلى اقتلاع مئات الآلاف من الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، وتحويلهم إلى شعب من اللاجئين، في ظل محاولات مستمرة لسرقة تاريخهم ومحو إرثهم وتزوير روايتهم الوطنية.
الشعب الفلسطيني لم يغادر أرضه طوعاً، كما روجت الرواية الإسرائيلية والحركة الصهيونية، بل هُجِّر قسراً وقهراً، وأن الفلسطينيين دافعوا عن وطنهم التاريخي ووجودهم على أرضهم، وأن القوى الاستعمارية وفرت للحركة الصهيونية الوسائل والقوة للسيطرة على فلسطين بقوة السلاح.
ممارسات الاحتلال المجرم في الأراضي الفلسطينية المحتلة تتواصل نكباتها، وما يجري في قطاع غزة، يؤكد ان  إسرائيل، بوصفها سلطة الاحتلال غير الشرعي، تقوم بارتكاب جرائم الإبادة والقتل الجماعي، وتدمير النسبة الأكبر من المباني السكنية والمستشفيات والمدارس والجامعات والكنائس والمساجد، وتقوم بتوسيع جرائمها في الضفة الغربية، بما فيها القدس، عبر إرهاب المستوطنين والتوسع الاستيطاني والضم، إضافة إلى حجز أموال فلسطينية بمليارات الدولارات، ونهب الموارد الطبيعية والمياه والثروات، وممارسة القتل والاعتقالات واحتجاز جثامين الشهداء والتنكيل بالأسرى، كما يقوم الاحتلال بخرق الوضع القانوني والتاريخي القائم في القدس، بما في ذلك الحرم القدسي الشريف، ويعمل على تدمير حل الدولتين على مرأى ومسمع العالم أجمع، من دون حساب أو عقاب.
واهم كل من يعتقد أن الأمن والسلم يمكن أن يتحققا دون إحقاق حقوق الشعب الفلسطيني واستقلال دولته واجتثاث الاحتلال الإسرائيلي منها وانه لا أحد في العالم يملك حق تقرير مصير أرض فلسطين سوى الشعب الفلسطيني نفسه.
حكومة الاحتلال تقنع نفسها وتعتقد أنها قادرة على محو الوجود الفلسطيني، وسلب الأرض والإرث والتراث، وحضارة الشعب الفلسطيني ولكن ينبعث الشعب من رماد النكبة مواصلا حقه في النضال والكفاح من اجل نيل حريته، وان استمرار النضال الفلسطيني سياسياً وشعبياً وقانونياً ودبلوماسياً بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني سوف يحقق الحرية والدولة المستقلة.
الاحتلال إلى زوال، ولا يمكن أن ينتصر على شعب يطالب بحريته واستقلاله وحقوقه وإن الحق الفلسطيني سينتصر طال الوقت أم قصر، وسيواصل شعب فلسطين تعزيز وجود هويته وإحياء ذاكرته الوطنية، حتى وإن مات الكبار، فلم ينس الصغار.

أقلام وأراء

الإثنين 18 مايو 2026 10:13 صباحًا - بتوقيت القدس

حين ينتصر الانتماء على المناصب


انتهت انتخابات المجلسين المركزي والثوري، وبدأت معها مشاعر الفرح لدى من نالوا ثقة أبناء الحركة، ومشاعر الحزن أو الخيبة لدى آخرين لم يحالفهم الحظ. وهذه طبيعة كل استحقاق ديمقراطي، حيث يربح البعض موقعًا، بينما يبقى الآخرون خارج إطار النتيجة... لكنهم لا يكونون خارج إطار القيمة أو التاريخ أو التأثير.
في الحقيقة، أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه هو اختزال الأشخاص بالمناصب، أو قياس قيمة المناضلين بعدد الأصوات التي حصلوا عليها. فكم من شخص جلس على كرسي ولم يترك أثرًا، وكم من رجل بقي خارج كل المواقع لكنه ظل حاضرًا في وجدان الناس وضمير الحركة والوطن.
إن حركة فتح، بتاريخها الطويل، لم تُبنَ فقط بأعضاء اللجان والمجالس، بل بآلاف الجنود المجهولين الذين حملوا الفكرة قبل أن يحملوا الألقاب، وصنعوا الحضور قبل أن يبحثوا عن المواقع. هؤلاء الذين بقوا في الميدان، وفي الغربة، وفي المعتقل، وفي ساحات العمل الوطني والاجتماعي، هم العمود الحقيقي لأي حركة وطنية.
أما الذين فازوا اليوم، فإن المسؤولية الملقاة على عاتقهم أكبر من مجرد الاحتفال بالنجاح. فالمرحلة القادمة تحتاج إلى قيادة تجمع ولا تفرق، تسمع قبل أن تتحدث، وتفتح أبوابها لكل أبناء الحركة دون استثناء. النجاح الحقيقي ليس في الوصول إلى الموقع، بل في القدرة على تحويل هذا الموقع إلى مساحة لخدمة الناس والحفاظ على وحدة الصف.
وفي المقابل، فإن الذين لم يحالفهم الحظ يجب ألا يشعروا أنهم خسروا مكانتهم أو دورهم. فالنضال لا يحتاج إلى بطاقة عضوية في مجلس حتى يستمر، والانتماء الحقيقي لا تحدده النتائج. بل ربما يكون دور الجندي الصادق في كثير من الأحيان أعمق أثرًا وأكثر إخلاصًا من دور المسؤول نفسه.
علينا جميعًا أن نتذكر أن فتح كانت دائمًا أكبر من الأسماء، وأكبر من الانتخابات، وأكبر من أي موقع تنظيمي. قوتها الحقيقية كانت وستبقى في روح أبنائها، وفي قدرتهم على تجاوز الخلافات الشخصية والانتصار للفكرة الوطنية الجامعة.
اليوم، المطلوب ليس فقط تهنئة الفائزين، بل أيضًا احتضان كل من لم ينجح، لأن الجميع شركاء في المسيرة. فلا منتصر حقيقي إذا شعر جزء من أبناء الحركة بالإقصاء، ولا مستقبل لأي تنظيم إذا تحولت الانتخابات إلى سبب للانقسام بدل أن تكون محطة للتجديد والتطوير.
وفي النهاية، تبقى الكراسي مؤقتة، بينما يبقى التاريخ شاهدًا على الرجال الحقيقيين... أولئك الذين ظلوا أوفياء لفلسطين، سواء كانوا في الصفوف الأولى أو بين الجنود المجهولين.

أقلام وأراء

الإثنين 18 مايو 2026 10:13 صباحًا - بتوقيت القدس

فتح بعد المؤتمر الثامن: وحدة الإرادة واستمرار النضال


هكذا أسدل الستار على أعمال المؤتمر الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، بعد ثلاثة أيام من العمل الوطني والتنظيمي المكثف، وبعد أن قالت القواعد الفتحاوية كلمتها عبر صناديق الاقتراع في الساحات الأربع، لاختيار لجنة مركزية ومجلس ثوري جديدين، في انتظار النتائج النهائية التي ستعلن لاحقا.
وفي هذه اللحظة الوطنية المفصلية، نتوجه بالتحية والتقدير إلى كل أبناء حركة فتح الذين ساهموا في إنجاح هذا الاستحقاق التنظيمي الكبير، مؤكدين أن قوة فتح لم تكن يوماً في الأسماء وحدها، بل في رسالتها الوطنية الجامعة، وفي قدرتها الدائمة على التجدد، وصون الهوية الوطنية الفلسطينية، وحماية المشروع الوطني من كل محاولات التصفية والانقسام.
إلى الإخوة الذين سيتحملون مسؤولية القيادة في المرحلة المقبلة، نقول: إن الفوز في فتح ليس موقعاً للتشريف، بل مسؤولية وطنية ونضالية وأخلاقية ثقيلة، في واحدة من أكثر المراحل دقة وخطورة في تاريخ القضية الفلسطينية. فشعبنا الذي يواجه حرب الإلغاء والاقتلاع والاستيطان والعدوان، ينتظر منكم أن تكونوا على مستوى تضحيات الشهداء والأسرى والجرحى، وأن تبقى فتح كما عرفها شعبها دائماً: حركة التحرر الوطني الفلسطيني، وحارسة القرار الوطني المستقل، ورافعة المشروع الوطني الجامع.
إن المرحلة القادمة تتطلب قيادة تمتلك الشجاعة السياسية، والرؤية الوطنية، والقدرة على تعزيز الوحدة الداخلية، وتجديد البنية التنظيمية، والانفتاح على طاقات الشباب والمرأة والكفاءات الوطنية، بما يعيد للحركة زخمها التاريخي ودورها الطليعي في قيادة شعبنا ونضاله المشروع من أجل الحرية والاستقلال.
وإلى جماهير فتح وكوادرها ومناضليها في الوطن والشتات، نقول: إن المؤتمر قد انتهى، لكن مسيرة النضال الوطني لم ولن تنتهي. ففتح التي انطلقت من أجل فلسطين، ستبقى وفية لعهد الشهداء، ومتمسكة بالحقوق الوطنية الثابتة لشعبنا الفلسطيني، وفي مقدمتها حق العودة، وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس.
إن معركتنا الوطنية ما تزال مفتوحة مع الاحتلال ومشاريعه الاستعمارية، ومع كل محاولات تصفية القضية الفلسطينية أو تجاوز حقوق شعبنا التاريخية والطبيعية. غير أن إرادة الفلسطينيين، التي صنعت الثورة وحفظت الهوية الوطنية طوال عقود طويلة من التضحيات، قادرة على مواصلة الطريق حتى انتزاع الحرية والعدالة والاستقلال.
ستبقى فتح، رغم كل التحديات، حركة الشعب الفلسطيني الوطنية الجامعة، وحاضنة مشروعه التحرري، وعنوان وحدته وكفاحه الوطني.
المجد للشهداء… الحرية للأسرى… والشفاء للجرحى… والنصر لفلسطين.

أقلام وأراء

الإثنين 18 مايو 2026 10:12 صباحًا - بتوقيت القدس

الأقصى في مرمى التطرف الإسرائيلي


في القدس، لا تبدو الأحداث مجرّد توتراتٍ مؤقتة يمكن احتواؤها ببيانات الشجب والإدانة، إنما مشهد متصاعد يكشف عن مشروعٍ خطير يستهدف هوية المدينة ومقدساتها، ويعمل بصورةٍ ممنهجة على تحويل التطرف الديني والسياسي إلى أداةٍ لإعادة تشكيل الواقع بالقوة.
فالتصريحات التي أطلقها عضو الكنيست الإسرائيلي المتطرف يتسحاك كرويزر، والتي دعا فيها علناً إلى إزالة المسجد الأقصى وإقامة ما يسمى “الهيكل” مكانه، لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد خطابٍ متشنج أو موقفٍ فردي، إنما هي انعكاسٌ لخطابٍ تحريضي يتنامى داخل دوائر اليمين الإسرائيلي المتطرف، ويجد له مساحةً متزايدة داخل المشهد السياسي الإسرائيلي.
إن خطورة هذه الدعوات تكمن في أنها تمسّ واحداً من أكثر الأماكن قداسةً وحساسيةً في العالم، وتستهدف بصورةٍ مباشرة الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى المبارك، في تجاوزٍ واضح لكل القوانين والمواثيق الدولية التي تؤكد حماية المقدسات الدينية وصون حرمتها.
وفي موازاة هذا التحريض السياسي، تتكرّر المشاهد الاستفزازية في مدينة القدس بصورةٍ تكشف حجم التحول الذي تشهده المدينة تحت سلطة الاحتلال.
ففي منطقة باب العامود، ظهر مستوطنون وهم يطلقون الشتائم والألفاظ العنصرية، ويرددون هتافات “الموت للعرب”، في مشهدٍ يعكس تصاعد خطاب الكراهية والتحريض العلني ضد الفلسطينيين، وسط حمايةٍ سياسية وأمنية واضحة.
ولم يكن وجود الوزير الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير في تلك المشاهد تفصيلاً منفصلاً، إنما رسالةً سياسية تؤكد حجم الدعم الذي تحظى به الجماعات المتطرفة داخل حكومة الاحتلال، الأمر الذي يسهم في تأجيج التوتر، ويدفع المدينة نحو مزيدٍ من الاحتقان.
أما المسجد الأقصى، فقد بات ساحةً مفتوحة لمحاولات فرض واقعٍ جديد من خلال الاقتحامات المتكررة والطقوس الاستفزازية التي يؤديها المستوطنون، خاصة في المنطقة الشرقية قرب مصلى باب الرحمة.
وهذه الممارسات لا يمكن فصلها عن محاولات تكريس تقسيمٍ زماني ومكاني للمسجد، في استنساخٍ واضح لما جرى في الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل، الأمر الذي يثير مخاوف حقيقية من تصاعد الاعتداءات على المقدسات الإسلامية في القدس.
ورغم كل هذا المشهد الثقيل، تبقى القدس مدينةً تعرف كيف تحمي ذاكرتها.
فالأقصى ليس مجرد بناءٍ أثري أو معلمٍ ديني، إنما هو جزءٌ من الوعي الفلسطيني والعربي والإسلامي، وعنوانٌ لمعركة الهوية والوجود في مدينةٍ يحاول الاحتلال إعادة تشكيلها بالقوة.
إن ما يجري في القدس اليوم يتطلب موقفاً دولياً أكثر جدية، لأن الصمت أمام خطاب التحريض الديني والعنصري لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، إنما يهدد الاستقرار الإنساني والديني في المنطقة بأسرها.
فالتحريض على المقدسات، وإطلاق دعوات هدم الأقصى، والتسامح مع ممارسات الكراهية، كلها مؤشرات خطيرة على مرحلةٍ يسعى فيها التطرف إلى تحويل الصراع من احتلالٍ سياسي إلى صراعٍ ديني مفتوح.
وستبقى القدس، رغم الألم، أكثر قدرةً على البقاء من كل مشاريع الاقتلاع، لأن المدن المقدسة لا تسقط ما دام أهلها يتمسكون بحقهم، وما دامت الذاكرة تحفظ أسماء الشوارع، وصلوات المآذن، وحكايات الحجر العتيق.

أقلام وأراء

الإثنين 18 مايو 2026 10:11 صباحًا - بتوقيت القدس

الكيان المأزوم... انتخابات إسرائيل بين الفاشية والتفكك الداخلي


مع تصاعد الحديث داخل إسرائيل عن إمكانية حل الكنيست والتوجه نحو انتخابات مبكرة، تدخل الساحة السياسية الإسرائيلية مرحلة جديدة من الاضطراب والتوتر، في ظل أزمات داخلية متراكمة وحرب مفتوحة على جبهات عدة ألقت بثقلها على المجتمع الإسرائيلي ومؤسسات الدولة، فالمشهد السياسي في إسرائيل لم يعد يدور فقط حول الصراع التقليدي بين اليمين والمعارضة، بل بات مرتبطًا أيضًا بمستقبل القيادة السياسية، وشكل النظام الحاكم، وحدود قدرة الحكومة الحالية على الاستمرار في إدارة واحدة من أخطر المراحل التي تمر بها إسرائيل منذ عقود.
ورغم أن حكومة بنيامين نتنياهو لا تزال تحاول إظهار التماسك، فإن التصدعات داخل الائتلاف الحاكم أصبحت أكثر وضوحًا مع تزايد الضغوط السياسية والشعبية والعسكرية، فالحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر لم تحقق الأهداف التي وعدت بها الحكومة الإسرائيلية، كما أن حالة الاستنزاف العسكري والاقتصادي، إلى جانب تصاعد الانتقادات بشأن إدارة الحرب وملف الأسرى، دفعت أطرافًا سياسية عديدة إلى المطالبة بإعادة تشكيل المشهد السياسي عبر انتخابات جديدة.
ويأتي الحديث عن حل الكنيست في وقت تواجه فيه إسرائيل أزمة ثقة غير مسبوقة بين الشارع والمؤسسة السياسية، فالكثير من الإسرائيليين يحملون الحكومة الحالية مسؤولية الإخفاق الأمني الذي وقع في السابع من أكتوبر، ويرون أن القيادة السياسية فشلت في منع الانهيار الأمني والعسكري الذي هز صورة إسرائيل داخليًا وخارجيًا، كما أن استمرار الحرب دون حسم واضح زاد من حالة الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي، وفتح الباب أمام صراعات متزايدة بين المؤسسة العسكرية والحكومة، وبين أحزاب اليمين نفسها.
وفي قلب هذه الأزمة يقف نتنياهو، الذي يحاول البقاء في السلطة بأي ثمن، مدركًا أن أي انتخابات مبكرة قد تتحول إلى معركة على مستقبله السياسي والشخصي، خاصة في ظل ملفات الفساد التي تلاحقه، والانتقادات المتزايدة لأدائه خلال الحرب، فضلًا عن التساؤلات التي أثيرت مؤخرًا حول وضعه الصحي بعد الإعلان عن إصابته بورم خبيث، لذلك يسعى نتنياهو إلى استثمار حالة الخوف الأمني داخل المجتمع الإسرائيلي، عبر تقديم نفسه باعتباره الرجل القادر على إدارة الحرب ومواجهة التحديات الإقليمية، ومحاولة إقناع الناخب الإسرائيلي بأن تغيير القيادة في هذه المرحلة قد يمثل خطرًا على استقرار إسرائيل.
في المقابل، ترى المعارضة الإسرائيلية أن اللحظة الحالية تمثل فرصة لإسقاط حكومة اليمين وإعادة تشكيل السلطة، ويحاول كل من يائير لابيد ونفتالي بينيت استثمار حالة الغضب الشعبي ضد الحكومة، إلا أن المعارضة لا تزال تعاني من أزمة قيادة وتباينات سياسية وأيديولوجية عميقة، تجعل قدرتها على تشكيل بديل قوي ومتماسك محل شك لدى كثير من المراقبين.
ومع ذلك، فإن أي انتخابات مقبلة لن تكون شبيهة بالانتخابات السابقة، لأن المزاج الإسرائيلي تغير بصورة كبيرة بعد الحرب، فقد دفعت أحداث السابع من أكتوبر قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي نحو مزيد من التطرف والتشدد والفاشية، وأعادت القضايا الأمنية والعسكرية إلى صدارة أولويات الناخب الإسرائيلي، الأمر الذي قد يمنح الأحزاب اليمينية والدينية فرصة للحفاظ على حضورها القوي، حتى في حال تراجع شعبية نتنياهو نفسه.
كما أن احتمالات حل الكنيست ترتبط أيضًا بالخلافات المتصاعدة داخل الائتلاف الحاكم، خصوصًا بشأن قانون تجنيد الحريديم، وإدارة الحرب، ومستقبل غزة بعد انتهاء العمليات العسكرية، فهذه الملفات أصبحت تهدد تماسك الحكومة من الداخل، وقد تدفع بعض الأحزاب إلى الانسحاب إذا شعرت بأن استمرارها في الائتلاف سيؤثر على مستقبلها الانتخابي.
وفي حال جرت انتخابات مبكرة، فإن إسرائيل ستكون أمام معركة سياسية حاسمة قد تعيد رسم الخارطة الحزبية بالكامل،  فالصراع لن يكون فقط على تشكيل الحكومة المقبلة، بل على تحديد الاتجاه الذي ستسير فيه إسرائيل خلال السنوات القادمة: هل ستواصل الانزياح أكثر نحو اليمين الديني والقومي المتطرف، أم ستنجح قوى المعارضة في إعادة إنتاج مركز سياسي جديد قادر على استعادة التوازن داخل النظام السياسي الإسرائيلي؟
لكن المؤكد أن إسرائيل، مهما كانت نتائج الانتخابات المقبلة، لن تعود كما كانت قبل السابع من أكتوبر، فالحرب كشفت حجم الانقسام الداخلي، وأضعفت صورة المؤسسة الأمنية، وعمّقت أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع، وهو ما يجعل أي حكومة قادمة أمام تحديات غير مسبوقة، في ظل منطقة تغلي بالصراعات، ومشهد إقليمي مفتوح على احتمالات التصعيد والانفجار.
في المحصلة، فإن الحرب لم تفضح فقط هشاشة المنظومة الأمنية والسياسية الإسرائيلية ، بل كشفت أيضًا التحولات الخطيرة داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، حيث يتصاعد الخطاب الفاشي والعنصري بصورة غير مسبوقة، ويتجه المجتمع أكثر نحو التطرف والكراهية والعنف، في ظل صعود قوى اليمين الديني والقومي التي باتت تدفع إسرائيل نحو مزيد من العزلة والصدام مع العالم.
وفي الوقت الذي تحاول فيه الحكومة الإسرائيلية إظهار صورة القوة والثبات، تتزايد في الداخل مؤشرات القلق والانهيار، سواء عبر تصاعد الهجرة العكسية وخروج آلاف الإسرائيليين بحثًا عن الأمان والاستقرار، أو من خلال التدهور الاقتصادي والاجتماعي الناتج عن الحرب والاستنزاف العسكري والأزمات السياسية المتلاحقة، كما أن صورة إسرائيل التي سعت لعقود إلى تسويق نفسها كـ"واحة ديمقراطية" تتهاوى اليوم أمام العالم، بعدما كشفت الحرب حجم الجرائم والانتهاكات وسياسات القتل والتجويع والتدمير، الأمر الذي أدى إلى تآكل شرعيتها الأخلاقية والسياسية على المستوى الدولي، وتصاعد موجات الغضب والعزلة والمقاطعة ضدها في مختلف دول العالم.
وبينما يخوض بنيامين نتنياهو معركة البقاء السياسي، تبدو إسرائيل كلها أمام أزمة وجودية تتجاوز حدود الانتخابات والحكومات، لتصل إلى أزمة في بنية المشروع الصهيوني نفسه، الذي قام على القوة العسكرية والتوسع والخوف وصناعة العدو الدائم والحروب المتكررة،  فكلما طال أمد الحرب واتسعت دائرة الدم والدمار، ازدادت الشروخ داخل المجتمع الإسرائيلي، وتراجعت قدرة إسرائيل على فرض صورتها القديمة كدولة مستقرة وقادرة على حسم الصراعات، لذلك فإن الانتخابات المقبلة قد لا تكون مجرد محطة لتغيير حكومة أو إعادة تشكيل ائتلاف، بل قد تتحول إلى لحظة تكشف بداية الانحدار التاريخي لمشروع يعيش اليوم واحدة من أخطر أزماته السياسية والأخلاقية والوجودية منذ قيامه.

أقلام وأراء

الإثنين 18 مايو 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

شعبنا يستحق أن يحيا بسلام وأمن وأمان على أرضه المقدسة


لقد ودّعنا يوم أمس الأول في بلدة عيلبون الجليلية سيادة المطران بطرس المعلم، الذي رحل عن عالمنا عن عمر ناهز الثامنة والتسعين عاماً.
كان شاهداً على النكبة التي حلّت بهذا البلد، وقد اختبر هو وعائلته وأبناء بلدته مرارة المعاناة والآلام والأحزان.
كان شاهداً على النكبة، كما وغيره من أبناء شعبنا الذين عاصروا هذا الظلم التاريخي الذي حلّ بشعبنا عام 1948.
ثمانية وسبعون عاماً مرّت على نكبة عام 1948، ولكننا نلحظ ونرى بأن النكبة ما زالت مستمرة ومتواصلة، فلم تكن حدثاً عابراً في عام 1948، بل إن تداعياتها ما زالت قائمة. وما أكثر الحروب والنكبات والنكسات التي تعرّض لها شعبنا منذ ذلك الحين وحتى هذا اليوم.
الكنيسة في هذه الأرض لم تكن يوماً متفرجة على نكبة عام 1948، بل إنها في ذلك الحين فتحت الأديرة والكنائس، وخاصة في القدس، من أجل إيواء النازحين الذين طُردوا عنوةً من قراهم وبلداتهم. وهذا ما حدث أيضاً في غزة، حيث فتحت الكنائس والأديرة أبوابها للنازحين، في إطار رسالة تؤكد من خلالها الكنيسة في هذه الديار أنها ليست متفرجة على معاناة الإنسان الفلسطيني، بل إنها تقف إلى جانب هذا الشعب المظلوم، وتؤازره، وتنادي بحريته وكرامته وانعتاقه من الاحتلال.
ما حدث في غزة خلال حرب الإبادة لا يقل جسامة وهمجية عمّا حدث عام 1948، فمشاهد النكبة الجديدة في غزة تذكّرنا بنكبة عام 1948، وتذكّرنا بأن هنالك ظلماً تاريخياً تعرّض له هذا الشعب، ويجب أن يزول هذا الظلم لكي ينعم إنسان هذه الديار بالأمن والأمان والسلام.
الكنيسة لا يجوز أن تكون حيادية أو صامتة أو متفرجة أمام ما يعانيه الإنسان الفلسطيني، فهذا هو شعبنا، وهذا هو إنساننا، وقضية هذا الشعب المظلوم هي قضيتنا، كما هي قضية كل إنسان حر ومؤمن بقيم العدالة في عالمنا.
إن استهداف الفلسطينيين في غزة وفي الضفة وفي القدس إنما هو استهداف لكل الفلسطينيين، مسيحيين ومسلمين. فكما يُعتدى على المسلمين في مقدساتهم وأوقافهم، يُعتدى أيضاً على المسيحيين. وقد شاهد الكثيرون ما تعرّضت له القدس قبل يومين خلال مسيرة المستوطنين المتطرفين، الذين بصقوا على الكنائس ورجال الدين، كما وأساؤوا للسيدة العذراء في الحي المسيحي عندما مرّوا بالقرب من رمز ديني له علاقة بالسيدة العذراء في حارة النصارى في القدس القديمة.
إن الذين يبصقون على المسيحيين ورموزهم الدينية، والذين يعتدون عليهم كما حدث مع إحدى الراهبات الفاضلات، هم أنفسهم الذين يعتدون على الفلسطينيين، وهم أنفسهم الذين يعتدون على البلدات والمخيمات والقرى في الضفة الغربية، حيث ينهبون الأراضي ويروعون أهلها، وبعضهم يطلق على نفسه مسمى “فتيان التلال”.
أمام هذه النكبات والنكسات المتلاحقة، والتي لا تتوقف، والتي يتعرّض لها شعبنا الفلسطيني، نتساءل: إلى متى سوف يستمر هذا الظلم؟ وإلى متى سيبقى الفلسطينيون محكوما عليهم  بأن يعيشوا في ظل سياسة الإذلال والتنكيل والاستهداف؟
يتبارى المتنافسون على رئاسة الحكومة الإسرائيلية بعدائهم للفلسطينيين، وبعدم اعترافهم بأنه يحق للفلسطيني أن يعيش في دولة مستقلة، وهم لا يعترفون بأي حقوق للفلسطيني في هذه الديار.
إنهم يتبارون في من هو الأكثر عنصرية، ومن هو الأكثر عداءً للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، دون أن ننكر وجود بعض الأصوات اليهودية التي تؤمن بالسلام وترفض الاحتلال وسياساته وممارساته، ولكن يبدو أن هؤلاء نسبتهم قليلة، وهم عاجزون وغير قادرين على التأثير في ما يتعلق بالسياسات والممارسات الظالمة بحق شعبنا.
إن تباهي أي مسؤول إسرائيلي قائلاً إن فلسطين غير موجودة، لا يعني على الإطلاق أنها ليست موجودة، فهذا يعني فقط أنها ليست موجودة في عقليته العنصرية ، لكنها على الأرض موجودة، شاء أم أبى هؤلاء العنصريون الحاقدون.
إن نكران وجود فلسطين من قبل هذه الطغمة العنصرية لا يعني أنها ليست موجودة، فهي موجودة وباقية، وشعبها موجود وباقٍ، وما تحتاجه هذه الأرض هو إنهاء الاحتلال وتحقيق الحرية والأمن والأمان لشعبنا الفلسطيني.
لا نكره اليهود، ولسنا من جماعة معاداة السامية  فنحن لا نكره أحداً بناءً على انتمائه الديني، ولكننا نكره الاحتلال والعنصرية والقمع الممارس بحق شعبنا الفلسطيني.
أن تكون رافضاً للاحتلال وممارساته، فهذا لا يعني أنك معادٍ لليهود أو منتمٍ لتيار معاداة السامية، فهذه ليست من أدبياتنا ولا من أخلاقنا، فنحن نحترم كل إنسان أياً كان دينه أو معتقده، ولكننا نرفض الاستبداد والاحتلال. وبعض المتطرفين في إسرائيل يبررون ممارساتهم بآيات كتابية، بينما الكتاب المقدس بريء من سياساتهم وممارساتهم وأفعالهم.
ندعو إلى تضافر الجهود بين أتباع الديانات التوحيدية الثلاث في الدفاع عن حقوق الإنسان، والمناداة برفع الظلم عن شعبنا، فآن للنكبة أن تتوقف، وأن ينتقل الفلسطينيون إلى حقبة جديدة من تاريخهم ينعمون فيها بالحرية، مثل باقي شعوب العالم.
هذا هو نداؤنا الذي نوجّهه إلى الكنائس المسيحية في العالم: كونوا صوتاً للمظلومين والمتألمين والمعذبين في هذه الديار، فالحيادية مرفوضة، والصمت مرفوض، وصوت الكنيسة يجب أن يكون صادحاً في كل مكان، منادياً بالسلام والعدالة ونصرة المظلومين وضحايا الحروب، لا سيما شعبنا الفلسطيني شعب هذه الأرض المقدسة والمباركة التي تحتضن أهم المقدسات المسيحية.
نرفع دعاءنا في هذه الأيام، وعشية أحد الأعمى، بأن ينير الرب الإله عقول وبصر وبصيرة حكام وجبابرة هذا العالم، فما أكثر العميان في هذا العالم الذين لا يرون الواقع ولا يريدون أن يروا الحقيقة لأنها تزعجهم. نتمنى لأولئك العميان أن يعود إليهم البصر، لكي يروا بأن هنالك شعباً مظلوماً يستحق أن يعيش حياة أفضل في هذه الديار.
يوم الأربعاء القادم نودّع عيد القيامة، ونحن في مدينة القيامة والنور نودّع الموسم الفصحي في هذا العام ، ولكننا في هذه المدينة المقدسة نعيش القيامة بشكل دائم ومستمر، لأننا نرى أمامنا القبر الفارغ في كل حين.
وأمام القبر المقدس نصلي من أجل هذه المدينة المقدسة، ومن أجل هذه الأرض المباركة، لكي تتحقق فيها العدالة المنشودة، ويسود فيها السلام الحقيقي الذي يصون حرية وكرامة الإنسان.

أقلام وأراء

الإثنين 18 مايو 2026 10:08 صباحًا - بتوقيت القدس

تيسير محيسن حين يكتب.. وجعٌ على وجع


كعادته، حين يكتب الرفيق تيسير محيسن، في الأدب كما في السياسة، يبدع. لكنه اليوم لم يكتب نصاً عادياً؛ بل نقر بأصابعه على أكثر أوتار الوجع الفلسطيني نزفاً، وجع غزة بعد عامين ونصف من حرب الإبادة الشاملة التي قلبت كل شيء، وسلبت الناس أبسط مقومات الحياة.
كتب عن شعبٍ يصرّ على البقاء، يعيش تحت سقف متهالك وخيمة بالية، لكنه يتمسك بكرامته كما يتمسك بحقه في الحياة. نصه لم ينكأ جرحاً مفتوحاً فحسب، بل استحضر ألماً مقيماً سيطول أمده في حياة أكثر من مليون ونصف فلسطيني دُمّرت بيوتهم وتحولوا إلى نازحين.
تكمن قوة النص في أنه لا يصف المشهد فقط، بل يحوّل التفاصيل الإنسانية الصغيرة إلى أسئلة وجودية حادة. حين يقول إن السقف ليس سقفاً بل احتمال نجاة، فإنه يستدعي صورة آلاف العائلات التي احتمت بجدران متداعية، تعرف أنها قد تنهار فوق رؤوسها في أية لحظة. وحين يصبح الضوء كشفاً للهشاشة لا نوراً، فإنه يعرّي هشاشة العالم نفسه، ذلك العالم الذي بات يستهين بحياة البشر ويحوّلهم إلى أرقام.
أما الخيمة، فهي عند تيسير ليست مأوى، بل اختصار لانكسار العالم فوق رؤوس الناس. وكيف تكون مأوى وهي لا تصمد أمام ريحٍ عابرة أو مطرٍ ثقيل أو صيفٍ قائظ؟
ويمضي النص بهدوءٍ حزين من الصورة المادية إلى المعنى النفسي؛ من ألواح الزينكو والقماش والحصير التي تُنسج منها محاولة للحياة، إلى تآكل الإحساس بالأمان وضياع المستقبل. فلا تلة المنطار بقيت، ولا شجرة الجميز، ولا الشجاعية التي ولد وترعرع فيها أبو ياسر؛ كلها أحالتها حرب الإبادة إلى ركام.
هنا لا يقول تيسير إن الحرب تدمر المدن فقط، بل إنها تعيد تشكيل روح الإنسان وعلاقته بالحياة.
وتأتي الجملة الأخيرة شديدة القسوة والعمق:
“أن تنتصر الحرب في داخله، لا على بيته فقط.”
لأنها تنقل المعركة من الخارج إلى الداخل؛ من الخراب المادي إلى مقاومة الانهيار النفسي والمعنوي.
أما افتتاحية النص:
“كوة في السجن؟ أم نافذة في قطار؟ … فتحة في قبر؟ أم وميض في نهاية نفق؟”
فهي من أكثر مفاتيح النص شاعرية وكثافة، لأنها تضع القارئ أمام التردد المرير بين الحياة والموت، بين المؤقت والدائم، بين النجاة والفقد.
النص كله قائم على مفارقة موجعة:كلما ضاقت المساحة، اتسع الوجع.وكلما تقلصت شروط الحياة، تضخمت قيمة الكرامة والصمود.
ما كتبه تيسير ليس نصاً كاشفاً للوجع فقط، بل هو الوجع ذاته؛ الوجع الذي نعيشه يومياً، لكننا، رغم كل شيء، ما زلنا نصرّ على العزة والكرامة والبقاء.       ١٧-٥-٢٠٢٦

فلسطين

الإثنين 18 مايو 2026 10:07 صباحًا - بتوقيت القدس

نتائج المؤتمر الثامن... إعادة تموضع داخلي وأسئلة حول المرحلة المقبلة

د. رائد الدبعي: النتائج عكست التوازن بين القيادات التاريخية والأسماء الجديدة دون المساس بجوهر البرنامج السياسي أو التوجهات الاستراتيجية بالمرحلة المقبلة
محمد هواش: "فتح" نجحت بعقد مؤتمرها الثامن وتجديد نصف أعضاء لجنتها المركزية وأعضاء مجلسها الثوري وإرضاء الرئيس لكنها لم تعطه كل ما يريد
د. قصي حامد: الإطار القيادي الجديد أمام مسؤولية نقاش رؤية "فتح" السياسية وآليات عملها بما يسمح بإعادة استنهاضها واستعادة دورها القيادي
د. أسامة عبد الله: أي عملية تجديد داخل "فتح" ستنعكس على مجمل النظام السياسي باعتبارها العمود الفقري للمنظمة وركيزة أساسية في بنية السلطة
عوني المشني: الحرس القديم داخل الحركة يغادر مواقعه بصورة شبه كاملة وهندسة العضوية والتحالفات الرئيسة لعبت دورًا حاسمًا بصياغة النتائج
د. رهام عودة: ما يقارب نصف أعضاء القيادة الجديدة يمثلون حالة تغيير وتجديد داخل الحركة لاستعادة حيويتها وتعزيز دورها في المرحلة المقبلة


رام الله- خاص- بـ"القدس"-

تأتي النتائج الأولية للمؤتمر العام الثامن لحركة "فتح" لتحمل مؤشرات لافتة بشأن اتجاهات الحركة في السنوات المقبلة، في ظل تغييرات طاولت تركيبة القيادة، عكست ميلاً نحو المزج بين الخبرة التنظيمية وتجديد الوجوه خاصة ما كان لافتاً بإدخال الشباب، بما يوحي بمحاولة إعادة ترتيب المشهد الداخلي للحركة في مرحلة فلسطينية تتسم بتعقيدات سياسية وميدانية غير مسبوقة.
ويؤكد كتاب ومحللون سياسيون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن هذه النتائج تأتي في توقيت فلسطيني حساس، ما يمنحها أبعاداً تتجاوز الإطار التنظيمي، حيث ينظر إلى ما إذا كانت القيادة الجديدة ستنجح في تحويل التغيير الذي أفرزته صناديق الاقتراع إلى أدوات أكثر فاعلية على المستوى السياسي والتنظيمي، بما ينعكس على موقع الحركة ودورها في المشهد الوطني.

إرادة واضحة للتغيير

يعتبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية، د. رائد الدبعي، أن نتائج المؤتمر الثامن لحركة "فتح" عكست وجود "إرادة واضحة للتغيير"، لكنها في الوقت ذاته حافظت على توازن بين القيادات التاريخية والأسماء الجديدة، بما يعكس توجهاً نحو تجديد جزئي داخل الحركة دون المساس بجوهر برنامجها السياسي أو توجهاتها الاستراتيجية في المرحلة المقبلة.
وبحسب الدبعي، فإن أبرز ما حملته النتائج تمثل في "الانتصار للشهداء والأسرى والقادمين من الميدان"، مشيراً إلى نجاح شخصيات ذات رمزية نضالية، من بينها زكريا الزبيدي، وتيسير البرديني، إلى جانب تصدر  الأسير مروان البرغوثي قائمة نتائج الذين منحوا عضوية اللجنة المركزية للحركة، معتبراً أن ذلك يعكس رسالة واضحة من أعضاء المؤتمر بتقدير رمزية الأسرى وتجديد التأكيد على الهوية الوطنية والنضالية والثورية للحركة.
ويرى الدبعي أن المؤتمر حمل مؤشرات على رغبة حقيقية بإحداث تغيير، لكنه "تغيير جزئي" وليس تحول جذري، موضحاً أن هذا التوجه تجسد أيضاً في الحفاظ على حضور شخصيات تاريخية وازنة داخل الحركة، من بينها الرئيس محمود عباس، و جبريل الرجوب، ومحمود العالول، بما يشير إلى وجود رسالة داخلية تسعى للموازنة بين شرعية التاريخ ومتطلبات التجديد.

بروز جيل جديد من القيادات الشابة

وفي سياق التجديد القيادي، يلفت الدبعي إلى "الاختراق الكبير" المتمثل بصعود إياد صافي، معتبراً أن وصوله بصفته قائداً حالياً للشبيبة الفتحاوية في قطاع غزة يعكس بروز جيل جديد من القيادات الشابة ذات الامتداد الميداني، إلى جانب حضور جغرافي متنوع، وإن كان المؤتمر قد افتقد تمثيلاً من الخارج في عضوية اللجنة المركزية هذه المرة.
ويشير الدبعي إلى وجود ملاحظات تتعلق بضعف تمثيل المرأة في المؤتمر الثامن، موضحاً أن التوقعات كانت تتجه نحو الالتزام بنسبة 30% للكوتا النسوية، إلا أن التمثيل اقتصر على امرأتين فقط من أصل 18 عضواً.
ورغم حديثه عن ضخ دماء جديدة داخل الحركة وانخفاض متوسط أعمار القيادة المنتخبة مقارنة بالمؤتمر السابع، يشدد الدبعي على أن التغيير المتوقع سيبقى ميدانياً وتنظيمياً أكثر منه سياسياً، متوقعاً أن ينعكس ذلك على الحضور بين أبناء الحركة وعلى الأداء التنظيمي، دون أن يمتد إلى مستوى "السياسات العليا" أو البرامج السياسية، التي يرجّح استمرارها ضمن النهج التقليدي القائم على برنامج إعلان الاستقلال لعام 1988.
ويعتبر الدبعي أن خروج بعض القيادات التاريخية لم يكن مفاجئاً في ظل انعقاد المؤتمر بعد عشر سنوات، مؤكداً تقديره لدورهم النضالي، لكنه يرى أن التغيير في الأسماء كان متوقعاً أكثر منه صادماً.

انعقاد المؤتمر بظروف معقدة

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي محمد هواش نجاح حركة فتح بعقد مؤتمرها الثامن، وتجديد نصف أعضاء لجنتها المركزية، وتجديد أعضاء مجلسها الثوري، وكذلك إرضاء الرئيس محمود عباس، ولكنها لم تعطه كل مايريد.
ويشدد هواش على أن الأهمية لا تكمن فقط في نتائجه الانتخابية، بل في انعقاده ذاته في ظل ظروف سياسية وأمنية معقدة.
ويؤكد أن حركة فتح نجحت تنظيمياً وإدارياً في إدارة المؤتمر بصورة اتسمت بـ"الفاعلية والانضباط"، وأن المؤتمر كان "سيد نفسه" في اتخاذ القرارات وإدارة العملية الانتخابية، خلافاً لانتقادات صاحبت مؤتمرات سابقة، بينما يؤكد أهمية انعقاد مؤتمر حركة فتح وإجراء انتخابات لها بهذا الحجم كحزب في السلطة، وهو ما تفتقر إليه تجربة الأحزاب والحركات السياسية في الدول العربية.

سياسة واضحة مستمرة

ويوضح هواش أن الرسائل السياسية للمؤتمر تجسدت أساساً في خطاب الرئيس محمود عباس الافتتاحي، الذي مثّل التعبير الواضح عن السياسة الفلسطينية العامة التي تتبناها حركة فتح.
ويشير هواش إلى أن النقاشات داخل المؤتمر لم تشهد اعتراضات جوهرية على هذا المسار، بل أظهرت تأييداً عاماً للنهج السياسي القائم، خصوصاً فيما يتعلق بآليات مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وتداعيات الحرب على قطاع غزة، إضافة إلى التحديات المرتبطة بمحاولات ضم الضفة الغربية ومحاولة تهميش القضية الفلسطينية دولياً.
ويشدد هواش على أن السياسة للحركة لم تتغير ولم يعترض عليها المؤتمر، لكن التحدي يكمن في توفير أدوات تحقيق هذه السياسة.
ويبيّن هواش أن الأصوات المنتقدة للمؤتمر جاءت أساساً من خارج أطر المؤتمر ومن أوساط منشقة عن الحركة أو قواعد تنظيمية معترضة، لافتاً إلى أن ما يُعرف بـ"التيار الديمقراطي" المرتبط بمحمد دحلان بقي خارج البنية التنظيمية للمؤتمر، رغم مشاركة بعض الأفراد المحسوبين عليه بصفات شخصية.
وفي قراءته لنتائج الانتخابات الداخلية، يعتبر هواش أنها شكّلت "العنوان الجديد" للمؤتمر، وعكست مؤشرات سياسية مهمة، أبرزها أن أعضاء المؤتمر لم يمنحوا الرئيس كل ما أراده بالكامل، رغم عدم اختلافهم مع توجهاته السياسية العامة، موضحاً أن بعض الأسماء التي كان يُراد لها الوصول إلى اللجنة المركزية لم تنجح، بما يعكس استقلالية نسبية في خيارات أعضاء المؤتمر.

الأمر لا يدعم اتهامات "التوريث"

وتطرق هواش إلى انتخاب ياسر عباس، نجل الرئيس، عضواً في اللجنة المركزية، معتبراً أن الأمر لا يدعم اتهامات "التوريث" بالشكل المطروح، إذ إن ترتيبه الانتخابي جاء في موقع متوسط وليس متقدماً، ما يعكس قبولاً بوجوده داخل الإطار القيادي دون منحه دوراً محورياً أو موقعاً متقدماً في هرم القيادة.
ويؤكد هواش أن المؤتمر الثامن شهد قدراً كبيراً من النزاهة الانتخابية، نافياً حدوث تدخلات أو تغييرات في النتائج كما أُثير في مؤتمرات سابقة، ومعتبراً أن ذلك يعكس استجابة لرغبة فلسطينية أوسع في توسيع الهوامش الديمقراطية داخل المؤسسات الوطنية.

التغيير لنحو نصف أعضاء "المركزية"

ويرفض هواش توصيف خروج بعض القيادات من عضوية اللجنة المركزية لحركة فتح بأنه إقصاء، معتبراً أن التجديد أمر طبيعي في الحركات السياسية، وأن التغيير شمل نحو نصف أعضاء اللجنة المركزية، في خطوة تعكس رغبة في ضخ وجوه جديدة، من بينها شخصيات ذات خلفية نضالية وأسرى، مثل القائد الأسير مروان  البرغوثي والأسير المحرر زكريا الزبيدي، بما يعزز البعد الكفاحي للحركة.
وفي ملف تمثيل النساء والشباب، يرى هواش أن مشاركة المرأة لا تزال دون الطموح، لكنها ترتبط بواقع المجتمع ومزاجه العام، معتبراً أن تعزيز حضور النساء يحتاج إلى تحولات اجتماعية وسياسية أوسع.
ويلفت إلى وجود تنوع عمري نسبي في القيادة الجديدة، مع توقعات بحضور شبابي أكبر في المجلس الثوري.
ويشير هواش إلى أن الأزمة الفلسطينية لا تتعلق بغياب البرامج السياسية لحركة فتح فهي غنية ببرنامجها، بل بضعف الأدوات القادرة على تنفيذها، خاصة أنه لا توجد استجابة إسرائيلية أميركية لقبول هذه البرامج.
ويؤكد هواش أن التحدي الأبرز يتمثل في تعزيز الوحدة الوطنية وتطوير أدوات كفاحية وسياسية أكثر فاعلية لمواجهة الاحتلال وتحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية.

قدر من التفاؤل بإمكانية إحداث تغيير

يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس المفتوحة د.قصي حامد أن نتائج المؤتمر الثامن لحركة "فتح" حملت قدراً من التفاؤل بإمكانية إحداث تغيير داخل البنية القيادية للحركة، من خلال إدماج أسماء جديدة إلى جانب الحفاظ على حضور شخصيات تاريخية، بما أوجد حالة من التوازن بين الأجيال والتيارات المختلفة داخل الجسم القيادي، معتبراً أن مخرجات الانتخابات تعكس احتكاماً لصندوق الاقتراع وتنوعاً في مكونات القيادة الجديدة إلى حد ما.
ويوضح حامد أن التشكيلة التي أفرزتها الانتخابات عكست حضوراً متوازناً بين ما يُعرف بالحرس القديم والجيل الشاب، إلى جانب شخصيات ذات خلفية نضالية وميدانية، فضلاً عن حضور شخصيات أفرزتها المؤسسة الأمنية، الأمر الذي يعكس تعددية في الأوزان والثقل التنظيمي داخل الحركة، دون أن يطغى تيار واحد على القرار الفتحاوي.
ويشير حامد إلى أن إحدى الدلالات اللافتة للنتائج تمثلت في حضور الأسرى ضمن المواقع القيادية، بما يعكس استمرار مركزية قضية الأسرى في الوعي التنظيمي والسياسي للحركة، ويؤكد مكانتها الرمزية والوطنية داخل "فتح"، لافتاً إلى أن هذا التنوع قد يسهم في الحد من الصراعات الداخلية التي لطالما ألقت بظلالها على أداء الحركة خلال مراحل سابقة.

أمام إحداث مراجعة سياسية وتنظيمية جدية

وفي تقييمه للمشهد السياسي الداخلي للحركة بعد المؤتمر، يشدد حامد على أن القضية الجوهرية لا تتعلق فقط بالأسماء التي فازت، وإنما بما إذا كانت القيادة الجديدة ستنجح في إحداث مراجعة سياسية وتنظيمية جدية تعالج إخفاقات السنوات الماضية.
ويعتبر حامد أن المؤتمر لم يشهد نقاشاً سياسياً عميقاً حول البرنامج السياسي للحركة، كما غابت مراجعة حقيقية للمرحلة الممتدة منذ المؤتمر السابع وحتى الثامن، والتي امتدت لنحو عشر سنوات، وهي فترة شهدت تحولات كبيرة على صعيد الواقع الفلسطيني ودور الحركة في قيادة المشروع الوطني.
ويشير حامد إلى أن الإطار القيادي الجديد أمام مسؤولية إعادة فتح النقاش حول رؤية الحركة السياسية وآليات عملها، بما يسمح بإعادة استنهاض "فتح" واستعادة دورها القيادي داخل المجتمع الفلسطيني والحركة الوطنية، مؤكداً أن نجاح هذا المسار يتطلب مراجعة معمقة للأداء السابق وتطوير أدوات العمل السياسي والتنظيمي.

ثلاث قضايا رئيسية

ويطرح حامد ثلاث قضايا رئيسة، يرى أنها ينبغي أن تتصدر أجندة القيادة الفتحاوية في المرحلة المقبلة، أولها تتمثل في ضرورة مأسسة العلاقة بين حركة "فتح" والسلطة، عبر تحديد حدود واضحة بين دور السلطة باعتبارها مؤسسة سياسية وإدارية، وبين دور الحركة بوصفها حركة تحرر وطني معنية بمواجهة الاحتلال وتعزيز حالة التعبئة الوطنية.
ويبيّن حامد أن غياب هذا الفصل في السابق أدى إلى تحميل "فتح" تبعات أخطاء السلطة الفلسطينية وأزماتها الإدارية والسياسية، وهو ما انعكس سلباً على صورة الحركة وشعبيتها، الأمر الذي يستدعي إعادة بناء العلاقة مع القاعدة الجماهيرية والانطلاق مجدداً نحو المجتمع الفلسطيني، من خلال تعزيز الخطاب المرتبط بالتحرر الوطني وإعادة صقل القاعدة التنظيمية.
أما القضية الثانية، وفق حامد، فتتعلق بالحاجة إلى إعادة الاعتبار للبرنامج السياسي الخاص بالحركة، بحيث لا تكتفي "فتح" بأدوار السلطة محلياً ودبلوماسياً، بل تعمل على تطوير أدواتها السياسية والتنظيمية الخاصة، وصوغ رؤى واستراتيجيات أكثر وضوحاً واستقلالية.
وفيما يخص القضية الثالثة، يشدد حامد على ضرورة تجاوز أسلوب الخلافات والتجاذبات الذي طبع العلاقة بين أعضاء اللجنة المركزية خلال مراحل سابقة، والعمل باتجاه بناء حالة من الانسجام الداخلي، بما يمكّن القيادة الجديدة من التوجه نحو إعادة تنشيط الحركة داخل الشارع الفلسطيني، معتبراً أن نجاح "فتح" في عملية التجديد قد يشكل نموذجاً لبقية الفصائل الفلسطينية التي تواجه تراجعاً في الشعبية وضعفاً في القدرة على تعبئة الشارع، الأمر الذي يجعل إعادة استنهاض القوى الوطنية مدخلاً ضرورياً لإحياء المشروع الوطني الفلسطيني بصورة أوسع.

أهمية استثنائية

يرى الباحث السياسي والأكاديمي د.أسامة عبد الله أن نتائج المؤتمر الثامن لحركة فتح لا ينبغي أن تُختزل في أسماء الفائزين والخاسرين، بل يجب التعامل معها بوصفها محاولة لإعادة إنتاج الحركة في لحظة فلسطينية شديدة الحساسية، وسط تحديات داخلية وخارجية متسارعة تفرض على الحركة إعادة تعريف دورها الوطني والسياسي.
وبحسب عبد الله، فإن انعقاد المؤتمر في هذا التوقيت يمنحه أهمية استثنائية، في ظل الحرب المتواصلة على قطاع غزة، وتصاعد المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، إلى جانب أزمة الثقة الداخلية وتراجع فاعلية النظام السياسي الفلسطيني، وهو ما يجعل أي تحولات داخل الحركة تتجاوز بعدها التنظيمي لتطال مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني برمّته.
ويوضح عبد الله أن النتائج أظهرت بوضوح وجود توجه داخل الحركة نحو إدماج وجوه جديدة وإحداث حالة من التجديد في البنية القيادية، وهو مطلب ظل حاضرًا لسنوات لدى قواعد الحركة وقطاعات واسعة من الشارع الفتحاوي، التي طالبت بتطوير الأداء وتجديد الدماء داخل المؤسسات القيادية.
ويشير إلى أن هذا التوجه يعكس إدراكًا داخليًا متزايدًا لدى الحركة بأن الاعتماد على البنية التقليدية وحدها لم يعد كافيًا في مواجهة التحولات السياسية والاجتماعية التي يعيشها الفلسطينيون، خصوصًا في ظل اتساع الفجوة بين الأجيال الشابة والخطاب التنظيمي الكلاسيكي، الأمر الذي يفرض ضرورة تطوير أدوات العمل السياسي والتنظيمي لتصبح أكثر قربًا من الواقع الفلسطيني الراهن.
لكن عبد الله يشدد على أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تغيير الأشخاص، بل في قدرة هذا التجديد على التحول إلى مراجعة سياسية وفكرية أعمق، موضحًا أن ثمة فارقًا بين إعادة تدوير النخبة داخل الأطر التنظيمية وبين إنتاج رؤية جديدة تستجيب للمتغيرات الوطنية والسياسية الحالية.
ويبيّن عبد الله أن حركة فتح مطالبة اليوم باستعادة روحها التاريخية كحركة تحرر وطني قادرة على الموازنة بين المشروع السياسي والانشغال بالهموم اليومية للمواطن الفلسطيني، بدل الاكتفاء بإدارة السلطة أو التوازنات التنظيمية الداخلية.

أهمية ترميم الثقة الشعبية

ويؤكد عبد الله أن نجاح المؤتمر لن يُقاس فقط بحجم تمثيل الأجيال الجديدة داخل الأطر القيادية، بل بقدرة هذه الوجوه الصاعدة على ترميم الثقة الشعبية، وإعادة تقديم الحركة بوصفها الحامل الوطني الجامع للمشروع الفلسطيني، مشيرًا إلى أن أي عملية تجديد داخل الحركة ستنعكس بصورة مباشرة على مجمل النظام السياسي الفلسطيني، باعتبارها العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية وركيزة أساسية في بنية السلطة.
ويشدد عبد الله على أن الرهان القائم اليوم يتمثل في أن يتحول المؤتمر الثامن من محطة تنظيمية عابرة إلى نقطة انطلاق لمراجعة وطنية شاملة، تشمل إصلاح آليات العمل الداخلي، وتعزيز الديمقراطية التنظيمية، وإتاحة المجال أمام الكفاءات الشابة للمشاركة الفعلية في صناعة القرار، محذرًا من أن يبقى التجديد شكليًا إذا لم يترافق مع إصلاحات حقيقية تستجيب لتحديات المرحلة وتعيد وصل الحركة بجمهورها وبالمشروع الوطني الفلسطيني.

تكريس المسار السياسي والتنظيمي

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي عوني المشني أن النتائج الأولية للمؤتمر الثامن لحركة فتح جاءت منسجمة إلى حد كبير مع التوقعات السابقة، وكرّست المسار السياسي والتنظيمي الذي انتهجته الحركة خلال السنوات الأخيرة، دون أن تحمل تحولات استراتيجية جوهرية على مستوى الرؤية أو التوجهات السياسية.
وبحسب المشني، فإن المؤتمر بدا أقرب إلى "كرنفالية انتخابية" منه إلى محطة سياسية تهدف إلى رسم استراتيجية جديدة للحركة، موضحًا أن العملية الانتخابية ركزت بصورة أساسية على إعادة توزيع موازين النفوذ داخل الأطر القيادية، أكثر من انشغالها بإنتاج مراجعات سياسية أو فكرية تستجيب للتحولات الفلسطينية الراهنة.
ويشير المشني إلى أن نتائج الانتخابات أظهرت تعمق الخط السياسي الاستراتيجي القائم داخل حركة فتح، مع تعزيز نفوذ وحضور ممثلي هذا التوجه، معتبرًا أن المشهد العام لم يشهد تغييرًا نوعيًا، حيث أن ما جرى اقتصر على تعديلات محدودة "على الحواف" دون أن تمس البنية الأساسية أو تؤثر على المشهد الرئيسي للحركة.

مغادرة الحرس القديم

ويرى المشني أن الحرس القديم داخل الحركة يغادر مواقعه بصورة شبه كاملة، في مشهد إسدال للستار على مرحلة سياسية وتنظيمية كاملة، سواء من حيث الأشخاص أو النهج والسياسات، مشيراً إلى أن هندسة العضوية والتحالفات الرئيسة لعبت دورًا حاسمًا في صياغة النتائج النهائية، بينما غابت المفاجآت التي كان يترقبها بعض المراقبين.
ويرى المشني أن المؤتمر قد يخلّف حالة غضب شخصية ومؤقتة لدى بعض الأطراف المتضررة من النتائج، إلا أن هذا الغضب لن يستمر طويلًا، في وقت تتعزز فيه قناعة شريحة أوسع من أبناء الحركة والمتابعين بأن "فتح" تسير في مسار منفصل عن تاريخها وأدبياتها وجوهر انطلاقتها، الأمر الذي أسهم في تراجع الرهان على إمكانية الإصلاح من داخل المؤسسة التنظيمية.
ويعتبر المشني أن المؤتمر لم يقدّم إجابات على الأسئلة الاستراتيجية الكبرى، بل أفرز تساؤلات جديدة تتعلق بقضايا مثل التوريث ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني، معتبرًا أن الحركة باتت أقرب، من حيث الشكل والبنية، إلى نماذج النظام العربي الرسمي، وهو نموذج قد يكون مناسبًا لدول مستقرة، لكنه لا ينسجم مع طبيعة حركة تحرر وطني تواجه تحديات مفتوحة ومعقدة.

إعادة ترتيب البيت الفتحاوي

ترى الكاتبة والمحللة السياسية د.رهام عودة أن نتائج المؤتمر العام الثامن لحركة فتح عكست حالة من التوازن داخل الحركة، عبر المزج بين تجديد القيادة والحفاظ على التنوع التنظيمي والسياسي، معتبرة أن المؤتمر حمل مؤشرات على إعادة ترتيب البيت الفتحاوي استعداداً للمرحلة السياسية المقبلة.
وبحسب عودة، فإن القراءة الأولية لنتائج المؤتمر تظهر أنها جاءت "متوازنة نوعاً ما"، إذ جمعت بين انتخاب قيادات شابة ووجوه جديدة، خاصة من قطاع غزة، مشيرة إلى انتخاب إياد صافي الذي كشخص يمثل جيلاً شاباً داخل الحركة، إلى جانب حضور لافت لقيادات من الحركة الأسيرة، يتقدمها الأسير القيادي الفتحاوي مروان البرغوثي الذي تصدّر القائمة، في دلالة سياسية وتنظيمية على استمرار حضور البعد النضالي والكفاحي داخل الحركة.

حضور نسوي بارز

وتوضح عودة أن نتائج الانتخابات أظهرت كذلك حضوراً نسوياً بارزاً من خلال شخصيات تتمتع بقبول جماهيري وحضور سياسي، من بينها محافظة رام الله والبيرة د. ليلى غنام، والتي تحظى بمحبة وحضور واسع في محافظة رام الله والبيرة، إضافة إلى دلال سلامة، معتبرة أن هذا التنوع يمنح القيادة الجديدة زخماً إضافياً.
وتؤكد عودة أن ما يقارب نصف أعضاء القيادة الجديدة يمثلون حالة تغيير وتجديد داخل الحركة، وهو ما يضخ "دماً فتحاوياً جديداً" قادراً على استعادة حيوية الحركة وتعزيز دورها في المرحلة المقبلة، لا سيما في ظل التحولات السياسية الراهنة، والتحديات التي فرضتها تداعيات السابع من أكتوبر، وما أعقبها من حرب ودمار في المجتمع الفلسطيني.
وترى عودة أن انعكاسات هذه النتائج على المشهد السياسي الفلسطيني تتمثل في إعادة ترتيب البيت الفتحاوي ليصبح أكثر وحدة وتنوعاً، من خلال إشراك قيادات شابة ونسوية وأخرى من الحركة الأسيرة، بما يعزز قدرة الحركة على قيادة المرحلة السياسية المقبلة وصياغة مشروع وطني تحرري.
وتعتبر عودة أن إجراء الانتخابات بصورة ديمقراطية، وإظهار الحركة قدراً من المرونة والانفتاح على الانتقادات الداخلية والخارجية، يعكس وجود مراجعة داخلية للسياسات، وقدرة على التجدد السياسي، بما قد يمهد لمرحلة جديدة تدعم مشروع حل الدولتين وتعيد ترتيب الأولويات الوطنية.

رياضة

الإثنين 18 مايو 2026 10:06 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة في ليفربول: سلوت يدرس استبعاد صلاح من مباراته الوداعية في أنفيلد

كشفت تقارير صحافية بريطانية عن توجه لدى آرني سلوت، المدير الفني لنادي ليفربول، لاتخاذ إجراءات انضباطية صارمة بحق النجم المصري محمد صلاح، قد تصل إلى حرمانه من المشاركة في مباراته الوداعية على ملعب "أنفيلد". وتأتي هذه التطورات على خلفية منشور لصلاح عبر منصات التواصل الاجتماعي، انتقد فيه بشكل ضمني النهج التكتيكي المتبع تحت قيادة المدرب الهولندي.

وكان قائد المنتخب المصري قد عبر عن استيائه عقب تلقي ليفربول الهزيمة الثانية عشرة في البريميرليغ أمام أستون فيلا، حيث شدد صلاح على ضرورة استعادة الهوية الهجومية للفريق، معتبراً أن أسلوب اللعب الهجومي الصاخب هو السمة التي يجب أن تميز النادي ولا تقبل التفاوض، وهو ما اعتبره مراقبون انتقاداً مباشراً لخيارات سلوت الفنية.

ووفقاً لما نقلته مصادر إعلامية عن صحيفة "ميرور"، فإن سلوت يدرس جدياً استبعاد صلاح من التشكيلة الأساسية أو القائمة المستدعاة لمواجهة برينتفورد المقبلة. وتكتسب هذه المواجهة أهمية خاصة كونها الظهور الأخير لصلاح بقميص "الريدز" أمام جماهير النادي، مما يجعل قرار الاستبعاد بمثابة نهاية درامية لمسيرة النجم المصري الحافلة في قلعة الأنفيلد.

أقلام وأراء

الإثنين 18 مايو 2026 10:06 صباحًا - بتوقيت القدس

نتنياهو: ماذا بعد اغتيال عز الدين الحداد؟


في مقابلة مع قناة الجزيرة مباشر، سُئل القيادي في حركة حماس أسامة حمدان عن كيفية رد الحركة على اغتيال قائد كتائب القسام عز الدين الحداد، في ظل استمرار إسرائيل في سياسة الاغتيالات والتنصل من أي التزامات سياسية أو تفاوضية. وأجاب حمدان بأن الرد على استهداف القادة “لن يكتمل قبل زوال الاحتلال”، وأن الرد الحقيقي يتمثل في استمرار القيادات في الميدان ومواصلة مواجهة العدوان بالثبات والصلابة. وأضاف أن صمت بعض الأطراف، ولا سيما أولئك الذين يتحدثون عن ضرورة اللجوء إلى الحلول السياسية ويشاركون في جهود الوساطة، إزاء استمرار العدوان الإسرائيلي، لا يمكن وصفه إلا بأنه “نفاق سياسي”، داعياً هذه الأطراف إلى اتخاذ موقف واضح ووضع حد لهذا العدوان.

يعكس هذا الموقف، من جهة أولى، تجنباً للإجابة المباشرة عن محدودية قدرة حركة حماس على الرد الفوري على عملية الاغتيال، مع تحميل الوسطاء والقوى الدولية جزءاً من المسؤولية عن استمرار العدوان. ومن جهة ثانية، يكشف عن إدراك لدى الحركة بأن اغتيال القادة، مهما كان مؤلماً ومؤثراً، لا يعني نهاية حماس أو انهيار بنيتها التنظيمية والعسكرية، التي أظهرت خلال السنوات الماضية قدرة على إعادة ترتيب صفوفها واستمرار عملها رغم الخسائر الكبيرة.

لكن هذا الخطاب يعكس أيضاً واقعاً بالغ التعقيد؛ فالحركة تواجه ظروفاً قاسية وغير مسبوقة بعد استنزاف جزء كبير من قدراتها العسكرية، وتراجع هامش المناورة السياسية، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الإسرائيلية والأميركية لفرض شروط تتعلق بنزع سلاحها وإعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني في قطاع غزة. وفي ظل هذه المعادلة، تبدو حماس متمسكة بخيار الصمود والاستمرار، مع إدراكها أن قدرتها على الرد العسكري لم تعد منفصلة عن الحسابات السياسية والإنسانية المرتبطة بمستقبل الفلسطينيين في قطاع غزة.

تدّعي إسرائيل أنها نجحت في اغتيال عز الدين الحداد، الذي تصفه بأنه آخر القادة العسكريين الكبار الذين شاركوا في التخطيط لهجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. غير أن هذا الادعاء لا يعكس الواقع بدقة، إذ إن الحداد ليس الأخير في سلسلة القيادة العسكرية لحركة حماس، كما أشارت وسائل إعلام محلية ومصادر متعددة. ومع ذلك، جاء الإعلان الإسرائيلي مصحوباً بحملة دعائية واسعة قادها رئيس الوزراء  الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع  يسرائيل كاتس، اللذان سارعا إلى تقديم العملية بوصفها إنجازاً استراتيجياً كبيراً، في محاولة لتسويق نجاح تكتيكي محدود على أنه تحول حاسم في مسار الحرب.

غير أن ما حدث، على أهميته العسكرية والرمزية، لا يمثل نقطة تحول حاسمة في تحقيق اهداف الحرب بشكل كامل.  فمنذ اغتيال محمد الضيف ومروان عيسى، ثم يحيى السنوار ومحمد السنوار، لم تظهر مؤشرات تدل على أن الحركة مستعدة للتخلي عن سلاحها أو إجراء تغيير جوهري في موقفها السياسي. وعلى الأرجح، ستُعيَّن قيادة جديدة بسرعة، كما حدث في كل مرة سابقة.

الرسائل الاحتفالية التي أطلقها نتنياهو تعكس، في جوهرها، أكثر مما تخفي حالة المأزق التي تعيشها حكومته. فمنذ أكثر من عامين ونصف من الحرب، ما زال “النصر المطلق” الذي وعد به الإسرائيليين بعيد المنال. ولم تؤد العمليات العسكرية المتواصلة ولا الاغتيالات المتكررة إلى القضاء على حماس، أو استعادة جميع الأسرى الإسرائيليين، أو فرض واقع سياسي جديد في غزة.

ويرى عدد من المحللين الإسرائيليين أن ما يقدمه نتنياهو للرأي العام هو سلسلة من الإنجازات التكتيكية التي يجري تضخيمها وتسويقها باعتبارها إنجازات استراتيجية. لكن الحقيقة أن هذه النجاحات المحدودة لا تغير جوهر الأزمة. فحماس ما زالت قائمة رغم الضربات القاسية، والقطاع ما زال ساحة مفتوحة للاستنزاف، فيما تتزايد عزلة إسرائيل الدولية وتتسع الاتهامات الموجهة إليها بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية.

في هذا السياق، لا يبدو اغتيال الحداد سوى حلقة جديدة في سياسة إسرائيلية تقوم على الاعتقاد بأن تصفية القادة ستؤدي تلقائياً إلى انهيار الحركة. وهي سياسة لم تثبت نجاحها، رغم أن معظم قادة الصف الأول في الجناح العسكري قد اغتيلوا. صحيح أن حماس ما زالت تمتلك بنية تنظيمية قادرة على إعادة إنتاج القيادة واستمرار العمل، لكن من الواضح أيضاً أن قدراتها تراجعت بشكل كبير، وأن قدرتها على المبادرة والرد باتت أكثر محدودية.

ويتزامن الاغتيال مع استعدادات إسرائيلية لاستئناف الحرب على نطاق أوسع، رغم أن الحرب لم تتوقف فعلياً يوماً واحداً. ويترافق ذلك مع حديث متزايد عن عمليات تهجير قسري جديدة وتوسيع السيطرة العسكرية لتشمل نحو 70% من مساحة القطاع. إلا أن القرار النهائي لا يتوقف على نتنياهو وحده، بل يرتبط إلى حد كبير بحسابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأولوياته الإقليمية، ولا سيما ما يتعلق بإيران.

في المقابل، يكشف رد أسامة حمدان عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي والواقع الإنساني الكارثي الذي يعيشه سكان قطاع غزة. فالإجابات العامة حول “استمرار المقاومة حتى زوال الاحتلال” لا تقدم تفسيراً مقنعاً للناس الذين يواجهون يومياً القصف والجوع والتهجير، ولا توضح كيف يمكن للحركة أن تتعامل مع التراجع الكبير في قدراتها العسكرية والسياسية، أو مع محدودية قدرتها على الرد على الجرائم الإسرائيلية المتواصلة.

في النهاية، لا يغير اغتيال عز الدين الحداد من الحقائق الأساسية. فهو يضيف اسماً جديداً إلى قائمة طويلة من القادة الذين اغتالتهم إسرائيل، لكنه لا يحقق الهدف الذي يسعى إليه نتنياهو: كسر إرادة حماس وفرض الاستسلام السياسي على الفلسطينيين، رغم ما تعانيه الحركة من ضعف وتراجع، ورغم قبولها السابق بوقف إطلاق النار وقرارات دولية هدفت إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ويبقى السؤال الحقيقي ليس ماذا حققت إسرائيل باغتيال الحداد، بل ماذا سيفعل نتنياهو بعد ذلك. فكلما طال أمد الحرب، ازداد انكشاف حدود القوة العسكرية، واتضح أن الاغتيالات، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع وحدها أن تحسم صراعاً سياسياً وتاريخياً بهذا الحجم.

وبينما يواصل نتنياهو تسويق كل عملية اغتيال بوصفها خطوة نحو “النصر المطلق”، تتكشف حقيقة أكثر وضوحاً: إسرائيل تحقق انتصارات تكتيكية متفرقة، لكنها ما زالت غير قادرة  عن تحقيق نصر استراتيجي، أو فرض واقع سياسي مستقر، أو إنهاء صراع أثبت مرة أخرى أن الشعوب لا تُهزم بالاغتيالات وحدها.

فلسطين

الإثنين 18 مايو 2026 10:02 صباحًا - بتوقيت القدس

خبراء: الإمارات تقود نموذجاً متقدماً في العمل الإنساني داخل قطاع غزة، بدعم من وكالة الإمارات للمساعدات الدولية


أنهت عملية "الفارس الشهم 3" الإنسانية فعاليات أسبوع العمل التطوعي، بعد تنفيذ حزمة واسعة من المبادرات الإنسانية والتطوعية في مختلف مناطق قطاع غزة، شملت حملات للتبرع بالدم، وحملات نظافة، وتنظيم يوم طبي داخل المخيمات، إلى جانب توزيع مساعدات إغاثية متنوعة، وإطلاق مبادرات لدعم المرضى والعمال والرياضيين، في إطار جهودها المتواصلة للتخفيف من معاناة الأهالي وتعزيز روح التكافل المجتمعي.

وفي إطار فعاليات الأسبوع، نفذت عملية "الفارس الشهم 3" يوماً تطوعياً في مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة، تضمن إزالة الركام وتنظيف ساحات المستشفى، إلى جانب زراعة الأشجار و رش المياه وتركيب مقاعد في الساحة الخارجية، بمشاركة واسعة من المتطوعين، دعماً للمرافق الصحية وتعزيزاً لبيئة المستشفى والخدمات المقدمة للمرضى.

وتأتي هذه المبادرة ضمن الجهود الرامية إلى مساندة المرافق الصحية وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة داخل محيط المستشفى، بما يدعم استمرار الخدمات الطبية ويعزز من قدرة الطواقم الصحية والمرضى على مواجهة التحديات الإنسانية الراهنة.

وشارك في اليوم التطوعي داخل مجمع الشفاء الطبي ممثلون عن عدد من المؤسسات الإنسانية في قطاع غزة، إلى جانب مديرة الدعم اللوجستي في وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" ميرندا بركات ، مدير مكتب «أوتشا» في قطاع غزة طاهر إمام ، ومدير مجمع الشفاء الطبي محمد أبو سلمية، ومدير عام وزارة الصحة منير البرش، إضافة إلى كوادر من بلدية غزة.

وجددت عملية "الفارس الشهم 3" في ختام أسبوع العمل التطوعي تأكيدها على مواصلة تقديم الدعم الإنساني والإغاثي لسكان قطاع غزة، عبر تعزيز الاستجابة للقطاعات الصحية والإنسانية والخدمية، بما يسهم في تخفيف الأعباء عن الأهالي ودعم صمودهم في مواجهة التحديات والظروف القاسية التي يشهدها القطاع.

وأكد خبراء في العلوم السياسية والقانون الدولي أن الحضور الإماراتي في قطاع غزة تجاوز حدود الاستجابة الإنسانية التقليدية للأزمات الطارئة، ليرسخ نموذجاً متقدماً لما يُعرف بـ"الدبلوماسية الإنسانية المستدامة"، مشيرين إلى أن الجهود الإغاثية التي تقودها دولة الإمارات باتت تمثل شرياناً حيوياً يجمع بين التدخل العاجل وصون كرامة الإنسان وتعزيز مقومات صموده.

وأوضح الخبراء، في تصريحات خاصة لـ"الإتحاد" أن الريادة الإماراتية لم تتوقف عند إطلاق الجسور الجوية والبحرية وإيصال المساعدات، بل امتدت إلى الحضور الميداني الفاعل للكوادر الوطنية في قلب الأحداث، بما يعكس رؤية قيادية راسخة تضع الإنسان وحقوقه الأساسية في مقدمة الأولويات، وتسهم في دعم الاستقرار وإعادة بناء مقومات الحياة في القطاع.

حيث شدد أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولي الدكتور هيثم عمران على أن دولة الإمارات كانت من أوائل الدول التي أرست مفهوماً متكاملاً للتضامن الإنساني، مؤكداً أن الدعم الإماراتي لقطاع غزة لا يُعد استجابة ظرفية أو مؤقتة، بل امتداداً لنهج إنساني راسخ، جعل من العمل الإغاثي الإماراتي نموذجاً عالمياً يحتذى به في سرعة الاستجابة وكفاءة التنفيذ وشمولية الأثر الإنساني.

وأوضح عمران، أن قوافل العطاء الإماراتية لم تتوقف بانحسار المواجهات، بل انتقلت من مرحلة الإغاثة العاجلة وسط ألسنة النار إلى مرحلة أكثر عمقاً وشمولاً تقوم على إعادة البناء وترميم مقومات الحياة الكريمة في قطاع غزة، بما يجسد التزاماً إنسانياً وأخلاقياً راسخاً تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

وأشار إلى أن عملية "الفارس الشهم 3" شكّلت نموذجاً متقدماً للعمل الإنساني المتكامل، إذ تجاوزت مفهوم المساعدات التقليدية وتوزيع الإغاثة، لتتحول إلى منظومة متكاملة أحدثت أثراً ملموساً في حياة السكان، عبر دعم القطاعات الحيوية وتلبية الاحتياجات الإنسانية الملحّة على الأرض.

وأكد عمران أن الرؤية الإماراتية باتت ترتكز على الاستدامة وتعزيز التعافي الإنساني، من خلال توفير حلول إيواء متكاملة، ودعم القطاعات الصحية والخدمية والمعيشية التي تمس الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني، مشدداً على أن هذا النهج يعكس حرص الإمارات على ترسيخ الأمل وإعادة بناء مقومات الاستقرار، وليس الاكتفاء بالاستجابة الطارئة فقط.

وأضاف أن المنشآت الطبية الإماراتية لعبت دوراً محورياً في إنقاذ آلاف الأرواح عبر تقديم رعاية تخصصية متقدمة، مدعومة بجسور إغاثية جوية وبحرية متواصلة، إلى جانب إجلاء مئات الجرحى والمصابين ومرضى السرطان لتلقي العلاج في مستشفيات الإمارات، في مشهد جسّد شجاعة الكوادر الإماراتية وإنسانيتها وهي تعمل في قلب الأزمة لتضميد جراح الأشقاء في غزة.

وبيّن أستاذ القانون الدولي أن الجهود الإماراتية لم تقتصر على تقديم الرعاية الطبية، بل امتدت لمعالجة أزمتي الغذاء والمياه عبر مبادرات نوعية اتسمت بالسرعة والجرأة والابتكار، مشيراً إلى أن دولة الإمارات كانت من أوائل الدول التي نفذت عمليات الإسقاط الجوي للمساعدات الإنسانية ضمن مبادرة "طيور الخير"، إلى جانب مساهمتها الفاعلة في إنشاء وتفعيل ممرات بحرية ضمنت استمرار تدفق الإمدادات الإغاثية إلى قطاع غزة رغم التحديات الميدانية واللوجستية المعقدة.

وأكد أن محطات تحلية المياه الإماراتية المقامة على الحدود لعبت دوراً محورياً في تجنيب القطاع كارثة إنسانية وبيئية خطيرة، بعدما وفرت المياه الصالحة للشرب لآلاف الأسر، وأسهمت في الحد من مخاطر انتشار الأوبئة والأمراض، في ظل الانهيار الواسع الذي طال البنية التحتية والخدمات الأساسية في قطاع غزة.

وفي هذا الإطار، شدد أستاذ العلوم السياسية بجامعة فلسطين الدكتور تيسير أبو جمعة على أن الموقف الإماراتي الداعم للشعب الفلسطيني يعكس التزاماً تاريخياً ثابتاً، لم يكن يوماً مرتبطاً بظرف سياسي أو إنساني عابر، بل يستند إلى رؤية راسخة تقوم على نصرة الإنسان الفلسطيني ودعم صموده في مختلف المراحل.

وقال أبو جمعة، في تصريح لـ"الاتحاد"، إن دولة الإمارات لعبت دوراً محورياً في دعم قطاع غزة خلال الأزمة الحالية عبر عملية "الفارس الشهم 3"، التي تحولت إلى واحدة من أبرز المبادرات الإنسانية الميدانية، بعدما نجحت في الوصول إلى الفئات الأكثر تضرراً وتلبية احتياجات النازحين بصورة عاجلة ومنظمة.

وأضاف أن الفرق الإغاثية الإماراتية قدمت نموذجاً استثنائياً في العمل الإنساني داخل مناطق شديدة الخطورة، حيث واصلت أداء مهامها رغم التحديات الميدانية المعقدة، مؤكداً أن تحسن الأوضاع الأمنية نسبياً ساهم في توسيع نطاق تحرك هذه الطواقم وتمكينها من الوصول إلى المناطق المنكوبة بكفاءة أكبر، الأمر الذي يجسد التزاماً إماراتياً حقيقياً بالحضور الميداني إلى جانب أبناء غزة، وليس الاكتفاء بإرسال المساعدات من بعيد.

وأشار أبو جمعة إلى أن الإمارات حرصت، بالتوازي مع جهود الإغاثة، على إطلاق مبادرات إنسانية ومجتمعية تعيد ترميم الأمل داخل القطاع، ومن أبرزها تنظيم الأعراس الجماعية للشباب الفلسطيني، معتبراً أن دعم الشباب وتوفير المأوى ومساعدتهم على تأسيس حياة مستقرة يمثل رسالة واضحة بأن إرادة الحياة في غزة أقوى من الحرب والدمار، وأن تعزيز التماسك المجتمعي والنفسي يعد جزءاً أساسياً من جهود التعافي وإعادة بناء المجتمع الفلسطيني.

 

 

عربي ودولي

الإثنين 18 مايو 2026 9:37 صباحًا - بتوقيت القدس

الداخلية في صنعاء تحسم الجدل حول هوية 'ابنة صدام حسين' المزعومة

أصدرت وزارة الداخلية في صنعاء بياناً توضيحياً حاسماً لإنهاء الجدل المثار حول امرأة ادعت أنها ابنة الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين. وأكدت السلطات الأمنية أن كافة المزاعم المتعلقة بانتحال هوية 'ميرا صدام حسين المجيد' لا أساس لها من الصحة، مشيرة إلى أن التحقيقات كشفت الهوية الحقيقية للسيدة المعنية.

وأوضح البيان الرسمي أن المرأة يمنية الجنسية وتدعى 'سمية أحمد محمد عيسى الزبيري'، وهي من مواليد حي هبرة في العاصمة صنعاء. كما لفتت المصادر إلى أن أصول أسرتها تعود إلى مديرية أرحب بمحافظة صنعاء، وأن جميع وثائقها الشخصية مقيدة وموثقة في سجلات مصلحة الأحوال المدنية والسجل المدني اليمني.

ونظراً لتحول هذه الادعاءات إلى قضية رأي عام واسعة النطاق، وجهت وزارة الداخلية بإخضاع المذكورة لفحص البصمة الوراثية (DNA). وجاءت هذه الخطوة بهدف التحقق العلمي والقانوني القاطع من صحة النسب المزعوم، وقطع الطريق أمام الشائعات التي انتشرت بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي.

وأشارت النتائج المخبرية والتحقيقات الإدارية إلى أن السيدة حاولت تضليل الرأي العام عبر اختلاق قصة خيالية حول أصولها. حيث زعمت في وقت سابق أنها نُقلت إلى اليمن في عهد الرئيس الراحل علي عبد الله صالح بتوجيهات من والدها المزعوم لحمايتها، وهي الرواية التي فندتها الأدلة الرسمية بشكل كامل.

ودعت وزارة الداخلية كافة المواطنين ووسائل الإعلام إلى توخي الدقة والمصداقية في نقل الأخبار، محذرة من الانجرار خلف الروايات المضللة. وشدد البيان على ضرورة استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية لتجنب إثارة البلبلة أو المساس بالاستقرار المجتمعي من خلال ترويج قصص لا تمت للواقع بصلة.

وكانت منصات التواصل الاجتماعي قد ضجت خلال الأيام الماضية بمقاطع فيديو وتصريحات للسيدة 'سمية'، ادعت فيها تعرض أوراقها الثبوتية العراقية للسرقة. وحاولت من خلال هذه الادعاءات كسب تعاطف شعبي، إلا أن التحرك الأمني السريع كشف زيف هذه الادعاءات عبر المطابقة الجينية والوثائقية.

بهذا الإعلان، تغلق السلطات في صنعاء ملف 'ميرا صدام حسين' الذي أثار تساؤلات عديدة حول كيفية دخولها اليمن وعلاقتها بالعائلة الحاكمة السابقة في العراق. وتؤكد المصادر أن القانون سيأخذ مجراه في التعامل مع قضايا انتحال الشخصية وتزوير الحقائق التي تهدف إلى تضليل السلطات والرأي العام.

فلسطين

الإثنين 18 مايو 2026 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس

اغتيال قيادي في الجهاد الإسلامي ومجازر متنقلة تضرب تهدئة لبنان الهشة

صعّدت قوات الاحتلال الإسرائيلي من عملياتها العسكرية في العمق اللبناني، حيث نفذت عملية اغتيال استهدفت قيادياً بارزاً في حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية. ووقعت الغارة في وقت متأخر من مساء الأحد وفجر الاثنين، مستهدفة شقة سكنية تقطنها عائلة فلسطينية عند المدخل الجنوبي لمدينة بعلبك شرقي البلاد.

وأكدت مصادر ميدانية أن الهجوم أسفر عن استشهاد القيادي وائل عبد الحليم وابنته راما، البالغة من العمر 17 عاماً، إثر استهداف منزلهم بصاروخ موجه بشكل مباشر. وقد هرعت فرق الإنقاذ والإسعاف إلى موقع الاستهداف لرفع الأنقاض والبحث عن عالقين، في ظل دمار واسع لحق بالمبنى السكني والمناطق المحيطة به.

وفي سياق متصل، شهد الجنوب اللبناني يوماً دموياً أسفر عن استشهاد تسعة أشخاص على الأقل وإصابة أكثر من ثمانية عشر آخرين في سلسلة غارات جوية. وتأتي هذه التطورات الميدانية رغم الإعلان الأخير عن تمديد اتفاق وقف إطلاق النار، مما يضع التفاهمات السياسية على حافة الانهيار الكامل تحت وطأة النيران.

وأفادت مصادر طبية بسقوط شهيد في غارة استهدفت مركبة مدنية ببلدة الزرارية، بينما ارتكب الاحتلال مجزرة في بلدات طيرفلسيه وطيردبا وجبشيت. ووفقاً لوزارة الصحة، فإن من بين الضحايا ثلاثة أطفال وامرأة، سقطوا جراء القصف العنيف الذي طال الأحياء السكنية في تلك القرى الجنوبية.

وشملت دائرة الاستهداف الإسرائيلي بلدة جويا بقضاء صور، حيث استشهد ثلاثة مواطنين، بالإضافة إلى وقوع إصابات متفاوتة في غارات مماثلة على بلدتي باتوليه وكفرصير. وتوزعت الهجمات الجوية على أقضية صور وبنت جبيل والنبطية وصيدا ومرجعيون، مما أدى إلى حالة من الذعر والنزوح المتجدد بين السكان المحليين.

ولم يقتصر التصعيد على الجنوب فحسب، بل امتد ليشمل البقاع الغربي حيث استهدفت ثلاث غارات بلدة سحمر ومحيطها. وذكرت تقارير محلية أن القصف طال منشآت مدنية واقتصادية، من بينها مزارع للدواجن وحظائر للمواشي، مما ألحق أضراراً مادية جسيمة بممتلكات المواطنين ومصادر رزقهم.

وبحسب الإحصائيات الميدانية، فقد نفذ جيش الاحتلال خلال الساعات الأخيرة نحو 71 غارة جوية و16 عملية قصف مدفعي مركز. كما رصدت المصادر استخدام الطائرات المسيرة في أربع استهدافات نوعية، فضلاً عن عمليات تجريف وتفجير واسعة في بلدة الخيام الحدودية التي تشهد محاولات توغل مستمرة.

ويأتي هذا التصعيد العسكري الخطير بعد أيام قليلة من انتهاء الجولة الثالثة من المحادثات غير المباشرة التي استضافتها واشنطن بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي. وكانت تلك المحادثات قد أفضت إلى تمديد الهدنة لمدة 45 يوماً إضافية، يفترض أن تستمر حتى مطلع يوليو المقبل، إلا أن الوقائع الميدانية تشير إلى عكس ذلك.

يذكر أن اتفاق وقف إطلاق النار الأصلي كان قد دخل حيز التنفيذ في السابع عشر من أبريل الماضي برعاية أمريكية مباشرة. ومنذ ذلك الحين، جرى تمديد الاتفاق مرتين في محاولة لاحتواء الصراع، غير أن الخروقات الإسرائيلية المتواصلة حالت دون تحقيق استقرار حقيقي على الأرض.

وتشير المعطيات الرسمية اللبنانية إلى أن العدوان الواسع المستمر منذ مطلع مارس 2026 قد خلف خسائر بشرية ومادية هائلة. حيث بلغت حصيلة الشهداء 2988 شخصاً، فيما تجاوز عدد الجرحى 9210 مصابين، إلى جانب نزوح أكثر من مليون لبناني وفلسطيني من قراهم ومخيماتهم هرباً من آلة الحرب.

عربي ودولي

الإثنين 18 مايو 2026 9:22 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يلوح بالخيار العسكري ضد إيران والبنتاغون يحدد بنك الأهداف

كشفت مصادر إعلامية أمريكية عن تحول جذري في موقف الرئيس دونالد ترمب تجاه الملف الإيراني، حيث بدأ يفكر بجدية في العودة إلى العمليات القتالية الكبرى كوسيلة ضغط نهائية. ويأتي هذا التوجه في ظل تزايد إحباط الإدارة الأمريكية من تعثر المسار الدبلوماسي واستمرار إغلاق مضيق هرمز، مما ألقى بظلاله على استقرار أسعار الطاقة العالمية.

وشهد يوم السبت الماضي اجتماعاً أمنياً رفيع المستوى في نادي ترمب للغولف بولاية فرجينيا، ضم أقطاب الإدارة الأمريكية الجدد لرسم ملامح المرحلة المقبلة. وشارك في المداولات نائب الرئيس جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، إلى جانب مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، لتقييم الخيارات العسكرية المتاحة.

وتشير التقارير إلى أن هذا الاجتماع جاء في توقيت حساس، وتحديداً قبل يوم واحد من إطلاق ترمب تحذيراً شديد اللهجة أكد فيه أن طهران مطالبة بالتحرك السريع لتجنب دمار شامل. ويبدو أن الرئيس الأمريكي يسعى لوضع حد لما يصفه بالمماطلة الإيرانية في المفاوضات التي لم تحقق النتائج المرجوة حتى الآن.

وعلى صعيد التحضيرات الميدانية، أفادت مصادر مطلعة بأن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) قد انتهت بالفعل من إعداد قائمة مفصلة بالأهداف العسكرية المحتملة داخل الأراضي الإيرانية. وتتركز هذه الخطط على توجيه ضربات جراحية ومركزة تستهدف قطاع الطاقة والبنية التحتية الحيوية، لضمان شل قدرات النظام الإيراني الاقتصادية والعسكرية.

وفي سياق متصل، ربطت الإدارة الأمريكية قرار التصعيد بنتائج المباحثات التي أجراها ترمب مؤخراً مع نظيره الصيني شي جينبينغ في بكين. حيث فضل فريق الأمن القومي التريث حتى تقييم الموقف الصيني ومدى قدرة بكين على الضغط على طهران، قبل اتخاذ القرار النهائي بشأن استئناف العمليات القتالية الواسعة.

في المقابل، لم تتأخر طهران في الرد على هذه التهديدات، حيث توعدت القيادات العسكرية والسياسية برد واسع وغير مسبوق في حال تعرضت البلاد لأي هجوم. ووصف المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، إبراهيم رضائي، التهديدات الأمريكية بأنها حماقة ستؤدي إلى فضيحة سياسية وعسكرية كبرى لترمب وإدارته.

وحذرت السلطات التشريعية في إيران من أن أي استهداف للمنشآت النفطية الإيرانية لن يمر دون رد مماثل يطال منشآت الطاقة في عموم المنطقة. ويعكس هذا التهديد استراتيجية 'الأمن الجماعي أو لا أمن لأحد'، وهو ما يرفع منسوب القلق الدولي من اندلاع حرب إقليمية شاملة تؤثر على إمدادات النفط العالمية.

من جانبه، أكد المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية، أبو الفضل شكارجي أن الجيش الإيراني أعد سيناريوهات 'مفاجئة وصادمة' لمواجهة أي تحرك أمريكي محتمل. وأشار إلى أن القوات المسلحة في حالة استنفار قصوى للتعامل مع أي خرق للسيادة الإيرانية، مؤكداً أن الميدان هو من سيحدد موازين القوى في حال اندلاع المواجهة.

ومن المتوقع أن يعقد ترمب اجتماعاً ثانياً مع فريقه للأمن القومي في وقت مبكر من هذا الأسبوع لحسم الموقف النهائي بشأن التصعيد العسكري. وتترقب الأوساط الدولية ما ستسفر عنه هذه التحركات، في ظل تضاؤل فرص الحلول الدبلوماسية وتصاعد نبرة التهديد المتبادل بين واشنطن وطهران إلى مستويات غير مسبوقة.