بقدر ما شكلت نكبة عام 1948 من مآس للفلسطينيين، فإنها كانت في ذات الوقت درسا تعلموا منه معنى وعواقب اللجوء، وتعاهدوا على عدم تكراره، وهذا كان ماثلا في رفض فلسطينيي غزة كل أشكال الترهيب والترغيب في حرب الإبادة لمغادرة فلسطين.
وهكذا في الضفة الغربية، فإن ضحايا النكبة من اللاجئين يصرون على عدم تكرار المحنة، كما يجري اليوم في خربة أم الخير وهي قرية صغيرة بمسافِر يطّا جنوبي الضفة، حيث يتعرض سكانها لمختلف أشكال الترهيب لكنهم يصرون على البقاء.
ينحدر سكان الخربة وهم من عشيرة عرب الهذالين البدوية، من منطقة عراد المحتلة عام 1948، ومع النكبة حطت رحالهم في الصحراء الشرقية للضفة الغربية، قبل أن يستقر بهم المقام بموقعهم الحالي في أرض اشتروها من سكان بلدة يطا، جنوب الخليل.
لكن المعاناة تجددت عام 1982 مع إقامة مستوطنة كرمئيل بمحاذاة مساكن العائلات الفلسطينية، ومنذ ذلك التاريخ يدفعون مختلف الأثمان نظير بقائهم وعدم قبولهم بتكرار سيناريو التهجير.
ازدادت الأمور سوءا بإقامة بؤرة استيطانية مؤخرا فوق أراضي الخربة.
تلقى ياسر الهذالين الأسبوع الماضي إخطارات هدم تستهدف خياما من الشوادر البلاستيكية يستخدمها للسكن.
في حديثه، يقول ياسر الهذالين، أحد المخطَرين بهدم مساكنهم منذ أسبوع، إن الحياة ظلت طبيعية للسكان ويتجولون بحرية بين المراعي ويعودون إلى الخربة، حتى إقامة المستوطنة التي لا يفصلهم عنها سوى أسلاك شائكة.
ثم تضاعفت المعاناة مع بدء الإبادة على غزة بإقامة بؤرة أخرى وسط الخربة حرمتهم حتى من الحركة على أطرافها.
عن تجربته الشخصية، يقول الهذالين (55 عاما) إن الاحتلال هدم منزله أول مرة عام 2007، وكان حينها يؤوي عائلته المكونة من 18 فردا بمن فيهم زوجتاه وأطفاله وكان أكبرهم يبلغ من العمر 13 عاما.
وفي يونيو/حزيران 2024 خسر الهذالين مرة ثانية كل ما أعاد بناءه بعد هدم 2007، بما في ذلك منزلا زوجتيه المبنيان من الخرسانة وكرفانات (غرف متنقلة) تستخدم كمطابخ وحمامات.
ومنذ ذلك التاريخ يقيم هو وأبناؤه وأحفاده -ويزيد عددهم اليوم عن 27 فردا- في مساكن من الزينكو والشوادر البلاستيكية حتى جاء جيش الاحتلال منذ أيام وسلمه إخطارات بهدم المأوى الجديد ضمن 14 إخطارا استهدفت 12 منها مساكن في الخربة.
الاحتلال نفذ أكثر من 20 عملية هدم في خربة أم الخير منذ إقامة المستوطنة.
ما يجري مع الهذالين وعائلات أم الخير هدفه ترحيلهم، وفق الهذالين، الذي شدد على أنه خيار مرفوض، رغم كل أشكال التضييق التي تضاعفت بالتزامن مع حرب الإبادة على غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأوضح أن السكان اعتادوا على تربية الثروة الحيوانية والزراعة، لكنهم الآن لا يستطيعون مغادرة بيوتهم ولا تغادر أغنامهم حظائرها بسبب التهديد المستمر والاستيلاء على المراعي والأراضي الزراعية.
وذكر أنه كان يملك قبل الحرب 100 رأس من الأغنام باع أغلبها لعدم قدرته على إطعامها وأبقى على 30 رأسا منها فقط، مضيفا "كلنا تحت خط الفقر، حتى الموظفين الحكوميين بلا رواتب بسبب الأزمة المالية للسلطة".