رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات – 23/5/2026
أعلنت مديرة الاستخبارات الوطنية في إدارة الرئيس دونالد ترمب، تولسي غابارد استقالتها من منصبها الوزاري ، مبررة قرارها بالحاجة إلى التفرغ لرعاية زوجها المصاب بسرطان نادر في العظام. غير أن الاستقالة، التي جاءت في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، بدت أبعد من مجرد قرار شخصي، خصوصاً في ظل التباين المتزايد بين مواقف غابارد المناهضة للحروب الخارجية، وبين اندفاعة ترامب نحو توسيع التدخلات العسكرية الأميركية، لا سيما في إيران.
وفي رسالة الاستقالة التي نشرتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قالت غابارد إنها ستغادر منصبها رسمياً نهاية حزيران، مؤكدة أن زوجها "يواجه تحديات كبيرة خلال الأسابيع والأشهر المقبلة". ورد ترمب بإشادة مقتضبة، معتبراً أنها "أنجزت عملاً مذهلاً"، معلناً تعيين نائبها آرون لوكاس مديراً بالوكالة للاستخبارات الوطنية.
لكن خلف العبارات الرسمية، ظهرت مؤشرات واضحة على "تصدع داخلي" داخل الإدارة الأميركية، خاصة بعد الضربات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة بالتنسيق مع إسرائيل ضد إيران في شباط الماضي. فغابارد، التي بنت حضورها السياسي منذ سنوات على رفض الحروب الأميركية في الشرق الأوسط، وجدت نفسها في موقع يتناقض جذرياً مع خطابها التقليدي.
وبرز هذا التناقض خلال جلسات الاستماع في الكونغرس، حين تجنبت غابارد مراراً تأييد الحرب على إيران أو تبريرها بشكل مباشر، كما رفضت الانخراط في خطاب الإدارة الذي تحدث عن "تهديد إيراني وشيك". بل إن تصريحاتها أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، التي أكدت فيها أن إيران لم تبادر إلى إعادة بناء برنامجها النووي بعد الضربات الأميركية السابقة، بدت متعارضة مع رواية ترمب الذي أصر على أن الحرب كانت ضرورية لمنع خطر داهم.
ولم يكن هذا الخلاف معزولاً. فاستقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، جو كينت، في آذار احتجاجا على الحرب، عكست وجود تيار داخل الإدارة يرى أن الانخراط العسكري الأميركي في مواجهة مفتوحة مع إيران قد يقود إلى تداعيات كارثية سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
وتُعد غابارد من أبرز الشخصيات الأميركية التي تبنت خطاباً مناهضاً للتدخلات العسكرية منذ حرب العراق. وهي من المحاربين القدامى الذين خدموا في الجيش الأميركي، ما منح انتقاداتها للحروب الخارجية ثقلاً إضافياً داخل التيار الشعبوي الأميركي، سواء في اليمين أو اليسار. وخلال مسيرتها كنائبة ديمقراطية عن ولاية هاواي، هاجمت باستمرار ما وصفته بـ”حروب تغيير الأنظمة” التي أهدرت أرواح الأميركيين ودمّرت دولاً بأكملها دون نتائج حقيقية.
وتكشف استقالة غابارد عمق الانقسام داخل المؤسسة الأميركية بشأن حدود القوة العسكرية الأميركية، خاصة بعد سنوات من الحروب المكلفة في الشرق الأوسط. فبينما يدفع تيار محافظ جديد نحو إعادة فرض الهيمنة الأميركية بالقوة، يزداد حضور تيار انعزالي وشعبوي يرى أن التدخلات الخارجية استنزفت الاقتصاد الأميركي وأضعفت مكانة واشنطن الدولية. ومن هذه الزاوية، تبدو غابارد أقرب إلى تمثيل مزاج أميركي متنامٍ يرفض التورط العسكري المفتوح، خصوصاً بعد التجارب المريرة في العراق وأفغانستان، حيث تحولت الحروب الطويلة إلى عبء سياسي وأخلاقي داخلي يصعب الدفاع عنه أمام الرأي العام الأميركي.
ويشير مراقبون إلى أن غابارد حاولت خلال الأشهر الماضية الحفاظ على توازن دقيق بين الولاء السياسي لترمب وبين قناعاتها الشخصية الرافضة للحروب. إلا أن تصاعد المواجهة مع إيران، واحتمالات توسعها إقليمياً، جعلا هذا التوازن شبه مستحيل، خاصة مع تنامي الضغوط داخل الإدارة لتوحيد الخطاب الأمني والإعلامي خلف الرئيس.
كما أن استقالتها تأتي ضمن سلسلة مغادرات نسائية بارزة من حكومة ترمب الثانية، بعد خروج وزيرة الأمن الداخلي السابقة كريستي نوم، ووزيرة العدل السابقة بام بوندي، ووزيرة العمل السابقة لوري شافيز-ديريمر ، وسط أزمات سياسية وتحقيقات وانتقادات متزايدة. ويعزز ذلك الانطباع بوجود اضطراب إداري متكرر داخل البيت الأبيض، في وقت تواجه فيه الإدارة تحديات داخلية وخارجية متصاعدة.
وسيخلف غابارد مؤقتاً آرون لوكاس، وهو شخصية مقربة من الدوائر المحافظة الليبرتارية، وعمل سابقاً مع ريتشارد غرينيل خلال ولاية ترمب الأولى، إضافة إلى ارتباطه بـ معهد (Cato Institute) المعروف بمواقفه الداعية إلى تقليص التدخلات العسكرية الأميركية في الخارج.
وتعكس طريقة تعامل إدارة ترمب مع الملف الإيراني تحوّلاً خطيراً في العلاقة بين الأجهزة الاستخباراتية والقرار السياسي. فبدلاً من أن تقود التقديرات الاستخباراتية عملية صنع القرار، بدا أن المطلوب من المسؤولين الأمنيين هو تكييف الوقائع بما ينسجم مع الخطاب السياسي للرئيس. وهنا تحديداً برزت غابارد كصوت متحفظ داخل المؤسسة، رافضة منح غطاء استخباراتي كامل لحرب لم تكن مقتنعة بضرورتها. هذا التوتر يعيد إلى الأذهان أجواء ما قبل غزو العراق عام 2003، حين جرى توظيف المعلومات الاستخباراتية لتبرير قرار سياسي اتُخذ مسبقاً.
ويرى محللون أن مغادرة غابارد قد تمنح إدارة ترمب هامشاً أوسع لتوحيد المؤسسة الأمنية خلف استراتيجيتها التصعيدية تجاه إيران، خصوصاً مع تراجع الأصوات المعارضة داخل الإدارة. غير أن ذلك قد يحمل في المقابل مخاطر أكبر، في ظل غياب التوازنات الداخلية التي كانت تحدّ جزئياً من اندفاعة البيت الأبيض نحو الخيارات العسكرية.
ويصعب فصل استقالة غابارد عن التحولات الأوسع داخل السياسة الأميركية، حيث يتراجع تدريجياً الإجماع التقليدي المؤيد للتدخلات العسكرية الخارجية. فالحروب الطويلة، والأزمات الاقتصادية، وتنامي الاستقطاب الداخلي، كلها عوامل دفعت قطاعات واسعة من الأميركيين إلى التشكيك في جدوى "الحروب الوقائية" وشعارات نشر الديمقراطية بالقوة. ومن هنا، فإن خروج شخصية مثل غابارد لا يمثل مجرد حادث إداري عابر، بل قد يكون مؤشراً إضافياً على تصاعد أزمة الثقة بين النخب الحاكمة والرأي العام الأميركي، خاصة في ما يتعلق باستخدام القوة العسكرية خارج الحدود.