عربي ودولي

الأحد 24 مايو 2026 10:17 صباحًا - بتوقيت القدس

هجوم روسي عنيف يهز كييف وسط تحذيرات من استخدام صاروخ 'أوريشنيك' الفرط صوتي

استفاقت العاصمة الأوكرانية كييف فجر اليوم الأحد على وقع انفجارات عنيفة جراء هجوم عسكري روسي مكثف استخدمت فيه الصواريخ والطائرات المسيرة الانتحارية. وأكدت مصادر محلية أن القصف استهدف أحياء سكنية ومنشآت تعليمية، مما أدى إلى سقوط ضحية واحدة على الأقل وإصابة العشرات بجروح متفاوتة الخطورة.

وأوضح فيتالي كليتشكو، رئيس بلدية كييف أن فرق الإنقاذ تتعامل مع وضع مأساوي في منطقة شيفتشينكو بوسط المدينة، حيث تعرض مبنى سكني مكون من تسعة طوابق لضربة مباشرة. وأشار كليتشكو إلى أن النيران اندلعت في عدة مواقع، بينما تبذل طواقم الإطفاء جهوداً مضنية للسيطرة على الحرائق ومنع تمددها للمباني المجاورة.

وفي تطور ميداني لافت، حوصر عدد من المدنيين داخل ملجأ تابع لإحدى المدارس بعد أن أدى الركام الناتج عن القصف إلى إغلاق المداخل بشكل كامل. وتعمل فرق الطوارئ حالياً على إزالة الحطام لفتح ممرات آمنة وإخراج العالقين الذين لجأوا للمكان هرباً من القصف الجوي الذي وصفه مسؤولون محليون بالمروع.

من جانبها، أفادت الإدارة العسكرية في كييف بأن حصيلة المصابين الأولية تجاوزت العشرين شخصاً، في حين أشارت تقديرات طبية لاحقة إلى وصول عدد الجرحى لنحو 40 شخصاً. وأكدت مصادر ميدانية أن بعض الحالات المصابة وصفت بالحرجة، مما قد يرفع عدد الوفيات خلال الساعات القليلة القادمة مع استمرار عمليات البحث تحت الأنقاض.

وسبق الهجوم تحذيرات جدية أطلقها سلاح الجو الأوكراني بشأن احتمال لجوء موسكو لاستخدام صاروخ 'أوريشنيك' الفرط صوتي والمتوسط المدى. ويأتي هذا القصف المكثف بعد رصد تحركات عسكرية روسية توحي بالتحضير لضربة مركبة تستهدف البنية التحتية والمراكز الحيوية في قلب العاصمة الأوكرانية.

وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد نبه في وقت سابق من وجود بوادر لتحضيرات روسية لشن هجمات غير تقليدية باستخدام أنواع جديدة من الأسلحة. وتزامنت هذه التحذيرات مع تنبيهات مماثلة أصدرتها السفارة الأمريكية في كييف، دعت فيها رعاياها لتوخي الحذر الشديد من هجوم جوي ضخم محتمل.

وفي سياق متصل، لجأ آلاف السكان إلى محطات المترو التي تحولت إلى ملاجئ مؤقتة تحت الأرض للاحتماء من الموجات المتتالية للصواريخ والمسيرات. ووصف شهود عيان الحالة في العاصمة بأنها تعيش ليلة من أصعب الليالي منذ بدء النزاع، حيث لم تتوقف صافرات الإنذار عن الدوي في مختلف أرجاء المدينة.

ويربط مراقبون هذا التصعيد بتصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي توعد بالرد بقوة على هجوم أوكراني استهدف كلية مهنية في منطقة لوغانسك. وكان الهجوم الذي استهدف لوغانسك، الخاضعة للسيطرة الروسية، قد أسفر عن مقتل 18 شخصاً، وهو ما اعتبرته موسكو تجاوزاً للخطوط الحمراء يستوجب رداً عسكرياً رادعاً.

ويعد صاروخ 'أوريشنيك' الروسي أحد أكثر الأسلحة إثارة للقلق لدى الدوائر العسكرية الغربية، نظراً لقدرته على حمل رؤوس نووية وسرعته التي تفوق سرعة الصوت بعشر مرات. ورغم أن روسيا استخدمت هذا الطراز مرتين سابقاً دون رؤوس نووية، إلا أن التلويح به مجدداً يرفع منسوب التوتر في القارة الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتستمر العمليات العسكرية الروسية في الضغط على الدفاعات الجوية الأوكرانية عبر تنويع الأسلحة المستخدمة ما بين صواريخ كروز وباليستية وطائرات 'شاهد' المسيرة. وفي ظل هذا المشهد المعقد، تواصل كييف مطالبتها للمجتمع الدولي بتزويدها بأنظمة دفاع جوي أكثر تطوراً لمواجهة التهديدات الصاروخية الروسية المتصاعدة.

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:17 صباحًا - بتوقيت القدس

الدولة الواحدة.. خيار الوجود المشترك على أرضٍ باركها الله للعالَمنَ


منذ أن تفتَّحت عيناي على الحياة، وأنا أستمع إلى رواية أبي عن فلسطين قبل النكبة؛ فلسطين التي عاش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود في حالةٍ من التعايش والأمن الاجتماعي، قبل أن يفرض الانتداب البريطاني واقعًا جديدًا فتح الباب أمام المشروع الصهيوني والهجرة المنظمة من أوروبا. كان أبي يقول بحسرة: "كنَّا نعيش معًا، وفجأة انهار كلُّ شيء، وصِرْنا لاجئين".
ومع النكبة وما تبعها من احتلالٍ وحروب، تشكَّل الوعي الفلسطيني بين خطابٍ قوميٍّ تحرُّري رفع شعار الكفاح الوطني، وخطابٍ إسلامي رأى في فلسطين قضيةً مركزيةً للأمة الإسلامية. وبعد هزيمة عام 1967، تصاعد الشعور بالإحباط، وبدأت التيارات الإسلامية، المتأثرة بأفكار الوحدة الإسلامية والثورة الإيرانية بقيادة الإمام الخميني، تنظر إلى القضية الفلسطينية بوصفها قضيةً دينيةً وأخلاقيةً إلى جانب بعدها الوطني.
ومع مرور الوقت، أخذ الصراع طابعًا صفريًّا؛ "إمَّا نحن وإمَّا هم"، فتمدَّد التطرُّف على الجانبين. فكما ظهرت تيارات فلسطينية وإسلامية رأت أن الصراع وجوديٌّ لا يقبل الشراكة، تمدَّد أيضًا التطرُّف الصهيوني داخل المجتمع الإسرائيلي، خصوصًا في أوساط المستوطنين والتيارات الدينية القومية التي تبنَّت فكرة "إسرائيل الكبرى"، وسعت إلى تهجير الفلسطينيين وإقصائهم.
وبعد إفشال اتفاقية أوسلو على يد بنيامين نتنياهو وتحالفات اليمين المتطرّف، دخل الفلسطينيون مرحلةً من الانسداد السياسي والتهديد الوجودي. ثم جاءت حرب غزة الأخيرة، بما حملته من قتلٍ ودمارٍ وتجويع، لتكشف حجم المأساة الإنسانية، وتؤكد أن استمرار الاحتلال والاستيطان لا يمكن أن يقود إلى سلامٍ حقيقي.
ومن وجهة نظري، فإن المشكلة بين المسلمين واليهود في فلسطين لم تكن يومًا دينيةً في أصلها، بل سياسيةً واستعمارية. فاليهود عاشوا قرونًا طويلةً في ظل الحضارة الإسلامية، وكان بينهم وبين المسلمين والمسيحيين تعايشٌ واستقرارٌ نسبي. كما أن الأديان الثلاثة تعود، من حيث الامتداد الإيماني، إلى نبي الله إبراهيم عليه السلام، وقد حسم القرآن الكريم هذه الحقيقة بقوله تعالى:
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾.
ولهذا، فإن توظيف الدين لتبرير الاحتلال والاستيطان يبقى قراءةً سياسيةً منحازة، لا تمثل حتى جميع اليهود. وقد برزت خلال السنوات الأخيرة أصواتٌ يهوديةٌ وحاخاميةٌ رافضةٌ للحرب والدعوات العنصرية، من بينها الحاخام يسرائيل دافيد فايس من جماعة "ناطوري كارتا"، إلى جانب شخصيات فكرية مثل نعوم تشومسكي، ونورمان فنكلستاين، وإيلان بابيه، ونعومي كلاين، الذين انتقدوا الاحتلال وسياسات الإبادة، ودعوا إلى العدالة والعيش المشترك.
كما لعبت منظمات يهودية داعمة لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، مثل "الصوت اليهودي من أجل السلام" و"الشبكة اليهودية من أجل فلسطين"، دورًا مهمًّا في تحريك المظاهرات العالمية المناهضة للحرب، وأسهمت في إحداث تحوُّلٍ ملحوظ داخل الرأي العام الغربي، الذي بات أكثر تفهمًا للمظلومية الفلسطينية وأكثر انتقادًا لسياسات الاحتلال والتطهير العرقي.
وفي هذا السياق، يبرز ما طرحه المؤرخ الإسرائيلي عمر بارتوف في كتابه "إسرائيل: ما الخطأ الذي جرى؟"، حيث يرى أن استمرار المشروع الصهيوني بصيغته الإقصائية يقود إلى كارثةٍ أخلاقيةٍ وسياسية على الشعبين، ويطرح تصوراتٍ تقوم على الشراكة السياسية والعيش المشترك ضمن صيغةٍ فيدرالية أو كونفدرالية.
ولعلَّ ما يدفعني اليوم لإعادة طرح فكرة "الدولة الواحدة ثنائية القومية" أن هذه الرؤية ليست جديدة بالنسبة لي؛ ففي عام 1998 وضعتُ الخطوط العريضة لكتاب باللغة الإنجليزية بعنوان: One State Solution… A Matter of Time، تناولتُ فيه إمكانية التعايش بين الفلسطينيين واليهود ضمن دولةٍ واحدة تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة والشراكة السياسية، لكنني أرجأت نشره بسبب طبيعة المناخ السياسي آنذاك وهيمنة خطاب الصراع الصفري.
واليوم، وبعد كلِّ ما شهدناه من حروبٍ ومجازر وانسدادٍ سياسي، أعتقد أن فكرة "الدولة الواحدة" لم تعد مجرد حلمٍ طوباوي، بل قد تصبح خيارًا واقعيًّا، خاصةً مع التحولات المتسارعة في الرأي العام العالمي، وازدياد الأصوات اليهودية والغربية المطالبة بإنهاء الاحتلال والتعايش بين الشعبين.
إنَّ مستقبل هذه الأرض التي باركها الله للعالمين لا يمكن أن يُبنى على الإقصاء والكراهية، بل على العدالة والمصالحة والاعتراف المتبادل، حتى يتمكن الفلسطيني واليهودي من العيش معًا في وطنٍ يتسع للكرامة الإنسانية والسلام.
ختامًا، قد تبدو مثل هذه الأفكار ثقيلةً في زمنٍ ينزف فيه الدم الفلسطيني بغزارةٍ تحت وطأة التطرّف اليميني الصهيوني، لكنني أراها بدايةً لنهاية المشروع الإقصائي، وبدايةً لمسارٍ جديدٍ يقوم على دولةٍ واحدةٍ لكلِّ مواطنيها، تُعيد إلى فلسطين معناها التاريخي بوصفها أرضَ التعايش والتسامح ووطنَ الأنبياء والرسالات.

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:16 صباحًا - بتوقيت القدس

وجهة نظر... المؤتمر الثامن لحركة "فتح".. بين إرث التاريخ وتحديات الغد

انتهى المؤتمر الثامن لحركة فتح، لكن الأسئلة الكبرى التي يحملها الفلسطينيون في الوطن والشتات لم تنتهِ بعد.
لقد كان هذا المؤتمر أكثر من مجرد استحقاق تنظيمي داخلي لحركة سياسية عريقة، بل شكّل محطة وطنية مفصلية جاءت في واحدة من أخطر اللحظات التي يمر بها المشروع الوطني الفلسطيني منذ عقود طويلة، في ظل حرب مدمرة على غزة، وانسداد الأفق السياسي، وتراجع اقتصادي غير مسبوق، وانقسامات أرهقت المجتمع الفلسطيني وأضعفت ثقته بكثير من مؤسساته وقياداته.
انعقد المؤتمر بين رام الله وغزة والقاهرة وبيروت، في مشهد استثنائي يعكس طبيعة الحالة الفلسطينية نفسها؛ شعب موزع بين الوطن واللجوء والشتات، لكنه ما زال يحاول أن يحافظ على وحدته الوطنية وهويته السياسية رغم كل ما مرّ عليه من نكبات وحروب ومؤامرات ومحاولات اقتلاع.
ورغم كل ما يمكن أن يُقال عن الظروف المعقدة التي أحاطت بالمؤتمر، فإن مجرد انعقاده بهذا الشكل يُعتبر رسالة سياسية وتنظيمية بأن حركة فتح ما زالت قادرة على الحفاظ على حضورها التاريخي، وعلى استيعاب تناقضاتها الداخلية، وعلى إعادة إنتاج ذاتها في أصعب الظروف.
لقد أُدير المؤتمر بحرفية وخبرة سياسية وتنظيمية واضحة من قبل المناضل الفتحاوي الكبير صخر خلوصي بسيسو “أبو خلوصي”، عضو اللجنة المركزية الأسبق، الرجل الذي ينتمي إلى الجيل الذي عاش البدايات الأولى للحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة، وتشكل وعيه السياسي والنضالي في القاهرة من خلال اتحاد طلبة فلسطين، إلى جانب رفاق المرحلة الأولى الذين أسسوا الاتحاد العام لطلبة فلسطين في العالم.
انتهى المؤتمر… وفاز من فاز بعضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وخسر آخرون المنافسة، بينما بقي عدد كبير من أبناء الحركة خارج الهيئة العامة أو خارج دوائر التأثير التنظيمي، لأسباب مختلفة قد يتفق البعض معها أو يختلفون حولها.
لكن في نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الأهم أن حركة فتح لم تكن يومًا مجرد انتخابات أو مواقع أو مقاعد تنظيمية. فتح كانت — وما زالت — فكرة وطنية كبيرة، وحركة تحرر وطني حملت حلم الفلسطينيين لعقود طويلة، وقدمت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى والمناضلين في سبيل بقاء القضية الفلسطينية حيّة في وجدان العالم.
لقد أثبتت حركة فتح عبر تاريخها الطويل أنها ليست مرتبطة بأشخاص مهما كانت رمزيتهم أو مكانتهم الوطنية، بل هي حالة وطنية متجددة استطاعت أن تستمر رغم كل العواصف التي مرّت بها القضية الفلسطينية.
فقد رحل من الرعيل المؤسس قادة كبار صنعوا تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة، واغتيل آخرون على طريق النضال الطويل، ودخلت الحركة في محطات صعبة من الانقسام والحصار والاستهداف السياسي والأمني، ومع ذلك بقيت فتح حاضرة في وجدان الفلسطينيين، واستمرت تتحمل مسؤولية المشروع الوطني الفلسطيني في أصعب الظروف وأشدها قسوة.
وعلى مدار العقود الماضية، دخل إلى الحركة أجيال جديدة، وخرج منها آخرون طوعًا أو نتيجة خلافات سياسية أو تنظيمية أو حتى شخصية، فيما تم استبعاد بعض الكفاءات والقيادات بسبب تباينات في وجهات النظر والاجتهادات المختلفة.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُدركها الحركة اليوم، أن المرحلة القادمة تتطلب عقلية استيعاب واحتواء أكثر من أي وقت مضى، لأن قوة فتح التاريخية كانت دائمًا في قدرتها على جمع التناقضات الوطنية تحت سقف واحد، وليس في إقصاء أبنائها أو خسارة كوادرها وخبراتها المتراكمة.
وكان الافتراض الوطني والأخلاقي قبل انعقاد المؤتمر أن تُبذل جهود أكبر لتحقيق مصالحة فتحاوية داخلية شاملة، تفتح الباب أمام مشاركة أوسع لكل أبناء الحركة، بحيث يشعر كل فتحاوي بأنه شريك حقيقي في صناعة القرار وفي تحمل مسؤولية المرحلة المقبلة، لا مجرد متفرج على المشهد.
وأقول ذلك أيضًا من موقعي الشخصي، فأنا كنت ممن تفاجأوا بعدم وجود اسمهم ضمن الهيئة العامة للمؤتمر، رغم تاريخ طويل من الانتماء والعمل الوطني والمهني في خدمة فلسطين ومؤسساتها.
لكنني لم أتعامل مع الأمر بردة فعل شخصية، ولم أنظر إليه من زاوية المكاسب أو المواقع، لأن قناعتي كانت وما زالت أن حركة فتح أكبر من أي فرد، وأن المشروع الوطني الفلسطيني يستحق منا جميعًا أن نرتقي فوق الاعتبارات الشخصية والتنظيمية الضيقة.
وخلال المرحلة التي سبقت انعقاد المؤتمر، عملت مع أطراف عديدة، وبهدوء ومسؤولية، لمحاولة رأب الصدع والتنسيق بين جهات مختلفة داخل الحركة، انطلاقًا من موقعي المحايد، ومن قناعة راسخة بأنه ليست لي مصلحة شخصية إلا أن تبقى فتح قوية وموحدة وقادرة على حمل المشروع الوطني الفلسطيني بكل طاقتها التاريخية والتنظيمية والشعبية.
لقد كنت وما زلت أؤمن أن داخل الحالة الفتحاوية طاقات وطنية هائلة، وكفاءات سياسية ومهنية وتنظيمية كبيرة، بعضها موجود خارج الإطار الرسمي للحركة اليوم، لكنها ما زالت تحمل الراية الفتحاوية الوطنية بإخلاص ومسؤولية، وتملك القدرة على العطاء وتحمل المسؤولية في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ شعبنا الفلسطيني.
ومن هنا، فإن أحد أهم استحقاقات المرحلة القادمة يتمثل في إعادة توسيع المظلة الفتحاوية لتستوعب الجميع، والاستفادة من كل الطاقات والخبرات الوطنية، لأن قوة فتح الحقيقية لم تكن يومًا في الإقصاء، بل في قدرتها التاريخية على احتضان التنوع الوطني الفلسطيني تحت راية واحدة وهدف وطني واحد.
إن الفلسطيني اليوم لا يسأل من فاز بعضوية اللجنة المركزية، بل يسأل: كيف سنوقف نزيف الدم في غزة؟ وكيف سنعيد بناء ما دمرته الحرب؟ وكيف سنحافظ على القدس؟ وكيف سنحمي المشروع الوطني من الانهيار؟ وكيف سنمنع ضياع الجيل الفلسطيني الجديد بين الإحباط والهجرة واليأس؟ وكيف يمكن استعادة ثقة المواطن الفلسطيني بمؤسساته الوطنية والسياسية؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية التي تنتظر الإجابة.
إن المستقبل الفلسطيني لن يُبنى بالعواطف وحدها، ولا بالشعارات وحدها، ولا بالماضي وحده مهما كان مجيدًا وعظيمًا.
الماضي يمنحنا الشرعية التاريخية، والحاضر يفرض علينا مواجهة الحقيقة كما هي، أما المستقبل… فيحتاج إلى شجاعة القرار، وصدق المراجعة، وإرادة التغيير.
وفي النهاية، سيبقى السؤال الحقيقي الذي سيحكم على نجاح المؤتمر ونتائجه ليس من نجح ومن خسر… بل: هل استطاعت فتح أن تفتح باب الأمل مجددًا أمام الفلسطينيين؟ وهل ستكون المرحلة القادمة بداية استعادة المشروع الوطني الفلسطيني، أم مجرد محطة أخرى في طريق الأزمات الطويل؟
وحدها الأيام القادمة ستجيب.
عزام عبد الكريم الشوا
غزة – رام الله – فلسطين


أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:13 صباحًا - بتوقيت القدس

من الاستقرار إلى الهشاشة: الرواتب المفقودة كجرح نفسي اجتماعي


لا يكشف انقطاع الرواتب أو تقليصها عن أزمة مالية وحسب، بل يكشف عن واحدة من أشد الأزمات النفسية الاجتماعية في السياق الفلسطيني، لأنها تضرب شريحة تُشكّل إحدى ركائز الاستقرار داخل المجتمع الفلسطيني: موظف الخدمة المدنية.
باتت الرواتب المنقوصة والمتأخرة حالةً مزمنة لا استثناءً عارضًا؛ إذ يتقاضى الموظفون منذ سنوات نسباً متفاوتة من رواتبهم. وفي يناير 2026، أعلنت وزارة المالية صرف 2000 شيكل فقط لكل موظف، في مؤشر على تدهور متصاعد، وقد تحوّل خبر موعد صرف الرواتب إلى "خبر عاجل" يتابعه المجتمع بقلق يومي، وهو بحد ذاته دلالة رمزية بالغة على عمق الأزمة.
يرى باندورا في نظريته حول الفاعلية الذاتية أن الإنسان يحتاج، لكي يحتفظ بصحة نفسية متوازنة، إلى إحساس عميق بأن جهوده تُنتج نتائج ملموسة، وأن ما يبذله من طاقة ووقت لهما قيمة حقيقية في العالم من حوله. الموظف الذي يذهب يوميًا إلى عمله، ثم لا يجد في النهاية ما يُغطي به احتياجات أسرته، يعيش كسرًا تدريجيًا لهذه الفاعلية.
ليس الأمر مجرد ضائقة مالية؛ بل هو تفكيك منهجي لمعادلة "الجهد = النتيجة" التي تُشكّل عماد الدافعية الإنسانية، وحين تتكرر هذه التجربة شهرًا بعد شهر وسنةً بعد أخرى، ينتقل الموظف من حالة الإحباط العابرة إلى ما يُعرف بـ "العجز المهني المكتسب"، وهي حالة يتوقف فيها عن الاستثمار الوجداني في عمله، ويفقد الدافعية الجوهرية لأداء مهامه، لأن العقل قد بنى يقينًا راسخًا بأن الجهد لن يُجدي.
على الصعيد الأُسري، يشكل انقطاع الرواتب الزلزال الذي يُهدد التوازن الداخلي، حيث يتخطى أثر انقطاع الراتب حدود الفرد ليضرب الأسرة في صميم بنيتها، فالراتب ليس دخلًا فحسب، بل هو ضمان يومي لإحساس الوالدَيْن بقدرتهما على الحماية والإعالة والدعم، كما أنه في الثقافة الفلسطينية رمز يرتبط بالمكانة الاجتماعية، وعامل ضبط للدور الوالدي في الأسرة، تدني الدخل ليس مجرد غياب دخل؛ هو تفكيك منهجي للهوية المهنية والدور الاجتماعي للإنسان، حين يقف الإنسان لا يجد ما يُطعم به أبناءه، يجري في أعماقه تآكل تدريجي لإحساسه بالكفاءة والقدرة والكرامة. وما يزيد الأمر تعقيداً، الأرقام حول العمالة غير المنظمة، وهي مرادف للهشاشة والتذبذب التي تحرم الإنسان من الشعور بالاستقرار والتخطيط للمستقبل، فكيف يحلم إنسان لا يعرف إن كان سيعمل غدًا؟ كيف يُربّي أبناءه على التفاؤل في ظل مستقبل محاصر بالاحتلال والسياج والحاجز والشك وعدم اليقين؟
حين يعود الأب أو الأم من الوزارة أو المدرسة أو المستشفى برواتب منقوصة أو معدومة، تبدأ سلسلة من التحولات النفسية داخل الفضاء الأسري، حيث تتصاعد التوترات بين الزوجين حول توزيع الموارد الشحيحة، ويتآكل هامش التسامح والتفاهم، ويتضخم الإحساس بالتهديد، وقد رصدت أبحاث الضغوط الاقتصادية وانعكاسها على الديناميكيات الأسرية أن الضغط المالي المزمن يُضاعف معدلات النزاعات الزوجية، ويخفض جودة التواصل العاطفي، ويُضعف المشاركة الوالدية الفعّالة في تربية الأطفال.
أما الأطفال، وهم الأشد تأثرًا، فإنهم يقرأون المشهد بدقة، لأنهم ليسوا متلقين سلبيين؛ فهم يلاحظون القلق والعجز والانكسار في وجوه والديهم. وتُشير الدراسات إلى أن الأطفال الذين يشهدون ضغطًا ماليًّا حادًّا في أسرهم يُطوّرون مستويات أعلى من القلق، ويُعانون من تراجع في التحصيل الأكاديمي، ومن نمو صورة ذات أقل ثقةً وكفاءةً. ويزيد من مخاطر ذلك أن الطفل لا يملك الأدوات المعرفية لمعالجة ما يراه، ولأن ما يتشكّل في الطفولة المبكرة يُشكّل قاعدة للشخصية المستقبلية، فإن أحد الآثار الأعمق قد يتمثل فيما يُعرف بـ "اضطراب التعلق"؛ فحين يُحطم الوالد نفسيًا أمام عيني طفله، يُصاب نظام التعلق الأساسي بجرح قد يترك آثاره طوال الحياة. فالطفل الذي لا يجد ملجأً آمنًا، وتنهار أمامه صورة القدوة حينما يراها عاجزة، قد يُطوّر استراتيجيات تعلق مضطربة تنعكس على علاقاته الاجتماعية وثقته بالآخر وقدرته على بناء روابط صحية لاحقًا. فالأسرة هي أولى دوائر الحماية النفسية للفرد في أي مجتمع، وهي المستودع الأول للانتماء والأمان. وفي السياق الفلسطيني الحالي، تتعرض البنية الأسرية لضغوط تتراكم حتى تكاد تلغي وظيفتها الأساسية المتمثلة في الحماية.
لا يقف الأثر عند حدود الفرد وأسرته، بل يمتد إلى الأثر المجتمعي، حيث يشكل موظفو الخدمة المدنية مع عائلاتهم شريحة اجتماعية واسعة تربط قطاعات حيوية بالمجتمع: المعلم والأستاذ الجامعي والطبيب والمهندس ورجل الأمن، وحين تُصاب هذه الشريحة بالإحباط المزمن وتتراجع دافعيتها، يتراجع معها جودة الخدمات العامة بشكل تراكمي يصعب قياسه على المدى القريب لكنه يُثقل كاهل المجتمع على المدى البعيد.
ويُفضي انقطاع الراتب أيضًا إلى تآكل الثقة المؤسساتية، حيث يتسرب خطاب اليأس من المؤسسات وينتشر في النسيج الاجتماعي، ويُغذّي ما يعرف بـ "العجز المكتسب على المستوى الجمعي"، فالشعور بأن النظام لا يستطيع، وأن الجهد الفردي لن يُحدث فارقًا، يعد من أخطر الحالات النفسية الجماعية وأشدها ضررًا على مسارات التعافي والتغيير في المجتمعات.
يطرح السياق الفلسطيني الحالي إشكاليةً نفسية عميقة: كيف نستمر في تبني هوية متماسكة في ظل واقع يُهدد استمرارية الوجود ذاته؟
يشير إريكسون إلى "التشتت الهوياتي" بوصفه حالة تنشأ حين يفشل الإنسان في بناء روابط متسقة بين ماضيه وحاضره ومستقبله. وفي السياق الفلسطيني، وتحت واقع استعماري ممتد، يعيش المواطن نوعًا من هذا التشتت: ماضيه مُهجَّر، وحاضره مُقيَّد، ومستقبله مُعلَّق على حواجز ووعود وتسويات لا يملك فيها إرادته.
غير أن الصورة لا تخلو من بُعد آخر هام، هو الصمود الفلسطيني، الذي وثّقته الدراسات بوصفه ظاهرة نفسية-اجتماعية استثنائية تشكّلت في مواجهة واقع طويل من القهر والاقتلاع، حيث رصدت أبحاث الهوية الجماعية كيف يطور الفلسطيني "الصمود الاجتماعي" كمنظومة دفاع جماعية، قائمة على التفاعل اليومي، والتمسك بالأرض والذاكرة، لإنتاج هوية مقاومة للمحو والإزالة والتهجير.
الصمود لا يعني غياب الألم؛ هو قدرة على الاستمرار رغم الألم، ولا يعني الصحة النفسية المطلقة؛ فكثيرون ممن يبدون صامدين يحملون في أعماقهم جراحًا لم تُعالَج، وحري بنا أن نميز بين الصمود الإيجابي (الذي يقوم على المعنى والترابط والانتماء)، والصمود الدفاعي (الذي يقوم على القمع العاطفي والإنكار). كما لا بد من الإشارة إلى "اغتراب المستقبل"، الذي يتشكل حين يفقد الإنسان قدرته على تخيّل مستقبله، وحين يفقد إحدى أهم الدعائم النفسية وهو الأمل.
الصمود في السياق الفلسطيني هو نتاج لمنظومة متكاملةـ، تعكس عمق الانتماء للأرض والمكان، وقوة الترابط الأسري والمجتمعي، والايمان بالحق، والإيمان الديني الذي يُضفي معنى على المعاناة، والذاكرة الجمعية التي تربط الحاضر بتاريخ طويل من التحديات والنضال والبقاء.
وتتشكل درجة الصمود بناء على عوامل قابلة للبناء والتعزيز، ومن أهمها: القدرة على إشباع الحاجات البيولوجية والنفسية، ووجود شبكة دعم اجتماعي، والشعور بالفاعلية الفردية والجمعية، وامتلاك سرديات قادرة على استيعاب المعاناة وتجاوزها، وفي الحالة الفلسطينية، تُشكّل هذه العوامل وقوداً حقيقياً يحول دون الانهيار التام في مواجهة ضغوط وصفتها التقارير الدولية بأنها "غير مسبوقة".
يرى علماء علم نفس الصدمة بأن التعافي ممكن، لكنه يحتاج وقتًا وأمانًا وموارد، فالإنسان لا يتعافى في وسط الحريق؛ بل حين تنطفئ النار. وما يُميّز الجرح الفلسطيني أن نيرانه لم تنطفئ بعد، وأن ما يحدث في ظلها من صمود وتماسك واستمرار هو، في حد ذاته، شهادة على شخصية لا تُكسر.
الصمود لا يعني غياب الألم، ولا يعني غياب الحاجة للشفاء، بل هو توصيف لأزمة إنسانية غير مسبوقة تحتاج إلى استجابات جادة وعاجلة، محلية وإقليمية ودولية، لإنقاذ شعب يرزح تحت الاحتلال والحصار منذ عقود، غير أن حصاره الحالي قد يكون الأخطر والأكثر تأثيراً على الإنسان والمجتمع والقضية.

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:13 صباحًا - بتوقيت القدس

مؤتمر "فتح": بقاء القديم السياسي على قدمه


 انتهى المؤتمر الثامن لحركة فتح وسط اهتمام واسع، ليس فقط لأنه مؤتمر الحركة الأكبر في الساحة الفلسطينية، بل لأنه انعقد في لحظة استثنائية تمرّ بها القضية الفلسطينية والمنطقة. ولذلك، لا ينبغي أن يقتصر تقييم المؤتمر على نتائجه التنظيمية أو أسماء الفائزين والخاسرين، فهم ليسوا أصحاب القرار الفعلي، بل يجب أن ينطلق من سؤال أعمق: هل نجح المؤتمر في تقديم إجابات جديدة عن أسباب و(جذور) المأزق العميق والمركّب الذي تعيشه الحركة والنظام السياسي الفلسطيني وكيفية تجاوزه؟
من الناحية التنظيمية، يمكن القول إن المؤتمر نجح في الانعقاد وإعادة إنتاج المؤسّسات القيادية للحركة، لكن القديم السياسي بقي على قدمه رغم التجديد الكبير في بعض الأسماء، فتغيير الأشخاص لم يترافق مع تغيير المسار السياسي والأداء، ولا مع حلول أشخاصٍ يتبنّون بديلا عما هو قائم مستعدّين للكفاح من أجله، بل معظم الجدد قدامى. وحقيقةً إن المؤتمر أكد، في تبنّيه خطاب الرئيس محمود عباس الذي أُلقي في افتتاحه، الاستمرار في الطريق نفسه الذي أوصلنا إلى الكارثة التي نعيشها. فلم يشهد المؤتمر أي حوارٍ بشأن البرنامج السياسي أو أي قضية، خلافا لتلك المتعلقة بالتنافس على المواقع والنفوذ والفوز في عضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري، ولم يشهد مراجعة عميقة ولا غير عميقة لمسيرة الحركة منذ المؤتمر السابق، ولم يتوقف أمام الفرص الضائعة، ولا أمام حقيقة أين تقف القضية الفلسطينية اليوم، وما يحيط بها من تحدّيات ومخاطر وجودية وفرص متاحة.
مال مؤتمر "فتح" إلى إعادة ترتيب التوازنات الداخلية أكثر من إحداث تحول سياسي أو فكري حقيقي، فلم يقدّم حلاً للمأزق، وإنما كشفه وعمّقه أكثر
ويتجلى هذا بصورة خاصة في ما يجري في قطاع غزّة، الذي يعيش نكبة جديدة وحرباً عدوانيةً مستمرّة حتى في أثناء الهدنة، وسط محاولات فرض وصاية استعمارية عليه تسمّى زوراً مجلس سلام، بغطاء فلسطيني وعربي ودولي. وفي الضفة الغربية، يتسارع الضم الفعلي وفرض السيادة الإسرائيلية، في ظل صمت دولي وعربي، واعتماد استراتيجية فلسطينية عقيمة تقوم على البقاء والانتظار وسحب الذرائع والنأي بالنفس، رغم أنها لم تحقق أهدافها. وفي الداخل الفلسطيني، تتغوّل الجريمة المنظّمة وتتعمّق السياسات العنصرية.
لذلك، لا مغزى كبيراً لسقوط رموزٍ من الحرس القديم، أو لعدم ترشح بعض القيادات التاريخية، إذا لم يُطرح بديل قادر على تجاوز المأزق من خلال بلورة رؤية شاملة واستراتيجيات جديدة وقيادة ترتقي إلى مستوى اللحظة التاريخية، فلا قيمة لأشخاصٍ جدد مع أهمية البعد النضالي والرمزي الذي يعكس استمرارا لبعض ما كانت تشكله "فتح"، لكن من دون رؤية وأداء جديدين، ومن دون تمكينهم فعليّاً من القيادة بتوفير المتطلبات والمهارات المطلوبة لقيادات المرحلة الجديدة التي تشكل أخطر مرحلة تمر بها القضية الفلسطينية.
صحيح أن عقد المؤتمر بحد ذاته ليس أمراً بسيطاً في الظروف السياسية والأمنية والداخلية المعقدة، كما أنه أظهر استمرار قدرة "فتح" على الحفاظ على تماسكها النسبي، رغم حالة التراجع التي تعاني منها منذ توقيع اتفاق أوسلو، الذي دشّن مسيرة تحوّلها من حركة تحرر وطني إلى حزب سلطة تحت الاحتلال. وقد وصلت هذه المسيرة إلى مرحلة إدارة السكان تحت الاحتلال، من دون إرادة و رؤية أو مقاومة مناسبة للمرحلة الحالية أو خطة عملية لإنهاء الاحتلال وتجسيد استقلال دولة فلسطين، أو حتى تبني خيار بديل.
لقد أصبح بقاء السلطة، وبقاء القيادة تحديداً، الهدف الفعلي، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. وهذا رغم التباينات والخلافات الداخلية المرشّحة للتفاقم بعد المؤتمر، خصوصاً في ظل ما جرى منذ المؤتمر السابق من تهميش للحركة، واختيار اللجنة التحضيرية (ضمت كثيرين من المرشّحين أنفسهم) أعضاء المؤتمر الذين سينتخبونها لاحقاً، بما يمسّ بمصداقية المؤتمر وشرعيته.
وعكس المؤتمر استمرار مركزية فتح داخل النظام السياسي الفلسطيني، وأنها لا تزال الإطار الأكثر تأثيراً داخل السلطة ومنظّمة التحرير، مع تغير واضح في موازين القوى الداخلية. فمثلاً، فاز ماجد فرج في المرتبة الثانية بعد الأسير القائد مروان البرغوثي، وفي المرتبة الثالثة جبريل الرجوب والرابعة حسين الشيخ نائب الرئيس، والخامسة ليلى غانم والسادسة محمود العالول نائب رئيس الحركة. وهذه النتائج زائد  سقوط أعضاء، منهم رئيس المجلس الوطني وأمين سر اللجنة التنفيذية وعضو فيها، ما قد يعيد النظر في تمثيلهم ومواقعهم داخل "فتح" والسلطة والمنظّمة، ولم يفز أي مرشح من خارج فلسطين رغم أن نصف الشعب الفلسطيني في الشتات، ما يعكس سطوة مراكز القوة والنفوذ والمال والأمن داخل السلطة وجهازها البيروقراطي على الحركة. كذلك لوحظ اختلال واضح في تمثيل المحافظات، حيث نالت رام الله الحصّة الأكبر، تلتها نابلس، بينما حصلت الخليل، وهي أكبر المحافظات، على تمثيل محدود، وكذلك الحال بالنسبة إلى قطاع غزّة قياساً بحجمه ودوره.
لكن "النجاح التنظيمي" لا يكفي للحكم على نجاح المؤتمر سياسيّاً أو وطنيّاً. فالأزمة الأساسية التي تواجه الحركة ليست أزمة انتخابات داخلية فقط، بل أزمة مشروع وطني ودور ووظيفة، وأزمة منظّمة مغيبة وسلطة على حافة الانهيار.
ولذلك السؤال الحقيقي: لماذا لم يُجر المؤتمر مراجعة سياسية عميقة للتجربة السابقة؟ والجواب، لأن المراجعة الجادّة ستقود إلى تغيير المسار، وهذا يعني مواجهة مع الاحتلال، وما تتطلبه من أثمان، مع أن بالإمكان وضروري انتهاج مقاومة بتكلفة معقولة. ولماذا لم يطرح رؤية جديدة تتناسب مع التحولات الجارية رغم الطريق المسدود الذي وصلنا إليه، تعطي الوحدة الوطنية على الهدف أو الأهداف الممكن الاتفاق عليها، وكيفية تحقيقها الأهمية التي تستحقها، ولا تفسير لعدم الاستجابة لذلك إلا تغليب المصالح الفردية على المصلحة العامة؟ وهو السبب الذي يفسّر عدم وجود نية فعلية لتحقيق أوسع قدر من المشاركة السياسية من خلال تغيير آلية اتخاذ القرار داخل فتح، وبالتالي داخل السلطة والمنظّمة، حيث تتركز السلطة والقرار عمليّاً بيد الرئيس وعدد محدود من المساعدين، بعيداً عن المؤسّسات، ومن دون تغيير آلية صنع القرار فلا تقدّم يمكن أن يحدث؟
التزاحم الكبير على عضوية المؤتمر والترشّح لعضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري لا يدل على الحيوية وإنما على فقدان الثقة في القيادة وانخفاض المعايير
فبعد الانقسام الفلسطيني، تفاقم المأزق السياسي بشدّة، فقد جرى حل المجلس التشريعي، وجُمعت السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بيد شخص واحد، وليس فصيلاً واحداً، بحيث أصبح من الصعب القول إن "فتح" هي التي تقود السلطة؛ إذ بات الرئيس يدير السلطة عبر شبكة من الأفراد، بعضهم من "فتح" وآخرون من خارجها، باسم الحركة وتوظيفاً لثقلها الشعبي وتاريخها النضالي. ولو كان الحوار والتنافس داخل المؤتمر يدوران فعلاً حول الأفكار والبرامج والخطط، لما كانت الجهة الجغرافية التي ينتمي إليها الفائزون ذات أهمية كبرى، لأن المفترض أنهم جميعاً ينفذون مهمات مرتبطة بالمشروع الوطني ومشتقاته، لا بخدمة مناطقهم أو محاسيبهم أو "السحيجة". أما عدم مشاركة ما يُعرف بالتيار الإصلاحي في المؤتمر، فيرتبط على الأرجح ليس بالخلاف حول الخيارات، وإنما على المراكز والنفوذ، وبوزنه الداخلي وعلاقاته الإقليمية، وما يمكن أن تسبّبه مشاركته من تغيير في التوازنات، خصوصاً في سياق الصراع على الخلافة والخلفاء.
من أبرز التحوّلات التي شهدتها "فتح" انتقالها من حركة واسعة منفتحة تشبه الشعب الفلسطيني، وتضم اتجاهات فكرية وسياسية متعدّدة، يجمعها الهدف الوطني والمرونة الواقعية، إلى حزب سلطةٍ لا يتّسع للخلافات وصراع البرامج والأفكار بحيث بات هناك توجّه سياسي واحد، يُسمح بالخلاف فقط على هوامشه، لا معه أو مع بديله. ويبدو أن هذا النموذج يُراد تعميمه على مجمل الحياة السياسية الفلسطينية، عبر قوانين وإجراءات تحدّ من التعدّدية والمشاركة السياسية، وتفرض الالتزام ببرنامج القيادة والتزاماتها، رغم أن المجلسين، الوطني والمركزي، اتّخذا سابقاً قرارات بإعادة النظر في هذه الالتزامات.
إذا استمرّ هذا المسار، فإنه يهدّد الحياة السياسية الفلسطينية، ويخفّض سقف الاهتمام العام إلى القضايا الخدماتية والمحلية، ويقضي على التعدّدية التي شكلت دائماً مصدر قوة ومناعة وتطور واستمرارية القضية الفلسطينية.
ولعل أكثر ما عكس هذا المنحى "المبايعة" التي حصل عليها الرئيس في بداية المؤتمر، عبر تزكية رئاسته بالتصفيق لا بالاقتراع السري، ومن دون تقديم كشف حساب عن المرحلة السابقة، أو فتح باب المنافسة. وكان يفترض، سياسيّاً وتنظيميّاً، أن يتم ذلك في نهاية المؤتمر لا في بدايته، بعد تقييم التجربة السابقة وما حملته من إخفاقات سياسية واقتصادية وديمقراطية ومؤسساتية. وما جرى يمثل إعادة إنتاج لأسوأ نماذج الأنظمة والأحزاب الفردية.
ومن مظاهر التدهور التزاحم الكبير على عضوية المؤتمر والترشّح لعضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري، فهذا لا يدل على الحيوية وانما فقدان الثقة بالقيادة وانخفاض المعايير والمستوى، بحيث يجد كثيرون أنهم جديرون بتبوؤ أعلى المناصب التي كانت تكليفاً ومسؤولية كبيرة، وليست تشريفاً ومغانم ومزايا كبيرة.
وفي هذا السياق، يبرُز موضوع ترشّح نجل الرئيس،  وقد اعتمد بصورة أساسية على نفوذ والده، كما أظهرت الحملة الانتخابية والاستقبالات الرسمية ودعم بعض الأجهزة والمؤسّسات والأقاليم له. وهذا يفتح الباب أمام مخاوف جدّية من التوريث السياسي، وهي ظاهرة دفعت أثمانها الباهظة دول عربية عديدة. صحيح أن هناك معارضة داخلية وخارجية لهذا التوجه نحو التوريث، ما يعكس أن طريقه ليست سهلة، لكن مجرّد طرحه يعكس طبيعة المأزق البنيوي العميق الذي وصلت إليها الحركة والنظام السياسي. ولا يكفي هنا الحديث عن غياب الفساد كما جاء في خطاب الرئيس، بينما مظاهره واضحة في مجالات عديدة.
لقد مال المؤتمر، في جوهره، إلى إعادة ترتيب التوازنات الداخلية أكثر من إحداث تحول سياسي أو فكري حقيقي، وهذا أدّى إلى أن المؤتمر لم يقدّم حلا للمأزق، وإنما كشفه وعمّقه أكثر. صحيح أن الخطابات والوثائق أكدت الثوابت الوطنية وضرورة مواجهة الاحتلال، لكن هذا لا يكفي من دون توضيح كيف سيتم، خصوصاً بعد انهيار عملي لمسار التسوية من دون تبنّي مسار آخر، واستمرار مخطّط الضم والتهجير والإبادة والفصل العنصري والاستيطان، وفصل القدس عن محيطها، وتعميق فصل الضفة الغربية عن قطاع غزّة، وتقويض أي دور سياسي للسلطة في الضفة وتدمير السلطة في غزّة.
لقد آن الأوان لمغادرة الأوهام من كل الأنواع، والكفّ عن التنازلات السياسية، وعن المغامرات العسكرية، لمصلحة خيار وطني واقعي وطني ثوري مقاوم، يجمع بين التمسّك بالحقوق ورؤية الواقع والقدرة على الفعل والتأثير، بعيداً عن الإمعان في الواقعية بعيداً عن الخيال والطموح والنضال، وعن التحليق بالخيال والمغامرة بعيداً عن الواقع.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن مجرّد انعقاد المؤتمر في هذه المرحلة يحمل دلالة مهمة، لأن حركة فتح تدرك أن استمرار الجمود لم يعد ممكناً، وأنها تواجه تحدّيات وجودية حقيقية بفعل التحوّلات الإقليمية والدولية والتغيرات داخل المجتمع الفلسطيني نفسه، ولكنها لا تملك الوعي والإرادة لبلورة البديل القادر على مواجهتها والانتصار عليها. لذلك يمكن النظر إلى المؤتمر باعتباره محاولة فاشلة لاحتواء المأزق وتأجيل الانفجار، أكثر منه نقطة تحوّل حاسمة.
في المحصلة، نجح المؤتمر في الحفاظ على استمرارية الحركة ومؤسساتها، لكنه لم ينجح في استعادة ألقها ووحدتها ودورها النضالي، ووقف النزيف والتراجع والشرذمة وإقصاء الكفاءات والمناضلين والابتعاد عن الشعب والانفصال عن الواقع، ولم يقدّم بديلاً أو اختراقاً سياسيّاً أو فكريّاً حقيقيّاً. وبقيت الأسئلة الكبرى مفتوحة: كيف تستعيد "فتح" دورها حركة تحرّر؟ وهل ما زال هذا ممكناً أم أن الوقت أصبح متأخراً؟ وكيف يمكن إحياء منظّمة التحرير التي تعيش في غرفة العناية المشدّدة؟ وكيف يمكن إعادة بناء العلاقة مع المجتمع، وتوفير مقوّمات الصمود الفاعل والبقاء على أرض الوطن، وتعزيز وحدة الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه وإحياء المنظمة، وتحقيق التوازن بين متطلبات الحركة والسلطة والمنظّمة ومتطلبات المشروع الوطني؟
لم تُطرح هذه الأسئلة داخل المؤتمر، وبالتالي لم تُحسم، لكن طرحها وتقديم الجواب المناسب عليها سيظلّان العامل الحاسم في تحديد مستقبل الحركة، وربما مستقبل النظام السياسي الفلسطيني كله خلال السنوات المقبلة.

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:12 صباحًا - بتوقيت القدس

انتخاب مروان البرغوثي أثبت أهمية انعقاد مؤتمر "فتح"


اختُتم المؤتمر الثامن لحركة "فتح"، الحركة الرائدة في منظمة التحرير الفلسطينية، الذي عُقد في رام الله الأسبوع الماضي بانتخاب أعلى هيئة في الحركة، وهي اللجنة المركزية المكونة من 18 عضواً، وهيئتها التشريعية، المجلس الثوري لحركة فتح المكون من 80 عضواً.
وقد كُتب الكثير عن افتقار حركة فتح استراتيجية سياسية واضحة للتحرير، وعن الجهد الذي بذله لتوجيه الانتخابات بما يخدم السلطة الحاكمة في رام الله، إلا أن هناك نتيجة واحدة لا جدال فيها، وهي فوز مروان البرغوثي المسجون وبعض أبرز مؤيديه.
ورغم وجوده في السجن، فقد حصل البرغوثي على أعلى عدد من الأصوات في انتخابات اللجنة المركزية - 1879 صوتاً من أصل 2514 - بينما حصدت زوجته، فدوى البرغوثي، ثاني أعلى عدد من الأصوات في انتخابات المجلس الثوري لحركة فتح بعد دلال صائب عريقات. كما حقق عدد من السجناء والمفرج عنهم حديثًا نجاحًا ملحوظًا.
هذه ليست نتائج رمزية، بل هي تذكير بأن البرغوثي، بعد أكثر من عقدين على اعتقاله، لا يزال الشخصية الأبرز في السياسة الفلسطينية.
وبينما تتجنّب إسرائيل والولايات المتحدة (بناءً على طلب إسرائيل) القيادة الفلسطينية إلى حد كبير (باستثناء التنسيق الأمني)، فإن حقيقة حصول زعيم شعبي ونزيه على هذا العدد الكبير من الأصوات رغم سجنه تُفنّد الأعذار الإسرائيلية الأمريكية المتكررة لعدم التواصل مع القيادة الفلسطينية.
بالنسبة لحكومة نتنياهو المتطرفة، تُعدّ حماس أسهل بكثير لشيطنة صورة الفلسطينيين من القادة المعتدلين، سواء كان الرئيس محمود عباس أو البرغوثي.
تتجاوز شعبية البرغوثي حركة فتح، والفلسطينيين عمومًا، إذ يُردد مؤيدوه وجماعات التضامن العالمية دعم مشابه لما حظي به نيلسون مانديلا، زعيم جنوب إفريقيا، أثناء سجنه لفترة مماثلة.
ما لا يعرفه الكثيرون هو أن البرغوثي، أثناء وجوده في السجن، كان له تأثير إيجابي على العديد من زملائه السجناء، بمن فيهم المتشددون. في مايو/أيار 2006، أطلق برغوثي "وثيقة السجناء" التي أقنع قادة حماس والجهاد الإسلامي بالتوقيع عليها. دعت الوثيقة إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود يونيو/حزيران 1967، متجاهلةً دعواتهم لإقصاء إسرائيل.
لم يتخلَّ البرغوثي قط عن موقفه المعتدل، رغم الاعتداءات والإهانات المتواصلة التي تعرّض لها من حراس إسرائيليين وسياسيين أثناء وجوده في السجن.
في العديد من المقابلات التي بثّها عبر أصدقائه ومحاميه، أصرّ البرغوثي على ضرورة قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. وبصفته متحدثًا باللغة العبرية بطلاقة نتيجة عقود قضاها في السجون الإسرائيلية، يُمكنه أن يُقدّم أكثر من أي شخص آخر عرضًا لضرورة التوصل إلى تسوية تفاوضية قائمة على حل الدولتين واستراتيجية سلمية لتحرير فلسطين. فلا عجب إذن أن نحو 160 دولة من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة قد اعترفت بفلسطين على حدود يونيو/حزيران 1967.
قد تكون هذه أوقاتًا عصيبة على البرغوثي، إذ يُحتجز في عزلة تامة ويعجز عن التواصل مع العالم، لكن نجاحه في مؤتمر فتح يبعث برسالة مفادها وجود قيادة فلسطينية نزيهة وجادة ومعتدلة.
ليس من الضروري أن يكون الشعب تحت الاحتلال ديمقراطيًا بالكامل لينال حريته من محتل أجنبي غير شرعي. ومع ذلك، يُسجل للرئيس عباس أنه نفّذ جميع وعوده التي قطعها في نيويورك في سبتمبر الماضي، رغم منعه ظلمًا من حضور الجمعية العامة للأمم المتحدة شخصيًا. وقد أثبتت جهود إسرائيل والولايات المتحدة لرفض هذه الإصلاحات أنها محاولة لتبرير استمرار رفض متطلبات مفاوضات السلام.
حققت المبادرة الفرنسية السعودية المشتركة، المعروفة باسم التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين، نتائج مبهرة فيما يتعلق بالاعتراف بفلسطين (رغم تعنّت ألمانيا ورفض رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ورئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان). إلا أن عملية الاعتراف تتطلب أيضًا التواصل مع الجيل الجديد من القادة الفلسطينيين الذين برزوا من خلال جهود الإصلاح المختلفة.
أجرت فلسطين انتخابات بلدية ناجحة، بما في ذلك انتخابات مدينة غزة، الشهر الماضي، مؤتمر حركة فتح الأسبوع الماضي. ومن المتوقع في الخريف أن تُنهي تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني الجديد المقلص عددًا. ويتبع ذلك إقرار دستور فلسطيني، مما يمهد الطريق لانتخابات تشريعية ورئاسية.
وحتى لو لم يُفرج عنه بحلول ذلك الوقت، فمن المؤكد أن البرغوثي سيُنتخب رئيسًا لفلسطين.
في الوقت الراهن، من غير المقبول الاستمرار في عزل وإذلال الزعيم الفلسطيني، المحتجز في سجون الاحتلال الإسرائيلي الذي يرفض الاعتراف بحقه في محاكمته وسجنه.
يقع على عاتق كل من يهتم بصدق بحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي التواصل مع البرغوثي وزوجته. يجب تمكين الجيل الجديد من القادة الفلسطينيين المقربين منه، مثل جبريل الرجوب من منطقة الخليل و زكريا الزبيدي الذي أُفرج عنه مؤخرًا من جنين، وآخرين لقيادة فلسطين ما بعد عباس بثقة واعتدال وإصرار على حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة.


عن موقع "عرب نيوز" بالإنجليزي  

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:11 صباحًا - بتوقيت القدس

"الحجر مطرحه قنطار".. قراءة نقدية في مقال د. فواز عقل حول التعليم وبناء الوعي


يأتي مقال الدكتور فواز عقل المعنون "الحجر مطرحه قنطار" بوصفه نصاً تربوياً-ثقافياً يتجاوز حدود المقالة التقليدية، ليقدّم محاولة جادة لإعادة الاعتبار لفكرة الإنسان بوصفه محور العملية التعليمية وركيزتها الأساسية. فالمقال لا يناقش التعليم بوصفه منظومة تقنية مرتبطة بالمناهج والامتحانات فحسب، بل يتعامل معه باعتباره مشروعا أخلاقياً وحضارياً لبناء الإنسان القادر على حمل الدور والمسؤولية.
تكمن قوة المقال في أنه يستعيد الحكمة الشعبية الفلسطينية ويحوّلها إلى مدخل فلسفي لفهم قيمة الفرد داخل المجتمع ، فالحجر لا يستمد قيمته من مادته الجامدة، بل من موضعه ووظيفته وعلاقته بالبناء الكلي. وهنا ينجح الكاتب في نقل المثل الشعبي من فضائه الريفي البسيط إلى فضاء فكري معاصر يتصل بقضايا التعليم والهوية والتنمية والوعي.
كما يُحسب للمقال اعتماده على سرديات رمزية ذات أثر عميق، خصوصاً استحضار قصيدة "الحجر الصغير" للشاعر إيليا أبو ماضي، والتي استخدمها الكاتب بذكاء لتوضيح خطورة شعور الإنسان بالتهميش أو انعدام القيمة. فحين يفقد الفرد إحساسه بالجدوى، لا ينسحب وحده من المشهد، بل قد ينهار جزء من البناء الاجتماعي معه. وهذه فكرة بالغة الأهمية تربويا ونفسيا، خاصة في المجتمعات المأزومة التي تعاني من الإحباط الجمعي والتآكل التدريجي لرأس المال الاجتماعي.
ويُسجل للمقال أيضاً تأكيده المستمر على مركزية المعلم الملهم، لا المعلم الناقل للمعلومة فقط. فالكاتب يرفض اختزال العملية التعليمية في التلقين، ويقترب من التصورات التربوية الحديثة التي ترى أن وظيفة التعليم هي بناء الإنسان القادر على التفكير النقدي والتكيّف والإبداع. وهذا ينسجم مع التحولات العالمية في فلسفات التعليم المعاصر، التي انتقلت من "اقتصاد المعرفة" إلى "اقتصاد الابتكار"، ومن تخزين المعلومات إلى إنتاجها.
غير أن المقال، رغم ثرائه الإنساني والأخلاقي، كان بحاجة إلى تعميق بعض الجوانب البنيوية التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن أزمة التعليم في السياق العربي والفلسطيني تحديدًا. فالمشكلة ليست فقط في غياب المعلم الملهم أو العقل النقدي، بل أيضاً في البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تنتج نموذج التعليم نفسه.
لقد ركّز المقال على الفرد بوصفه محور التغيير، لكنه لم يمنح الاهتمام الكافي لبنية النظام التعليمي ذاته: المناهج، سياسات التقييم، مركزية الامتحان، هشاشة التمويل، الفجوة الرقمية، وضعف الحريات الأكاديمية، وتراجع مكانة البحث العلمي. فحتى أكثر المعلمين إلهاما قد يتحول إلى موظف منهك داخل نظام لا يكافئ الإبداع، ولا يسمح بالمبادرة، ولا ينتج بيئة تعلم حقيقية.
كما أن المقال، رغم إشادته بالتجربة الصينية، قدّمها بصورة تبسيطية إلى حد ما. فصعود الصين لم يكن نتاج "بناء الإنسان" فقط، بل جاء نتيجة مشروع دولة طويل الأمد جمع بين التخطيط الاستراتيجي، والاستثمار الهائل في البحث العلمي، وربط الجامعات بالصناعة، وتحويل التعليم إلى جزء من مشروع السيادة الوطنية. وبالتالي فإن استنساخ التجارب الناجحة ل يكون  بفهم الشروط التاريخية والسياسية والاقتصادية التي صنعتها.
ومن النقاط التي تستحق الإضافة أيضاً أن المقال تعامل مع التعليم بوصفه أداة للنجاة والتقدم، لكنه لم يتوقف بما يكفي عند التعليم بوصفه أداة للتحرر الوطني والاجتماعي، خاصة في الحالة الفلسطينية. ففي السياقات القسرية والاستعمارية، لا يصبح التعليم مجرد وسيلة للصعود الاجتماعي، بل يتحول إلى فعل مقاومة وصمود وحماية للوعي الجمعي من التفكك. وهذا البعد بالغ الأهمية في فلسطين، حيث تُستهدف المدرسة والجامعة والمعرفة أحيانا بوصفها جزءًا من معركة الوجود ذاتها.
كما أن الحديث عن "الطالب الذي يسأل ويحاور ويبتكر" يبقى ناقصا إذا لم يرتبط بحرية التفكير وبيئة ديمقراطية داخل المدرسة والجامعة. فلا يمكن إنتاج عقل نقدي داخل فضاء يخاف السؤال أو يعاقب الاختلاف أو يقدّس التلقين باسم الانضباط.
ومع ذلك، يبقى المقال محاولة فكرية وتربوية مهمة تستحق التقدير، لأنه يعيد النقاش إلى جوهر القضية: الإنسان. ففي زمن أصبحت فيه العملية التعليمية محكومة بالأرقام والامتحانات والمؤشرات التقنية، يذكّرنا د. فواز عقل بأن التعليم الحقيقي يبدأ حين يشعر الإنسان أن له قيمة، وأنه "حجر في مكانه الصحيح"، وأن غيابه قد يترك فراغا يهدد البناء كله.
إن أخطر ما تواجهه مجتمعاتنا اليوم ليس نقص المعلومات، بل تآكل الوعي. ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط معركة تحديث مناهج، بل معركة إعادة بناء الإنسان القادر على التفكير، والانتماء، والمبادرة، والمسؤولية. وحين ينجح التعليم في إنتاج هذا الإنسان، يصبح الحجر فعلًا "قنطارًا" في ميزان الأمم.

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:10 صباحًا - بتوقيت القدس

بين عجز الحكومة ووجع المواطن


تكفي زيارة واحدة إلى أي مستشفى حكومي أو أي مديرية صحة في المحافظات لتلمّس حقيقة تهاوي القطاع الصحي، فبين إضرابات الأطباء وتوقف الرعاية الصحية إلا في الحالات الحرجة، وبين النقص الحاد في توفر الأدوية العلاجية، يقف المواطن شاكيًا أمراضه وباكيًا من شدة أوجاعه، ولا أحد يلتفت لحاجته إلا في أدنى الحدود، والكل يعزو السبب إلى الحكومة وعدم معالجتها للقضايا الطبية وعدم الإيفاء بالتزاماتها تجاه القطاع الصحي، بينما الحكومة تتذرع بالحصار المالي المفروض عليها وقرصنة الاحتلال لأموال الضرائب. وبين شكوى الأطباء وشكوى الحكومة وشكوى المواطن، الذي من أساسيات حقوقه تلقي الخدمة والرعاية الطبية، نبقى ندور في حلقة مفرغة تكاد لا تنتهي ولا تتوقف، في ظل انعدام الخطط التي من شأنها معالجة هذه القضية الهامة والأزمة المتفاقمة، فلا يعقل أن يصل الحال إلى هذا الواقع ولا أحد يقدم حلولًا تجنبًا للكوارث الصحية.
بالنظر إلى الواقع، فكل القطاعات تنذر بالكارثة، فالقطاع التعليمي والقضائي بنفس المستوى من الأهمية مع قطاع الصحة والأمن، فكيف لقاضٍ أن يحكم بين الناس وهو جائع؟ وكيف لمعلمٍ يعطي العلم وأطفاله جائعون ولا يجد في جيبه ثمن ربطة خبز؟ وكيف لرجل الشرطة أن يواصل عمله للحفاظ على أمن الناس وممتلكاتهم وهو لا يجد ثمن وجبة طعام لأبنائه؟
إنها معجزة المجتمع الفلسطيني، فمنذ أكثر من ثلاث سنوات وهو يصدق الحكومة السابقة والحكومة الحالية ويجد لهما الأعذار، وقد منحهما أكثر من ثلاثين شهرًا ويزيد لكي تضعا الخطط وتجدا الحلول، وما كان يجد غير الوعود المؤجلة، والتي لم تصدق حتى اليوم.
إن الواقع الذي تهرب من مواجهته الحكومة تحت ذرائع قرصنة الاحتلال لأموال الضرائب، وما تقدمه من أعذار، لم يعد يفضي إلى شيء، خاصة وأن القطاعات الأخرى بدأت تتهاوى، مثل القطاع الخاص الذي يُعتبر القطاع الثاني بعد القطاع الحكومي من حيث الأهمية. وبالنظر إلى ارتفاع معدل البطالة غير المسبوق، وانعدام الرؤى لمستقبل الشباب الصاعد الذي بات يتخرج من الجامعات ولا يجد عملًا، ومع كل عام نجد هذه الأعداد في ازدياد، حتى بات التعليم استثمارًا خاسرًا، وبات حملة الشهادات الجامعية عنوانًا واضحًا للبطالة في مختلف التخصصات.
كل المحاولات حتى اليوم فشلت، لأن الاجتهاد الفردي غير نافع، والكل يذكر اجتهادات وزير التعليم حول نظام التوجيهي الذي اسماه الإنجاز واللابتوب التعليمي وما أن استقالت الحكومة حتى التغت الفكرة، كما ذهبت مع الريح صوامع القمح وعناقيد الزراعة والصناعة والسياحة، واليوم نتذكر ذلك مع اجتهاد  المحفظة المالية .
وبالعودة إلى القطاع الصحي فإن المواطن لا يقدر على انهيار الرعاية الطبية لأن مآلاتها خطيرة وتهدد المجتمع برمته، فهل من خطة عاجلة لدرء الخطر؟


أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

الخط الأصفر من غزة إلى لبنان.. هندسة الإبعاد وإعادة تشكيل الجغرافيا بالقوة

ليست كل الخطوط التي ترسم على الخرائط مجرد حدود تفصل بين دولتين ولا هي دائمًا انعكاس لاتفاقيات دولية أو تفاهمات قانونية فبعضها يولد في قلب المعركة وتثبت تحت وقع القصف ويتحول مع الوقت إلى واقع مفروض يختزل موازين القوة أكثر مما يعكس أي شرعيه.. ما يعرف بـ «الخط الأصفر» يندرج ضمن هذا النوع من الخطوط التي لا ترى فقط بالحبر بل ترسم بالدم والنار وتحرس بالخوف وتدار كأداة لإعادة تشكيل المكان والإنسان معًا.

من قطاع غزة حيث تتغير حدود الحركة والحياة وفق إيقاع العمليات العسكرية الصهيونية إلى جنوب لبنان حيث أعاد الاحتلال «الإسرائيلي» إنتاج مفهوم الخط الفاصل (الأصفر) بطريقة تبعد السكان وتمنعهم من العودة إلى منازلهم وقراهم  حيث  يتكرر النمط ذاته بوجوه مختلفة فالقصف يسبق التهجير والتهجير يتبع بخط يمنع العودة والخط يتحول تدريجيًا إلى قاعدة تدار سياسيًا كواقع قابل للاستمرار.

في هذا السياق، يصبح الحديث عن «خط أمني» تعبيرًا عن مشروع أوسع يسعى لإعادة تعريف العلاقة بين الأرض وسكانها.

هذه الخطوط تعيد طرح أسئلة مهمه تتجاوز اللحظة الراهنة: هل يمكن تحويل الإجراءات العسكرية المؤقتة إلى حدود دائمة وأمر واقع يفرض، وهل يمكن للزمن أن يضفي شرعية على واقع فرض بالقوة والأهم كيف تتعامل المجتمعات المتضررة مع هذه التحولات بين ضغط الواقع وإرادة البقاء هنا يتحول «الخط الأصفر» من مجرد رسم جغرافي إلى مدخل لفهم أعمق لطبيعة الصراع بوصفه صراعًا على الوجود، قبل أن يكون صراعًا على الحدود.

في قطاع غزة تتجلى سياسة الخطوط المتحركة بأوضح صورها فالمناطق التي تصنف فجأة كمناطق عسكرية مغلقة أو تدرج ضمن نطاقات الإخلاء لا تعود كما كانت بسهولة يبدأ الأمر بعملية عسكرية أو تصعيد ميداني تفرض خلاله أوامر نزوح واسعة، ثم تتكرس هذه الأوامر عبر واقع جديد يمنع السكان من العودة سواء بفعل استمرار العمليات أو بحجج أمنية متكررة، وبهذا تتحول مساحات كاملة من مناطق مأهولة إلى فراغات جغرافية تعاد هندستها بما يخدم المصالح العسكرية.

هذا النمط لا يمكن فصله عن إستراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة توزيع السكان داخل مساحة محدودة أصلًا ما يخلق ضغطًا هائلًا على البنية التحتية والخدمات ويضعف القدرة المجتمعية على الصمود طويل الأمد فكل منطقة تفرغ من سكانها تمثل خسارة مكانية واقتصادية واجتماعية وثقافية، حيث تنقطع الروابط بين الإنسان ومحيطه وتفكك الشبكات التي تبقي المجتمع متماسكًا وصلًا إلى تفكيك الحواضن الاجتماعية المقاومة في المنطقة الجغرافية المهجرة.

أما في جنوب لبنان فإن «الخط الأصفر» يتخذ شكلًا أكثر ثباتًا ووضوحًا لكنه لا يقل تعقيدًا في دلالاته فحرمان نحو خمس وخمسين قرية من العودة إلى بيوتها يمكن تفسيره كجزء من سياسة تهدف إلى خلق مساحة آمنه وخالية من السكان تستخدم كمنطقة عازلة بحكم الأمر الواقع..

هذه القرى التي كانت تشكل نسيجًا اجتماعيًا متكاملًا تحولت إلى مساحات صامتة فيما يعيش سكانها حالة من التعليق بين ماض لم ينته وحاضر لا يشبههم.

الخط هنا يفصل بين مرحلتين من الحياة ما قبل النزوح وما بعده وهو لا يعمل كحاجز جغرافي فقط بل كأداة لإعادة تشكيل الوعي حيث يجبر السكان تدريجيًا للتكيف مع فكرة البعد عن أرضهم في محاولة لتحويل المؤقت إلى دائم غير أن هذه المحاولة تصطدم بحقيقة أن الانتماء للأرض في هذه المجتمعات مسألة هوية وذاكرة وتاريخ.

عند المقارنة بين غزة ولبنان تتضح وحدة المنهج رغم اختلاف السياق في الحالتين تستخدم القوة العسكرية لإحداث تغيير ميداني سريع ثم يترجم هذا التغيير إلى خطوط ثابتة نسبيًا تدار سياسيًا.

هذه العملية تظهر كيف يمكن للأدوات العسكرية أن تتحول إلى أدوات سياسية بمرور الوقت وكيف يعاد إنتاج الواقع على مراحل تبدأ بالقوة وتنتهي بإدارة الأرض والسكان.

سياسيًا يمكن فهم «الخط الأصفر» كجزء من عقيدة تقوم على إدارة الصراع بدل حله فبدل الدخول في تسويات شاملة قد تفرض تنازلات متبادلة يجري العمل على خلق وقائع جزئية تتراكم مع الزمن بحيث يصبح من الصعب العودة إلى النقطة الأصلية هذه الاستراتيجية تمنح الطرف الأقوى قدرة على فرض إيقاعه الخاص مستفيدًا من عامل الزمن ومن غياب ضغط دولي عادل.

كما أن لهذه الخطوط تأثيرًا عميقًا على البنية الديمغرافية (السكانية) فإبعاد السكان عن مناطقهم يعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية ويخلق أشكالًا جديدة من الاعتماد والضعف ومع مرور الوقت قد تتحول هذه التغييرات إلى حقائق يصعب عكسها حتى لو تغيرت الظروف السياسية

ومع ذلك فإن العامل الحاسم الذي يبقي هذه الخطوط في حالة عدم استقرار هو رفض السكان القبول بها كأمر نهائي. في غزة تتكرر مشاهد العودة إلى المناطق المدمرة حيث يصر الناس على إعادة بناء حياتهم مهما كانت الظروف وفي جنوب لبنان يبقى الحلم بالعودة حاضرًا بقوة يغذيه الارتباط العميق بالأرض ويمنع تحول الخط إلى حدود نفسية نهائية.

هذا الرفض لا يلغي الواقع الصعب لكنه يبقيه مفتوحًا على احتمالات التغيير فكل محاولة لفرض خط دائم تصطدم بإرادة جماعية ترفض التكيف مع الفقدان وتبقي الصراع حيًا على المستوى العسكري والسياسي والوعي والذاكرة.

في المحصلة يكشف «الخط الأصفر» في غزة ولبنان عن نمط متكرر في إدارة الصراع يقوم على استخدام القوة لإعادة تشكيل الجغرافيا ثم تثبيت هذا التشكيل عبر الزمن والسياسة لكنه يكشف أيضًا عن حدود هذه القوة حين تصطدم بمجتمعات ترفض الانفصال عن أرضها وتتمسك بحقها في العودة مهما طال الزمن.


قد تنجح الخطوط في خلق واقع مؤلم وقد تجبر القرى على الصمت المؤقت لكنها تبقى عاجزة عن تحويل هذا الواقع إلى حقيقة نهائية فالأرض في وعي أصحابها امتداد للهوية والوجود وبينما ترسم الخطوط على الخرائط يبقى هناك خط آخر غير مرئي يرسمه النازحون في ذاكرتهم يربطهم بأرضهم وبيوتهم ويجعل كل محاولة للفصل مؤقتة مهما كان شكلها قويا أو طويل الأمد.

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

ما بعد بعد المقاصة!


تدخل السلطة الفلسطينية واحدة من أكثر مراحلها الاقتصادية تعقيداً منذ نشأتها، ليس فقط بسبب حجم الأزمة المالية الحالية، بل بسبب طبيعة التحولات السياسية والاقتصادية المحيطة بها، والتي توحي بأن أزمة المقاصة لم تعد أزمة مؤقتة قابلة للحل عبر الوساطات التقليدية أو التدخلات الدولية المعتادة، بل مرشحة لأن تتحول إلى واقع طويل الأمد يعيد صياغة شكل الاقتصاد الفلسطيني وحدود قدرة السلطة على الاستمرار بالصيغة الحالية.
مؤخراً، تصاعد الحديث داخل دوائر الاحتلال عن توسيع الاقتطاعات المالية من أموال المقاصة، وربطها بملفات متعددة تتجاوز السياق التقليدي المعروف، بما يشمل مطالبات وتعويضات وتكاليف مرتبطة بكل فعل مقاوم أو حتى حادث سير، ومع تراجع حجم الأموال المحولة فعلياً إلى السلطة، بات النقاش يدور للمرة الأولى حول سيناريوهات أكثر خطورة، يتمثل أحدها في احتمال تحول المقاصة نفسها إلى عبء مالي أو دين متراكم على السلطة، بدلاً من كونها مورداً مالياً أساسياً لها.
هذا التحول لا يعكس فقط حجم الأزمة المالية، بل أيضاً هشاشة النموذج الاقتصادي الذي تَشكلَ منذ اوسلو، والقائم بدرجة كبيرة على الاعتماد على المقاصة باعتبارها العمود الفقري للموازنة الفلسطينية، فيما لم تنجح الحكومات الفلسطينية المتعاقبة في بناء بدائل اقتصادية تقلل من هذا الاعتماد، سواء بسبب القيود التي يفرضها الاحتلال على الموارد والمعابر والحركة، أو بسبب طبيعة الاقتصاد الفلسطيني نفسه بوصفه اقتصاداً محدود الأدوات والسيادة.
في المقابل، يبدو المشهد السياسي هو الأكثر تعقيداً، السلطة انتظرت طويلاً تغيراً في المشهد الإسرائيلي أو الدولي يخفف الضغوط الاقتصادية والسياسية، سواء عبر سقوط حكومة اليمين أو عودة مسار سياسي قادر على إعادة الاستقرار المالي والدعم الدولي، غير أن الواقع كان العكس تماماً، استمرت حكومتة رغم الأزمات والحروب، وتوسع نفوذها الاستيطاني في الضفة بصورة غير مسبوقة.
وهو ما يفرض على السلطة التفكير بخيارات مختلفة، لأن خياراتها الحالية لم تعد كافية لمعالجة أزمة مرشحة للاستمرار والتفاقم، وهنا تبرز عدة سيناريوهات محتملة، ولكل منها كلفته السياسية والاقتصادية.
الخيار القائم حالياً، الذي يبدو للبعض أنه الأقل كلفة، وهو لا يقل خطورة عن غيره، بل ربما يكون الأخطر، لأنه يقوم على إدارة الاستنزاف لا معالجته، حيث يموت المريض تدريجيً، فيما يظن أن وضعه مستقر، يتمثل -هذا الخيار- في استمرار سياسة الاحتواء أو البحث عن دعم عربي ودولي، وتوسيع الاقتراض الداخلي، فضلاً عن الحديث المتكرر عن تقليص النفقات العامة، وهو خيار قد يشتري الوقت ويجنبها الانهيار السريع، لكنه لا يقدم حلاً جذرياً.
الخيار الثاني يتطلب إعادة هيكلة عميقة للاقتصاد وتخفيف الاعتماد على الاقتصاد الإسرائيلي، شعار رفعته حكومات سابقة، لكنه بقي حبيس الأدراج، فيما الواقع كان العكس تماماً، وهو مسار يحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار السياسي يصعب توفيره.
أما الخيار الثالث، وهو الأكثر حساسية، فيرتبط بإعادة تعريف العلاقة الاقتصادية والسياسية مع الاحتلال، وهذا يبدو غير ممكن حالياً، أو خلال السنوات القليلة المقبلة، خاصة بعد أن انفض مؤتمر فتح الثامن دون تغيير يُذكر.
وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي لم يعد فقط في كيفية تجاوز الأزمة الحالية، بل في قدرة النظام السياسي الفلسطيني على التكيف مع واقع اقتصادي وسياسي يزداد سوءاً يوماً بعد آخر، ويبدو مرشحاً للاستمرار لسنوات طويلة إذا استمر هذا النظام بصيغته الحالية. فالمشكلة لم تعد مجرد أزمة مالية طارئة، بل أصبحت استنزافاً تدريجياً للنموذج الذي قام عليه النظام الفلسطيني منذ أوسلو.

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

المقاهي ودورها في المشهد الثقافي المقدسي


يبدأ المشهد اليومي في أحد مقاهي البلدة القديمة في القدس، برجلٍ مسنٍّ يقلب ببطء صحيفةً ورقية، بينما يعلو صوت فناجين القهوة من الطاولات المجاورة، يعرف النادل معظم الجالسين بأسمائهم، ويضع أكواب القهوة قبل أن يطلبها أصحابها أحيانًا، قرب النافذة يجلس شاب يفتح حاسوبه المحمول، منشغلًا بعالمه الرقمي، فيما يدخل رجل آخر ليسأل عن أخبار المدينة والمحال التي أُغلقت مؤخرًا في سوق "الخواجات"، في الخارج تمرّ القدس بإيقاعها المتوتر المعتاد، أما في الداخل فتبدو الطاولات كأنها تحاول حماية ما تبقّى من الحياة العامة في المدينة.
تُعتبر المقاهي في القدس جزءًا من الإيقاع الثقافي والاجتماعي للمدينة، فمنذ عقود طويلة شكّلت المقاهي فضاءات يومية يلتقي فيها الناس حول الحوار والأخبار والموسيقى والذاكرة، ولهذا ارتبطت المقاهي المقدسية بالحياة اليومية أكثر مما ارتبطت بفكرة الاستهلاك السريع.

يبدأ الواقع من الذاكرة اليومية
لعبت المقاهي الشعبية تاريخيًا دورًا يتجاوز وظيفتها التجارية المباشرة، فكانت أماكن لقراءة الصحف، وسماع نشرات الأخبار، ولقاء الكتّاب والفنانين والطلبة والعاملين في المدينة، وبعض النقاشات التي تبدأ بخبرعابر كانت تتحول سريعاً إلى حديث طويل عن التعليم والهوية والعمل وتغيّر شكل المدينة، وأحيانًا كانت فكرة نشاط
ثقافي أو أمسية فنية، تولد من جلسة عادية حول طاولة صغيرة.
لعبت المقاهي في مراحل كثيرة من تاريخ القدس دورًا قريبًا من "المنتدى الشعبي" غير المعلن، مكان يلتقي فيه الصحفي بالمعلم، والطالب بالعامل، والفنان بالناشط الاجتماعي، دون دعوات رسمية أو ترتيبات مسبقة، ولهذا اكتسبت المقاهي المقدسية خصوصيتها بوصفها مساحة اختلط فيها الثقافي باليومي، والعابر بالشخصي، والهم الفردي بالسؤال العام عن المدينة ومصيرها.
تحفظ القدس ذاكرتها بطرق عديدة، ومنها الحكايات التي تتكرر داخل المقاهي، رجل يتذكر متجرًا أُغلق قبل سنوات، وآخر يستعيد أسماء أشخاص غادروا المدينة، وثالث يتحدث عن شارع تغيّرت ملامحه بعد ارتفاع الإيجارات وتحول كثير من المحال الصغيرة إلى مشاريع تجارية سريعة لا تشبه ذاكرة المكان، اليوم يتغيّر شكل المقاهي في القدس كما تتغيّر المدينة نفسها، بعض المقاهي الشعبية القديمة ما يزال يحتفظ بإيقاعه البسيط وأحاديثه الطويلة، وفي المقابل ظهرت مقاهٍ حديثة أقرب إلى فضاءات العمل الفردي واللقاءات السريعة، حيث يجلس الناس حول الطاولة نفسها، لكن كل واحد منهم منشغل بهاتفه أو حاسوبه.
هذا التحول لا يمكن اعتباره سلبيًا بالكامل، فلكل جيل طريقته في استخدام المكان وبناء علاقته بالمدينة، لكن المقهى المقدسي يقف اليوم بين صورتين: صورة المكان الشعبي المرتبط بالحكاية اليومية، وصورة المقهى المعاصر الذي يحاول التكيف مع إيقاع الحياة الحديثة ومتطلبات السوق الجديدة.
تكشف التحديات ضيق المساحة العامة
تواجه المقاهي في القدس، إلى جانب التحديات الاقتصادية، تحديات تتعلق بموقعها داخل الحياة الثقافية والاجتماعية للمدينة، فارتفاع الإيجارات، وتكاليف التشغيل، والضرائب الباهظة التي تفرضها بلدية الاحتلال، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل تدفع كثيرًا من المقاهي إلى التركيز على البعد الاستهلاكي السريع على حساب دورها الاجتماعي والثقافي.
كما أثّرت الرقمنة بشكل واضح على طبيعة العلاقة داخل المقاهي نفسها، إذ صار جزء كبير من الحوار يحدث عبر الشاشات بدل الطاولات التي كانت تعرف أسماء الجالسين حولها، فيما تراجعت النقاشات الطويلة التي كانت تمنح المكان روحه الإنسانية الخاصة، وحين تخسر المدينة الدور الثقافي لمقاهيها، تخسر جزءًا من قدرتها على الكلام، فالمقهى في القدس يجسد مساحة التنفّس الصغيرة للمقدسي، كي لا يشعر أنه يعيش وحيدًا داخل مدينة تتغيّر بسرعة.
إلى جانب ذلك، تعيش القدس أصلًا حالة تضييق مستمرة في فضاءاتها العامة، ما يجعل خسارة الدور الثقافي للمقهى أكثر خطورة، فخسارة المساحات الطبيعية للحوار والتفاعل وإنتاج الأفكار اليومية تضعف روح المدينة وتماسك سكانها، كما أن بعض المقاهي بات يخشى الدخول في أي نشاط ثقافي بسبب التعقيدات السياسية والانقسامات الداخلية، أو خشية الخسارة التجارية، وضعف الدعم الثقافي القادر على تعزيز موارد المقهى واستمراريته.
تعيد الفرص الممكنة التفكير بدور المقهى
مع ذلك ما تزال المقاهي تمتلك فرصة حقيقية لاستعادة جزء مهم من دورها الثقافي، خاصة لأنها الأقرب إلى الناس والأكثر قدرة على خلق تواصل يومي طبيعي بعيدًا عن الرسمية والتكلف، فالمدينة لا تحتاج دائمًا إلى مشاريع ضخمة كي تنتج حياة ثقافية حقيقية، بل تحتاج أحيانًا إلى أماكن، تسمح للناس باللقاء والتفكير والكلام.
ويمكن للمقاهي أن تستعيد هذا الدور عبر خطوات بسيطة لكنها مؤثرة مثل توفير زاوية كتب صغيرة، تنظيم أمسيات حكواتي لرواية القصص المقدسية، عرض صور قديمة للمدينة، تنظيم لقاءات مع كتّاب وفنانين شباب، أو تخصيص طاولة أسبوعية للحوار حول قضايا القدس والحياة اليومية فيها، كما يمكن خلق شراكات حقيقية بين المقاهي والمؤسسات الثقافية والمبادرات الشبابية بما يساعد على تحويل بعض المقاهي إلى منصات ثقافية يومية قريبة من الناس.
وربما تكمن قوة المقهى المقدسي في قدرته على الجمع بين البساطة والحياة اليومية من جهة، وبين إنتاج المعنى الثقافي من جهة أخرى، فالمكان الذي يبدأ بفنجان قهوة يتحول بفعل الإرادة إلى مساحة لتوليد الأفكار أو استعادة الذاكرة أو شعور شخص ما أن المدينة ما تزال تعرفه رغم كل ما يتغير حوله.
فالثقافة لا تبدأ دائمًا من المؤسسة أو المسرح أو المنصة، بل تبدأ من تفاصيل الحياة اليومية، من طاولة يجلس حولها أشخاص يحاولون فهم مدينتهم معًا، ولهذا تبدو المقاهي في القدس أكثر من فضاءات تجارية، إنها جزء من الذاكرة اليومية للمدينة ومن قدرتها على الحفاظ على صوتها الإنساني وسط كل هذا التغير السريع، وحين تنجح المقاهي في استعادة دورها الثقافي، فإنها لا تحمي نفسها فقط، بل تساعد القدس أيضًا على حماية حقها في اللقاء والحوار ورواية حكايتها بصوت سكانها الأصليين.

فلسطين

الأحد 24 مايو 2026 10:07 صباحًا - بتوقيت القدس

تقرير للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس يحذر من خطورة الانتهاكات المتواصلة في المدينة المقدسة

 القدس- "القدس" دوت كوم- أصدرت الدائرة الإعلامية في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس، تقريراً مفصلاً حول الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في مدينة القدس ومحيطها، بما بشمل عمليات الهدم والاستيطان واقتحامات المسجد الأقصى المبارك والتهويد في البلدة القديمة والاستيلاء على مقار الأونروا وأسرلة المنهاج الفلسطيني وإلى غير ذلك من عدوان غير مسبوق على العاصمة الأبدية للدولة الفلسطينية المستقلة.
وذكر التقرير أن مدينة القدس المحتلة تشهد منذ سنوات تصعيدًا غير مسبوق في السياسات والإجراءات الإسرائيلية الهادفة إلى فرض واقع ديمغرافي وجغرافي جديد، عبر تكثيف الاستيطان، وتوسيع عمليات التهويد، والتضييق على السكان الفلسطينيين في مختلف مناحي الحياة. وقد تصاعدت هذه السياسات بصورة لافتة خلال العامين الأخيرين، لتشمل البلدة القديمة، وأحياء القدس المختلفة، ومحيط قلنديا وشارع المطار، إضافة إلى التجمعات البدوية في المنطقة الشرقية من القدس، بالتوازي مع الاعتداءات المستمرة على المسجد الأقصى المبارك، وعمليات الهدم والتهجير القسري، والانتهاكات على الحواجز العسكرية، فضلًا عن التدهور الاقتصادي الخطير الناتج عن الحصار والإغلاق وتراجع السياحة الدينية الخارجية.
وفي هذا السياق، تؤكد المعطيات الميدانية أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تسعى إلى فرض وقائع نهائية على الأرض، من خلال تسريع المشاريع الاستيطانية وربط المستوطنات الكبرى بالقدس الغربية، بما يؤدي إلى عزل القدس عن محيطها الفلسطيني، وتقويض إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

الاستيطان والتهويد
وأشار التقرير إلى أن حكومة الاحتلال تواصل تنفيذ مخططات استيطانية واسعة النطاق في القدس المحتلة، مستهدفة البلدة القديمة والأحياء الفلسطينية المحيطة بها، إلى جانب مناطق استراتيجية مثل جبل المكبر، وسلوان، والشيخ جراح، والعيسوية، وأم طوبا، وبيت حنينا، وقلنديا، وشارع المطار.
وتشير التقارير الحقوقية إلى أن سلطات الاحتلال صادقت خلال الفترة الأخيرة على آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، ضمن مخطط يهدف إلى تعزيز الأغلبية اليهودية في القدس المحتلة، وربط المستوطنات المحيطة بالمدينة ضمن حزام استيطاني متكامل. كما يتواصل العمل في مشروع "E1" الاستيطاني شرقي القدس، الذي يهدد بفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ويقضي فعليًا على إمكانية التواصل الجغرافي للدولة الفلسطينية المستقبلية.
وفي البلدة القديمة، تتصاعد عمليات الاستيلاء على العقارات الفلسطينية عبر الجمعيات الاستيطانية، خاصة في أحياء سلوان وبطن الهوى ووادي حلوة، حيث يتم استخدام المحاكم الإسرائيلية لتهجير العائلات الفلسطينية لصالح المستوطنين. كما تستمر الحفريات أسفل المسجد الأقصى ومحيطه، في إطار محاولات تغيير الطابع التاريخي والديني للمدينة.
أما في منطقة قلنديا وشارع المطار، فذكر التقرير أن سلطات الاحتلال تعمل على تنفيذ مشاريع استيطانية ضخمة تهدف إلى إقامة آلاف الوحدات الاستيطانية على أراضي المطار التاريخي، بما يؤدي إلى فصل القدس عن رام الله، وإغلاق أي إمكانية للتوسع العمراني الفلسطيني في المنطقة الشمالية للمدينة.
وأضاف تقرير المؤتمر الوطني الشعبي للقدس: وفي التجمعات البدوية شرق القدس، خاصة مناطق الجهالين والخان الأحمر ومحيط "معاليه أدوميم"، يواجه السكان خطر التهجير القسري المستمر. وتشير تقارير دولية إلى أن نحو 80 عائلة بدوية مهددة بالطرد لصالح التوسع الاستيطاني، ضمن مشروع يستهدف ربط مستوطنة "معاليه أدوميم" بالقدس الغربية.

اقتحامات المسجد الأقصى المبارك
شهد المسجد الأقصى خلال العام الأخير تصعيدًا خطيرًا في أعداد المقتحمين من المستوطنين المتطرفين، بحماية مباشرة من قوات الاحتلال الإسرائيلي.
ووفق تقارير توثيقية، اقتحم أكثر من 30 ألف مستوطن المسجد الأقصى حتى نهاية أيلول/سبتمبر 2025، وسط أداء طقوس دينية علنية داخل باحاته، ورفع شعارات استفزازية، ومحاولات متكررة لفرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد المبارك.
كما سجل شهر تشرين الأول/أكتوبر وحده اقتحام أكثر من 10822 مستوطنًا للمسجد الأقصى، وهو من أعلى الأرقام المسجلة خلال السنوات الأخيرة.
وفي كانون الأول/ديسمبر 2025، اقتحم 6260 مستوطنًا المسجد الأقصى خلال شهر واحد، بينهم 2805 خلال فترة عيد “الحانوكا”، حيث شهدت ساحات المسجد طقوسًا دينية علنية وإشعالًا للشموع داخل الأقصى، في انتهاك صارخ للوضع التاريخي والقانوني القائم.
وأشار تقرير المؤتمر الوطني الشعبي للقدس إلى أن هذه الاقتحامات ترافقها إجراءات قمعية بحق المصلين والمرابطين، شملت الإبعاد عن المسجد الأقصى، والاعتقالات، والاعتداءات الجسدية، ومنع آلاف الفلسطينيين من الوصول إلى المسجد عبر الحواجز العسكرية.

الاعتقالات والشهداء والإصابات
تواصل سلطات الاحتلال تنفيذ حملات اعتقال يومية في القدس المحتلة، تستهدف الشبان والأطفال والنساء والنشطاء، إضافة إلى فرض الحبس المنزلي والإبعاد عن الأقصى والبلدة القديمة.
ووفق المعطيات الموثقة، سُجلت 434 حالة اعتقال في القدس حتى نهاية أيلول/سبتمبر 2025، بينها 85 اعتقالًا إداريًا، إضافة إلى 133 قرار إبعاد عن المسجد الأقصى.
وفي شهر تشرين الأول/أكتوبر وحده، اعتقلت قوات الاحتلال 87 مقدسيًا، وأصابت 40 آخرين خلال الاقتحامات والمواجهات اليومية.
كما ارتقى عدد من الشهداء المقدسيين خلال عمليات القتل الميداني وإطلاق النار المباشر، وسط تصاعد سياسة الإعدام الميداني بحق الفلسطينيين، خاصة عند الحواجز العسكرية ومناطق التماس.

الحواجز العسكرية والتنكيل بالمواطنين
يعاني المقدسيون بشكل يومي من سياسة الإغلاق والتضييق عبر الحواجز العسكرية المنتشرة في محيط القدس ومداخلها، خاصة حواجز قلنديا، والزعيّم، وحزما، والكونتينر.
وتتعمد قوات الاحتلال إعاقة حركة المواطنين، وإذلال العمال والطلبة والمرضى، عبر التفتيش المهين والاحتجاز لساعات طويلة، وإغلاق الحواجز بشكل مفاجئ، ما يؤدي إلى تعطيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية.
كما تتكرر الاعتداءات الجسدية واللفظية على المواطنين، في ظل تشديد القيود على دخول الفلسطينيين إلى القدس، ومنع آلاف المواطنين من الوصول إلى المسجد الأقصى، خاصة خلال شهر رمضان والأعياد.

سياسة الهدم والهدم الذاتي
تواصل سلطات الاحتلال استخدام سياسة هدم المنازل والمنشآت كأداة للضغط والتهجير القسري بحق الفلسطينيين في القدس.
وخلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت عمليات الهدم بصورة كبيرة، حيث وثقت التقارير تنفيذ عشرات عمليات الهدم في أحياء مختلفة من القدس، بينها عمليات هدم ذاتي قسري أجبرت العائلات الفلسطينية على هدم منازلها بأيديها تفاديًا للغرامات الباهظة.
ففي آب/أغسطس 2025 تم تسجيل 30 عملية هدم، بينها 15 حالة هدم ذاتي قسري.
كما سجل كانون الأول/ديسمبر 2025 هدم 46 منشأة في محافظة القدس، بينها 6 عمليات هدم ذاتي.
وبحسب تقارير الرصد، بلغ عدد عمليات هدم الممتلكات حتى نهاية أيلول/سبتمبر 2025 نحو 116 عملية هدم، إلى جانب عشرات أوامر الإخلاء والاستيلاء على الأراضي.
وتستهدف هذه السياسة دفع الفلسطينيين إلى الرحيل القسري عن المدينة، في إطار مخطط لتقليص الوجود الفلسطيني وتعزيز التوسع الاستيطاني.

التعليم في القدس
يواجه قطاع التعليم في القدس تحديات خطيرة نتيجة السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى طمس الهوية الوطنية الفلسطينية وفرض المنهاج الإسرائيلي على المدارس المقدسية.
وتواصل سلطات الاحتلال التضييق على المدارس الفلسطينية عبر تقليص الميزانيات، ومنع التراخيص، وفرض المناهج المحرفة، إضافة إلى اقتحام المدارس واعتقال الطلبة.
كما تعاني المدارس من نقص حاد في الغرف الصفية والبنية التحتية، في ظل الاكتظاظ الشديد وارتفاع نسب التسرب المدرسي.
وفي المدارس المسيحية، حذرت مؤسسات تعليمية مقدسية من أزمة متفاقمة بسبب منع إصدار تصاريح للمعلمين القادمين من الضفة الغربية، الأمر الذي يهدد استمرارية العملية التعليمية في عدد من المدارس التاريخية بالمدينة.

الأوضاع الاقتصادية وتراجع السياحة
تشهد القدس المحتلة أزمة اقتصادية خانقة نتيجة الحصار والإغلاق والقيود الإسرائيلية المشددة، إلى جانب تراجع الحركة التجارية والسياحية بصورة غير مسبوقة.
وأشار التقرير إلى أن الأسواق المقدسية، خاصة في البلدة القديمة، تأثرت بتراجع أعداد الزوار والحجاج المسيحيين والمسلمين القادمين من الخارج، في ظل الحرب المستمرة والإجراءات الأمنية المشددة.
وأضاف أن توقف السياحة الدينية الخارجية تسبّب بخسائر فادحة للتجار وأصحاب الفنادق والمطاعم والحرفيين، حيث تعتمد قطاعات واسعة من الاقتصاد المقدسي على المواسم الدينية والسياحية.
كما يعاني العمال المقدسيون من صعوبات متزايدة في الوصول إلى أماكن عملهم بسبب الحواجز والإغلاقات، إضافة إلى ارتفاع نسب البطالة والفقر، وتراجع القدرة الشرائية للسكان.
ويؤكد اقتصاديون مقدسيون أن الاحتلال يستخدم الأدوات الاقتصادية كوسيلة ضغط لإضعاف صمود المقدسيين ودفعهم إلى الهجرة خارج المدينة.

قراءة في المشهد العام
واعتبر التقرير أن مجمل هذه السياسات تكشف عن استراتيجية إسرائيلية شاملة تستهدف تغيير هوية القدس العربية والإسلامية والمسيحية، وفرض وقائع ديمغرافية وسياسية جديدة عبر الاستيطان والتهجير والقمع.
وأضاف: إن الاستيطان يتوسع بوتيرة متسارعة، والأقصى يتعرض لاقتحامات غير مسبوقة، والاقتصاد المقدسي ينهار تدريجيًا، فيما يواجه الفلسطينيون يوميًا الاعتقالات والهدم والتضييق على الحواجز. وفي المقابل، يواصل المقدسيون تمسكهم بأرضهم وهويتهم الوطنية، رغم الظروف القاسية والانتهاكات المتواصلة.

 استهداف "الأونروا" والمؤسسات الفلسطينية بالقدس
في إطار سياسة ممنهجة تستهدف تقويض الوجود الفلسطيني الرسمي والوطني في القدس المحتلة، صعّدت سلطات الاحتلال الإسرائيلي خلال الفترة الأخيرة من إجراءاتها ضد مؤسسات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، إلى جانب استمرار إغلاق المؤسسات الفلسطينية الوطنية والتاريخية في المدينة.
فقد دخل قرار الاحتلال بحظر عمل وكالة "الأونروا" في القدس الشرقية حيّز التنفيذ مطلع عام 2025، بعد إجبار الوكالة على إخلاء مقارها ومنشآتها، وإنهاء عمل موظفيها الدوليين داخل المدينة. كما أقدمت سلطات الاحتلال على إغلاق عدد من مدارس الوكالة في مخيم شعفاط ومناطق أخرى من القدس، في خطوة تهدد حق آلاف الطلبة الفلسطينيين في التعليم والخدمات الأساسية.
وتشير المعطيات إلى أن الاحتلال يسعى إلى إنهاء الدور التاريخي والسياسي والإنساني لوكالة "الأونروا" في القدس، باعتبارها شاهدًا دوليًا على قضية اللاجئين الفلسطينيين، ومحاولة شطب قضية اللاجئين وحق العودة من أي تسوية مستقبلية. كما شرعت الحكومة الإسرائيلية في تخصيص ميزانيات وبرامج بديلة للسيطرة على قطاعات التعليم والصحة والخدمات التي كانت تقدمها الوكالة في القدس الشرقية المحتلة.
وفي سياق متصل، تتواصل سياسة إغلاق المؤسسات الفلسطينية الرسمية والوطنية في القدس منذ سنوات، حيث تواصل سلطات الاحتلال تمديد قرارات الإغلاق بحق مؤسسات بارزة مثل "بيت الشرق"، و"الغرفة التجارية"، و"المجلس الأعلى للسياحة"، و"نادي الأسير"، و"المركز الفلسطيني للدراسات"، ومكتب الدراسات الاجتماعية والإحصائية، وغيرها من المؤسسات التي شكلت لعقود عنوانًا للحضور الوطني الفلسطيني في المدينة.
ويُعتبر "بيت الشرق" من أبرز المؤسسات الفلسطينية التي استهدفها الاحتلال، نظرًا لدوره السياسي والتاريخي كمقر وطني فلسطيني في القدس، فيما أدى إغلاق المؤسسات الأخرى إلى إضعاف العمل الاجتماعي والثقافي والحقوقي والاقتصادي الفلسطيني داخل المدينة المحتلة.
ويرى مراقبون أن الاحتلال يهدف من خلال هذه السياسات إلى تفريغ القدس من أي مرجعية وطنية فلسطينية، وفرض السيطرة الكاملة على الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية فيها، بالتوازي مع مشاريع التهويد والاستيطان والتضييق على السكان الفلسطينيين.

اللواء بلال النتشة: حرب مفتوحة تستهدف الإنسان والأرض والمقدسات والهوية الوطنية

وفي تعقيبه على هذه الانتهاكات، أكد الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس بلال النتشة أن ما يجري في القدس يمثل "حربًا مفتوحة تستهدف الإنسان والأرض والمقدسات والهوية الوطنية الفلسطينية"، مشددًا على أن الاحتلال يسعى إلى فرض أمر واقع بالقوة عبر الاستيطان والتهجير والتضييق الاقتصادي.
وأضاف النتشة أن "القدس تواجه أخطر مراحل التهويد منذ احتلالها عام 1967، في ظل تصعيد الاقتحامات للمسجد الأقصى، وتسارع المشاريع الاستيطانية، وعمليات الهدم والتهجير التي تطال الأحياء الفلسطينية والتجمعات البدوية".
وأشار إلى أن استمرار الصمت الدولي يشجع الاحتلال على المضي في انتهاكاته، داعيًا إلى تحرك عربي وإسلامي ودولي عاجل لحماية القدس ومقدساتها، ودعم صمود أهلها اقتصاديًا وسياسيًا وقانونيًا.
وأكد النتشة أن الشعب الفلسطيني سيواصل الدفاع عن القدس مهما بلغت التضحيات، وأن المدينة ستبقى عنوان الهوية الوطنية الفلسطينية وعاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة.

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:06 صباحًا - بتوقيت القدس

فتح المتجددة: بين الإرث وأدوات العصر


انعقاد المؤتمر الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بحد ذاته يحمل دلالة سياسية وتنظيمية مهمة، لأنه يعكس إصرار الحركة على العودة إلى الشرعية الداخلية وصناديق الاقتراع رغم كل الظروف الاستثنائية التي يعيشها الشعب الفلسطيني. قرار الرئيس محمود عباس الاحتكام للإرادة التنظيمية في هذه المرحلة يمثل قرارًا قياديًا شجاعًا ورسالة بأن فتح ما زالت تؤمن بالتجدد والمراجعة وإنتاج القيادة التمثيلية لكل زمان ومكان وهذا ما أعاد الأمل للشارع الفلسطيني.
اليوم، يمر الشعب الفلسطيني بمرحلة تاريخية شديدة القسوة، من حرب إبادة وتجويع ودمار في غزة، إلى سياسات تهجير واستيطان واعتقالات واعدامات وتمييز وعنصرية في الضفة الغربية والقدس، وسط محاولات مستمرة لتكريس الانقسام وإضعاف الهوية الوطنية الجامعة. ومن هنا، اصبحت مسؤولية المؤتمر أكبر من مجرد انتخاب هيئات قيادية؛ إنها مسؤولية إعادة بناء الثقة الوطنية، وصياغة خطاب سياسي قادر على حماية المشروع الوطني الفلسطيني في لحظة مصيرية.
وتبقى غزة في قلب هذا المشروع الوطني، ليس باعتبارها ملفًا إنسانيًا أو ساحة حرب فقط، بل باعتبارها جزءًا أصيلًا وأساسيًا من فلسطين سياسيًا وجغرافيًا ووطنيًا. إن أي محاولة للتعامل مع غزة باعتبارها كيانًا منفصلًا أو قضية معزولة تمثل خطرًا مباشرًا على وحدة الشعب الفلسطيني ومستقبل قضيته الوطنية. وغزة، بما قدمته من صمود وتضحيات، ليست هامشًا في الرواية الفلسطينية، بل إحدى ركائزها. ولهذا، فإن الحفاظ على وحدة غزة والضفة والقدس والشتات لم يعد مجرد شعار سياسي، بل ضرورة وجودية لحماية الهوية الوطنية الفلسطينية من التفتيت وهذا ما عكسه المؤتمر من خلال الساحات.
لقد كانت قوة حركة فتح تاريخيًا في كونها حركة تحرر وطني جامعة، وليست إطارًا أيديولوجيًا مغلقًا. فهي الحركة التي استطاعت أن تجمع الفلسطينيين بمختلف توجهاتهم ومواقعهم الجغرافية ضمن مشروع وطني واحد. واليوم، يحتاج هذا الدور إلى تجديد حقيقي، لا عبر تغيير الثوابت الوطنية، بل عبر تطوير أدوات العمل السياسي والتنظيمي بما يتناسب مع طبيعة العالم المعاصر.
فالتحدي الحقيقي لم يعد فقط في الحفاظ على الخطاب الوطني التقليدي، بل في امتلاك أدوات جديدة للتأثير والفعل السياسي. العالم تغيّر، وأشكال الصراع تغيّرت، والمعركة الفلسطينية لم تعد فقط على الأرض، بل أيضًا في الإعلام الرقمي، والدبلوماسية العامة، والذكاء الاصطناعي، والرأي العام العالمي، والقانون الدولي، والاقتصاد، ومنصات التكنولوجيا الحديثة بأيدي الشباب والمرأة وأصحاب الاختصاص. لذلك، فإن فتح المتجددة مطالبة بإظهار قوة ناعمة وبناء خطاب حديث وأدوات عصرية قادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة والعالم بلغة القرن الحادي والعشرين.
وفي هذا السياق، فإن مشاركة الشباب والمرأة والأسرى والشتات الفلسطيني داخل المؤتمر تحمل رسائل سياسية عميقة تتجاوز البعد التنظيمي. فحضور هذه المكونات يؤكد أن المشروع الوطني الفلسطيني ما زال حيًا وموحدًا رغم الجغرافيا والانقسامات والظروف القاسية.
كما أن الحضور الرمزي والسياسي للأسرى يمثل موقفًا وطنيًا واضحًا يرفض سياسات الاحتلال القائمة على الاعتقال والعزل وكسر الإرادة الفلسطينية، ويؤكد أن قضية الحرية ستبقى جوهر النضال الفلسطيني.
أما الحضور الفلسطيني من مختلف الساحات، من غزة والضفة الغربية والقدس، إلى لبنان ومصر ومخيمات الشتات، فيعكس حقيقة الوحدة الوطنية الفلسطينية رغم كل محاولات التفكيك والعزل. هذه الساحات ليست مجرد امتدادات تنظيمية، بل تعبير حي عن وحدة المصير والهوية والرواية الفلسطينية.
ومن هنا، فإن “فتح المتجددة” اعادت تعريف علاقتها بالجغرافيا الفلسطينية؛ ليس بمنطق المحاصصة أو الانقسام المناطقي، بل بمنطق التخصص والكفاءة وتكامل الأدوات. فالقضية الفلسطينية اليوم تحتاج إلى السياسي والدبلوماسي، وإلى الخبير القانوني والإعلامي والاقتصادي والتكنولوجي، بقدر حاجتها إلى القيادات التنظيمية التقليدية. لم تعد قوة الحركة تُقاس فقط بانتشارها الجغرافي، بل بقدرتها على تحويل التنوع الفلسطيني إلى مصدر قوة استراتيجية قادرة على إنتاج التأثير والفعل السياسي الحديث.
وفي المقابل، من الضروري أن يبقى المؤتمر مساحة للحوار الوطني المسؤول، لا ساحة للصراعات الشخصية أو التنافس الفردي. فحجم التحديات التي تواجه الفلسطينيين يتطلب خطابًا وحدويًا يرتقي فوق الحسابات الضيقة، ويعيد التركيز على الأولويات الوطنية الكبرى: حماية المشروع الوطني، وإنهاء الانقسام، واستعادة ثقة الشارع الفلسطيني بالمؤسسات السياسية وهذا يتطلب قيادة مسؤولة تتجاوز المنصب وتحترم المسائلة وتحتكم للأدوار حسب التخصص.
فتح اليوم تقدم الامل بشخصيتها القانونية لاستعادة زمام المبادرة للقيادة داخل منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وتعزيز حضورها السياسي والإقليمي والدولي بلغة حقوقية ودبلوماسية حديثة قادرة على مخاطبة العالم والدفاع عن الحقوق الفلسطينية في مختلف المحافل.
نجاح المؤتمر الثامن لا يعني امتلاك عصا سحرية ستقلب الواقع ١٨٠ درجة ولن يُقاس فقط بانتخاب قيادة جديدة، بل بقدرته على توظيف الأدوات واحترام التخصص وقبول المحاسبة كإجراء تنظيمي استراتيجي للحفاظ على دور الحركة الطليعي والطبيعي في قيادة المشروع الوطني الجامع بين ارث التاريخ وأدوات العصر وصون جوهر فتح كونها حركة تحرر وطني تأسست على الحرية والكرامة والاستقلال.
وفي النهاية، تبقى فتح، بكل ما تمثله من إرث وتاريخ وتضحيات, حركة للأوفياء من قيادات الماضي لأحرار الواقع والمستقبل حتى انهاء الاحتلال وتحقيق طموحات شعب تليق به الحرية.


أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 10:05 صباحًا - بتوقيت القدس

الهلاك في حرب الأسلاك


أعود اليوم لأركز على مدى اعتماد البشرية على الفضاء الرقمي بصورةٍ لا تمر فيها بضع دقائق إلا وتلقف الناس هواتفهم المحمولة ليراجعوا حساباتهم على منصات الإعلام الاجتماعي، أو يتصفحوا ما تحمله تلك المنصات من أخبار، أو يجروا مكالمات هاتفية، أو يتابعوا أعمالهم وأحوالهم ومالهم عبر ذلك الفضاء بصورةٍ أدخلت الإنترنت في عالم المسَلّمات. ومع صعود نجم الذكاء الاصطناعي، فإن المزج بين التقنيات بات اليوم أمراً راسخاً ومتصاعداً بشكل غير مسبوق.
ولعل حجم هكذا اعتماد بات ظاهراً في كل مرة تلوح فيها إيران مثلاً بقطع "كوابل" الإنترنت العابرة لمضيق هرمز، وهو ما يبعث الرعب في قلوب المستخدمين في المنطقة وخارجها. فالإنترنت لم تعد وسيلة تواصل أو منصة للترفيه، بل باتت البنى التحتية برمتها والمرتبطة بها محل انشغال البشرية الملحوظ، وذلك لتغلغلها العميق في تفاصيل حياتنا اليومية.
فمن خلف شاشات الحواسيب والهواتف الصغيرة، تتحرك المصارف، وتدار محطات الطاقة والمشافي والمختبرات والمزارع والقطارات والطائرات والجامعات، والتعليم والتجارة وغيرها الكثير. لذلك، فإن الحديث اليوم عن تهديدات تطول كوابل الإنترنت البحرية في مضيق هرمز لن يكون حدثاً تقنياً عابراً، بل ناقوس خطر عالمي يثير حفيظة دول الخليج وبعض دول الشرق الاوسط ويدفعهم إلى البحث الفوري عن البدائل كالإنترنت المحمول عبر البث الفضائي أو تحميل المحتوى الرقمي على كابلات بحرية بديلة.  
التقارير التي تتحدث عن إمكانية استهداف أو قطع الكوابل البحرية في حال توسع المواجهات العسكرية في المنطقة، تكشف حجم التحول الذي طرأ على مفهوم الحرب الحديثة. فالحروب لم تعد تقتصر على السلاح التقليدي من صواريخ وطائرات ودبابات ومدفعية وغواصات، بل باتت تشمل أيضاً السيطرة على تدفق المعلومات والطاقة والاتصالات وما بينهما من عوالم لا تعرف الحدود ولا السقوف. ففي عالم يعتمد على الاتصال اللحظي، تصبح الإنترنت شريان حياة حقيقيٍ. ولعل قطع هذا الشريان يعني شللاً واسعاً قد يطال الاقتصاد والصحة والتعليم والأمن وحتى الإغاثة الإنسانية وصولاً إلى هلاك قطاعي مرعب.
إن أي انقطاع واسع للإنترنت لن يكون مجرد أزمة تقنية مؤقتة، بل قد يتحول إلى حالة من الفوضى العابرة للحدود. تخيلوا تعطل الأنظمة المصرفية، وتوقف الملاحة الجوية، وتعثر الخدمات الطبية، وانقطاع التواصل بين الشعوب والمؤسسات. إنها صورة مرعبة لعالم مضطرب قابل للانكسار يفقد قدرته على إدارة نفسه في لحظات.
ومن هنا، فإن حماية البنى التحتية الرقمية يجب أن يصبح أولوية دولية لا تقل أهمية عن حماية الممرات البحرية أو مصادر الطاقة. فالإنترنت باتت ضرورة وجودية للبشرية جمعاء، وأية محاولة لتحويلها إلى أداة ابتزاز أو سلاح ضغط سياسي، تمثل تهديداً مباشراً للاستقرار العالمي ولحق الإنسان في الحياة والتواصل والتعلم والعلاج وغيرهم الكثير.
لقد أدخلت الحرب على إيران العالم في زمن جديدٍ من الفوضى التي طالت كل شيء، حتى بتنا نعيش "الحرب على الكابل" لتصل في خطورتها إلى حال أخطر من الحرب على الحدود والحغرافيا وحتى البشر. للحديث بقية!

[email protected]

فلسطين

الأحد 24 مايو 2026 10:04 صباحًا - بتوقيت القدس

ضمن عشر شخصيات حول العالم.. جامعة نرويجية تمنح د. سماح جبر الدكتوراه الفخرية تقديراً لإسهاماتها في الطب النفسي المناهض للاستعمار


رام الله- "القدس" دوت كوم - منحت جامعة بيرجن في النرويج، إحدى أعرق الجامعات الأوروبية، الطبيبة والكاتبة الفلسطينية د. سماح جبر درجة الدكتوراه الفخرية، ضمن عشر شخصيات في العالم، تقديراً لإسهاماتها العالمية في مجال الطب النفسي المناهض للاستعمار، ولا سيما عملها في توثيق ومعالجة الآثار النفسية للعنف السياسي والاحتلال، ودورها في الدفاع عن الحق في الصحة النفسية وحقوق الإنسان الفلسطيني.
وشاركت أخصائية الطب النفسي د. سماح جبر، الخميس 21 مايو/ أيار الجاري، في مراسم الاحتفال بمنحها درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة بيرجن في النرويج، وذلك تقديراً لإسهاماتها العالمية في الطب النفسي المناهض للاستعمار، حيث تخلل المناسبة إلقاؤها عدداً من المحاضرات والحواريات المتخصصة لمهنيي الصحة النفسية في النرويج.
وقالت د. جبر في حديث مع "القدس"، "إن إبلاغها بمنحها الدكتوراه الفخرية وصلها عبر البريد الإلكتروني في نهاية عام 2025، قبل أن تُستكمل مراسم التكريم رسمياً في 21 مايو/ أيار 2026".
وأوضحت جبر أن منحها شهادة الدكتوراه الفخرية جاء بعد عملية تقييم أكاديمي أجرتها لجنة ضمت علماء نفس وأكاديميين وباحثين، قاموا بمراجعة أعمالها المنشورة باللغة الإنجليزية وترشيحها لجامعة بيرجن، مشيرة إلى أن الجامعة تمنح الدكتوراه الفخرية لعشر شخصيات فقط حول العالم كل عامين.
وجاء قرار الجامعة، وفق التقييم الأكاديمي، تقديراً لإسهام د. جبر في تطوير فهم عالمي لخصوصية التجربة الفلسطينية في ظل القمع والتهجير، ونجاحها في الدمج بين الممارسة الإكلينيكية والمرافعة الحقوقية، بما يقدم نموذجاً لطب نفسي ملتزم بالقيم الإنسانية والأخلاق المهنية.
كما أشارت الجامعة إلى دور د. جبر في توثيق ومعالجة الآثار النفسية للعنف السياسي والاحتلال، والدفاع عن حقوق الإنسان الفلسطيني، بما في ذلك الحق في الرعاية الصحية النفسية والعدالة.
وقالت د. جبر تعليقاً على التكريم: "هذا الشرف الأكاديمي أقبله باسم شعبي، وباسم كل من يعمل في الميدان الصحي في فلسطين في ظروف بالغة الصعوبة، أعتبر الدكتوراه الفخرية مسؤولية إضافية للاستمرار في حمل الشهادة، والوقوف إلى جانب من يستهدفون في أمنهم وحريتهم وكرامتهم وصحتهم النفسية".
وبحسب جبر، يُنظر إلى منح الدكتوراه الفخرية من جامعة بيرجن باعتباره اعترافاً دولياً بأهمية العمل النفسي في السياقات الواقعة تحت الاحتلال، وبالدور الذي يؤديه الأطباء الفلسطينيون في الدفاع عن حقوق الإنسان وتوثيق تأثير سياسات القمع على الصحة النفسية، إلى جانب تطوير نماذج تدخل تستجيب للواقع السياسي والاجتماعي الفلسطيني.
وشددت جبر على أنه من المتوقع أن يسهم هذا التكريم في تعزيز التعاون الأكاديمي والبحثي بينها وبين مؤسسات صحية وبحثية في النرويج وأوروبا، وتوسيع النقاش العالمي حول الصحة النفسية في سياقات النزاع والاستعمار

عربي ودولي

الأحد 24 مايو 2026 9:47 صباحًا - بتوقيت القدس

اختراق تطبيق 'اتصالات تونس' وبث رسائل سياسية عبر إشعاراته

أعلنت شركة اتصالات تونس عن تعرض تطبيقها الرقمي الرسمي 'MyTT' لهجمة سيبرانية مفاجئة، وذلك عقب تداول واسع لرسائل غير مألوفة وصلت إلى هواتف المشتركين. وأوضحت الشركة في بيان مقتضب أنها رصدت الهجوم منذ لحظاته الأولى وتحركت الفرق التقنية لتحييد الخطر واستعادة السيطرة على المنظمة في وقت قياسي، دون أن تقدم إيضاحات فنية معمقة حول كيفية حدوث الاختراق.

وتداول مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي في تونس صوراً تظهر إشعارات منبثقة من التطبيق تحمل انتقادات حادة للأوضاع السياسية والمعيشية الراهنة في البلاد. وأثارت هذه الرسائل حالة من الجدل الواسع والتساؤلات حول مدى سلامة البنية التحتية الرقمية للشركة، وقدرة الجهات المخترقة على الوصول إلى نظام الإشعارات الجماعية وتوجيه رسائل ذات طابع سياسي مباشر.

وأفادت مصادر محلية بأن التطبيق شهد اضطرابات تقنية ملحوظة تزامنت مع الهجوم، حيث ظهرت لبعض المستخدمين رسائل تشير إلى وجود أعمال صيانة طارئة قبل أن تعود الخدمة للعمل بشكل تدريجي. ورغم استعادة الاستقرار الفني، إلا أن الشركة لم تحسم الجدل القائم بشأن احتمالية تسريب بيانات شخصية أو معلومات حساسة تخص ملايين المشتركين الذين يعتمدون على التطبيق في معاملاتهم اليومية.

ويعتبر تطبيق 'MyTT' الركيزة الأساسية للخدمات الرقمية التي تقدمها الشركة، حيث يتيح للمواطنين إدارة خطوطهم الهاتفية وتسديد الفواتير الشهرية والوصول إلى العروض التجارية. ويأتي هذا الاستهداف السيبراني في توقيت حساس تمر به تونس، حيث تتصاعد وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية والتنديد بغلاء المعيشة وتراجع جودة الخدمات العامة، مما يضفي صبغة سياسية واضحة على الحادثة.

وحتى هذه اللحظة، لم تعلن أي جهة أو مجموعة من قراصنة الإنترنت مسؤوليتها عن هذا الاختراق الذي استهدف واحدة من كبرى المؤسسات الوطنية في تونس. ويبقى الغموض سيد الموقف بشأن الدوافع الحقيقية وراء اختيار هذا التوقيت، في ظل صمت رسمي عن تفاصيل التحقيقات الجارية لتحديد هوية المهاجمين والثغرات التي تم استغلالها للوصول إلى واجهة التطبيق.

فلسطين

الأحد 24 مايو 2026 9:47 صباحًا - بتوقيت القدس

استشهاد عائلة فلسطينية في غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً بمخيم النصيرات

فجعت عائلة فلسطينية في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، فجر اليوم الأحد، بمجزرة جديدة ارتكبتها طائرات الاحتلال الحربية، أسفرت عن استشهاد زوجين وطفلهما الرضيع الذي لم يتجاوز العام الواحد، بالإضافة إلى وقوع عدد من الجرحى في صفوف المدنيين القاطنين في المنطقة المستهدفة.

وأفادت مصادر محلية بأن الغارة الجوية استهدفت بشكل مباشر شقة سكنية، مما أدى إلى ارتقاء محمد إبراهيم أبو ملوح البالغ من العمر 38 عاماً، وزوجته آلاء مجدي زقلان (36 عاماً)، وطفلهما الصغير أسامة، ونُقل الضحايا والمصابون إلى المستشفيات القريبة وسط حالة من الذعر والدمار الذي خلفه القصف.

وفي سياق متصل بالتصعيد الميداني، واصلت الزوارق الحربية الإسرائيلية اعتداءاتها على المناطق الساحلية، حيث فتحت نيران رشاشاتها الثقيلة بكثافة صوب شواطئ مدينة غزة، مما زاد من وتيرة التوتر الميداني في ظل استمرار العدوان الجوي والبحري على مختلف مناطق القطاع.

عربي ودولي

الأحد 24 مايو 2026 9:17 صباحًا - بتوقيت القدس

تقارب أمريكي إيراني نحو اتفاق شامل: تمديد للهدنة وفتح مضيق هرمز

كشفت مصادر مطلعة عن وصول الولايات المتحدة وإيران إلى مراحل متقدمة في صياغة اتفاق تاريخي يهدف إلى إنهاء حالة التوتر العسكري وإعادة تنظيم الملاحة الدولية. وينص المقترح الحالي على تمديد وقف إطلاق النار الساري بين الطرفين لمدة 60 يوماً إضافية، يتم خلالها تنفيذ بنود تقنية وسياسية معقدة لضمان استقرار المنطقة.

وأكد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عبر منصة 'تروث سوشال' أن المفاوضات قطعت شوطاً كبيراً في صياغة مذكرة تفاهم شاملة. وأشار ترمب إلى أن التفاصيل النهائية يجري وضع اللمسات الأخيرة عليها حالياً، متوقعاً الإعلان عن الاتفاق الرسمي في وقت قريب جداً لإنهاء الأزمة التي عصفت بالمنطقة مؤخراً.

تتضمن المسودة المسربة بنوداً حيوية تتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية دون فرض أي رسوم مرور من الجانب الإيراني. وفي المقابل، تلتزم طهران بإزالة الألغام البحرية التي زرعتها خلال فترة الصراع لضمان سلامة السفن التجارية وناقلات النفط العابرة للممر المائي الاستراتيجي.

في المقابل، ستقوم الإدارة الأمريكية برفع الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية منذ منتصف أبريل الماضي، مما يتيح لطهران استئناف تصدير النفط الخام. كما يشمل الاتفاق إصدار إعفاءات من العقوبات الاقتصادية للسماح بتدفق السيولة المالية وتنشيط القطاع التجاري الإيراني المتعثر نتيجة الحرب.

وعلى الصعيد النووي، تتعهد إيران بموجب الاتفاق المقترح بعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية والدخول في مفاوضات جادة لتعليق برنامج تخصيب اليورانيوم. كما تشمل الالتزامات الإيرانية التخلص من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، وهي خطوة تعتبرها واشنطن أساسية لضمان أمن حلفائها في المنطقة.

من جانبها، نقلت وسائل إعلام إيرانية رسمية تحفظات بشأن طبيعة الإدارة في مضيق هرمز، مؤكدة أن السيادة الإيرانية على المضيق لا تقبل النقاش. وأوضحت تلك المصادر أن أي ترتيبات ملاحية يجب أن تتم بالتوافق مع الدول المطلة على المضيق، لاسيما سلطنة عمان، لضمان تنظيم حركة السفن.

وأفادت مصادر ميدانية بأن مسار المفاوضات اتسم بالتقلب الشديد خلال الأسابيع الماضية، حيث كان الطرفان يتراجعان في اللحظات الأخيرة قبل التوقيع. ومع ذلك، تبدو الوساطة الباكستانية والقطرية الحالية أكثر تفاؤلاً بالوصول إلى صيغة نهائية ترضي طموحات الطرفين وتمنع العودة إلى مربع المواجهة العسكرية.

وتشير التقارير إلى أن إيران تمكنت من انتزاع مكاسب تتعلق بفصل الملفات السياسية عن العسكرية في المرحلة الأولى من الاتفاق. حيث وافقت واشنطن على البدء بخطوات بناء الثقة المتمثلة في وقف العمليات العدائية ورفع الحصار البحري قبل الانتقال إلى الملفات الإقليمية والنووية الأكثر تعقيداً.

وتتضمن مذكرة التفاهم التي يحملها وسطاء إقليميون شرطاً إيرانياً يقضي بالإفراج عن أصول مالية مجمدة في الخارج تقدر بأكثر من 20 مليار دولار. وتعتبر طهران هذا الإجراء تعويضاً ضرورياً مقابل تخليها عن فكرة فرض رسوم عبور على السفن وناقلات النفط التي تمر عبر مياهها الإقليمية في المضيق.

وفي سياق متصل، يسود القلق في الأوساط الإسرائيلية تجاه هذا التقارب المفاجئ، حيث دعا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قادة ائتلافه الحكومي لاجتماع طارئ. ويهدف الاجتماع إلى تدارس تداعيات الاتفاق المحتمل على الأمن القومي الإسرائيلي، خاصة فيما يتعلق بالضمانات الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني.

وكانت الحرب قد اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي عقب هجمات جوية استهدفت منشآت إيرانية، مما أدى إلى إغلاق ممرات الملاحة الدولية. ومنذ سريان الهدنة في الثامن من أبريل، تسعى القوى الدولية والإقليمية لتثبيت وقف إطلاق النار وتحويله إلى اتفاق سلام دائم ينهي حالة الاضطراب.

ويرى مراقبون أن الصيغة الجديدة للاتفاق تركز على تقليص الوجود العسكري الأمريكي في مناطق التماس المباشر مع القوات الإيرانية. هذا الإجراء يهدف إلى منح 'مساحة أمان' تمنع وقوع احتكاكات عسكرية غير مقصودة قد تؤدي إلى انهيار التفاهمات الهشة والعودة إلى القتال.

وتلعب باكستان دوراً محورياً كوسط رسمي في هذه المحادثات، حيث قام قائد الجيش الباكستاني بنقل رسائل ومذكرات تفاهم بين العاصمتين. وتهدف هذه الجهود إلى إيجاد مخرج يحفظ ماء الوجه للطرفين، بحيث تحصل إيران على مكاسب اقتصادية مقابل تقديم تنازلات أمنية وملاحية.

ويبقى التحدي الأكبر أمام هذا الاتفاق هو مدى التزام الأطراف بتنفيذ البنود التقنية خلال فترة الستين يوماً المحددة. فبينما يرى ترمب أن فرص النجاح متكافئة مع فرص العودة للحرب، يأمل المجتمع الدولي أن تؤدي هذه الانفراجة إلى استقرار أسعار الطاقة وتأمين سلاسل الإمداد العالمية.

عربي ودولي

الأحد 24 مايو 2026 9:17 صباحًا - بتوقيت القدس

القضاء الفرنسي يؤيد حظر 'اللقاء السنوي لمسلمي الغرب' في مدينة نانت

صادقت المحكمة الإدارية في مدينة نانت الفرنسية، يوم السبت، على قرار محافظة 'لوار أتلانتيك' القاضي بمنع إقامة فعالية 'اللقاء السنوي لمسلمي الغرب'. وجاء هذا التأييد القضائي ليحسم الجدل حول الفعالية التي كان من المقرر انطلاقها مطلع الأسبوع الجاري، مما أثار موجة من الردود المتباينة داخل الأوساط السياسية والاجتماعية في المنطقة.

وأوضحت جوانا رولان، رئيسة بلدية نانت أن السلطات المحلية اتخذت خطوة الحظر المفاجئة قبل ٢٤ ساعة فقط من الموعد المحدد للنشاط. وأشارت رولان في تصريحات رسمية إلى أن هذا التوقيت المتأخر حرم آلاف العائلات والمواطنين المسلمين من لقاء اجتماعي وثقافي كانوا يترقبونه منذ فترة طويلة، معتبرة أن القرار يساهم في تعزيز التفرقة بدلاً من الوحدة.

من جانبها، كشفت محافظة 'لوار أتلانتيك' أن المحافظ فابريس ريغوليه-روز اتخذ قرار المنع بناءً على تعليمات مباشرة من وزير الداخلية لوران نونيز. وبررت المحافظة هذا الإجراء بوجود مخاوف من طرح أفكار أو تصريحات خلال الجلسات قد تتعارض مع القوانين الفرنسية المعمول بها، خاصة تلك المتعلقة بكرامة الإنسان والقيم الجمهورية الأساسية.

واستهدفت مبررات الحظر بشكل خاص مشاركة مسؤولين من 'جمعية مسلمي فرنسا' في البرنامج، حيث ادعت السلطات أن هناك احتمالية لصدور مواقف تتنافى مع المبادئ العامة للدولة. ورغم الطعون القانونية التي قدمها المنظمون، إلا أن القضاء الإداري رأى في دفوع المحافظة أسباباً كافية لمنع التجمع وتفادي ما وصفه بـ 'المخاطر المحتملة'.

وفي سياق ردود الفعل، أعربت رئيسة البلدية عن تضامنها الكامل مع الجهات المنظمة والجمهور الذي كان يعتزم الحضور من مختلف المدن الفرنسية. وشددت على أن دور مؤسسات الدولة يجب أن يرتكز على احتواء الجميع تحت مظلة المواطنة، مؤكدة أن قرار المنع خلف حالة من الإحباط العميق لدى شريحة واسعة من سكان المدينة.

يُذكر أن هذا الحظر يأتي في ظل تشديد الرقابة الحكومية الفرنسية على الأنشطة والجمعيات الإسلامية، وهو ما يثير تساؤلات مستمرة حول حدود الحريات الدينية والتعبير. وتعد فعالية 'اللقاء السنوي لمسلمي الغرب' واحدة من المحطات التي تجمع سنوياً مئات الأسر لمناقشة قضايا الاندماج والهوية في المجتمعات الأوروبية.

فلسطين

الأحد 24 مايو 2026 8:47 صباحًا - بتوقيت القدس

عشرة شهداء في غارات متواصلة وتوسيع لعمليات النسف الإسرائيلية غرب غزة

ارتفعت حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى عشرة مواطنين، بينهم طفل، جراء سلسلة من الغارات الجوية والقصف المدفعي الإسرائيلي الذي استهدف مناطق متفرقة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية. وأفادت مصادر ميدانية بأن الهجمات ترافقت مع تصعيد في عمليات تدمير المربعات السكنية وتوسيع ما يسمى بـ'الخط الأصفر' في الجهة الغربية من القطاع، حيث تواصل الآليات العسكرية تجريف مساحات واسعة من الأراضي.

وفي تفاصيل الميدان، استشهد ثلاثة فلسطينيين في مخيم النصيرات وسط القطاع إثر استهداف مباشر، بينما ارتقى ستة آخرون في غارة استهدفت موقعاً تابعاً للشرطة الفلسطينية. وكان من بين ضحايا استهداف الشرطة طفل تصادف مروره في محيط المكان، مما أدى أيضاً إلى وقوع إصابات متفاوتة الخطورة بين المدنيين المتواجدين في المنطقة.

كما تمكنت طواقم الإسعاف والدفاع المدني من انتشال جثمان شهيد من منطقة 'نتساريم' الواقعة في وسط قطاع غزة، لترتفع الحصيلة الإجمالية للضحايا في أقل من يوم واحد. وتؤكد التقارير الواردة من المستشفيات أن أعداد الضحايا شهدت تصاعداً ملحوظاً خلال الشهرين الماضيين، حيث بات معدل الشهداء اليومي لا يقل عن خمسة أفراد نتيجة الاستهدافات المستمرة.

وتشير المصادر إلى أن جيش الاحتلال يتبع سياسة 'الزحف الغربي' من خلال الاستيلاء اليومي على مساحات جديدة داخل القطاع وضمها لمناطق العمليات العسكرية. وتتم هذه العمليات عبر نسف المنازل السكنية وتجريف الأراضي الزراعية بشكل ممنهج، مما يؤدي إلى تغيير معالم المناطق الحدودية والداخلية وتشريد مزيد من العائلات الفلسطينية من منازلها.

وعلى الصعيد الإنساني، تتفاقم الأزمة المعيشية بشكل حاد نتيجة القيود المشددة التي تفرضها سلطات الاحتلال على تدفق الإمدادات الأساسية عبر المعابر التجارية. وبالرغم من وجود اتفاقات سابقة تنص على إدخال ما لا يقل عن 600 شاحنة يومياً، إلا أن الواقع يشير إلى دخول نحو 200 شاحنة فقط، وهو ما لا يلبي الحد الأدنى من احتياجات السكان المحاصرين.

وفيما يخص القطاع الصحي، لا يزال آلاف الجرحى والمرضى يواجهون خطراً حقيقياً على حياتهم بسبب استمرار إغلاق أو تقييد السفر عبر معبر رفح البري. وتكشف البيانات الطبية عن وجود أكثر من 20 ألف حالة مسجلة على قوائم الانتظار بحاجة ماسة للعلاج في الخارج، في ظل انهيار المنظومة الصحية المحلية ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه المقاومة الفلسطينية والفعاليات الشعبية التحذير من مغبة استمرار هذا التصعيد الذي يوصف بأنه انقلاب على التفاهمات الإنسانية. وتؤكد المصادر أن استهداف عناصر الشرطة والقيادات الخدمية يهدف إلى نشر الفوضى وتعميق المعاناة الإنسانية، وسط صمت دولي حيال عمليات التهجير القسري وتدمير البنية التحتية.

عربي ودولي

الأحد 24 مايو 2026 8:04 صباحًا - بتوقيت القدس

درع كوبا العتيق: هل تصمد منظومات 'إس-125' السوفيتية أمام التهديدات الأمريكية الحديثة؟

أعادت السلطات الكوبية مؤخراً نشر منظومات الدفاع الجوي السوفيتية من طراز 'إس-125 إم/إم1' في إطار مناورات عسكرية شاملة. تأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد المخاوف داخل هافانا من تعرض الجزيرة لضربات عسكرية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة مع تزايد حدة الخطاب السياسي بين البلدين.

تزامن هذا التحرك العسكري مع اتهامات وجهتها واشنطن للزعيم الكوبي السابق راؤول كاسترو ومجموعة من كبار المسؤولين في الدولة. وترى الحكومة الكوبية أن هذه الاتهامات تمثل ذريعة أمريكية لتشديد الضغوط الاقتصادية والسياسية، وربما التمهيد لعمل عسكري مباشر ضد أهداف استراتيجية في البلاد.

في ظل تراجع جاهزية الأسطول الجوي الكوبي وتقادم مقاتلات 'ميغ-23'، باتت منظومات الدفاع الجوي الأرضية هي الركيزة الأساسية لحماية الأجواء. وتمثل منظومة 'إس-125' العمود الفقري لهذه الشبكة، رغم قدم تصميمها الذي يعود إلى حقبة الحرب الباردة في خمسينيات القرن الماضي.

صُممت منظومة 'إس-125'، المعروفة لدى حلف الناتو باسم 'SA-3 Goa'، لتوفير حماية ضد الأهداف التي تحلق على ارتفاعات منخفضة ومتوسطة. وقد دخلت الخدمة رسمياً في الاتحاد السوفيتي عام 1961، لتصبح منذ ذلك الحين واحدة من أكثر الأنظمة الدفاعية انتشاراً في العالم بفضل فاعليتها وتكلفتها المنخفضة.

تعتمد كوبا على هذه المنظومة بشكل مكثف مقارنة بدول أخرى فضلت الانتقال إلى أنظمة أحدث مثل 'إس-300'. ويرجع ذلك إلى قدرة المهندسين الكوبيين على إجراء تحديثات محلية للمنظومة، بالإضافة إلى توفر مخزون كبير من الصواريخ وقطع الغيار التي تعود للحقبة السوفيتية.

لتحسين فرص بقاء هذه المنظومات في ميدان المعركة، عمدت القوات الكوبية إلى إجراء تعديلات ميدانية مبتكرة. شملت هذه التعديلات تركيب منصات الإطلاق والرادارات على هياكل دبابات ومدرعات قديمة، مما يمنحها قدرة على الحركة السريعة وتجنب الضربات الاستباقية الأمريكية.

تعتمد النسخ الكوبية المطورة على صواريخ '5V27' التي تعمل بالوقود الصلب وتتميز بقدرة عالية على الاشتباك مع الأهداف المنخفضة. وتستطيع هذه الصواريخ ملاحقة أهداف تطير على ارتفاع 100 متر فقط، مما يجعلها خطيرة ضد المروحيات والطائرات التي تحاول التسلل تحت التغطية الرادارية.

تصل مواصفات المنظومة القتالية إلى مدى اشتباك يبلغ نحو 35 كيلومتراً، مع قدرة على تدمير أهداف بارتفاع يصل إلى 15 ألف متر. وتستخدم الصواريخ رؤوساً حربية شديدة الانفجار تزن حوالي 70 كيلوغراماً، تعتمد على نظام تفجير تقاربي ينشر سحابة من الشظايا القاتلة حول الهدف.

يحفل التاريخ القتالي لمنظومة 'إس-125' بمحطات بارزة، كان أهمها المشاركة في حرب أكتوبر 1973 ضد سلاح الجو الإسرائيلي. وقد أثبتت المنظومة قدرتها على التعامل مع الطائرات المقاتلة السريعة، مما عزز من سمعتها كأداة دفاعية فعالة في مواجهة القوى الجوية المتفوقة تكنولوجياً.

يبقى الإنجاز الأبرز للمنظومة هو نجاح الدفاعات الجوية الصربية في إسقاط طائرة الشبح الأمريكية 'F-117 نايت هوك' عام 1999. هذا الحادث التاريخي أثبت للعالم أن التكتيكات الذكية يمكن أن تمكن الأنظمة القديمة من تحييد أحدث الابتكارات التكنولوجية العسكرية الأمريكية في ذلك الوقت.

رغم هذا التاريخ، يرى خبراء عسكريون أن مواجهة سلاح الجو الأمريكي اليوم تختلف جذرياً عن تجارب التسعينيات. فالولايات المتحدة تمتلك الآن جيلاً جديداً من الطائرات الشبحية مثل 'F-35' و'F-22'، بالإضافة إلى قدرات هائلة في الحرب الإلكترونية والتشويش الرقمي المتقدم.

تتمثل نقاط الضعف الرئيسية في 'إس-125' في محدودية قدرتها على رصد الأهداف ذات البصمة الرادارية المنخفضة جداً. كما أن راداراتها القديمة نسبياً قد تكون عرضة للتعطيل بواسطة طائرات الحرب الإلكترونية، فضلاً عن مداها القصير الذي يجعلها هدفاً سهلاً للذخائر الدقيقة بعيدة المدى.

تشير تقارير استخباراتية من عام 2025 إلى أن كوبا بدأت برنامجاً طموحاً لتحديث هذه المنظومات تحت مسمى 'بيتشورا-2 بي إم'. ويتضمن البرنامج رقمنة أنظمة التحكم وتحسين قدرات تتبع الأهداف، مع احتمالية وجود دعم تقني سري من كوريا الشمالية التي تمتلك خبرة واسعة في هذا المجال.

في الختام، تظل 'إس-125' خيار كوبا الأخير لرفع تكلفة أي عدوان محتمل وتعقيد العمليات الجوية المعادية. ورغم أنها قد لا تمنع هجوماً أمريكياً شاملاً، إلا أن وجودها يفرض على المخططين العسكريين في واشنطن الحذر الشديد من مفاجآت قد تعيد سيناريو إسقاط الشبح فوق البلقان.

فلسطين

الأحد 24 مايو 2026 7:34 صباحًا - بتوقيت القدس

حماقة بن غفير تحرق ملايين الدعاية الإسرائيلية: أسطول الحرية ينتصر في معركة الصورة

شهد الأسبوع الماضي تصعيداً إسرائيلياً جديداً في عرض البحر، حيث اعترضت القوات البحرية نحو خمسين سفينة كانت تشكل أسطولاً دولياً لكسر الحصار عن قطاع غزة. الأسطول الذي حمل على متنه 430 ناشطاً من أربعين دولة، تعرض للمداهمة في المياه الدولية قبل وصوله إلى وجهته الإنسانية المحملة بالمساعدات.

ولم تتوقف الحادثة عند حدود الاعتراض العسكري، بل تحولت إلى فضيحة سياسية كبرى بعد قيام وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، بنشر مقطع فيديو يوثق لحظات إذلال الناشطين في ميناء أشدود. ظهر الناشطون في المقطع معصوبي الأعين ومكبلي الأيدي في وضعيات مهينة، مما أثار موجة استنكار عالمية واسعة.

ووثقت الكاميرات سلوكاً عدوانياً من عناصر الأمن تجاه الناشطات الأجنبيات، حيث تم الاعتداء بالدفع على إحداهن لمجرد هتافها بالحرية لفلسطين. وفي غضون ذلك، كان بن غفير يرفع علم الاحتلال ويخاطب جنوده بلهجة استعلائية، مطالباً إياهم بعدم التأثر بصراخ المعتقلين، مدعياً ملكية الأرض.

هذا السلوك الاستعراضي وضع الحكومة الإسرائيلية في حرج بالغ أمام المجتمع الدولي، مما دفع بنيامين نتنياهو إلى محاولة التنصل من أفعال وزيره. وصرح نتنياهو بأن ما حدث لا يمثل قيم الدولة، في محاولة يائسة لاحتواء الغضب الدبلوماسي الذي اجتاح العواصم الأوروبية.

من جانبه، وجه وزير الخارجية الإسرائيلي انتقادات لاذعة لبن غفير، معتبراً أن تصرفاته ألحقت ضرراً استراتيجياً متعمداً بمصالح إسرائيل الخارجية. وقد تجلى هذا الضرر في استدعاء عشر دول أوروبية لسفراء الاحتلال للاحتجاج على المعاملة المهينة التي تعرض لها مواطنوها من الناشطين.

وفي خطوة تصعيدية غير مسبوقة، طالبت كل من إسبانيا وإيطاليا الاتحاد الأوروبي بضرورة فرض عقوبات رسمية على بن غفير لانتهاكه القوانين الدولية. حتى الحلفاء التقليديين، مثل السفير الأمريكي مايك هاكابي، لم يجدوا بداً من إدانة هذه التصرفات التي وصفوها بالخارجة عن السياق الدبلوماسي.

ويرى مراقبون أن بن غفير نجح في تبديد ميزانية ضخمة خصصتها سلطات الاحتلال للدعاية وتحسين الصورة، والتي تقدر بنحو 730 مليون دولار. فبمنشور واحد على منصات التواصل الاجتماعي، كشف الوزير المتطرف الوجه الحقيقي للاحتلال الذي تحاول الماكينة الإعلامية إخفاءه خلف شعارات الديمقراطية.

وعلى الرغم من فشل الأسطول في الوصول فيزيائياً إلى شواطئ غزة، إلا أن المحللين يؤكدون أنه حقق انتصاراً معنوياً وسياسياً فاق التوقعات. فقد تصدرت أخبار الناشطين الصفحات الأولى للصحف العالمية، وتحولت قضية حصار غزة إلى مادة دسمة للنقاش في أروقة القرار الدولي.

إن هذا التحول في المواقف الرسمية والشعبية في أوروبا يشير إلى تصدع في جدار الصمت الذي كان يحيط بممارسات الاحتلال لسنوات طويلة. وباتت الأصوات داخل الكيان نفسه، بما في ذلك ضباط استخبارات سابقون، تقر بأن حماقات اليمين المتطرف تخدم القضية الفلسطينية أكثر مما تخدم أهداف الاحتلال.

تحليل

الأحد 24 مايو 2026 7:34 صباحًا - بتوقيت القدس

تصدعات في جدار الإدارة الأمريكية: استقالات متلاحقة تثير القلق في الشرق الأوسط

تعيش المنطقة حالة من الترقب المشوب بالقلق تجاه التقلبات الحادة في السياستين الإقليمية والدولية، حيث يبدو أن ميزات الحكمة والتدبير التي ميزت القادة التاريخيين قد غابت عن المشهد الراهن. إن القوى العظمى اليوم تعاني من أزمات داخلية واضطرابات عميقة أدت إلى سقوط التوافقات الوطنية أمام المطامع القومية المتطرفة، مما يهدد بنية دولة المؤسسات التي قامت على التوازن والمصلحة العامة.

في بريطانيا، كشفت تداعيات الخروج من الاتحاد الأوروبي عن هشاشة الاستقرار الذي ساد لعقود طويلة، حيث تراجعت الثقة في الحنكة السياسية التقليدية أمام موجات الشعبوية. هذا التحول أفسح المجال لظهور حركات فاشية ومثالية بدأت تهز أركان الديمقراطية العريقة، وهو وضع لا يختلف كثيراً عما تشهده بقية الديمقراطيات الأوروبية المتخوفة من صعود النفوذ الروسي شرقي القارة.

التغير الأكثر تأثيراً يبرز حالياً في الولايات المتحدة، نظراً لثقل واشنطن في تقرير مصير الشرق الأوسط، حيث تثير التحركات الأخيرة في البيت الأبيض تساؤلات جوهرية. وقد توقف مراقبون عند غياب الرئيس دونالد ترمب عن حفل زفاف نجله في جزر البهاما، وما رافق ذلك من تكهنات حول وجود قضايا كبرى تشغل الإدارة في هذه المرحلة الحساسة.

على الصعيد الدبلوماسي، سجلت السفارة الأمريكية في أوكرانيا استقالة لافتة لجولي ديفيس، القائمة بالأعمال، بعد أقل من عام على توليها المنصب. وتأتي هذه الخطوة وسط تقارير تتحدث عن خلافات عميقة مع الإدارة حول إدارة الملف الأوكراني، مما يعكس حالة من عدم الرضا داخل الدوائر الدبلوماسية الرفيعة تجاه التوجهات الحالية.

ديفيس ليست الدبلوماسية الوحيدة التي غادرت منصبها في كييف، فقد سبقتها السفيرة بريدجيت برينك التي استقالت احتجاجاً على ما وصفته بسياسة المحاباة تجاه موسكو. هذه الاستقالات المتتالية تشير إلى وجود فجوة في الرؤى الاستراتيجية بين الكادر الدبلوماسي المحترف وبين صانع القرار في البيت الأبيض، خاصة فيما يتعلق بالأمن الأوروبي.

في سياق متصل، أحدثت مغادرة تولسي غابارد لمنصب مديرة الاستخبارات الوطنية هزة جديدة في أركان الإدارة الأمريكية، رغم تبريرها الخطوة بظروف صحية عائلية. غابارد، التي انتقلت من الحزب الديمقراطي إلى فريق ترمب، كانت تمثل صوتاً مثيراً للجدل في ملفات الأمن القومي، مما يجعل رحيلها مادة دسمة للتكهنات السياسية.

تعتبر استقالة غابارد الرابعة ضمن سلسلة مغادرات لمسؤولات يشغلن حقائب وزارية وملفات حساسة، مما يضع استقرار الفريق الحكومي تحت المجهر. فقد شملت القائمة وزيرة العدل بام بوندي، ووزيرة الأمن الداخلي كريستي نوم، بالإضافة إلى وزيرة العمل لوري تشافيز- دي ريمر، وهو ما يعزز فرضية وجود أزمة انسجام داخلي.

يعزو خبراء ومحللون هذا الاضطراب في تركيبة فريق ترمب إلى تداخل العوامل الشخصية والاستراتيجية، بالإضافة إلى ضغوط خارجية مؤثرة. وتبرز الحسابات المتعلقة بالعلاقة مع إسرائيل والتعامل مع روسيا كأحد أهم محركات الخلاف التي تؤدي إلى عدم الثبات في المناصب القيادية العليا داخل واشنطن.

إن القوة العظمى مثل الولايات المتحدة تتطلب وجود شبكة متماسكة من المتخصصين وفريق مركزي منسجم لإدارة الأزمات الدولية بفعالية. وفي منطقتنا العربية، تبدو التعقيدات أكبر من أن تحتمل سياسات قائمة على التجربة والخطأ أو فرضيات مبنية على مغالطات تخدم أطرافاً ثالثة على حساب الاستقرار الإقليمي.

تاريخياً، سخر المحافظون الجدد من سياسات بناء الدول التي انتهجتها إدارات سابقة، وعملوا على تقويضها، وهو نهج استمر بأشكال مختلفة عبر الإدارات المتعاقبة. إلا أن الثابت هو أن المجتمع الدولي يشعر بالاطمئنان فقط عندما يلمس تجانساً ووضوحاً في العقيدة السياسية والقتالية لواشنطن، بما يضمن التمييز بين الحليف والخصم.

في الختام، فإن غياب استراتيجية حقيقية ومتماسكة سيؤدي حتماً إلى تفاقم الأزمات الدولية وتحول الإشكالات البسيطة إلى كوارث يصعب احتواؤها. الشرق الأوسط، بخصوصيته وتعقيداته، ينتظر قرارات مفهومة التفاصيل تستند إلى رؤية واضحة، بعيداً عن التخبط الذي قد تفرضه الحسابات الفردية أو الضغوط الطارئة.

أقلام وأراء

الأحد 24 مايو 2026 7:03 صباحًا - بتوقيت القدس

انقلاب السحر على الساحر: كيف كشف أسطول الحرية الوجه الحقيقي للاحتلال أمام الغرب؟

كشف التعامل العنيف من قبل سلطات الاحتلال مع أسطول كسر الحصار عن غزة عن طبيعة الكيان التي تتجاوز كل حدود الإنسانية. هذا الطيش لم يفرق هذه المرة بين الفلسطينيين وبين المتضامنين القادمين من دول غربية مثل فرنسا وبريطانيا وكندا، الذين حاولوا إيصال المساعدات الطبية والغذائية للمحاصرين، ليصطدموا بواقع القمع الذي يعيشه أبناء غزة يومياً.

على الرغم من أن الاحتلال قد يرى في سياسة الاغتيالات والتدمير في المدن الفلسطينية واللبنانية والإيرانية مكاسب تكتيكية، إلا أنه خسر معركة الصورة الأخلاقية بشكل كامل. لقد بات من المستحيل اليوم تسويق أكاذيب 'التظلم' أو 'التحضر' التي اعتاد العالم سماعها في الحروب الكلاسيكية السابقة، حيث كشفت الحقائق الميدانية عن وجه داكن السواد لا يمكن تجميله.

رصدت تقارير إعلامية في بلجيكا وإسبانيا وكندا موجة من الصدمة تجاه العنف الذي مورس ضد النشطاء السلميين بقيادة ساسة الكيان. وقد تساءل صحفيون غربيون بوضوح عن مصير الفلسطينيين تحت هذا الاحتلال، معتبرين أنه إذا كان هذا هو التعامل مع 'أهل السلم' من الغرب، فإن ما يحدث في الخفاء مع أصحاب الأرض يفوق التصور البشري.

إن القوى التي زرعت هذا الكيان في المنطقة ودعمته في كافة حروبه منذ عام 1956 وصولاً إلى الاجتياحات والحروب المعاصرة، تجد نفسها اليوم في مأزق أمام شعوبها. لقد تحول الدعم المطلق من حالة 'التحرج' إلى السقوط في فخ التماهي الكامل مع أفعال الاحتلال، مما أثار تساؤلات عميقة داخل المجتمعات الغربية حول طبيعة هذه العلاقة العضوية.

يظهر التخبط الأمريكي بوضوح في عجز الإدارة عن تبرير تحولها إلى أداة بيد نتنياهو، تنفق الأموال وتضحي بالحلفاء من أجل كيان بات يشوه صورة واشنطن عالمياً. هذا الانقلاب في الأدوار جعل الراعي يتحول إلى خادم للمشروع الذي أنشأه، مما يضع السياسة الخارجية الأمريكية في مواجهة مباشرة مع قيمها المدعاة ومع مصالح شعبها.

تشبه هذه الحالة الدرامية نهاية رواية 'فرانكشتاين' الشهيرة، حيث ينقلب المخلوق الذي صُنع للسيطرة على خالقه ويدمره في نهاية المطاف. لقد سقى الغرب هذا الكيان واعتنى به لعقود، لكنه في لحظة الحقيقة بدأ يتجرع من سمه الزعاف، بعدما تمرد 'الاختراع النشاز' على القواعد التي وضعت له، مهدداً الاستقرار الأخلاقي والسياسي لمؤسسيه.

تحليل

الأحد 24 مايو 2026 6:59 صباحًا - بتوقيت القدس

اتفاق أميركي ـ إيراني يلوح في الأفق: هل تقترب نهاية الحرب أم هدنة مؤقتة؟

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات – 24/5/2026


تحليل إخباري


شهدت العاصمة الأميركية في الساعات الأخيرة من يوم السبت، حالة مشحونة من التوقعات والتكهنات، حيث  دخلت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة قد تكون الأكثر حساسية منذ اندلاعها قبل نحو ثلاثة أشهر، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن واشنطن باتت قريبة من التوصل إلى اتفاق مع طهران لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط والغاز في العالم.


وقال ترمب، السبت، إن اتفاقاً "تم التفاوض على معظمه" يجري استكمال تفاصيله الأخيرة، مشيراً إلى أنه تحدث مع عدد من القادة العرب بشأن "مذكرة تفاهم تتعلق بالسلام". ورغم غياب إعلان رسمي من إيران أو إسرائيل، فإن مسؤولين إيرانيين أكدوا لوسائل إعلام متعددة، أن طهران وافقت مبدئياً على تفاهم يشمل وقف القتال على مختلف الجبهات، وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، ورفع الحصار البحري الأميركي المفروض على إيران.


ويأتي هذا التطور بعد أسابيع من تصاعد المخاوف من عودة الحرب الشاملة، خصوصاً مع التهديدات الأميركية المتكررة باستهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية الإيرانية، ومع استمرار التوترات الإقليمية المرتبطة بلبنان والخليج.


وبحسب مسؤولين إيرانيين، فإن الاتفاق المقترح لا يحسم القضايا المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، بل يؤجلها إلى جولة تفاوض منفصلة تمتد بين شهر وشهرين. ويبدو أن هذا التأجيل يعكس رغبة مشتركة لدى الطرفين في تثبيت وقف إطلاق النار أولاً، ومنع انهيار التفاهمات بسبب أكثر الملفات تعقيداً وحساسية.


كما أفادت مصادر مطلعة بأن الاتفاق يتضمن الإفراج عن مليارات الدولارات (نصف أل12 مليار دولار) من الأصول الإيرانية المجمدة، وهو مطلب رئيسي لطهران منذ بداية الأزمة. وتقول مصادر دبلوماسية إن قطر وباكستان لعبتا دوراً محورياً في الوساطة بين الجانبين، فيما دعمت دول عربية عدة جهود التهدئة خشية انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.


وتكشف التطورات الأخيرة أن الحرب، رغم ضراوتها، لم تحقق الأهداف السياسية القصوى لأي من الأطراف. فالولايات المتحدة لم تنجح في فرض استسلام إيراني أو تفكيك البرنامج النووي، بينما عجزت إيران عن فرض معادلة ردع كاملة أو كسر الضغوط الاقتصادية والعسكرية المفروضة عليها. لذلك يبدو الاتفاق المطروح أقرب إلى تسوية اضطرارية منه إلى انتصار واضح لأي طرف. وفي الواقع، فإن إعادة فتح مضيق هرمز وحدها تمثل اعترافاً ضمنياً بأن استمرار إغلاقه بات يهدد الاقتصاد العالمي، ويضع ضغوطاً هائلة على جميع القوى الإقليمية والدولية، بما فيها حلفاء واشنطن أنفسهم في الخليج.


ورغم الحديث عن تقدم كبير في المفاوضات، فإن إسرائيل تبدو الطرف الأكثر قلقاً من أي اتفاق محتمل. فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ألذي أجرى مكالمة هاتفية موتورة ومتأججة مع ترمب الأربعاء الماضي، والذي لا يريد لهذه الحرب أن تنتهي،  لم يصدر تعليقاً فورياً على إعلان ترمب، وسط تقارير تفيد بأن الإدارة الأميركية أبعدت تل أبيب عن تفاصيل التفاوض المباشر مع إيران.


وكان نتنياهو قد أطلق العمليات العسكرية ضد إيران متعهداً بـ”إنهاء التهديد الإيراني”، إلا أن الأشهر الماضية أظهرت حدود القوة العسكرية في حسم صراع معقد يمتد من الخليج إلى لبنان. كما أن استمرار الاشتباكات مع “حزب الله” يثير تساؤلات حول قدرة أي اتفاق أميركي ـ إيراني على فرض تهدئة شاملة في المنطقة.


ولعل المفارقة الأبرز في المشهد الحالي أن إسرائيل، التي دفعت بقوة نحو التصعيد العسكري، قد تجد نفسها أمام تسوية لا تتحكم بشروطها بالكامل. فواشنطن تبدو أكثر اهتماماً اليوم بمنع الانفجار الإقليمي وحماية استقرار أسواق الطاقة من مواصلة الحرب المفتوحة. وهذا التحول يعكس اختلافاً متزايداً بين الحسابات الأميركية والإسرائيلية. فالإدارة الأميركية تنظر إلى الحرب من زاوية الكلفة الاقتصادية والاستراتيجية العالمية، بينما ترى إسرائيل فيها معركة وجودية طويلة الأمد. وإذا تم الاتفاق بالفعل، فقد يفتح ذلك باب توتر سياسي جديد بين ترامب ونتنياهو، خصوصاً إذا اعتبر اليمين الإسرائيلي أن واشنطن قدمت تنازلات كبيرة لطهران دون ضمانات حاسمة.


وفي الداخل الإيراني، قوبل الإعلان الأميركي بحالة من الارتياح الحذر، حتى بين بعض منتقدي الحكومة. فقد عاش الإيرانيون خلال الأسابيع الماضية تحت ضغط الخوف من تجدد الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية، مع تدهور اقتصادي حاد ونقص متزايد في السلع الأساسية والطاقة.


ونقلت تقارير عن سكان في طهران أنهم كانوا يستعدون لمغادرة العاصمة تحسباً لاستئناف القصف، فيما تحدث آخرون عن تخزين المياه والبطاريات والمواد الغذائية. وفي المقابل، اعتبر مؤيدون للحكومة الإيرانية أن مجرد صمود البلاد وعدم انهيار النظام السياسي أو العسكري يمثل “انتصاراً” بحد ذاته، خاصة بعد التهديدات الأميركية المتكررة.


ويشير مراقبون إلى أن توقيت الحديث عن الاتفاق يحمل رمزية خاصة داخل إيران، إذ تزامن مع ذكرى استعادة مدينة خرمشهر خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية عام 1982، وهي مناسبة ترتبط في الوعي الإيراني بفكرة الصمود الوطني والانتصار رغم الكلفة الباهظة.


ما يحدث حالياً قد لا يكون نهاية للحرب بقدر ما هو انتقال إلى شكل مختلف من الصراع. فالقضايا الجوهرية التي فجرت المواجهة، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني، ودور طهران الإقليمي، ومستقبل العقوبات الأميركية، لا تزال بلا حلول حقيقية. لذلك تبدو التهدئة الحالية شبيهة بوقف إطلاق نار طويل أكثر من كونها اتفاق سلام دائم. غير أن أهمية اللحظة تكمن في أن جميع الأطراف، بعد أشهر من التصعيد، أدركت أن الحرب المفتوحة تحمل كلفة تتجاوز قدرتها على الاحتمال. ومن هنا، فإن أي تفاهم مقبل سيكون محاولة لإدارة الصراع لا لإنهائه بصورة نهائية أو شاملة.

فلسطين

الأحد 24 مايو 2026 6:03 صباحًا - بتوقيت القدس

إسبانيا: اعتقالات وصدامات في مطار بلباو خلال استقبال ناشطي أسطول الصمود

أعلنت السلطات الأمنية في إقليم الباسك الإسباني عن توقيف أربعة أشخاص في مطار بلباو، وذلك على خلفية مواجهات اندلعت يوم السبت في قاعة الوصول. وجاءت هذه الصدامات تزامناً مع وصول مجموعة من الناشطين المشاركين في 'أسطول الصمود' الذي كان متوجهاً لكسر الحصار عن قطاع غزة.

وأفادت مصادر ميدانية بأن الحادثة بدأت عندما تجمع حشد غفير من المتضامنين والأهالي لاستقبال ستة ناشطين عائدين من تركيا، بعد فترة من احتجازهم لدى القوات الإسرائيلية. وقد سادت أجواء من التوتر في المطار فور وصول الرحلة الجوية التي كانت تحمل المشاركين في المبادرة الإنسانية.

وتطورت الأحداث بشكل دراماتيكي حين حاول أحد أقارب الناشطين العائدين الاقتراب منهم لمعانقتهم، إلا أن عنصراً من الشرطة تدخل لمنعه مستخدماً القوة البدنية. هذا التصرف أدى إلى نشوب عراك بالأيدي وتدافع واسع بين قوات الأمن والمستقبلين الذين استنكروا طريقة التعامل الأمني معهم.

ووثقت مقاطع مصورة بثت عبر وسائل إعلام محلية قيام عناصر الشرطة باستخدام الهراوات لضرب المحتجين وتثبيت عدد منهم على الأرض بعنف. وتعالت هتافات الاستهجان من المسافرين والمارة في المطار الذين صدموا من مشهد الاعتداء على الناشطين وعائلاتهم في مكان عام.

من جانبها، أصدرت شرطة إقليم الباسك بياناً أكدت فيه أن المعتقلين الأربعة يواجهون تهماً تتعلق بالعصيان الجسيم ومقاومة السلطات والاعتداء على موظفين عموميين. وأشارت الشرطة إلى أن إدارة الشؤون الداخلية بدأت تحقيقاً رسمياً للوقوف على ملابسات الحادثة والتأكد من مدى التزام العناصر بالبروتوكولات المتبعة.

وفي رد فعل غاضب، أصدرت قيادة 'أسطول الصمود' بياناً أعربت فيه عن سخطها الشديد تجاه ما وصفته بالاعتداء الوحشي من قبل شرطة 'إرتزاينتزا'. واعتبر البيان أن هذا السلوك يمثل الوجه القبيح للعنف الممنهج الذي يمارس ضد الناشطين الحقوقيين بدعم ضمني من القوى الدولية الكبرى.

وتأتي هذه التطورات لتسلط الضوء مجدداً على التحديات التي يواجهها المتضامنون مع القضية الفلسطينية في أوروبا، حتى بعد عودتهم إلى بلدانهم. ويطالب حقوقيون بضرورة محاسبة المسؤولين عن العنف غير المبرر الذي مورس ضد عائلات الناشطين في مطار بلباو لضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات.

اسرائيليات

الأحد 24 مايو 2026 4:47 صباحًا - بتوقيت القدس

دراسة إسرائيلية تحذر من 'التهديد التركي': طموحات عثمانية تسعى لإعادة صياغة المنطقة

تتصاعد حدة التحريض الإسرائيلي تجاه تركيا، حيث باتت الأوساط الأمنية في تل أبيب تنظر بقلق بالغ نحو التحركات التركية في المنطقة. واتهم جنرالات في جيش الاحتلال أنقرة بالسعي لتحقيق طموحات توسعية تهدف لإحكام قبضتها على موازين القوى تجارياً وعسكرياً، معتبرين أن السياسة التركية الحالية تمثل تحدياً مباشراً للمصالح الإسرائيلية.

وزعم الجنرالان غابي سيبوني وإيريز فينر، في دراسة حديثة أن التهديد التركي يتطلب استراتيجية مواجهة شاملة لا تتعامل مع إسرائيل كدولة صغيرة بل كقوة إقليمية مهيمنة. وأشارا إلى أن الرئيس رجب طيب أردوغان يتبنى رؤية 'إسلامية عثمانية' تدفع بالسياسة الخارجية التركية نحو دعم مطلق للفلسطينيين، مما أدى لتحطيم كافة قواعد العلاقة السابقة.

ووفقاً للدراسة المنشورة في معهد القدس للاستراتيجية والأمن، فإن تركيا تحولت إلى ملاذ آمن لقيادات المقاومة الفلسطينية، وقدمت دعماً لوجستياً وسياسياً كبيراً لحركة حماس. كما لفتت المصادر إلى أن خطاب أردوغان الذي شبه فيه نتنياهو بهتلر، واتهاماته لإسرائيل بارتكاب إبادة جماعية، رفع منسوب التوتر إلى مستويات غير مسبوقة.

وحذرت الدراسة من أن التهديد التركي تفاقم بشكل ملحوظ عقب التغيرات الجيوسياسية في سوريا، حيث تسعى أنقرة لتوسيع نفوذها جنوباً باتجاه الحدود الإسرائيلية. وأبدى الجنرالان تخوفهما من تسارع وتيرة التسليح التركي، بما في ذلك تطوير صواريخ باليستية بعيدة المدى وبرامج نووية مدنية قد تخدم أغراضاً استراتيجية مستقبلاً.

ويرى المحللون الإسرائيليون أن التحول في السياسة التركية ليس وليد الصدفة، بل ينبع من أيديولوجية 'العثمانية الجديدة' التي ترى في إسرائيل قوة أجنبية تعيق السيطرة التركية على شرق المتوسط. وتعتبر أنقرة، بحسب الدراسة أن تعزيز الوجود الإسرائيلي يمثل تشويهاً تاريخياً تسعى لتصحيحه عبر استعادة مكانتها كسيدة للشرق الأوسط الكبير.

وتشمل أدوات المواجهة التركية، وفقاً للمنظور الإسرائيلي، دعماً فعلياً للمقاطعة الاقتصادية وضغوطاً قانونية لملاحقة قادة الاحتلال أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. ورغم استمرار بعض القنوات التجارية غير المباشرة، إلا أن التوجه العام التركي يسير نحو عزل إسرائيل دولياً وإقليمياً في كافة المحافل.

في المقابل، تسعى سلطات الاحتلال لكبح جماح الطموحات التركية عبر بناء تحالفات إقليمية مضادة، لا سيما مع اليونان وقبرص. وتهدف هذه التحالفات إلى إنشاء ممرات تجارية بديلة، مثل الطريق البري الذي يربط الهند بأوروبا عبر إسرائيل، لاستبعاد تركيا من خارطة التجارة الدولية وموارد الطاقة في المتوسط.

ووصفت الدراسة الإسرائيلية تركيا بأنها أصبحت 'قوة سنية صناعية وعدوانية' تهدد الاستقرار الإقليمي وتقوض الأمن القومي الإسرائيلي بشكل مباشر. وطالب الجنرالان بضرورة الرد على هذا التهديد عبر منظومة متعددة الأوجه تشمل الجوانب الاستخباراتية والعسكرية والسياسية، وعدم الاكتفاء بالردود الدبلوماسية التقليدية.

وتؤكد القراءة الأمنية أن جذور الصراع مع تركيا لا تكمن في خلافات عابرة أو مصالح مؤقتة، بل في أيديولوجية عميقة تستلهم أمجاد الإمبراطورية العثمانية. هذه الرؤية تدفع أنقرة لمحاولة استعادة نفوذها في مناطق كانت خاضعة لحكمها لقرون، بدءاً من البلقان وصولاً إلى شمال أفريقيا والقوقاز والشرق الأوسط.

وشددت الدراسة على أنه لا يمكن لإسرائيل الوقوف مكتوفة الأيدي أمام تنامي القدرات العسكرية والسياسية التركية، داعية لتحديث المفهوم الأمني الإسرائيلي ليدرج تركيا كسيناريو تهديد رئيسي. ويتضمن ذلك تعزيز القدرات الاستخباراتية والاستعداد لسيناريوهات الصراع المباشر أو غير المباشر في الساحات المختلفة.

وعلى الصعيد الدولي، تتحرك إسرائيل عبر الولايات المتحدة لمحاولة كبح الطموح التركي، رغم اعتراف الدراسة بمحدودية التأثير الأمريكي في ظل علاقات ترامب مع أردوغان. ومع ذلك، تراهن تل أبيب على اهتمام الإدارة الأمريكية بمنع وقوع مواجهة عسكرية مباشرة بين حليفين رئيسيين في المنطقة وضمان استقرار الملاحة.

وفي إطار الخطوات العملية، كشفت المصادر عن توقيع خطة عمل عسكرية ثلاثية مع اليونان وقبرص لعام 2026، تتضمن تكثيف المناورات الجوية والبحرية المشتركة. وتهدف هذه التحركات لإنشاء قوة رد فعل سريع في حوض المتوسط، مما يجعل من مناورات 'دينا النبيلة' نشاطاً روتينياً لمواجهة التمدد البحري التركي.

كما اقترحت الدراسة تعميق 'اتفاقيات أبراهام' وتوسيع المشاريع التجارية التي تتجاوز الجغرافيا التركية، معتبرة أن قوة إسرائيل الاقتصادية هي السلاح الأنجع لمواجهة الرؤية العثمانية. ويُنظر إلى هذه التوترات كفرصة لجعل إسرائيل مركز جذب إقليمي بديل للدول التي تخشى من تنامي النفوذ التركي في المنطقة.

وخلصت الدراسة إلى أن تدهور العلاقات ليس أزمة عابرة، بل هو تحول تاريخي من 'الشراكة العملية' إلى 'المنافسة الإمبريالية' على قيادة المنطقة. وحذر الجنرالان من أن تركيا قد تصبح البديل الاستراتيجي لـ 'حلقة النار' الإيرانية، مما يتطلب استنفاراً إسرائيلياً شاملاً لمنع تغيير النظام الجيوسياسي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الأولى.

عربي ودولي

الأحد 24 مايو 2026 4:02 صباحًا - بتوقيت القدس

جدل القناع الزائف: حقيقة المظهر الغامض لمستشار ترامب السابق على الشاشة

شهدت منصات التواصل الاجتماعي حالة من الجدل الواسع عقب الظهور الأخير لنائب الأدميرال الأمريكي المتقاعد روبرت هاروارد في مقابلة تلفزيونية. وقد تحول النقاش من القضايا السياسية والعسكرية إلى مظهر المسؤول السابق، وسط اتهامات وتكهنات غريبة من قبل المتابعين.

هاروارد، الذي شغل سابقاً منصب مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس دونالد ترامب، ظهر في برنامج إخباري لمناقشة التوترات المتصاعدة مع إيران. إلا أن المشاهدين ركزوا بشكل مفاجئ على تفاصيل دقيقة في رقبته، معتبرين أنها لا تبدو طبيعية وتوحي بارتداء شيء ما.

انتشرت مقاطع الفيديو للمقابلة كالنار في الهشيم، حيث زعم مدونون أن هاروارد كان يرتدي قناعاً اصطناعياً متطوراً لإخفاء هويته الحقيقية أو استبداله بشخص آخر. هذه الادعاءات غذت نظريات المؤامرة التي تتحدث عن 'الدولة العميقة' وعمليات التمويه في الأوساط السياسية العليا.

رصد مستخدمو منصة 'إكس' علامة داكنة وخطاً فاصلاً أسفل رقبة الأدميرال المتقاعد، مما دفع البعض لوصف المشهد بأنه الأغرب في تاريخ اللقاءات التلفزيونية. وتجاوز الأمر مجرد التعليقات الساخرة ليصل إلى منصات المراهنات العالمية التي بدأت في طرح رهانات حول حقيقة مظهر المسؤول الأمريكي.

في المقابل، سارعت مصادر إعلامية لتوضيح الموقف ووضع حد للشائعات المتزايدة التي طالت مصداقية البث. وأكدت المصادر أن التفسيرات المنطقية غالباً ما تغيب في زحام البحث عن الإثارة الرقمية ونظريات التشكيك في الشخصيات العامة.

أصدرت قناة 'فوكس نيوز' بياناً رسمياً شرحت فيه الظروف التقنية التي رافقت إجراء المقابلة مع روبرت هاروارد. وأوضحت القناة أن اللقاء لم يتم في استوديو مجهز، بل عبر كاميرا محمولة يتم التحكم بها عن بُعد من موقع خارجي.

وأشار البيان إلى أن هاروارد كان يتواجد داخل سيارة أثناء المقابلة، وهو ما أدى إلى تباين حاد في مستويات الإضاءة المسلطة عليه. هذا التباين، مع وجود سترة داكنة، خلق ظلاً قوياً أسفل الرقبة ظهر وكأنه حافة لقناع اصطناعي أمام الكاميرا.

أعادت هذه الواقعة إلى الأذهان حوادث مشابهة تعرضت لها شخصيات سياسية بارزة، من بينها نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس. وفي تلك الحالات، تبين دائماً أن زوايا التصوير وانعكاسات الإضاءة هي المسؤول الأول عن التشوهات البصرية التي تثير حفيظة الجمهور.

رغم الضجيج الكبير الذي أحدثته القصة، التزم نائب الأدميرال المتقاعد الصمت ولم يصدر عنه أي تعليق رسمي حتى اللحظة. ويبدو أن هاروارد فضل تجاهل التكهنات التي ابتعدت تماماً عن جوهر حديثه العسكري والسياسي الرصين الذي قدمه خلال اللقاء.

تثبت هذه الحادثة مدى هشاشة الحقيقة في عصر الصورة الرقمية، حيث يمكن لظل عابر أن يتحول إلى قضية رأي عام عالمية. كما تسلط الضوء على التحديات التي تواجهها المؤسسات الإعلامية في مواجهة سرعة انتشار المعلومات المضللة عبر الشبكات الاجتماعية.

فلسطين

الأحد 24 مايو 2026 3:33 صباحًا - بتوقيت القدس

رغم فقدان 200 من أبنائها.. عائلة النجار بخان يونس تحتفي بزفاف 50 عريساً وعروساً

وسط ركام الحرب وفي قلب خيام النزوح بمنطقة المواصي غرب مدينة خان يونس، اختلطت زغاريد الفرح بآلام الفقد، حيث أقام أبناء عائلة النجار عرساً جماعياً ضم 50 عريساً وعروساً. وتأتي هذه الخطوة في ظل ظروف إنسانية بالغة التعقيد يعيشها قطاع غزة، لتكون بمثابة إعلان صمود وتمسك بالبقاء على الأرض رغم القصف والحصار المستمر.

وأكد محمد النجار، عميد العائلة التي قدمت نحو 200 شهيد من أبنائها خلال العدوان الجاري أن إقامة هذا الحفل في هذا التوقيت هو رسالة تحدٍ واضحة. وأوضح في تصريحات لمصادر إعلامية أن الفلسطينيين يثبتون يوماً بعد يوم أنهم متمسكون بالحياة وبناء الأسر الجديدة، كفعل مقاوم يهدف للحفاظ على النسل والهوية الوطنية فوق ترابهم.

وأشار النجار إلى أن الحرب وما خلفته من دمار واسع لم تنجح في كسر إرادة العائلة، بل دفعتهم نحو مزيد من التكاتف الاجتماعي لإدخال البهجة إلى قلوب أرهقتها المعاناة. وشدد على أن هذا العرس الجماعي لن يكون الأخير، معرباً عن أمله في أن تتبنى العائلات الفلسطينية الأخرى هذه المبادرات لتعزيز التكافل وتخفيف الأعباء عن كاهل الشباب.

وعن التحديات اللوجستية، أوضح عميد العائلة أن إتمام الزيجات تم بفضل التآزر الداخلي بين أفراد العائلة الذين وقفوا وقفة رجل واحد لدعم العرسان. ورغم النقص الحاد في الموارد وارتفاع تكاليف المعيشة، نجحت العائلة في توفير الحد الأدنى من المتطلبات، بما في ذلك تجهيز خيام خاصة لتكون مسكناً للأزواج الجدد الذين فقد معظمهم منازلهم في الغارات الجوية.

وفي سياق التيسير على الشباب، اعتمدت العائلة سياسة خفض المهور وعدم المغالاة في المتطلبات المادية، انطلاقاً من رؤية دينية واجتماعية تهدف لتحصين الشباب في ظل الأزمات. واعتبر القائمون على المبادرة أن تيسير الزواج هو ضرورة وطنية لمواجهة محاولات الاحتلال لتعطيل مسار الحياة الطبيعية في القطاع المحاصر.

ويواجه سكان قطاع غزة أوضاعاً معيشية كارثية تشمل انعدام الوقود ونقص المياه الصالحة للشرب وشح الأدوية، إلا أن هذه الصعوبات لم تمنع أهالي خان يونس من البحث عن مساحات للفرح. وتتحول هذه المناسبات الاجتماعية إلى منصات للتضامن الشعبي، حيث يشارك النازحون جيرانهم في الخيام لحظات السعادة البسيطة التي تعيد لهم الأمل.

ووجه النجار رسائل مؤثرة للشباب الفلسطيني، داعياً إياهم إلى التمسك بالقيم الأسرية والرحمة المتبادلة، معتبراً أن الأسرة المتماسكة هي الحصن الأخير في مواجهة النكبات. ويستمر أهالي القطاع في ابتكار طرق للبقاء، محولين خيام النزوح من رموز للمعاناة إلى قاعات للأفراح تؤكد أن إرادة الحياة أقوى من آلة الدمار.

فلسطين

الأحد 24 مايو 2026 3:33 صباحًا - بتوقيت القدس

ناشطون فرنسيون يروون تفاصيل 'الإذلال والتعذيب' في سجون الاحتلال بعد اعتراض أسطول الصمود

وصلت الدفعة الأولى من الناشطين الفرنسيين المشاركين في حملة 'أسطول الصمود' إلى العاصمة باريس، حيث استقبلهم حشد من المتضامنين في مطار شارل ديغول. ونقل العائدون شهادات مروعة حول ظروف احتجازهم لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي عقب اعتراض سفينتهم التي كانت تهدف لكسر الحصار عن قطاع غزة في مياه البحر الأبيض المتوسط.

وأفاد الناشطون بأن القوات الإسرائيلية استخدمت القوة المفرطة خلال عملية السيطرة على السفينة في الثامن عشر من مايو الجاري، مما أدى لوقوع إصابات في صفوف المتضامنين. وكشفت المصادر أن اثنين من الناشطين الفرنسيين لا يزالان يخضعان للرعاية الطبية في أحد المستشفيات التركية نتيجة خطورة الإصابات التي تعرضا لها أثناء عملية الاعتقال والترحيل.

وفي شهادة ميدانية، أوضحت الناشطة ومقدمة الرعاية الصحية مريم حاجال أن المعتقلين تعرضوا لظروف احتجاز قاسية في مدينة أسدود المحتلة تحت إشراف مباشر من شرطة الوزير المتطرف إيتمار بن غفير. وأشارت حاجال إلى أنهم وُضعوا داخل حاويات سوداء مغلقة، في محاولة واضحة للتنكيل بهم وتجريدهم من كرامتهم الإنسانية عبر ممارسات مهينة استمرت طوال فترة التوقيف.

من جانبه، تحدث الناشط أدريان بيرتيل، البالغ من العمر 33 عاماً، عن تعرضه لضرب مبرح من قبل عناصر الأمن في غرف مظلمة، تخللها توجيه إهانات تمييزية وعنصرية بحق المشاركين. وأكد بيرتيل أن أساليب التحقيق والتعامل كانت تهدف إلى كسر إرادة الناشطين الدوليين ومنعهم من تكرار محاولات التضامن مع الشعب الفلسطيني في المستقبل.

وفي سياق متصل، وصفت الناشطة ياسمين سكولا ما جرى بأنه شكل صارخ من أشكال التعذيب، حيث أُجبر المعتقلون على البقاء بوضعية تقييد اليدين خلف الظهر لمدة وصلت إلى 36 ساعة متواصلة. وأضافت سكولا أن هذا الإجراء شمل فترات النوم وحتى عند استخدام دورات المياه، مما تسبب بآلام جسدية حادة وضغوط نفسية كبيرة على كافة المحتجزين من مختلف الجنسيات.

وأثارت المقاطع المصورة التي نشرها وزير الأمن القومي الإسرائيلي، والتي أظهرت الناشطين في وضعيات مهينة وهم جاثون على ركبهم، موجة من الاستنكار الدبلوماسي والحقوقي الواسع. ورغم نفي مصلحة السجون الإسرائيلية لهذه الشهادات ووصفها بالادعاءات الكاذبة، إلا أن روايات الناشطين المتطابقة عززت المطالبات الدولية بفتح تحقيق في ممارسات الاحتلال ضد المتضامنين السلميين.