تواجه عائلات الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد المصحوب بإعاقة ذهنية تحديات جسيمة في إيجاد خيارات علاجية فعالة لتحسين مهارات التواصل. وتأتي دراسة حديثة لتعيد الأمل لهذه الفئة، بعد أن كشفت نتائجها عن قدرة النبضات المغناطيسية الموجهة للدماغ على تعزيز القدرات الاجتماعية واللغوية بشكل ملحوظ وملموس سريرياً.
وتشير البيانات الصادرة عن مؤسسات بحثية أميركية إلى أن ما يقارب ثلث الأطفال المصابين بالتوحد، أي بنسبة تتراوح بين 30% و35%، يعانون من إعاقات ذهنية مرافقة. وعلى الرغم من احتياجاتهم المعقدة، إلا أن هذه الفئة غالباً ما تهمش في الأبحاث الطبية وتواجه صعوبات في الحصول على تغطية تأمينية كافية أو أطباء متخصصين يمتلكون الثقة الكافية للتعامل مع حالاتهم.
وفي ظل ندرة أخصائيي النطق والبرامج السلوكية المكثفة، اتجه الباحثون نحو اختبار تقنية 'التحفيز الدماغي غير الجراحي' كبديل تقني متطور. تعتمد هذه الوسيلة، المعروفة أيضاً بـ 'التعديل العصبي'، على استخدام نبضات مغناطيسية قصيرة تستهدف مناطق محددة في الدماغ لتحفيز نشاط الخلايا العصبية دون أي تدخل جراحي أو حاجة للتخدير.
يعمل الجهاز المستخدم في العلاج من خلال وضعه بالقرب من فروة الرأس، حيث يقوم بتوليد مجال مغناطيسي سريع التغير يخترق الجمجمة بأمان تام. وقد أثبتت هذه التقنية فاعليتها لسنوات طويلة في علاج حالات الاكتئاب الحاد لدى البالغين، مما دفع العلماء لاستكشاف قدرتها على معالجة الاختلالات الوظيفية المرتبطة بالتواصل الاجتماعي لدى أطفال التوحد.
وطور الباحثون نسخة أكثر كفاءة من هذا العلاج تُعرف باسم 'تحفيز ثيتا النبضي'، والتي تتميز بقدرتها على إرسال مجموعات مكثفة وسريعة من النبضات في وقت قصير. هذا الابتكار التقني ساهم في تقليص مدة الجلسات العلاجية بشكل كبير، وهو ما يعد تحولاً جذرياً للأطفال الصغار الذين لا يستطيعون البقاء في وضعية السكون لفترات زمنية ممتدة.
هذه التقنية تجعل مدة الجلسة أقصر بكثير من الطرق التقليدية، مما يمثل ميزة عملية كبرى للأطفال الصغار الذين يجدون صعوبة في الجلوس بهدوء لفترات طويلة.
الدراسة التي نُشرت تفاصيلها في المجلة الطبية البريطانية (BMJ) استندت إلى تجارب سريرية شملت 194 طفلاً، بمتوسط عمر ناهز ست سنوات ونصف. وقد تم تقسيم المشاركين إلى مجموعتين لضمان دقة النتائج، حيث تلقت المجموعة الأولى تحفيزاً حقيقياً بينما خضعت الثانية لتحفيز وهمي للمقارنة بين التأثيرات النفسية والفيزيولوجية.
استمر البرنامج العلاجي المكثف لمدة خمسة أيام فقط، وهي فترة قصيرة جداً مقارنة بالعلاجات السلوكية التقليدية التي قد تستغرق شهوراً. وأظهرت النتائج النهائية تحسناً جوهرياً في قدرة الأطفال على التواصل اللغوي والتفاعل الاجتماعي، مع استمرار هذه الآثار الإيجابية لمدة شهر كامل على الأقل بعد انتهاء الجلسات دون رصد آثار جانبية خطيرة.
وعلى الرغم من التفاؤل الذي أحدثته هذه النتائج، إلا أن الأوساط الطبية لا تزال تطرح تساؤلات حول مدى استدامة هذه الفوائد على المدى البعيد. كما تظل مسألة التكلفة المرتفعة للمعدات الطبية عائقاً أمام انتشارها الواسع في العيادات العامة، مما يستدعي مزيداً من الدراسات لتحديد عدد الجلسات اللازمة للحفاظ على النتائج المحققة.
ويشدد الخبراء على أن تقنيات تحفيز الدماغ لا ينبغي النظر إليها كبديل نهائي عن الدعم السلوكي والتربوي، بل كأداة مكملة قوية تعزز من استجابة الطفل. ويمثل هذا النهج خياراً واعداً يخفف الأعباء عن الأسر التي تضطر عادةً للالتزام بجلسات يومية مرهقة ومكلفة لعدة أسابيع في مراكز التأهيل التقليدية.





وسَيُنفد رئيس الوزراء جولة على عدد من المؤسسات والمشاريع في المحافظة.