واشنطن - "القدس" دوت كوم – سعيد عريقات
أثار اعتقال الصحفي البريطاني المسلم سامي حمدي في الولايات المتحدة موجة من الجدل السياسي والحقوقي، وسط اتهامات لإدارة الرئيس دونالد ترمب بانتهاك حرية التعبير واستهداف المنتقدين لسياسات إسرائيل.
ووفقًا لما أعلنته منظمة مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير)، فقد احتجزت وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE)، التابعة لوزارة الأمن الداخلي، حمدي يوم الأحد في مطار سان فرانسيسكو الدولي خلال جولة خطابية كان يقوم بها في عدد من الولايات الأميركية.
انتقاد إسرائيل وراء الاعتقال
يأتي الاعتقال بعد يوم واحد فقط من مشاركة حمدي في فعالية نظمتها "كير" في مدينة ساكرامنتو، حيث ألقى كلمة أدان فيها ما وصفه بـ”"لإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة"، وكان من المقرر أن يتوجه بعدها إلى فلوريدا للمشاركة في فعالية أخرى للمنظمة نفسها.
وقالت "كير في بيان من مقرها بواشنطن، وصلت القدس نسخة منه: إ"ن احتجاز صحفي ومعلق سياسي بريطاني مسلم بارز خلال جولة خطابية في الولايات المتحدة لمجرد تجرؤه على انتقاد تصرفات الحكومة الإسرائيلية يمثل اعتداءً صارخًا على حرية التعبير".
وأكدت المنظمة أن محاميها وشركاءها يعملون "لمعالجة هذا الظلم"، مطالبةً وكالة الهجرة والجمارك بـ"الإفراج الفوري عن السيد حمدي ومحاسبة المسؤولين عن احتجازه"، معتبرةً أن "جريمته الوحيدة هي انتقاد حكومة أجنبية ارتكبت إبادة جماعية بحق المدنيين".
وفي لهجة انتقادية شديدة، أضاف البيان: "على أمتنا أن تتوقف عن اختطاف منتقدي الحكومة الإسرائيلية تلبيةً لرغبات متعصبين موالين لإسرائيل. هذه سياسة إسرائيل أولاً، وليست أميركا أولاً، ويجب أن تتوقف فورًا".
يُذكر أن سامي حمدي هو رئيس تحرير مجلة المصلحة الدولية، وهي مطبوعة تُعنى بالشؤون الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ويُعرف بمواقفه المنتقدة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، ومداخلاته الإعلامية التي تحظى بمتابعة واسعة في العالم العربي والغربي على حدّ سواء.
جماعات موالية لإسرائيل تُشيد بالاعتقال
في المقابل، رحّبت جماعات يمينية مؤيدة لإسرائيل باعتقال حمدي، واعتبرته "انتصارًا للأمن القومي الأميركي".
وقالت آمي ميكيلبورغ، مؤسسة منظمة RAIR الأميركية، التي تبنت مسؤولية التحرك ضد حمدي، في منشور على منصة X: "هذا نصر كبير لأميركا وضربة قاصمة لشبكة الجهاد في البلاد! لقد ناضلتُ ضد هذا بلا هوادة، واليوم تحرك النظام".
وتصف منظمة RAIR نفسها بأنها جماعة ضغط تعمل على "مكافحة التهديدات الإسلامية المتطرفة"، وتدافع عما تسميه "القيم اليهودية المسيحية"، في حين يتهمها منتقدون بترويج خطاب معادٍ للمسلمين.
واتهمت ميكيلبورغ حمدي بدعم جماعة الإخوان المسلمين وبالتحريض ضد إسرائيل، كما هاجمت منظمة "كير" قائلةً: "دعونا نرى كيف سيصمد حدث كير في تامبا بعد اعتقال مُحرضهم الرئيسي وترحيله".
وطالبت وزارة الأمن الداخلي بترحيله، مدعيةً أنه "يدرب المسلمين الأميركيين على التحريض الرقمي والتخريب الانتخابي وفق عقيدة الإخوان المسلمين".
وقد لاقت تصريحاتها تفاعلًا من داخل الحكومة الأميركية، إذ شاركت تريشيا ماكلولين، مساعدة وزير الأمن الداخلي، منشورها شاكرةً السلطات على اعتقال حمدي، وقالت: "في عهد الرئيس ترمب، لن يُسمح لمن يدعمون الإرهاب ويقوضون الأمن القومي الأميركي بالبقاء في هذا البلد".
كما انضمت الناشطة اليمينية المتطرفة لورا لومر، المعروفة بمواقفها المعادية للإسلام، إلى حملة الإشادة بالاعتقال، وكتبت: "نتيجة مباشرة لتقرير آمي وضغطي المستمر على وزارتي الخارجية والأمن الداخلي، تحرك المسؤولون الأميركيون الآن لاتخاذ إجراءات ضد تأشيرة حمدي. مصيره هو الاعتقال والترحيل".
مناخ متصاعد لقمع الأصوات المنتقدة لإسرائيل
يثير اعتقال سامي حمدي مخاوف أوسع بشأن ما يصفه مراقبون بـ"تزايد محاولات إسكات الأصوات المنتقدة لإسرائيل في الولايات المتحدة"، خصوصًا بعد تصاعد الاحتجاجات المناهضة للحرب على غزة داخل الجامعات الأميركية.
فقد أفادت هيومن رايتس ووتش في تقريرها الصادر في أبريل/نيسان 2024 بأن أكثر من 3000 طالب اعتُقلوا في الولايات المتحدة بسبب احتجاجهم على العمليات العسكرية الإسرائيلية، ووصفت مبررات الحكومة للاعتقالات بأنها "غير قانونية وكاذبة".
وقال جون رافلينغ، نائب مدير برنامج الولايات المتحدة في المنظمة:
"إن اعتقال وترحيل الطلاب والباحثين غير الأميركيين بسبب آرائهم السياسية يخلق مناخًا من الخوف في الجامعات الأميركية، ويقوض أسس المجتمع الحر".
كما وثّقت المنظمة اعتقال محمود خليل، خريج جامعة كولومبيا والمقيم الدائم، ومحاولة ترحيل الطالب الكوري الجنوبي يونسو تشونغ رغم إقامته القانونية منذ طفولته، في إطار حملة واسعة تستهدف الأصوات المتعاطفة مع الفلسطينيين.
تكرار النهج في بريطانيا
وفي المملكة المتحدة، اتخذت الحكومة مسارًا مشابهًا، إذ حظرت في تموز الماضي جماعة "فلسطين أكشن" بموجب قانون الإرهاب، ما جعل دعمها العلني جريمة يعاقب عليها القانون. ومنذ ذلك الحين، اعتُقل المئات من المتظاهرين المؤيدين لفلسطين.
وانتقدت منظمة العفو الدولية هذه الإجراءات، ووصفتها بأنها "غير متناسبة إلى حدّ السخافة"، مؤكدةً أن "تعامل السلطات مع النشطاء السلميين كإرهابيين يمثل انحرافًا خطيرًا عن مبادئ الديمقراطية وحرية التعبير".
وتكشف قضية سامي حمدي عن اتجاه متنامٍ نحو تقييد حرية التعبير في الغرب عندما يتعلق الأمر بانتقاد إسرائيل، وسط تداخل واضح بين الضغوط السياسية والإعلامية والدينية. ويُنظر إلى هذا الاعتقال على أنه اختبار لمدى التزام الولايات المتحدة بمعاييرها المعلنة حول حرية الصحافة والتعبير، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الدولية لسياساتها تجاه الحرب في غزة.