واشنطن - "القدس" دوت كوم– سعيد عريقات
تصاعدت التسريبات الإعلامية الإسرائيلية حول نية الولايات المتحدة إقامة قاعدة عسكرية ضخمة على الحدود الإسرائيلية مع قطاع غزة، في خطوة يُقال إنها تمهد لتشكيل قوة دولية تشرف على مرحلة ما بعد الحرب. وبينما تؤكد المصادر الإسرائيلية أن واشنطن تمضي قدمًا في هذه الخطة، تصر القيادة العسكرية الأميركية على أن لا وجود لأي نية لإرسال قوات أو إقامة قواعد داخل القطاع نفسه.
وبحسب ما تسرب ، فإن المشروع المقترح قد تصل كلفته إلى نحو 500 مليون دولار، ويُتوقّع أن يستوعب آلاف الجنود الأميركيين والدوليين ضمن مهمة دعم واستقرار، تهدف إلى حماية أي إدارة مدنية جديدة في غزة بعد وقف إطلاق النار. وتقول هذه التقارير إن القاعدة ستكون بمثابة مركز قيادة رئيسي لأي قوة متعددة الجنسيات تُكلف بمراقبة الأمن وإعادة الإعمار، ضمن ترتيبات يجري التفاوض بشأنها بين واشنطن وتل أبيب.
مصدر في واشنطن: الحديث عن قاعدة كبيرة سابق لأوانه
يُشار إلى أن مصدرًا مطلعًا في واشنطن قال لمراسل جريدة القدس إن الحديث عن "قاعدة أميركية عسكرية كبيرة تشبه قواعد الولايات المتحدة في الخارج، أمر سابق لأوانه". وأضاف المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن "للولايات المتحدة وجودًا عسكريًا بسيطًا ودائمًا في إسرائيل، يتغير حجمه وفق الأولويات الاستراتيجية، منذ سنوات"، لكنه ليس من النوع الذي يمكن وصفه ب"القاعدة الكبرى". وأوضح قائلًا: "الولايات المتحدة تتحسب من أن تصبح طرفًا مباشرًا في الصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل؛ غير أن إدارة ترمب معنية بالتأكيد بأن تكون هناك قوة دولية لحفظ الهدنة في غزة، تحت إشرافها المباشر".
الموقف الأميركي الرسمي: لا وجود عسكري داخل غزة
في المقابل، يرفض المسؤولون الأميركيون الرواية الإسرائيلية التي تتحدث عن بناء قاعدة قريبة من القطاع. فقد أعلنت القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) في بيان صدر أواخر تشرين الأول/أكتوبر عن إنشاء مركز تنسيق مدني-عسكري في جنوب إسرائيل، قرب مدينة كريات غات، لمتابعة الأنشطة الإنسانية والأمنية المرتبطة بغزة. وأكد البيان بوضوح أن "القوات الأميركية لن تدخل إلى داخل غزة"، فيما شدد قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، على أنه "لن تكون هناك أي قوات أميركية على الأرض داخل القطاع".
كما تشير مصادر في وزارة الدفاع الأميركية إلى أن النشاط الحالي يتركز على الدعم اللوجستي والإنساني، لاسيما من خلال الميناء العائم المؤقت الذي أقامته الولايات المتحدة قبالة ساحل غزة لتسهيل إدخال المساعدات، وهو مشروع أعلن عنه الرئيس جو بايدن في عام 2024. إلى جانب ذلك، رُصدت استثمارات أميركية تتجاوز مليار ونصف دولار في تطوير قواعد ومراكز قيادة إسرائيلية قرب الحدود الجنوبية، وهو ما يُعدّ مؤشراً على توسع البنية التحتية العسكرية الأميركية في المنطقة.
إستراتيجية "قريبة من غزة”"
تدل المعطيات على أن واشنطن تعتمد ما يمكن وصفه بسياسة "التموضع القريب من غزة"، أي إنشاء بنية عسكرية داعمة في الأراضي الإسرائيلية المحاذية، تسمح لها بالتأثير المباشر على مسار الأوضاع داخل القطاع دون خرق التزاماتها بعدم نشر قوات أميركية داخله. تمنح هذه المقاربة الإدارة الأميركية هامشًا مزدوجًا: لعب دور قيادي في جهود الإعمار وضمان الاستقرار، وفي الوقت نفسه تفادي التورط العسكري المباشر أو تحمل تبعات أمنية طويلة الأمد.
ويرى محللون أن هذا التموضع يندرج ضمن إستراتيجية احتواء مزدوجة: احتواء الفوضى داخل غزة، واحتواء التمدد الإقليمي لأي قوى قد تستفيد من الفراغ الأمني. فوجود قاعدة عسكرية أميركية قرب القطاع سيشكّل رسالة ردع للخصوم الإقليميين، ويوفر منصة مراقبة وتحكم في المجالين الجوي والبحري لجنوب فلسطين.
البعد الاستراتيجي والإقليمي
تثير أي قاعدة أميركية قرب غزة أسئلة مهمة حول العلاقات مع السلطة الفلسطينية ومصر. فالسلطة الفلسطينية قد تعتبر هذا التموضع تدخلًا محتملًا في سيادتها أو تهديدًا لسلطتها في القطاع، في حين تعتبر مصر أي تحرك عسكري أميركي قرب حدودها الجنوبية حساسًا لأسباب أمنية، خصوصًا في سيناء. لذلك، يُتوقع أن تحاول واشنطن إبقاء القاعدة ضمن إطار دعم دولي إنساني وأمني لتخفيف الاحتكاك، مع الحفاظ على السيطرة على مجريات الأمور في غزة.
من منظور أوسع، يمكن اعتبار القاعدة المحتملة جزءًا من إستراتيجية أميركية أكبر تهدف إلى تعزيز النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط بعد الحرب الأخيرة، والتحكم بمسارات إعادة الإعمار والتثبيت الأمني في غزة، مع الاحتفاظ بقدرة الردع تجاه أي تهديدات إقليمية محتملة، سواء من إيران أو الجماعات المسلحة على الأرض.
خلاصة المشهد
وفيما تؤكد المصادر الإسرائيلية أن واشنطن تدرس إقامة قاعدة كبرى قرب غزة، تنفي المصادر الأميركية الرسمية أي قرار من هذا النوع. لكن الوقائع الميدانية — من إنشاء مركز التنسيق إلى توسع البنية العسكرية الأميركية في جنوب إسرائيل — توحي بأن واشنطن تتحرك بهدوء نحو ترسيخ موطئ قدم دائم في محيط غزة، بما يضمن نفوذها ومصالحها الأمنية، من دون خرق الخط الأحمر الذي رسمته بنفسها: "لا جنود أميركيين داخل غزة".