صرّح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الإثنين بأن طهران مستعدة لقبول أي اتفاق يمنعها من امتلاك أسلحة نووية إذا أدى ذلك إلى إنهاء الحرب، لكنها سترفض أي اتفاق يُقيّد "حقوقها المشروعة" في القدرات النووي، وهو الموقف الإيراني الذي لم يتغير عبر الأشهر الأخيرة من المفاوضات الأميركية الإيرانية.
وبحسب الخبراء ، فإن كبار القادة العسكريين الإيرانيين، الذين تسلّم بعضهم مناصبهم على عجل بعد أن قتلت إسرائيل عددًا من أسلافهم، عملوا بسرعة لتكييف الخطط التي بحوزتهم مع تطورات الحرب، مع الإبقاء على قنوات دبلوماسية لإنهاء الحرب.
ويقود وزير الخارجية عباس عراقجي الجبهة الدبلوماسية الإيرانية ، بناءً على أوامر المرشد الأعلى، علي خامنئي . ويقول هؤلاء أن الهدف هو وقف الحرب، جزئيًا من خلال بناء تحالف دولي للضغط على إسرائيل التي قامت بشن عدوانها يوم الجمعة ، دون أي استفزاز إيراني.
وبحسب وسائل إعلام إيرانية ، بدأت الحرب توصف بأنها "حرب المدن" - وهي عبارة تُذكّر بالهجمات الصاروخية المتبادلة خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي. وفقًا لعراقجي، الذي تحدث يوم الأحد خلال اجتماع مع دبلوماسيين أجانب، فإن إيران لا تريد أن يمتد صراعها مع إسرائيل إلى الدول المجاورة "إلا إذا فُرضت علينا". وأضاف أن رد إيران كان عملاً "مشروعًا تمامًا" للدفاع عن النفس، وأن هجمات الجمهورية الإسلامية على إسرائيل ستنتهي بمجرد أن توقف إسرائيل حملتها العسكرية.
ولطالما صرحت القيادة الإيرانية، السياسية والعسكرية، بأن أي هجوم إسرائيلي سيؤدي إلى رد تدميري على إسرائيل، وذلك في تناغم مع تصريحات عراقجي الدبلوماسية.
ويتسم الخطاب الإيراني الحالي بالتشديد على أن إيران دولة مستعدة للتعاون في إيجاد حل دبلوماسي، والأهم من ذلك، أنها دولة تعرضت للهجوم دون استفزاز. في الوقت نفسه، لا يبذل عراقجي أي جهد لإخفاء التهديد المحتمل الذي تُشكله إيران على دول أخرى في المنطقة، وخاصة دول الخليج، وهو تهديد قد تكون له عواقب بعيدة المدى على أوروبا والاقتصاد العالمي.
ووفقًا لعراقجي، فإن إيران، سعيًا للتوصل إلى حل دبلوماسي لإنهاء الحرب، مستعدة لقبول "أي اتفاق يهدف إلى منعنا من امتلاك أسلحة نووية". ومع ذلك، أضاف أنه إذا كان الغرض من مثل هذا الاتفاق هو حرمان إيران من "حقوقها المشروعة" في تطوير قدراتها النووية، فإنهم سيرفضونه.
يشار إلى أن ـ"الحقوق المشروعة" التي يتحدث عنها عراقجي، تتمثل بحق إيران على أن تخصيب اليورانيوم على أراضيها، كجزء أساسي من حقوقها القانونية كدولة موقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي، وكذلك على الاتفاق النووي الأصلي لعام 2015، وكذلك من حقها السيادي في تطوير صناعة نووية "للأغراض المدنية". كما أنه عندما بدأت إيران والولايات المتحدة محادثاتهما النووية، تحدثت الإدارة الأميركية عن الحق الإيراني في التخصيب بنسب متدنية لكن في وقت لاحق، تراجع الرئيس الأميركي عن هذه النقطة تحت ضغط نتنياهو، وحلفائه في الكونغرس الأميركي ، وبدأ ترمب يصر كي أن إيران لن يُسمح لها بتخصيب اليورانيوم على أراضيها.
وتدور تكهنات عن ما قصده عراقجي يوم الأحد ، وما إذا كان ذلك إشارة إلى استعداد إيران لتقديم تنازل في هذه القضية، فقد ذكر أن إيران كانت مستعدة لتقديم ردها للوفد الأميركي خلال الجولة السادسة من المحادثات التي كان من المفترض أن تُعقد في عُمان يوم الأحد، ولكن تم تأجيلها، وإن لم تُلغَ، بسبب الحرب.
وتردد في واشنطن الاعتقاد بوجود فرصة حقيقية للتوصل إلى اتفاق نووي سريع في تصريحات ترمب. فبعد أن حذر إيران من مهاجمة القوات الأميركية، قال: "يمكننا بسهولة التوصل إلى اتفاق بين إيران وإسرائيل وإنهاء هذا الصراع الدموي" مشيرا إلى اتفاق "بين إيران وإسرائيل"، بدلاً من اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران.
ضمنيا، يعتقد أن الولايات المتحدة وإيران ، والدول الأخرى (التي رعت اتفاق عام 2015) تتشارك في فعمها أن الاتفاق النووي يعني وقف الحرب، ويعني ذلك أنه إذا وقّعت إيران اتفاقًا، فسيحرص ترمب على التزام إسرائيل باتفاقه، حتى لو أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سابقًا أن إسرائيل لن تلتزم به، وأنها ستقاتل بكل ما أوتيت من قوة للدفاع عن نفسها إذا لزم الأمر.
وتُشير تصريحات عراقجي، في أعقاب الضربات الإسرائيلية التي تلقّتها بلاده، على الأقل إلى أن الموقف الأساسي لآية الله خامنئي، الذي وافق على التفاوض على الاتفاق النووي، لم يتغير.
ورغم تقييم إيران بأن الولايات المتحدة كانت على علم بخطط إسرائيل ونسقت معها، "ولدينا أدلة دامغة على دعم القوات الأميركية والقواعد الأميركية في المنطقة لهجمات القوات العسكرية للنظام الصهيوني"، على حد تعبير عراقجي، فإنها لا تريد تجنّب المسار الدبلوماسي. من المنطقي افتراض أن إيران ترى أيضًا تناقضًا صارخًا بين أهداف الحرب كما حددتها إسرائيل وتلك التي عبر عنها ترمب. بينما تعلن إسرائيل بصلافة صريحة أن الإطاحة بالنظام الإيراني هي السبيل الوحيد لضمان إنهاء برنامج طهران النووي، لا يزال ترمب متمسكًا بإمكانية التوصل إلى اتفاق قابل للتطبيق مع النظام الحالي.
بحسب الخبراء، تشعر إيران أن ببعض الارتياح لتوافق موقف ترمب، على ما يبدو، مع مواقف جيرانها العرب، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وعلى وجه الخصوص قطر، شريكتها في أكبر حقل غاز في العالم، والذي تعرض لهجوم إسرائيلي.
كما انضمت إلى هذه الدول ثلاث دول أوروبية موقعة على الاتفاق النووي الأصلي - ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة - والتي بدأت يوم الأحد محادثات مكثفة مع إيران بهدف التوصل إلى تفاهم بشأن صياغة محتملة متفق عليها لاتفاق جديد.
وبحسب التقديرات ، فإن إسرائيل لا ترى أن للموقف الأوروبي أي أثر بشكلٍ خاص - لا سيما فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني - إلا أن تحالفًا من الجهات الفاعلة الأوروبية والعربية والأميركية قد يفرض جدولًا زمنيًا مُختصرًا لا يتماشى مع الخطط العسكرية والإستراتيجية الإسرائيلية. وقد تُجبر هذه التطورات إسرائيل على إعادة النظر في خطواتها التالية في ضوء احتمال توصل إيران وواشنطن قريبًا إلى تفاهمات تُلزم إسرائيل بالالتزام بوقف إطلاق النار.