رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات-29/5/2026
كشف تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية أن صندوق “مجلس السلام” الخاص بإعادة إعمار غزة، والذي أُطلق بدعم من الرئيس الأميركي دونالد ترمب ويُدار رسمياً عبر البنك الدولي، لا يحتوي حالياً على أي أموال، رغم تعهدات مالية بلغت نحو 17 مليار دولار.
ونقلت الصحيفة عن مساعد بارز في الكونغرس الأميركي قوله إن "أياً من هذه الأموال لم يُحوَّل إلى المجلس، ولا تتم إدارتها من خلاله، كما أن وزارة الخارجية الأميركية لا تنوي وضع هذه الأموال تحت إشراف المجلس".
وفي هذا السياق، علم مراسل جريدة القدس في واشنطن من مصدر مسؤول إن هناك حسابين مرتبطين بالمشروع، أحدهما يضم كميات من الأموال المطلوبة، من دون أن يكشف عن حجم تلك الأموال أو طبيعة إدارتها.
وبحسب التقرير، فإن الخلاف الأساسي يدور حول مكان الاحتفاظ بالأموال، إذ تشير مصادر إلى أن الصندوق الرسمي المدعوم من الأمم المتحدة لا يزال فارغاً، بينما جرى توجيه التبرعات إلى حساب مصرفي خاص في بنك “جي بي مورغان”، وهو ما أثار انتقادات بسبب غياب معايير الشفافية والرقابة المستقلة المعتمدة في آليات البنك الدولي.
وأشار التقرير إلى أن بعض الأموال المحدودة، بينها 3 ملايين دولار من المغرب و20 مليون دولار من الإمارات، استُخدمت لتغطية رواتب الموظفين، في حين بقيت المخصصات الكبرى المتعلقة بالأمن والبنية التحتية مجمدة أو غير مستخدمة.
ويترأس ترمب شخصياً "مجلس السلام"، مع احتفاظه بسلطات نهائية في إدارته حتى بعد انتهاء ولايته الرئاسية، وفقاً للنظام الداخلي للمجلس، الذي يشترط دفع مليار دولار للحصول على “عضوية دائمة”.
ورغم انضمام بعض الدول الحليفة لواشنطن ودول صغيرة تسعى إلى كسب دعم ترمب، امتنعت قوى أوروبية كبرى مثل فرنسا وبريطانيا عن الانضمام إلى المبادرة.
كما لفت التقرير إلى انتقادات وجهها أعضاء في الكونغرس، بينهم السيناتور براين شاتز، الذي قارن بين وصف وزارة الخارجية الأميركية للمجلس باعتباره هيئة شبيهة بالأمم المتحدة، وبين وصف ترمب له بأنه “بلاط ملكي”.
ورغم تقديرات تشير إلى حاجة غزة إلى نحو 71 مليار دولار لإعادة الإعمار خلال العقد المقبل، لم يتم حتى الآن تخصيص أي أموال لمشاريع إعادة البناء الفعلية.
وأوضح متحدث باسم المجلس أن العقود لم تُمنح بعد بسبب عدم بدء عمل المؤسسة داخل غزة، متهماً حركة "حماس" برفض نزع سلاحها، وهو ما اعتبره العقبة الرئيسية أمام انطلاق المشروع.
كما ذكر التقرير أن اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية التي شُكلت لإدارة القطاع لا تزال عاجزة عن تنفيذ أي مشاريع ميدانية بسبب غياب التمويل الكامل.
وفي ظل العجز المالي الكبير، أفادت الصحيفة بأن واشنطن مارست ضغوطاً على السعودية لتمويل جزء كبير من المشروع، بعدما بدأت دول عدة كانت قد تعهدت بالمساهمة تتراجع عن التزاماتها بسبب تعثر المسار السياسي واستمرار الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.
وأضافت أن الإدارة الأميركية تدرس أيضاً إمكانية اقتطاع جزء من أموال الضرائب الفلسطينية التي تحتجزها إسرائيل، والبالغة نحو 5 مليارات دولار، لتمويل عمليات المجلس، على أن تُحوَّل بقية الأموال إلى السلطة الفلسطينية فقط في حال موافقتها على تنفيذ إصلاحات محددة تطالب بها إسرائيل.
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية تكشف حجم التباين بين الطموحات السياسية التي رافقت إطلاق "مجلس السلام" وبين الواقع المالي والإداري الذي يواجهه المشروع على الأرض. فغياب التمويل الفعلي، رغم التعهدات الضخمة، يعكس تردداً دولياً في الانخراط بمبادرات لا تزال تفتقر إلى إطار قانوني واضح وآليات شفافة للرقابة. كما أن ربط إعادة الإعمار بشروط سياسية وأمنية معقدة يزيد من صعوبة تنفيذ أي مشاريع حقيقية في غزة، خصوصاً في ظل استمرار التوترات الإقليمية وتباين المواقف الدولية بشأن مستقبل القطاع والإدارة السياسية والأمنية فيه خلال المرحلة المقبلة.
ويعتقد دبلوماسيون غربيون أن اعتماد المشروع بصورة كبيرة على دول الخليج قد يضعف فرص نجاحه على المدى الطويل، خاصة مع غياب توافق دولي واسع حول طبيعة الإدارة المقترحة لغزة بعد الحرب. كما أن إحجام دول أوروبية رئيسية عن الانضمام للمبادرة يعكس مخاوف متزايدة من تحويل ملف إعادة الإعمار إلى أداة نفوذ سياسي مرتبطة بشخص ترمب أكثر من ارتباطها بمؤسسات دولية مستقرة. ويشير هؤلاء إلى أن استمرار الغموض بشأن إدارة الأموال وآليات الصرف سيؤدي إلى مزيد من التردد لدى الجهات المانحة، ويعقّد أي جهود مستقبلية لتأمين تمويل مستدام للمشاريع الإنسانية والتنموية في القطاع.
ويحذر خبراء اقتصاديون من أن أي محاولة لاستخدام أموال الضرائب الفلسطينية المحتجزة لدى إسرائيل لتمويل ترتيبات انتقالية في غزة قد تفتح الباب أمام أزمة سياسية ومالية أوسع بين السلطة الفلسطينية وواشنطن وتل أبيب. ويرى هؤلاء أن تحويل هذه الأموال إلى جهات بديلة أو ربط الإفراج عنها بشروط سياسية إسرائيلية قد يُضعف الوضع المالي الهش للسلطة الفلسطينية، ويزيد من حالة الانقسام الفلسطيني الداخلي. كما أن استمرار تعطيل مشاريع إعادة الإعمار سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية في غزة، حيث لا تزال البنية التحتية والخدمات الأساسية تعاني من دمار واسع ونقص في الموارد.