اقتصاد

الثّلاثاء 17 مارس 2026 2:18 مساءً - بتوقيت القدس

تراجع حاد في سياحة دبي وسط مخاوف من التصعيد العسكري الإقليمي

أفادت مصادر صحفية دولية بأن قطاع السياحة في مدينة دبي يواجه حالة من الركود غير المعتاد في هذا الوقت من العام، حيث بدت الأسواق والمرافق الحيوية هادئة بشكل لافت. وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد التوترات العسكرية بالمنطقة، مما أدى إلى اضطرابات واسعة في حركة الملاحة الجوية وتراجع تدفق السياح الأجانب.

وذكرت التقارير أن الهجمات الأخيرة بالطائرات المسيرة قد ألحقت ضرراً ملموساً بسمعة دولة الإمارات كواحدة من أكثر الوجهات أماناً واستقراراً في الشرق الأوسط. وقد شوهدت الشواطئ القريبة من الفنادق الكبرى، مثل برج العرب، وهي شبه خالية من الزوار، بينما تراجع النشاط التجاري في سوق الواجهة المائية بمنطقة السيف التاريخية.

وفي العاصمة أبوظبي، رصدت المصادر مشهداً غير مألوف في مراكز التسوق الكبرى التي بدت أروقتها خالية إلا من العمال والموظفين، تزامناً مع بث ألحان وطنية عبر مكبرات الصوت. وجاء هذا المشهد عقب ليلة شهدت إطلاق إنذارات صاروخية تحذر من هجمات محتملة، مما دفع آلاف السياح وبعض المقيمين الأجانب إلى مغادرة البلاد بشكل عاجل.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن المخاوف الأمنية تحولت إلى واقع ملموس قبل نحو أسبوعين، حينما تعرضت مواقع في دبي لهجمات بطائرات مسيرة انطلقت من الجانب الآخر للخليج. وتسببت إحدى هذه الهجمات في اندلاع حريق بفندق فاخر في منطقة نخلة جميرا، وهو ما شكل صدمة للقطاع السياحي الذي يعتمد على صورة الاستقرار الدائم.

ويرى مراقبون أن وقوع دبي على بعد 160 كيلومتراً فقط من الساحل الإيراني يجعلها في مرمى النيران المباشرة في حال استمرار التصعيد العسكري. هذا القرب الجغرافي بات يشكل تحدياً كبيراً للاقتصاد الإماراتي الذي تمثل السياحة والتجارة الدولية ركيزتيه الأساسيتين، مما يضع خطط النمو الاقتصادي في دائرة الخطر الحقيقي.

وتواجه الحكومة الإماراتية ودول خليجية أخرى تحديات سياسية وأمنية معقدة، حيث أصبحت أراضيها قريبة من دائرة الاستهداف نتيجة التحالفات الإقليمية والدولية. وبالرغم من الجهود الدبلوماسية لتهدئة الأوضاع، إلا أن استمرار العمليات العسكرية يجعل من الصعب استعادة ثقة المسافرين والمستثمرين في المدى القريب.

وتشير التقارير إلى أن التغييرات في القيادة الإيرانية وتبنيها لمواقف أكثر تشدداً قد زاد من وتيرة التهديدات الانتقامية، خاصة بعد حادثة اغتيال المرشد السابق. هذا المناخ السياسي المتوتر يلقي بظلاله على كافة مناحي الحياة في الخليج، حيث يفضل الكثيرون تأجيل خطط السفر أو الاستثمار حتى وضوح الرؤية الأمنية.

وفي ظل هذه الظروف، تواصل فرق النظافة والصيانة عملها في المرافق السياحية بدبي وأبوظبي بانتظار عودة النشاط الطبيعي، بينما يراقب أصحاب المطاعم والمتاجر بقلق تراجع المبيعات. ويبقى الرهان الحالي على مدى قدرة المنطقة على تجاوز هذه الأزمة الجيوسياسية واستعادة مكانتها كمركز عالمي للسياحة والأعمال بعيداً عن أصوات الانفجارات وصافرات الإنذار.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 مارس 2026 1:48 مساءً - بتوقيت القدس

أحمد الريسوني يفكك 'بدعة التكفير': هل كلفنا الله بالتنقيب في ضمائر البشر؟

في ظل التحولات العاصفة والصراعات السياسية والمذهبية التي تجتاح العالم الإسلامي، يبرز سؤال التكفير كأحد أخطر الإشكالات التي أربكت الفكر الإسلامي المعاصر. وقد قدم الدكتور أحمد الريسوني، الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مقاربة نقدية تسعى لتفكيك البنية الفكرية التي جعلت من التكفير أداة للإقصاء السياسي والمذهبي.

يرى الريسوني أن النقاش الفقهي التقليدي الذي يركز على 'ضوابط التكفير' يحمل في طياته تسليماً ضمنياً بمشروعيته، بينما السؤال الأهم هو مدى تكليف الإنسان أصلاً بهذه المهمة. واعتبر أن الانشغال بتصنيف الناس عقدياً يمثل انحرافاً عن وظيفة البلاغ والدعوة إلى وظيفة التنقيب في السرائر والحكم على الضمائر.

وأشار الفقيه المغربي إلى أن موجات التكفير الأخيرة، خاصة تلك الموجهة ضد الشيعة أو المسؤولين في إيران، غالباً ما تأتي كصدى لصراعات سياسية وإقليمية. ووصف هذه اللغة بأنها 'طائفية قذرة' تعيد إنتاج الحقد والكراهية العمياء تحت غطاء ديني لا يمت لجوهر الإسلام بصلة.

ويقسم الريسوني التكفير إلى ضربين؛ أحدهما صريح يصف المسلم بالكفر مباشرة، والآخر ضمني يسوي في المواقف العملية بين المسلم والكافر. واعتبر أن هذا المسلك يمثل غلواً وتعصباً يخدم في النهاية وقود الصراعات السياسية التي تنهك جسد الأمة الإسلامية.

وانتقد المقال بشدة ما أسماه 'التنطع والغباء' لدى من يتركون مأمورات الشرع ويشتغلون بما نُهوا عنه من تفتيش في أقوال الزعماء والشيوخ. وأكد أن الله لم يكلف العلماء ولا العامة بإصدار صكوك البراءة من الكفر أو الإدانة به لكل من خالفهم في الرأي أو السلوك.

واستعرض الريسوني نماذج تاريخية ومعاصرة لظاهرة 'التحقيق العقدي'، مشيراً إلى ما تعرض له الإمام أبي الوليد الباجي من تكفير وتبديع بسبب رأي فقهي عابر. واعتبر أن هذه المعارك الخاسرة تعكس خللاً عميقاً في فهم مقاصد الشريعة وحرمة دماء وأعراض المسلمين.

كما توقف عند ظاهرة حديثة تتمثل في قيام بعض 'طلبة العلم' بمحاكمة عقائد أئمة كبار مثل النووي وابن حجر العسقلاني وابن الجوزي. ووصف هذا المسلك بالتطاول الذي يزعم أصحابه فهم نصوص العقيدة بشكل أفضل من جهابذة العلم الذين أجمعت الأمة على إمامتهم لقرون.

واستشهد الريسوني بكتاب الشيخ بكر أبو زيد 'تصنيف الناس بين الظن واليقين'، الذي حذر فيه من 'المنشقين الجراحين' الذين يتتبعون العثرات والزلات. وأكد أن هذا الانشغال بتصنيف العباد هو ذنب وبلوى تضيع الوقت والجهد في غير ما أمر الله به.

وشدد المقال على أن مجرد البحث والتنقيب عن تفاصيل معتقدات المسلمين هو 'بدعة اعتزالية' وليس سنة إسلامية، مذكراً بفتنة خلق القرآن. واعتبر أن محاولة فرض الوصاية العقدية على الناس تتنافى مع قوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: 'لست عليهم بمسيطر'.

ورفض الريسوني فكرة 'التكفير بضوابط'، مشبهاً إياها بمن يبيح شرب الخمر أو غصب الأموال بضوابط محددة، مؤكداً أن الأصل هو التحريم المطلق. وأوضح أن النصوص الشرعية جاءت لتحريم تكفير من ألقى السلام وأظهر الإسلام، مهما كانت الشكوك المحيطة به.

وفي سياق الاستدلال الشرعي، أورد المقال أحاديث نبوية تغلظ عقوبة قذف المؤمن بالكفر وتعتبرها بمثابة قتله، محذراً من مغبة هذا المسلك. وأكد أن من ولد مسلماً ونشأ على ذلك يظل مسلماً، وأن أمره وسريرته موكولة إلى الله وحده الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

ولفت الريسوني الانتباه إلى لطيفة في أحاديث الدجال، حيث جعل الله كفره مكتوباً بين عينيه يقرؤه الكاتب وغير الكاتب، لقطع الطريق على الاجتهاد البشري. وهذا يدل، بحسب المقال، على أن التكفير ليس مجالاً للاستنتاج الشخصي بل هو حكم إلهي صريح ومحدود جداً.

وخلص المقال إلى أن الوظيفة الأساسية للمسلم هي الدعوة والتبشير لا التنفير والتحقيق، وأن السلامة في الكف عن أعراض المسلمين وعقائدهم. واعتبر أن إعادة ترتيب الأولويات الفكرية تتطلب رد الاعتبار لمفهوم 'الأمة' الجامع بعيداً عن تصنيفات الفرق الناجية والنارية.

إن هذه الرؤية المقاصدية تمثل دعوة لفتح حوار مسؤول حول قضايا الفكر الإسلامي المعاصر، بعيداً عن لغة الإقصاء والتبديع. وتهدف إلى حماية النسيج الاجتماعي والديني للأمة من التمزق الذي تسببه الفتاوى المتسرعة والتوظيفات السياسية للدين.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 مارس 2026 12:33 مساءً - بتوقيت القدس

فورين بوليسي: كيف أجهزت الحروب و'أكاذيب الإدارات' على ثقة الأمريكيين بواشنطن؟

حذر خبراء ومؤرخون من أن السياسات العسكرية التي تنتهجها الولايات المتحدة، وآخرها التصعيد ضد إيران، تساهم بشكل مباشر في تآكل ما تبقى من ثقة لدى المواطنين الأمريكيين تجاه الحكومة الفدرالية. وأوضح جوليان إي. زيلزر، أستاذ التاريخ في جامعة برنستون أن الحروب المتعاقبة منذ حقبة فيتنام كانت العامل الأبرز في خلق فجوة عميقة بين الشعب وصناع القرار في واشنطن.

وأشار التحليل الذي نشرته مجلة 'فورين بوليسي' إلى أن الرئيس دونالد ترامب اتخذ خطوات تصعيدية ضد إيران بالتنسيق مع إسرائيل دون تقديم مبررات متسقة أو الحصول على تفويض من الكونغرس. هذا السلوك يكرر أنماطاً سابقة من إدارة الأزمات العسكرية التي تتجاهل الشفافية، مما يؤدي بالضرورة إلى زيادة ارتياب الجمهور في مؤسسات الدولة.

تاريخياً، كانت ثقة الأمريكيين في حكومتهم قوية جداً في أعقاب الحرب العالمية الثانية وبرامج 'الصفقة الجديدة' التي أطلقها فرانكلين روزفلت. ففي عام 1958، بلغت نسبة الذين يثقون في قدرة واشنطن على فعل 'الشيء الصحيح' نحو 73%، وهي نسبة تعكس إيماناً بقدرة الحكومة على تحقيق الإنجازات الاقتصادية والعسكرية.

بدأ هذا الإرث بالانهيار مع كارثة حرب فيتنام في ستينيات القرن الماضي، حيث شعر الرأي العام بأن الإدارة لا تقول الحقيقة بشأن سير العمليات العسكرية. ومع تصاعد الاحتجاجات المناهضة للحرب، بدأت الصحافة في كشف الفجوة بين التصريحات الرسمية والواقع الميداني المرير الذي كانت تواجهه القوات الأمريكية.

جاءت لحظة التحول الكبرى في عام 1968 عندما أعلن المذيع الشهير والتر كرونكايت أن الحرب وصلت إلى طريق مسدود، داعياً إلى التفاوض بدلاً من السعي وراء نصر وهمي. هذا الموقف الصحفي الجريء عزز من شكوك الشارع الأمريكي وأضعف مصداقية الرئيس ليندون جونسون الذي كان يروج لانتصارات غير موجودة.

في عام 1971، وجه نشر 'وثائق البنتاغون' ضربة قاضية للمصداقية الحكومية، حيث كشفت هذه الوثائق السرية المسربة عن تاريخ طويل من الخداع المتعمد بشأن التدخل في فيتنام. وأظهرت الوثائق أن الرؤساء المتعاقبين ضللوا الشعب والكونغرس حول أهداف الحرب وفرص النجاح فيها، مما خلق جرحاً وطنياً لم يندمل.

لم تتوقف سلسلة التضليل عند فيتنام، بل امتدت لتشمل فضيحة 'إيران-كونترا' في عهد إدارة ريغان خلال الثمانينيات. فقد كشفت التحقيقات عن بيع أسلحة لإيران سراً وتحويل العائدات لدعم متمردين في نيكاراغوا، في انتهاك صارخ للحظر الذي فرضه الكونغرس، مما أكد أن السلطة التنفيذية تعمل أحياناً خارج إطار القانون.

حتى في لحظات الانتصار العسكري السريع، مثل عملية 'عاصفة الصحراء' عام 1991، لم تخلُ الأمور من ادعاءات كاذبة لتبرير الحرب. فقد روجت إدارة بوش الأب لقصص ملفقة حول انتهاكات جسيمة، تبين لاحقاً أنها كانت جزءاً من حملة بروباغندا لحشد الدعم الشعبي لعمل عسكري واسع النطاق في الخليج.

لكن الضربة الأكثر قسوة للثقة العامة جاءت مع غزو العراق عام 2003، حين زعمت إدارة جورج بوش الابن وجود أسلحة دمار شامل وصلات بتنظيم القاعدة. ورغم تجنيد مسؤولين ذوي مصداقية مثل كولن باول للترويج لهذه الحجج، إلا أن الواقع أثبت زيفها بالكامل بعد بدء الغزو، مما ترك إرثاً من المرارة والتشكيك.

يرى زيلزر أن هذه العقود من الأكاذيب أنتجت 'أمة ساخرة' تشكك في كل ما يصدر عن واشنطن، وهو مناخ استثمره الجمهوريون لتعزيز أجندتهم الداعية لتقليص دور الحكومة. وفي المقابل، وجد الديمقراطيون أنفسهم في موقف صعب وهم يحاولون الدفاع عن دور الدولة في مجتمع بات ينظر إليها بريبة وتوجس.

التصعيد الأخير مع إيران يضيف فصلاً جديداً لهذا السجل الحافل بالغموض، حيث اعتمدت إدارة ترامب على حجج متغيرة وادعاءات متناقضة. فالمزاعم التي دُحضت حول امتلاك طهران لصواريخ تهدد الأراضي الأمريكية ساهمت في إضعاف الموقف الرسمي بدلاً من حشد الدعم له، مما يعمق أزمة الثقة.

إن غياب الحوار الصريح مع الكونغرس وعدم عرض القضايا المصيرية للنقاش العام يجعل من العمليات العسكرية تبدو وكأنها قرارات فردية تفتقر للشرعية الشعبية. هذا النهج لا يهدد الاستقرار الدولي فحسب، بل يقوض التماسك الداخلي الأمريكي من خلال تدمير الرابط الأخلاقي بين الحاكم والمحكوم.

خلص التحليل إلى أن استعادة ثقة الأمريكيين تتطلب أكثر من مجرد وعود انتخابية، كما حدث مع جيمي كارتر الذي وعد بعدم الكذب وفشل في تغيير المسار. إنها تتطلب مراجعة شاملة لكيفية اتخاذ قرارات الحرب والسلام، والتوقف عن استخدام التضليل كأداة للسياسة الخارجية، وهو أمر يبدو بعيد المنال في ظل الاستقطاب الحالي.

في نهاية المطاف، تظل الحروب 'غير المبررة' هي الثقب الأسود الذي يبتلع مصداقية المؤسسات الأمريكية، حيث يرى المواطن أن دماء الجنود وأموال الضرائب تُهدر في صراعات تُبنى على أنصاف الحقائق. وبدون تغيير جذري في الشفافية، ستستمر الولايات المتحدة في مواجهة أزمة هوية وطنية تغذيها الشكوك في نزاهة قيادتها.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 مارس 2026 12:33 مساءً - بتوقيت القدس

أخطاء تقنية تكشف هوية ضحية جديدة في 'ملفات إبستين': عارضة روسية تروي تفاصيل الاستغلال

أعادت الوثائق القضائية المفرج عنها مؤخراً في الولايات المتحدة تسليط الضوء على شبكة الاستغلال التي أدارها رجل الأعمال الراحل جيفري إبستين، حيث ظهرت رواية جديدة ومؤثرة للعارضة الروسية السابقة سفيتلانا بوجيهدايفا. وكشفت بوجيهدايفا عن تفاصيل معاناتها بعد أن أدت أخطاء تقنية في تظليل البيانات الرسمية إلى كشف هويتها الحقيقية للعلن، رغم محاولاتها الحثيثة للابتعاد عن ماضيها وتغيير اسمها لبناء حياة جديدة بعيداً عن الأضواء.

وفي تصريحات صحفية أدلت بها لوسائل إعلام دولية، أوضحت العارضة السابقة أنها كانت من بين النساء اللواتي وقعن في فخ إبستين خلال الفترة التي تلت ولايته القضائية في عام 2008. وأشارت إلى أن رجل الأعمال الراحل استخدم أساليب معقدة للسيطرة على ضحاياه، شملت التحكم الكامل في وضعهن القانوني داخل الأراضي الأمريكية، بالإضافة إلى الهيمنة على مواردهن المالية وتأمين سكنهن لضمان بقائهن تحت نفوذه.

وأكدت المصادر أن اسم بوجيهدايفا ظهر بشكل غير مقصود في نصوص عدة رسائل إلكترونية ضمن ما يُعرف بـ 'ملفات إبستين'، وهي الوثائق التي تم تحريرها بموجب قانون الشفافية الأمريكي. ورغم محاولات وزارة العدل الأمريكية حماية خصوصية الضحايا عبر تظليل أسمائهن، إلا أن الهفوات التقنية جعلت من السهل تحديد هوية العارضة الروسية، مما تسبب لها في أزمات شخصية ومهنية حادة.

وصفت بوجيهدايفا اللحظة التي اكتشفت فيها ظهور اسمها بأنها أعادت إليها ذكريات مؤلمة كانت تحاول جاهدة نسيانها، حيث تعرضت لموجة من المضايقات عبر منصات التواصل الاجتماعي. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل واجهت اتهامات باطلة تتعلق بالتجسس نظراً لخلفيتها الروسية، وهو ما نفته بشكل قاطع هي وأفراد عائلتها، مؤكدين أنها كانت ضحية وليست شريكة في أي نشاط غير قانوني.

وتحدثت العارضة بمرارة عن شعورها بالذنب تجاه نساء أخريات قد يكنّ قد تأثرن بوجودها في تلك الشبكة، لكنها شددت على أن تصرفاتها كانت ناتجة عن ابتزاز نفسي ومادي قاهر. وأوضحت أن الضغوط التي مارسها إبستين عليها وصلت إلى حد مطالبتها بجلب نساء أخريات إلى محيطه، وهو أسلوب كان يتبعه لضمان توريط الضحايا في دائرة مغلقة من الالتزامات القسرية.

وتعتبر بوجيهدايفا واحدة من عشرات النساء اللواتي كُشفت أسماؤهن في الإصدارات الأخيرة من الملفات الضخمة التي تضم ملايين الصفحات من المراسلات والوثائق القانونية. وقد أثارت هذه التسريبات تساؤلات جدية حول كفاءة الإجراءات المتبعة في حماية الشهود والضحايا، خاصة في القضايا التي تحظى بمتابعة عالمية وتتضمن تفاصيل حساسة تمس حياة الأفراد الشخصية.

وأشارت التقارير إلى أن التجربة تركت أثراً عميقاً على سمعة بوجيهدايفا المهنية، مما دفعها اليوم للسعي نحو استعادة السيطرة على سرد قصتها الشخصية وتصحيح المفاهيم المغلوطة. وهي تهدف من خلال خروجها للعلن إلى رفض الوصمة الاجتماعية التي ألحقت بها نتيجة المعلومات المشوهة التي تداولتها وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي منذ تسريب الوثائق.

من جانب آخر، أحدثت 'ملفات إبستين' التي أطلقتها وزارة العدل في نهاية يناير 2026 زلزالاً سياسياً وقانونياً في الولايات المتحدة، حيث أدت إلى موجة من الفضائح التي طالت شخصيات بارزة. ولم تقتصر التداعيات على الجانب الاجتماعي، بل امتدت لتشمل استقالات في صفوف مسؤولين حكوميين وتحقيقات برلمانية مكثفة حول كيفية إدارة هذه الملفات الحساسة.

وتركز التحقيقات البرلمانية الحالية على معالجة المعلومات المتعلقة بالضحايا والمتورطين، وسط انتقادات لاذعة لوزارة العدل بسبب الأخطاء التي أدت لكشف هويات الناجيات. ويرى مراقبون أن هذه القضية كشفت عن ثغرات كبرى في نظام حماية البيانات القضائية، مما قد يؤدي إلى تغييرات تشريعية جذرية في كيفية التعامل مع قضايا الاستغلال الكبرى في المستقبل.

وفي سياق متصل، أكدت مصادر قانونية أن الوثائق المسربة كشفت عن شبكة معقدة من العلاقات التي كانت تربط إبستين بنخب سياسية واقتصادية حول العالم. وتستمر الجهات التحقيقية في فحص ملايين المراسلات للوصول إلى فهم كامل لآلية عمل هذه الشبكة، في وقت تطالب فيه منظمات حقوقية بضمان العدالة لجميع الضحايا اللواتي تعرضن للتنكيل والابتزاز.

وتعكس قصة بوجيهدايفا معاناة طويلة للعديد من النساء اللواتي وجدن أنفسهن عالقات في منظومة استغلال عابرة للحدود، حيث يتم استغلال أحلامهن المهنية لتحويلهن إلى أدوات في يد أصحاب النفوذ. وتشدد العارضة السابقة على أن كشف الحقيقة هو السبيل الوحيد للتعافي، رغم الثمن الباهظ الذي دفعته نتيجة كشف هويتها بشكل غير قانوني.

وتشير الوثائق إلى أن إبستين كان يعتمد على 'جيش' من المساعدين والمستشارين لتسهيل عمليات الاستغلال وتوفير الحماية القانونية والمالية لنشاطاته المشبوهة. ومع استمرار ظهور أسماء جديدة في التحقيقات، يتوقع أن تشهد الفترة القادمة مزيداً من الكشوفات التي قد تطيح بأسماء وازنة في مجالات مختلفة، مما يبقي القضية حية في الذاكرة الجمعية.

إن التحدي الأكبر الذي تواجهه الناجيات مثل بوجيهدايفا يتمثل في مواجهة المجتمع بعد سنوات من الصمت القسري، خاصة في ظل انتشار الأخبار الزائفة والتحليلات السطحية. وتؤكد بوجيهدايفا أنها لن تسمح للوثائق المسربة بأن تحدد هويتها، بل ستعمل على استخدام منصتها لتوعية الآخرين بمخاطر الابتزاز والسيطرة التي يمارسها أصحاب السلطة.

ختاماً، تبقى قضية إبستين جرحاً مفتوحاً في النظام القضائي الأمريكي، حيث تتداخل فيها السياسة بالمال بالاستغلال البشري في أبشع صوره. ومع كل وثيقة جديدة تخرج للعلن، تتكشف فصول إضافية من مأساة إنسانية لم تنتهِ فصولها بوفاة العقل المدبر لها، بل لا تزال تداعياتها تلاحق الضحايا والناجين في كل مكان.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 مارس 2026 12:33 مساءً - بتوقيت القدس

ترمب يتوعد بـ 'الاستيلاء' على كوبا ويصفها بالأمة الضعيفة وسط ظلام دامس يلف الجزيرة

صعد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من لهجته العدائية تجاه كوبا، متعهداً بـ 'الاستيلاء' على الجزيرة التي تعاني من انهيار شامل في شبكة الطاقة الكهربائية. وجاءت هذه التصريحات في وقت تواجه فيه السلطات الشيوعية ضغوطاً اقتصادية غير مسبوقة جراء الحظر النفطي الصارم الذي تفرضه إدارة واشنطن، مما أغرق البلاد في ظلام دامس لعدة أيام متواصلة.

وخلال حديثه للصحافيين في البيت الأبيض، تساءل ترمب عن سبب تأخر الولايات المتحدة في حسم ملف كوبا طوال العقود الماضية، مؤكداً أنه يتطلع لنيل ما وصفه بـ 'شرف الاستيلاء' عليها. وأوضح الرئيس الأمريكي أنه لا يكترث للمصطلحات سواء كان الفعل 'تحريراً' أو 'استيلاءً'، مشدداً على قدرته على التصرف بالجزيرة كما يشاء نظراً لضعفها الشديد في المرحلة الراهنة.

وتأتي هذه التهديدات الصريحة في ظل أزمة إنسانية ومعيشية خانقة يعيشها سكان الجزيرة البالغ عددهم نحو 9.6 ملايين نسمة، حيث تسبب نقص الوقود في توقف محطات التوليد. وتؤكد التقارير أن كوبا لم تتسلم أي شحنة وقود منذ التاسع من يناير الماضي، وهو ما أرجعه مراقبون إلى تشديد الحصار النفطي عقب سقوط حليف هافانا الأبرز في فنزويلا.

من جانبها، حاولت الحكومة الكوبية إبداء مرونة اقتصادية لتخفيف حدة التوتر، حيث صرح وزير التجارة الخارجية، أوسكار بيريز أوليفا، بأن بلاده مستعدة لفتح قنوات تجارية مع الشركات الأمريكية. وأشار أوليفا إلى أن الانفتاح يشمل أيضاً الكوبيين المقيمين في الولايات المتحدة، في محاولة واضحة لامتصاص الغضب الأمريكي وتلبية بعض المطالب الاقتصادية لواشنطن.

ميدانياً، أدى السخط الشعبي المتصاعد من انقطاع الخدمات الأساسية ونقص الغذاء إلى اندلاع احتجاجات متفرقة في عدة مدن كوبية. وشهدت بلدة مورون الواقعة شرق العاصمة هافانا مواجهات عنيفة، حيث اقتحم متظاهرون غاضبون مكتباً للحزب الشيوعي الحاكم وقاموا بتخريب محتوياته تعبيراً عن رفضهم للأوضاع المعيشية المتردية.

وفي رد فعل رسمي، أعلنت السلطات المحلية عن اعتقال 14 شخصاً على الأقل على خلفية أحداث بلدة مورون، متهمة إياهم بممارسة أعمال تخريبية. واعترف الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل بوجود حالة من الاستياء الشعبي المشروع، لكنه حذر في الوقت ذاته من الانجرار وراء العنف، متهماً جهات خارجية بتحريض الشارع لزعزعة استقرار النظام.

وعلى صعيد التحركات الدبلوماسية، كشف دياز كانيل عن وجود محادثات جارية مع الجانب الأمريكي لمحاولة إيجاد مخرج للأزمة الراهنة. وبالتزامن مع ذلك، ألمح ترمب إلى إمكانية التوصل إلى 'اتفاق سريع' مع هافانا، لكنه ربط هذا المسار بانتهاء العمليات العسكرية أو الضغوط التي تمارسها إدارته حالياً ضد إيران، مشيراً إلى أن كوبا تسعى جاهدة للتفاوض.

ويبرر البيت الأبيض إجراءات الحصار النفطي المشددة بأنها رد فعل طبيعي على ما يصفه بـ 'التهديد الاستثنائي' الذي تشكله كوبا على الأمن القومي الأمريكي. ويرى محللون أن تصريحات ترمب الأخيرة تمهد الطريق لتغيير جذري في السياسة الأمريكية تجاه الكاريبي، قد يتجاوز حدود العقوبات الاقتصادية إلى تدخل مباشر تحت غطاء 'التحرير' أو 'الاستيلاء'.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 مارس 2026 12:33 مساءً - بتوقيت القدس

تقارير استخباراتية تكشف: ترمب تلقى تحذيرات مسبقة من استهداف إيران لدول الخليج قبل الحرب

كشف مسؤول أمريكي ومصادر مطلعة على تقارير المخابرات أن الرئيس دونالد ترمب تلقى تحذيرات واضحة قبل اندلاع المواجهة العسكرية الحالية، تفيد بأن أي هجوم على إيران قد يدفع طهران لضرب حلفاء واشنطن في منطقة الخليج. وأوضحت المصادر أن التقييمات الاستخباراتية وضعت هذه الهجمات ضمن النتائج المحتملة والخطيرة في حال تنفيذ ضربات جوية ضد الأهداف الإيرانية.

تأتي هذه التسريبات لتناقض تصريحات ترمب التي أدلى بها مؤخراً، حيث زعم في مناسبتين أن الهجمات الإيرانية التي طالت السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت كانت مفاجئة تماماً لإدارته. وأعرب ترمب خلال اجتماع في البيت الأبيض عن صدمته من شمولية الرد الإيراني، مدعياً أن أحداً لم يتوقع استهداف طهران لهذا العدد من الدول في المنطقة.

وكانت الإدارة الأمريكية قد استندت في قرارها بشن الحرب الجوية بالتعاون مع إسرائيل في 28 فبراير/شباط الماضي إلى مبررات وصفتها بـ 'الاستخباراتية'. وشملت تلك الادعاءات قرب امتلاك طهران لقنبلة نووية وصواريخ قادرة على بلوغ الأراضي الأمريكية، وهي معلومات لم تكن مدعومة بتقارير رسمية مؤكدة بحسب المصادر.

وأشارت التقارير المسربة إلى أن الرئيس أُبلغ أيضاً باحتمالية سعي طهران لإغلاق مضيق هرمز، الذي يعد شريان الحياة للاقتصاد العالمي بمرور نحو 20% من إمدادات النفط عبره. وبالفعل، أدت التحركات الإيرانية الأخيرة إلى توقف معظم عمليات الشحن في المضيق، مما تسبب في قفزة حادة في أسعار الطاقة العالمية.

وشهد الأسبوعان الماضيان تصعيداً غير مسبوق، حيث استخدمت إيران الطائرات المسيرة والصواريخ لاستهداف قواعد عسكرية أمريكية وإماراتية، بالإضافة إلى منشآت مدنية حيوية. وشملت الأهداف فنادق ومطارات ومنشآت طاقة في عدة عواصم خليجية، مما أدى إلى سقوط ضحايا وأضرار مادية جسيمة في البنية التحتية.

من جانبهم، شكك نواب ديمقراطيون في الرواية الرسمية للبيت الأبيض، مؤكدين أن الإفادات التي تلقوها لم تتضمن أي إشارات لتهديد إيراني وشيك يستدعي شن حرب شاملة. واعتبر المعارضون أن الإدارة تسرعت في الانخراط في صراع إقليمي واسع دون تقييم دقيق للعواقب التي حذرت منها أجهزة المخابرات مسبقاً.

وحذر مسؤولون أمريكيون قبل الحرب من أن قصف العمق الإيراني سيؤدي حتماً إلى صراع إقليمي يجر عواصم الخليج إلى دائرة النار. وكان التخوف الاستخباراتي يتركز على أن طهران ستعتبر صمت أو دعم دول المنطقة للهجمات الأمريكية مبرراً كافياً لتوسيع نطاق ردها العسكري ليشمل جيرانها.

ورغم هذه التحذيرات الموثقة، أصر ترمب خلال مراسم توقيع في المكتب البيضاوي على أن كبار الخبراء لم يتوقعوا حجم الرد الإيراني. وقال رداً على تساؤلات الصحفيين: 'لا أحد، حتى كبار الخبراء، اعتقدوا أنهم سيضربون بهذه الطريقة'، في محاولة للتنصل من المسؤولية عن تدهور الأوضاع الأمنية للحلفاء.

كما تضمنت تقارير المخابرات تحذيراً خاصاً من أن الخطة الإسرائيلية لاغتيال قادة إيرانيين بارزين ستستدعي رداً مباشراً على المصالح الأمريكية. وتوقعت الأجهزة أن تشمل الأهداف مواقع عسكرية ودبلوماسية حساسة في المنطقة، وهو ما تحقق فعلياً خلال الأيام القليلة الماضية من عمر المواجهة.

وفي ختام التقارير، شددت المصادر على أن التحذيرات لم تكن مجرد تكهنات، بل استندت إلى رصد لتحركات عسكرية إيرانية وتغييرات في العقيدة القتالية لطهران. ومع ذلك، يبدو أن صانع القرار في واشنطن اختار المضي قدماً في الخيار العسكري، متجاهلاً التبعات الكارثية على أمن واستقرار منطقة الخليج العربي.

اقتصاد

الثّلاثاء 17 مارس 2026 12:08 مساءً - بتوقيت القدس

البنك الوطني وصندوق النفقة يوقعان اتفاقية لتوفير طرود غذائية للأسر الأكثر هشاشة

وقع البنك الوطني وصندوق النفقة الفلسطيني، أمس، اتفاقية تعاون لتوفير طرود غذائية للعائلات الأكثر هشاشة من مستحقي النفقة، خاصة الأسر التي ترأسها نساء في الضفة الغربية، وذلك في إطار تعزيز التكافل الاجتماعي خلال شهر رمضان.
وجرى توقيع الاتفاقية في مقر الإدارة العامة للبنك في مدينة رام الله، بحضور عدد من المسؤولين من الجانبين، حيث وقعها الرئيس التنفيذي للبنك الوطني سلامة خليل ومدير عام صندوق النفقة الفلسطيني الأستاذة فاطمة مؤقت.
وأكد خليل أن هذه المبادرة تأتي ضمن التزام البنك الوطني بمسؤوليته الاجتماعية ودعمه للفئات الأكثر احتياجًا، بما يسهم في التخفيف من الأعباء المعيشية عن هذه العائلات وتعزيز صمودها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، مثمنًا في الوقت ذاته الدور الذي يقوم به صندوق النفقة في حماية حقوق النساء وأطفالهن.
من جانبها، أعربت مؤقت عن تقديرها لشراكة البنك الوطني ودعمه لجهود الصندوق، مشيرة إلى أن هذه المبادرة تأتي في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها المجتمع الفلسطيني، مؤكدة أن دعم الأسر المستفيدة من خدمات الصندوق، خصوصًا العائلات التي تعيلها نساء، يشكل جزءًا من المسؤولية الوطنية لتعزيز صمودها وتمكينها من مواجهة الظروف الصعبة.
وأشارت إلى أن تكاتف المؤسسات العامة والقطاع الخاص يمثل ركيزة أساسية لتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية ودعم صمود المجتمع الفلسطيني.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 مارس 2026 12:08 مساءً - بتوقيت القدس

معادلة : بين الجزيرة والمضيق.. هل بدأت الحرب العالمية الثالثة تقرع طبولها


 عادت الأمور في الحرب العدوانية الامريكية الإسرائيلية على إيران، الى الوراء، وانحسرت أخبار الانفراج والتوصل الى حل أو على الأقل الى وقف نار متزامن كما حدث في عدوان العام الماضي . لقد تبددت أيضا توقعات المعتدين المسبقة من ان الحرب ستنتهي خلال أيام ؛ (إذ بعد ان نغتال المرشد وقيادات الصف الأول، ستخرج الجماهير الى الشوارع لتقوم بالباقي)، لكن شيئا من هذا لم يحدث. ما حدث العكس تماما، جاء مرشد "خامنئي" جديد، خرجت الجماهير الغفيرة تندد بالعدوان وتهتف بالموت لأمريكا وإسرائيل، والأهم من هذا وذاك أن إيران العسكرية أثبتت جدارة متميزة في استخدام مخزونها الصاروخي النوعي وطيرانها المسيّر، جعلت مراكز صنع القرارات الأمنية والعسكرية في واشنطن وتل أبيب تعرب عن دهشتها، وجعلت المراقبين والإعلاميين يأخذون على قادة الدولتين أكاذيبهم وتهويلاتهم إزاء ما حققوه في عدوان حزيران الماضي، اوحتى وعوداتهم في العدوان الحالي.
 امتدت الحرب الى ثلاثة أسابيع، ودخل على الخط حزب الله فاعلا ومؤثرا، وهو الذي قالوا عنه انه ارتدع وانتهى، كما لو أنه عاد من الموت أكثر قوة، ودخلت صواريخ نوعية لأول مرة، وأقامت أمريكا جسرا جويا مع إسرائيل لأن بضاعتها الهجومية او الدفاعية قد نفدت، وظهرت قضية المضيق الذي قال عنه ترامب إنه سيقصفه وربما يحتله ثم أعلن عن استعداد قواته لمرافقة السفن التي تنوي عبوره ثم طلب من دول الخليج ومن بعد من الناتومساعدته وهدد وتوعد وأرغد وأزبد في حالة عدم الاستجابة، ووصل الامر به ان يطلب من الصين فعل ما تستطيع وخاصة ان 90 في المئة من نفطها تحصل عليه عبر هذا المضيق. لكن ما يحفز ترامب أكثر، وجود جزيرة "خارك" مستودع النفط الإيراني العائم بجانب المضيق، فهوكما هو معروف يحب الجزر والمنتجعات، فلماذا لا يحتلهما "الجزيرة والمضيق"، ومن أجل هذا استدعى قاذفات العمود الفقري الأمريكي الاستراتيجية بي 52 والتي يطلق عليها قاذفات الرعب بالتزامن مع استدعاء إسرائيل لنحو نصف مليون جندي احتياطي.
 أمريكا تقول ان الحرب ستستمر أربعة الى ستة أسابيع أخرى، وإسرائيل تقول حتى عيد الفصح اليهودي أوائل نيسان القادم، وحتى ذلك الوقت، سيستمر المشهد الحربي كما هو، قصف هنا وقصف هناك، خسائر هنا وخسائر هناك، لكن مع نفاد المدة الزمنية المفترضة، سنجد أنفسنا ليس أمام سؤال: هل تنتصر أمريكا أم إيران، هل تنهزم أمريكا أم إيران، بل أمام سؤال آخر: هل بدأت الحرب العالمية الثالثة تقرع طبولها.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 مارس 2026 12:07 مساءً - بتوقيت القدس

الحرب على إيران .. إلى أين؟


تعد هذه الحرب المشتعلة شبيهة إلى حد ما بالحرب السابقة التي قامت بها إسرائيل ضد طهران في حزيران/يونيو الماضي والتي استمرت 12 يومًا، وعندما انتهت الحرب جاءت بنفس طريقة تصريح وتمهيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب، ولكن هذه الحرب المستمرة أشد قساوة من سابقتها، حيث استطاعت إيران في أول يوم للحرب استيعاب والتغلب ومغادرة الصدمة والترويع الذي استخدمته أمريكا وإسرائيل في الضربة الأولى صبيحة يوم السبت 28 شباط/فبراير 2026، من خلال اغتيال المرشد الأعلى علي الخامنئي مع العديد من القادة العسكريين من الصف الأول، وقصف العديد من المراكز والمدارس المدنية التي راح ضحيتها العشرات من الطالبات والمدنيين، وتعد هذه الضربات هي أكبر حملة جوية مكثفة منذ أكثر من عقدين، حيث فاقت جميع الضربات التي حصلت في حرب الـ 12 يوماً الماضية. حيث أعلن الرئيس ترامب بدء "عمليات قتالية كبرى" بهدف شل قدرات النظام الإيراني، فاستهدفت الضربات مراكز القيادة والسيطرة، ومقار أمنية، ومنشآت تابعة للحرس الثوري، بالإضافة إلى مواقع مرتبطة بالبرنامج النووي ومنظومات الدفاع الجوي، وركزت الضربات الأمريكية على تدمير منصات الصواريخ الباليستية، والوحدات البحرية، والبنية التحتية لإنتاج الصواريخ، وصرح الرئيس ترامب بأن الهدف السياسي والأساسي هو "تغيير النظام" وتحفيز الشعب الإيراني والجيش على الانقلاب ضد القيادة الحالية، معتبرًا أن هذه هي "الفرصة الوحيدة" لتحقيق ذلك، وتم اعتماد التكتيك العسكري الأمريكي الذي يعتمد على استخدام القوة المفرطة والسرعة الهائلة لتدمير إرادة "العدو" القتالية وإصابته بالشلل التام في الساعات الأولى من المواجهة.
ويذكر أن هذه الحرب جاءت مباشرة بعد فضائح جزيرة إبستين التي تطال الرئيس ترامب والعديد من القادة، وهي فضائح من العيار الثقيل هزت الإدارة الأمريكية، بالإضافة إلى ظهور العديد من الملفات التي يمكن أن يعزل على أثرها ترامب وبل يسجن. فيقال بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ساوم ترامب للقيام بهذه الحرب للتعتيم على الفضائح ونسيان الشارع الأمريكي لهذه الملفات التي تلاحقه، وهذا ما أكده وزير الخارجية الأمريكي السابق أنتوني بلينكن في 8 آذار/مارس الحالي الذي صرح بأن "إسرائيل ضغطت على الرئيس باراك أوباما الأسبق لضرب إيران وهددت بالتحرك منفردة إذا رفض، إلا أن أوباما اختار الدبلوماسية بديلا عن الحرب، ويروي بلينكن تفاصيل الضغوط الإسرائيلية على أوباما لضرب إيران، مؤكدا أن تل أبيب كانت تحذر "سنفعلها بأنفسنا إذا لم تقم واشنطن بذلك". بالفعل، ترتبط الحرب الجارية بالتوقيت الزمني مع الكشف الضخم عن "ملفات إبستين" التي ورد فيها اسم الرئيس ترامب آلاف المرات، لذلك قام ترامب بالتصعيد العسكري كاستراتيجية لـ صرف الانتباه ونظر الإعلام والجمهور عن الفضائح المتصاعدة في ملف إبستين، بل محاولة سياسية للهروب من المأزق القانوني والشعبي الذي وضعته فيه هذه الوثائق، حيث واجهت إدارة ترامب ضغوطًا داخلية واتهامات بالتستر على شركاء إبستين، بينما طالت الفضائح أيضًا مسؤولين في إدارته مثل وزير التجارة هاوارد لاتنيك. وهذا ما يؤكده النائب أندريه كارسون، عضو لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأمريكي، الذي ربط بين الحرب ضد إيران وبين محاولات الإدارة الأمريكية التغطية على ملفات قضائية شائكة.
إلا أن إيران تخطت هذه الكارثة واستطاعت توجيه ضربات قوية ومدمرة للقواعد العسكرية والمراكز الأمريكية في دول الخليج والشرق الأوسط، وأخرجتها عن الخدمة بسبب الدمار الذي حل بها وتم استهداف قلب إسرائيل وبالتحديد تل أبيب التي تعتبر العاصمة التكنولوجية والدبلوماسية والثقافية وعاصمة المال وهي من أغلا مدن العالم، فكان ومازال أداء إيران في هذه الحرب مميزًا وشكل صدمة لكل من نتنياهو والرئيس ترامب الذي كان يريد من إيران الاستسلام وتغيير النظام والانهيار وعدم استيعاب وتخطي الضربة الأولى القاسية.
إلا أن إيران على المستوى السياسي عكست الموقف المتماسك والصامد، وعلى المستوى الشعبي خروج الشعب الإيراني يدعم القوات المسلحة والقيادة السياسية وتم توحيد الموقف الرسمي والشعبي خلف النظام وضد الخطر الخارجي بدلًا من الوقوف ضد النظام كما أراد الرئيس ترامب. وعلى المستوى العسكري، استطاعت ايران تقديم نموذجًا عاليًا من الانضباط العسكري والعمل الصاعق للعدو، واستطاعت القوة العسكرية تنظيف الخليج من القواعد العسكرية الأمريكية، وكأن القادة العسكريين لم يتم اغتيالهم، وتم انتخاب مرشد جديد في وقت قصير أثناء الحرب وبطريقة سلسلة وهي أهم رسالة تم توجيهها لترامب ونتنياهو وللعديد من الأطراف الصديقة والمعادية وللغرب بأن إسرائيل وأمريكا اغتالوا المرشد الأب ليتم انتخاب المرشد الابن الذي يعد أكثر تشددًا ومحافظة من والده، وهي رسالة مهمة جدًا للرئيس ترامب بأن إيران قادرة على الاستمرار في تنظيم كيانها السياسي وهي مصرة على المواجهة والدفاع مهما كلفت الحرب.
وبناء على ما سبق، جاء تصريح الرئيس ترامب بأن الحرب شارفت على الانتهاء، حيث يعد هذا التصريح وغيره تمهيدًا لوقف الحرب من خلال النزول عن الشجرة وتهيئة الشارع الأمريكي والإسرائيلي والعالم بالنزول عن السلم درجة درجة، والأسباب واضحة وهي نتائج الحرب الدائرة وقدرة إيران على الصمود وتحقيق إنجازات عسكرية كبيرة التي تعد أولى الدلائل بأن الخسارة الأمريكية لقواعدها والخسارة المالية الفادحة وتدمير الرادارات باهظة الثمن. بالإضافة إلى الدمار الحاصل في المدن الإسرائيلية، ودوي صفارات الإنذار يوميا ولساعات، وصوت الانفجارات والصواريخ، كل ذلك يؤدي إلى التأثير القوي على الجبهة الداخلية الإسرائيلية الناعمة التي لا تستطيع تحمل ما تحملته إيران ولبنان وغزة. ولعل نتائج حرب الـ 12 يوم الماضية قد استدعت إسرائيل لطلب وقف إطلاق النار. على الرغم من ذلك يرى الرئيس ترامب أنه استطاع تدمير القدرات العسكرية والنووية الإيرانية وبالتحديد الأسطول البحري والجوي ومنظومة الاتصالات وغيرها وإضعاف القيادة العسكرية والسياسية، وهذا مبرر الرئيس ترامب لوقف الحرب.
والهدف الثاني لترامب من وراء وقف إطلاق النار، فهو يرى في الحرب نظرية الصدمة والترويع والنصر السريع من خلال الضربات القاسمة والقوية والسريعة بدلًا من خوض الحروب الطويلة التي تستنزف أمريكا، كما حصل في العديد من الحروب مثل فيتنام، وأفغانستان، والعراق، والتي تجبر إيران للتفاوض والجلوس مرة ثانية على طاولة المفاوضات بالشروط الأمريكية.
والهدف الثالث والمتمثل في البعد الاقتصادي وتأثير استمرار الحرب على أسعار النفط والوضع الاقتصادي الأمريكي والعالمي، فترامب يريد توجيه رسالة للعالم بأن أسواق النفط مضبوطة وسيتم حل أزمة النفط بظل إغلاق مضيق هرمز، والنقطة المهمة هي إعادة الحياة إلى الأسواق المالية وبالتحديد البورصات، وعدم الإرباك، خوفا من انضمام جماعات موالية لإيران على ضفتي البحر الأحمر وإغلاق باب المندب في اليمن والسودان، قد يمنح طهران قدرة أكبر على مراقبة أو تهديد خطوط التجارة الدولية، فالحوثيون يسيطرون على أجزاء واسعة من الساحل اليمني المطل على باب المندب، واحتمال توسع النفوذ الإيراني في الساحل السوداني سيؤدي إلى ما يشبه "الكماشة الجغرافية" بين البحر الأحمر والخليج.
إلا أن تصريح ترامب مضى عليه بعض الأيام ولم يتم وقف الحرب، هذه التصريحات المتناقضة ميزة مقرونة بترامب الذي دائمًا يعطي تصريحات متناقضة وغامضة تعبر عن التناقض ما بين القول والفعل الواقع على الأرض. وهذه سياسة ترامب في التناقض التي تهدف إلى الضغط النفسي والسياسي والاقتصادي.
وعليه، يميل ترامب إلى الحروب السريعة والخاطفة وينظر لها من منظور السوق "الربح والخسارة" والإعلان عن النصر السريع، وهذا يدعم فرضية إنهاء الحرب التي تحافظ على الإنجازات الأمريكية لليوم الأول للحرب. وفي حال استمرت الحرب لا يمكن المحافظة على النصر بظل تسجيل إنجازات كبيرة ورائعة لكل من إيران وحزب الله والحشد الشعبي في العراق، فكل ذلك يحقق قاعدة مفادها كلما استمرت الحرب زادت خسائر أمريكا وإسرائيل، على الرغم من ذلك رد عليه الحرس الثوري الإيراني بأن إيران هي من تحدد موعد إنهاء الحرب.
*كاتب وباحث فلسطيني مختص بالحركات الأيديولوجية.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 مارس 2026 12:05 مساءً - بتوقيت القدس

لبنان على درب الوجع: حين تعود الحروب لتكتب فصول الفقد من جديد



لبنان يعيد قصص الوجع والألم والفقد على نيران الحرب المشتعلة، فمع كل غارة جديدة ومع كل بيت يتهاوى تحت القصف، تعود الذاكرة إلى سنوات طويلة من الحروب التي لم تندمل جراحها بعد، المشهد يتكرر كأنه قدر لا ينتهي: شهداء يسقطون، منازل تتحول إلى ركام، وعائلات تحمل ما تبقى من حياتها على عجل وتغادر قراها ومدنها بحثاً عن مكان أكثر أمناً.
في الجنوب اللبناني، وفي البلدات التي باتت على تماس مباشر مع جبهات النار، تتجدد يومياً صور النزوح التي يعرفها اللبنانيون جيداً، سيارات مكتظة بالعائلات، حقائب صغيرة تحاول أن تختصر حياة كاملة، وأطفال ينظرون خلفهم إلى بيوت قد لا يعودون إليها قريباً، النزوح هنا ليس مجرد انتقال جغرافي، بل اقتلاع قاسٍ من الجذور، من البيوت التي تحفظ تفاصيل الحياة اليومية ومن الأزقة التي شهدت طفولة الأبناء.
المنازل التي تُقصف وتُدمَّر ليست مجرد أبنية من حجر وإسمنت، بل هي ذاكرة عائلات كاملة، في كل منزل صورة على الجدار، وكتاب على رف، وألعاب تركها طفل على عجل قبل أن يهرب مع عائلته، حين يتحول البيت إلى كومة من الركام، لا يخسر الناس جدراناً فقط، بل يخسرون جزءاً من حياتهم وأمانهم وذكرياتهم.
ومع تصاعد هذه المشاهد في لبنان، يعود الشعور المؤلم ذاته الذي يعيشه كل من تابع ما جرى ويجري في غزة، فهناك أيضاً الألم نفسه، بيوت تهدمت فوق ساكنيها، وعائلات دفنت أبناءها تحت الأنقاض، وأحياء كاملة تحولت إلى مساحات من الركام، وما بين لبنان وغزة يمتد خيط خفي من الألم المشترك، وكأن الحروب في هذه المنطقة تتقاسم الوجع ذاته وإن اختلفت الجبهات.
الحرب لا تترك آثارها في الجغرافيا فقط، بل في النفوس أيضاً، فهي تعيد فتح الجروح القديمة التي ظن الناس أنها أُغلقت، وتعيد إلى الذاكرة مشاهد النزوح والخوف التي عاشتها أجيال سابقة، كثير من اللبنانيين اليوم يشعرون أنهم يعيشون فصلاً جديداً من قصة قديمة لم تنتهِ بعد، قصة بلدٍ أنهكته الصراعات لكنه لا يزال يحاول أن يتماسك.
ورغم هذا المشهد القاسي، يبقى الإنسان في هذه الأرض قادراً على التمسك بالحياة، فبعد كل حرب، ينهض الناس من بين الركام، يعيدون بناء بيوتهم، ويزرعون الأمل في قلوب أبنائهم من جديد، غير أن السؤال الذي يظل معلقاً فوق كل هذا الدمار هو: إلى متى ستبقى هذه المنطقة تدفع ثمن الحروب؟ وكم من البيوت يجب أن تُهدم، وكم من الأرواح يجب أن تُفقد، قبل أن يتوقف هذا النزيف الطويل.
لبنان اليوم يعيد سرد حكاية الوجع من جديد، لكنها ليست حكاية لبنان وحده، بل حكاية منطقة كاملة اعتادت أن تكتب تاريخها على وقع الألم والفقد والقصف، وأن تحفظ ذاكرتها في صور الشهداء وخرائط البيوت التي تحولت الى رماد.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 مارس 2026 12:04 مساءً - بتوقيت القدس

الشرق الأوسط الجديد... حرب تعيد تشكيل المنطقة وتعيد فلسطين إلى قلب المعادلة

يقف الشرق الأوسط اليوم على أعتاب مرحلة تاريخية بالغة الحساسية؛ مرحلة قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتوازنات في المنطقة. فالحروب الكبرى لم تكن يومًا مجرد مواجهات عسكرية عابرة، بل لحظات فاصلة يعاد خلالها تشكيل النظام الإقليمي، وتفرض فيها وقائع جديدة على الأرض والسياسة معًا. وما نشهده اليوم من تصاعد في الصراعات والتوترات قد يكون أحد المؤشرات على أن المنطقة تتجه بالفعل نحو شكل جديد من التوازنات، وربما نحو شرق أوسط مختلف عمّا عرفناه خلال العقود الماضية.
غير أن قراءة المشهد تقتضي قدرًا من الواقعية السياسية بعيدًا عن العواطف والانفعالات. فالصراعات الكبرى لا تُحسم بالرغبات ولا بالشعارات، بل بميزان القوة، وبقدرة الدول على الصمود والاستمرار في معارك طويلة ومعقدة.
في هذا السياق، تبدو إيران دولة محورية في معادلة الشرق الأوسط، يصعب تجاوزها أو إقصاؤها بسهولة من النظام الإقليمي. فإيران تمتلك عناصر قوة متعددة، من عمقها الجغرافي والبشري، إلى برنامجها الصاروخي المتطور، مرورًا بشبكة من العلاقات والتحالفات الإقليمية التي بنتها خلال عقود. ولهذا فإن الحديث عن انهيارها السريع أو إخراجها من المعادلة يبدو أقرب إلى التقديرات المتسرعة منه إلى القراءة الواقعية لموازين القوى.
وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة أكثر حذرًا في الانخراط في حروب طويلة ومفتوحة، خصوصًا بعد التجارب القاسية التي خاضتها خلال العقدين الماضيين، مثل الحرب العراقية والحرب الافغانية. فقد كشفت تلك الحروب عن كلفة هائلة سياسيًا واقتصاديًا وبشريًا، الأمر الذي جعل الاستراتيجية الأمريكية تميل في السنوات الأخيرة إلى تجنب الحروب البرية الطويلة، والاكتفاء بسياسات الردع والضغط والتحالفات.
أما إسرائيل، فعلى الرغم من امتلاكها قدرات عسكرية وتكنولوجية متقدمة، فإنها تبقى دولة تعتمد بدرجة كبيرة على شبكة من التحالفات والدعم الغربي، خصوصًا من الولايات المتحدة. وفي حال اندلاع حرب إقليمية واسعة وممتدة، فإن المجتمع الإسرائيلي قد يواجه ضغوطًا كبيرة، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو النفسي، خصوصًا إذا تحولت الحياة اليومية إلى حالة دائمة من الملاجئ والإنذارات وتعطلت الأنشطة الاقتصادية والحيوية.
لكن في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أن إسرائيل تمتلك منظومات دفاع متطورة وقدرات ردع مهمة، وأن القوى الغربية لن تسمح بسهولة بانهيارها الكامل، لأن ذلك سيعني تحولًا جذريًا في ميزان القوى في المنطقة.
وفي خلفية هذا المشهد المعقد، تراقب قوى دولية كبرى مثل الصين وروسيا تطورات الصراع بعين استراتيجية.
 فهاتان القوتان تستفيدان إلى حد ما من انشغال الولايات المتحدة في أزمات متعددة، ومن تراجع بعض أوجه نفوذها الدولي. غير أن مصلحتهما لا تكمن في اندلاع حرب إقليمية شاملة قد تهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية وتؤدي إلى اضطرابات اقتصادية واسعة. لذلك فإن دعمهما لبعض الأطراف في المنطقة غالبًا ما يبقى ضمن حدود سياسية أو دبلوماسية، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع واشنطن.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: أين ستكون فلسطين والقضية الفلسطينية في ظل هذه الحرب وما قد تفرزه من تحولات؟
لقد أعادت الأحداث وما سبقها من حرب مدمرة على قطاع غزة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي بعد سنوات من محاولات تهميشها أو تجاوزها في مشاريع إقليمية مختلفة. فقد أثبتت التطورات مرة أخرى أن الاستقرار في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق دون معالجة جوهر الصراع، والمتمثل في القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني.
فمهما تغيرت التحالفات أو تبدلت موازين القوة، تبقى فلسطين العقدة المركزية في معادلة المنطقة.
 وقد تتحول في ظل أي حرب إقليمية واسعة إلى محور أساسي في إعادة ترتيب التوازنات السياسية والأمنية.
ومن المحتمل أن تفضي هذه التحولات، إذا وصلت الحرب إلى مرحلة إنهاك لجميع الأطراف، إلى طرح تسويات سياسية أوسع، قد يكون من بين عناصرها إعادة فتح ملف الحل السياسي للقضية الفلسطينية على أسس أكثر جدية وعدلاً.
فالتاريخ يشير إلى أن كثيرًا من التسويات الكبرى في المنطقة جاءت بعد حروب قاسية أعادت فرض الوقائع السياسية.
غير أن هناك في المقابل خطرًا حقيقيًا يتمثل في أن تتحول فلسطين إلى مجرد ساحة صراع بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية، وهو ما قد يؤدي إلى إطالة أمد المأساة بدل إنهائها، ويجعل الشعب الفلسطيني مرة أخرى يدفع الثمن الأكبر للصراعات التي تدور فوق أرضه.
إن التجربة التاريخية للشرق الأوسط تؤكد أن الحروب الكبرى في هذه المنطقة نادرًا ما تنتهي بانتصار حاسم لطرف واحد.
وغالبًا ما تنتهي بعد مراحل من الاستنزاف المتبادل، لتظهر في النهاية توازنات جديدة بين القوى المتصارعة.
ولهذا فإن الحديث عن "شرق أوسط جديد" لا يعني بالضرورة انهيار دول أو اختفاء قوى كبرى، بقدر ما يعني إعادة ترتيب لموازين النفوذ والأدوار في المنطقة.
ويبقى المستقبل مفتوحًا على احتمالات متعددة، فالأحداث تتسارع، والمفاجآت واردة في عالم السياسة الدولية.
 لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن شعوب المنطقة هي التي تدفع دائمًا الثمن الأكبر للحروب والصراعات.
وفي قلب هذه الحقيقة تقف فلسطين، الجرح المفتوح في تاريخ الشرق الأوسط، والقضية التي لم تستطع كل مشاريع التسوية أو محاولات التجاهل أن تطويها أو تلغي حضورها.
فمهما اشتعلت الحروب وتبدلت التحالفات، تبقى فلسطين الحقيقة الثابتة في معادلة هذه المنطقة، والقضية التي سيظل السلام العادل فيها الشرط الأساسي لأي استقرار حقيقي في الشرق الأوسط.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 مارس 2026 12:03 مساءً - بتوقيت القدس

تقارير إسرائيلية تزعم اغتيال علي لاريجاني وقائد الباسيج في غارات مكثفة على إيران

كشفت مصادر إعلامية عبرية، اليوم الثلاثاء، عن تنفيذ الجيش الإسرائيلي سلسلة من الغارات الجوية المكثفة داخل الأراضي الإيرانية، استهدفت شخصيات سياسية وعسكرية رفيعة المستوى. وأفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن الهجمات حاولت تصفية أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، الذي يُعد من أبرز الوجوه السياسية المؤثرة في صنع القرار الإيراني.

وفي تطور لاحق، نقلت القناة 12 الإسرائيلية وصحيفة يسرائيل هيوم عن مصادر أمنية تأكيدات حول نجاح عملية اغتيال لاريجاني، رغم غياب أي تأكيد رسمي من الجانب الإيراني حتى اللحظة. من جانبه، اكتفى مكتب لاريجاني بالإشارة إلى صدور رسالة مرتقبة قريباً، مما زاد من حالة الغموض حول مصيره الحقيقي عقب الضربات الجوية.

وعلى الصعيد الميداني، أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زمير، في بيان مقتضب أن القوات الجوية نفذت عمليات اغتيال وصفت بالمهمة خلال الليلة الماضية. وأوضح زمير أن هذه العمليات ركزت على استهداف شخصيات قيادية مرتبطة بشكل مباشر بإدارة المواجهة العسكرية الحالية التي تخوضها طهران ضد إسرائيل.

وفي سياق متصل، أكد الجيش الإسرائيلي مقتل قائد قوات 'الباسيج'، غلام رضا سليماني، خلال الموجة الأخيرة من الضربات الجوية التي طالت مقرات أمنية وعسكرية. وتعتبر تل أبيب أن تصفية سليماني تمثل ضربة قوية للمنظومة الأمنية الإيرانية، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه قوات الباسيج في العمليات الداخلية والخارجية.

وأفادت مصادر بأن الهجمات لم تقتصر على القيادات الإيرانية فحسب، بل امتدت لتشمل قيادات في فصائل فلسطينية تتواجد داخل الأراضي الإيرانية. وذكرت تقارير أن الجيش الإسرائيلي حاول قبل أيام استهداف أكرم العجوري، المسؤول العسكري في حركة الجهاد الإسلامي، والقيادي محمد الهندي خلال هجوم استهدف مدينة قم.

وشاركت عشرات الطائرات الحربية الإسرائيلية في الهجوم الواسع الذي ضرب مواقع استراتيجية في مدن طهران وشيراز وتبريز. وبحسب بيان عسكري، فإن الأهداف شملت بنى تحتية أمنية ومنشآت مخصصة لتطوير الصواريخ والطائرات المسيرة، بالإضافة إلى مقرات تابعة لوزارة الاستخبارات الإيرانية وقواعد لقوات الباسيج.

وفي العاصمة طهران، نقلت مصادر ميدانية سماع دوي انفجارات عنيفة هزت وسط المدينة صباح اليوم الثلاثاء، تزامنت مع ظروف جوية صعبة وعواصف رعدية. وأدت هذه الانفجارات إلى حالة من الذعر بين السكان، في ظل استمرار القصف الجوي الذي بدأ منذ ليلة أمس واستهدف منشآت حيوية في محيط العاصمة.

وحتى هذه اللحظة، تلتزم السلطات الرسمية في طهران الصمت حيال نتائج هذه الغارات أو صحة الأنباء المتعلقة باغتيال لاريجاني وسليماني. ولم يصدر عن وكالات الأنباء الإيرانية الرسمية أي نفي أو تأكيد قاطع، باستثناء الإشارة إلى وقوع هجمات معادية استهدفت بعض المواقع العسكرية والأمنية في البلاد.

وتأتي هذه التصعيدات الخطيرة في إطار المواجهة الشاملة التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، إثر ضربات واسعة شنتها إسرائيل والولايات المتحدة. وقد أسفرت تلك المرحلة من الحرب عن مقتل مئات الأشخاص، كان من بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين الأمنيين في الدولة.

ومنذ ذلك الحين، تواصل طهران ردها العسكري عبر إطلاق رشقات صاروخية يومية باتجاه المدن الإسرائيلية، بالإضافة إلى استهداف قواعد ومصالح أمريكية في المنطقة العربية. وتؤكد إيران أن هذه الهجمات تأتي رداً على ما تصفه بالعدوان السافر على سيادتها واغتيال رموزها الوطنية والدينية.

ويرى مراقبون أن وصول العمليات الإسرائيلية إلى قلب المدن الإيرانية واستهداف شخصيات بوزن علي لاريجاني يمثل تحولاً دراماتيكياً في مسار الحرب. ومن شأن هذه التطورات أن تدفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد، خاصة في ظل التهديدات المتبادلة واستمرار العمليات العسكرية التي تخلف أضراراً جسيمة في المنشآت المدنية والعسكرية على حد سواء.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 مارس 2026 12:03 مساءً - بتوقيت القدس

نذر مواجهة في هرمز: واشنطن تتهم طهران بزرع ألغام بحرية وترمب يهدد برد غير مسبوق

تشهد منطقة الخليج تصعيداً عسكرياً لافتاً مع تواتر التقارير الاستخباراتية التي تشير إلى قيام إيران بنشر ألغام بحرية في مضيق هرمز. وأفادت مصادر إعلامية بأن أجهزة الاستخبارات الأميركية رصدت تحركات مريبة تهدف إلى تهديد سلامة الملاحة الدولية في أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

وفي رد فعل حازم، توعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب طهران بما وصفه بـ 'عواقب عسكرية غير مسبوقة' في حال استمرار هذه الأنشطة. وطالب ترمب الجانب الإيراني بإزالة أي عوائق متفجرة جرى نشرها، مؤكداً أن واشنطن لن تسمح بتعطيل حركة التجارة العالمية عبر المضيق.

من جانبها، نفت وزارة الخارجية الإيرانية هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، معتبرة إياها ادعاءات لا أساس لها من الصحة. ورغم هذا النفي، كانت طهران قد أعلنت في مطلع شهر مارس الجاري أن المضيق يعتبر 'مغلقاً'، مهددة باستهداف أي سفينة تحاول العبور دون إذنها.

وتثير هذه التطورات قلقاً دولياً واسعاً نظراً للطبيعة الجغرافية لمضيق هرمز التي تمنح إيران أفضلية تكتيكية. ويمتد الساحل الإيراني لمسافات طويلة تتيح للقوارب السريعة التحرك بحرية وزرع الألغام في نقاط ضيقة يصعب على السفن الكبيرة المناورة فيها.

وتشير تقديرات وكالة الاستخبارات الدفاعية الأميركية إلى أن الترسانة الإيرانية تضم أكثر من 5000 لغم بحري متنوع القدرات. وتتراوح هذه الأسلحة بين الألغام التقليدية المربوطة بسلاسل، والألغام القاعية المتطورة التي تعمل بحساسات مغناطيسية وصوتية دقيقة.

وتعتبر الألغام القاعية من أخطر التهديدات، حيث تستقر في قاع البحر وتنفجر عند استشعار اقتراب السفن، مما يولد فقاعة غازية مدمرة تضرب الهيكل من الأسفل. هذا النوع من الأسلحة يصعب رصده بالوسائل التقليدية، ويتطلب تقنيات مسح متطورة لتطهير الممرات المائية.

بالإضافة إلى ذلك، تمتلك طهران ما يعرف بـ 'الألغام اللاصقة' التي يستخدمها الغواصون والسباحون العسكريون لتعطيل السفن بشكل صامت. وتوضع هذه العبوات مباشرة على أنظمة الدفع والتوجيه، مما يؤدي إلى شل حركة السفينة دون الحاجة إلى إغراقها بالكامل.

وعلى الصعيد الميداني، أعلنت مصادر عسكرية أميركية عن تنفيذ ضربات استباقية استهدفت البنية التحتية لزرع الألغام. وشملت هذه العمليات قصف 16 سفينة إيرانية في الموانئ، يُشتبه في استخدامها لنقل ونشر المتفجرات البحرية في مياه المضيق.

ورغم هذه الضربات، تشير التقارير إلى أن إيران بدأت بالاعتماد على زوارق صغيرة وسريعة لتنفيذ مهامها بعيداً عن أعين الرقابة الجوية. وتعتمد هذه الاستراتيجية على إرباك جهود الإزالة وفرض كلفة أمنية باهظة على شركات الشحن والتأمين البحري.

وتؤكد مصادر فنية أن عملية تطهير مضيق هرمز من الألغام قد تستغرق أسابيع طويلة وتكاليف مالية ضخمة. وتتطلب هذه العمليات استخدام مركبات مسيرة مزودة بأجهزة سونار، بالإضافة إلى كاسحات ألغام متخصصة تعمل تحت حماية عسكرية مكثفة.

ويستذكر الخبراء العسكريون تجربة حرب الخليج عام 1991، حين زرع العراق أكثر من ألف لغم بحري، مما تطلب جهداً دولياً مضنياً لتأمين السواحل. ويرى المحللون أن التهديد الحالي في هرمز يفوق ذلك التعقيد نظراً للتطور التكنولوجي في الألغام الإيرانية الحديثة.

وفي ظل هذا الانسداد الدبلوماسي، تدرس واشنطن خيارات تتجاوز استهداف السفن لتشمل مراقبة مسلحة دائمة للمضيق. ويهدف هذا التوجه إلى تدمير أي قارب يُرصد في حالة تلبس أثناء محاولة زرع الألغام، وذلك لتجنب الانزلاق نحو مواجهة شاملة.

ويبقى مضيق هرمز شرياناً حيوياً يمر عبره نحو خمس استهلاك النفط العالمي، مما يجعل أي اضطراب فيه سبباً في قفزات جنونية لأسعار الطاقة. وتراقب العواصم العالمية بحذر شديد مآلات هذا التوتر، وسط دعوات لتهدئة تمنع انفجار الأوضاع عسكرياً.

إن استراتيجية 'تعطيل المهمة' التي تتبعها إيران تهدف إلى ممارسة ضغوط قصوى على المجتمع الدولي والولايات المتحدة. ومع استمرار الحشود العسكرية، يظل خطر وقوع خطأ حسابي في المياه المزدحمة قائماً، مما قد يشعل فتيل صراع بحري واسع النطاق.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 مارس 2026 12:03 مساءً - بتوقيت القدس

أهميــة التخطيـط زمـن الحــرب!

منذ أن اندلعت الحرب بين إسرائيل وأمريكا وإيران، والناس تعيش على صفيح ساخن من التوتر والقلق والخوف.  والآن أصبح هذا الصفيح يغلي ويفور، سيما وأن الحرب بدأت تطول وتتجاوز المدة الزمنية المحدد لها وتتجاوز المناطق الجغرافية أيضا. وبعد أسبوعين على الأغلب، ها هي تزداد ضراوة وشراسة بعد أن طالت الصواريخ القواعد الأمريكية في دول الخليج والمواقع الحساسة في إسرائيل، وبدأ يستعمل فيها الأسلحة الثقيلة والصواريخ البالستية والفرط صوتية والعنقودية والتي تحمل رؤوسا تفجيرية يصل وزنها إلى طنين من الكيلوغرامات. والأشد، أن هذه الحرب بدأت تتسع وتمتد لتشمل قوى المقاومة الإسلامية كحزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، وقريبا، وكما يقال، الحوثيين في اليمن وغيرهم من المقاومين الإسلاميين. والطامة الكبرى قد تقع إذا ما اشتركت فيها دول الخليج ضد إيران، لتصبح عندها حربا إقليمية يتغير معها وجه المنطقة فترتسم حدود وتذوب حدود، وتظهر وجوه وتغيب وجوه، هذا إن لم تتدحرج إلى حرب عالمية يدفع ثمنها العالم أجمع بسبب أزمة النفط وارتفاع الأسعار وأسعار البورصة، والتي من شأنها أن تشل النظام الاقتصادي العالمي وتضعه في حالة من الركود لسنوات وسنوات، إن لم يكن لعقود.  
ونتيجة لهذه الحرب المستعرة والتي لا يبدو لها لحد الآن نهاية، فالأسعار عندنا في فلسطين كغيرنا من دول الجوار بدأت ترتفع بشكل ملحوظ، وكثير من الأعمال والمهن بدأت تتوقف، والدخل الشهري بدأ يقل، والمواد الاستهلاكية بدأت تنفذ؛ مما جعل الناس تتهافت على محطات الوقود، وتخزينها، وتخزين السلع الغذائية، وتأمين ما يحتاجونه من أمور حياتية خوفا من نفاذها وارتفاع أسعارها وخاصة إذا امتدت الحرب لفترة طويلة، ورافقها توقف في تدفق النفط ومصادر الطاقة.
وفي ظل هذه الحرب المستعرة، وفي ظل هذه الأوضاع المعيشية الصعبة، فيحق للمواطن الفلسطيني أن يتساءل، هل أعدت الحكومة والمسؤولون خطة لتوحيد الصف الفلسطيني ووضع خلافاتهم على جنب، ودعوة كافة الأحزاب على مائدة واحدة للتفكير بمّ سيفعلون لو استفحل الأمر لفترة طويلة؟ وهل وضعوا خطة لكيفية مواجهة غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار؟ وهل وضعوا خطة لتقنين الاستهلاك وترشيد الطاقة والماء والكهرباء؟ وهل وضعوا خطة لكيفية مساعدة العائلات المستورة وتأمين الحد الأدنى من المعيشة؟ وهل وضعوا خطة لكيفية الوصول إلى المنقطعين في أماكن نائية وأبناء السبيل؟ وهل هناك خطط لكيفية استمرار العمل في القطاع العام والخاص بما فيه قطاع التعليم، والصحة، والزراعة، والصناعات الخفيفة وكل ما يلزم المواطنين دون تهديد؟
كلها أسئلة تتطلب من الحكومة والمسؤولين أن يكون على أهبة الاستعداد لتحمل نتائج هذه الحرب لفترة طويلة، سيما وأنه لا يوجد لحد الآن بارقة أمل بانتهائها، وسيما أن كل الأطراف المتحاربة مصرّة على الاستمرار فيها، لأنهم يرون فيها الفرصة الأخيرة للمحافظة على وجودهم وكينونتهم ودينهم ومعتقداتهم، والأكثر المحافظة على أرضهم وبلادهم؟

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 مارس 2026 12:02 مساءً - بتوقيت القدس

انتخابات المجالس المحلية 2026: فرصة للإصلاح الحقيقي والتغيير الجذري أم مضاعفة الأزمات؟

مع اقتراب موعد الانتخابات المحلية المقرر في الخامس والعشرين من نيسان 2026، تتجدد التساؤلات في الشارع الفلسطيني: هل ستشاركون في الانتخابات؟ ومن ستنتخبون؟
بالرغم من أهمية هذه الأسئلة، إلا أنها فقدت قيمتها أمام تساؤلات جوهرية أكبر وأعمق: كيف سنخوض هذه الانتخابات؟ وبأي وعي؟ وبأي قدر من المسؤولية؟
فالتجربة السابقة في العديد من المجالس المحلية لم تخلُ من مظاهر الخلافات والانقسامات الداخلية، وتصفية الحسابات، والمنافسة على المناصب واللجان، وغياب التوافق والعمل الجماعي، إلى جانب تعدد الرؤساء خلال الدورة الانتخابية الواحدة. هذه المظاهر لم تؤدِ إلى عرقلة سير العمل وإضعاف الأداء الإداري فقط، بل أثرت أيضا في استقرار المجالس وقدرتها على تنفيذ خططها وبرامجها التنموية واستنزفت الطاقات وهزّت ثقة المواطنين بمن ائتمنوهم على إدارة الشأن العام. فنحن اليوم أمام مرحلة تحتاج إلى مراجعة شاملة وتقييم موضوعي لما حدث سابقاً، قبل المضي قدماً نحو استحقاق انتخابي جديد.
المجالس المحلية ليست مواقع للتشريف والوجاهة، ولا لإثبات النفوذ، ولا للامتيازات الشخصية، ولا لتصفية الحسابات ولا للصراعات والانقسامات. إنها واجب ومسؤولية أخلاقية واجتماعية ووطنية. فالمؤسسات المحلية هي مؤسسات خدمية وتنموية يقع على عاتقها مسؤولية إدارة المدن والبلدات والقرى وتمس حياة الناس بشكل مباشر ويومي، من تخطيط ورخص بناء ومياه وكهرباء إلى تنظيم الأسواق العامة والحرف والصناعات والنظافة والصحة العامة وصولاً إلى تنظيم الباعة المتجولين والحمالين والبسطات والمظلات وغيرها الكثير، كما أنها محطة هامة في صنع القرار المحلي لما تمتلكه من صلاحيات، وهذا يقتضي تقديم المصلحة العامة على أي اعتبار مهما كان.  
إن الإصلاح والتغيير الحقيقي لا يتحقق بتغيير الأسماء والوجوه والشخصيات فقط، بل بتغيير الثقافة. ثقافة ترسّخ من قيم العمل الجماعي والشراكة، وتحترم التخصص، وتطبق القوانين والأنظمة، وتُقدم المصلحة العامة على أي اعتبار.
وفي هذا الإطار، فإن ما قامت به بلدية رام الله بالتوافق على تشكيل قائمة موحدة لخوض الانتخابات، ما هو إلا خطوة تعكس وعياً بأهمية تكاتف الجهود وتوحيدها وتقديم نموذج يقوم على التعاون والعمل الجماعي، بعيداً عن التنافس الذي قد يتحول إلى صراع أو انقسام ينعكس سلباً على أداء هذه المؤسسات وجودة الخدمات المقدمة إلى المواطن الفلسطيني، مع أن التنافس الديمقراطي حق، إلا أنه يفقد قيمته حين يتحول إلى صراع داخلي.
ومع اكتمال تشكيل القوائم الانتخابية، تبقى اليوم مسؤولية التصويت وحسن الاختيار في يد الناخبين، فأصواتهم ستحدد من سيمثلهم في المجالس المحلية خلال السنوات المقبلة. لذلك كلنا أمل في الاستفادة من تجربة الانتخابات المحلية السابقة، وأن يكون التصويت تصويتاً واعياً وعادلاً، يأخذ في الاعتبار الخبرات والكفاءات والقدرة على تحمل المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية والوطنية بعيداً عن الاستجابة لصلة القرابة والصداقة والعلاقات الشخصية والمحسوبيات، بما يضمن تشكيل مجالس قادرة على تنفيذ مشاريع تنموية تخدم البنية التحتية وتستجيب لاحتياجات المواطنين وتساهم في تحقيق التنمية المستدامة التي يحتاجها المجتمع الفلسطيني. فالصوت الانتخابي أمانه وليس مجاملة ونتيجته ستنعكس مباشرة على جودة الخدمات ومستقبل التنمية في المدن والبلدات والقرى الفلسطينية.
وفي هذا السياق تبرز أهمية تعزيز الوعي والتثقيف الانتخابي من خلال وسائل الإعلام عبر التعريف بالمرشحين وبرامجهم ورؤاهم وخبراتهم ومؤهلاتهم، وما قدموه سابقاً وما سيقدومه خلال فترة توليهم هذه المسؤولية، مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية الالتزام بأخلاقيات المهنة من خلال التحقق من صحة ودقة المعلومات لضمان مصداقيتها لكي تبقى حيادية ومتوازنة تحمي نزاهة العملية الانتخابية. كل ذلك من شأنه مساعدة الناخبين بالتصويت لاختيار ممثليهم بمسؤولية وعلى أسس موضوعية قائمة على الكفاءة والقدرات، وبما يخدم المصلحة العامة للوطن والمواطن.  
إن المجتمع الفلسطيني اليوم وفي ظل حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي بحاجة إلى مجالس كفؤة، قوية وشجاعة وجريئة في تطبيق القوانين والأنظمة، وتمتلك القدرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها على أرض الواقع، والعمل أيضا بنزاهة ومصداقية وشفافية ومسؤولية وبروح الفريق الواحد تضع المصلحة العامة فوق أي اعتبار.  
فهذه محطة اختبار حقيقي، فإما أن نرتقي بالتجربة السابقة، أو نعيد السيناريوهات ذاتها بأسماء ووجوه وشخصيات جديدة. فكفى وعوداً لا يمكن تطبيقها.

فلسطين

الثّلاثاء 17 مارس 2026 11:19 صباحًا - بتوقيت القدس

بعد عام من الاحتجاز.. السلطات الأمريكية تفرج عن الناشطة الفلسطينية لقاء كردية بكفالة

أنهت السلطات الأمريكية احتجاز الناشطة الفلسطينية لقاء كردية، البالغة من العمر 33 عاماً، بعد تنفيذ قرار قضائي بالإفراج عنها بكفالة مالية من مركز احتجاز للمهاجرين في ولاية تكساس. وتعد كردية آخر الناشطات المناصرات للقضية الفلسطينية اللواتي بقين رهن الاحتجاز ضمن حملة واسعة استهدفت المشاركين في الاحتجاجات المناهضة للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

وأكد الفريق القانوني للمواطنة الفلسطينية، التي تنحدر أصولها من الضفة الغربية المحتلة، أنها غادرت مركز احتجاز 'بريريلاند' بمدينة ألفارادو يوم الإثنين. ومن المقرر أن تتوجه لقاء إلى ولاية نيوجيرزي لتجتمع بعائلتها مجدداً بعد غياب قسري استمر لأكثر من اثني عشر شهراً خلف القضبان.

وتعود تفاصيل القضية إلى عام 2024، حينما اعتقلت الشرطة الأمريكية لقاء كردية أثناء مشاركتها في اعتصام طلابي بجامعة كولومبيا تنديداً بالعدوان الإسرائيلي. ورغم أن سلطات الهجرة تذرعت بتجاوزها مدة تأشيرة الدراسة، إلا أن محاميها شدد على أنها كانت تسير في إجراءات قانونية للحصول على الإقامة الدائمة قبل اعتقالها.

وخلال مؤتمر صحفي مقتضب عقب خروجها، عبرت كردية عن فرحتها الغامرة بالحرية بابتسامة لم تفارق وجهها، مشيرة إلى صعوبة التجربة التي مرت بها. وقالت إن شعورها بالحرية لا يوصف بعد قضاء عام كامل في ظروف احتجاز قاسية، مؤكدة صمودها رغم كل الضغوط التي مورست ضدها.

من جانبها، كشفت منظمة العفو الدولية عن مأساة إنسانية تضاعف معاناة الناشطة الفلسطينية، حيث فقدت 175 فرداً من عائلتها جراء الغارات الإسرائيلية المستمرة على غزة منذ أكتوبر 2023. وقد أثارت قضيتها تعاطفاً واسعاً، حيث طالب أعضاء في الكونغرس ومنظمات حقوقية بإنهاء احتجازها التعسفي.

وجاء قرار الإفراج الصادر عن قاضية الهجرة يوم الجمعة الماضي مشروطاً بدفع كفالة مالية قدرها 100 ألف دولار، مع استمرار النظر في قضية ترحيلها. ووصفت القاضية في حيثيات حكمها الدفوع التي قدمتها الحكومة الأمريكية لمنع إطلاق سراحها بأنها 'مخادعة' وغير مستندة إلى أسس قانونية متينة.

وكانت الحالة الصحية للقاء قد تدهورت بشكل ملحوظ خلال الشهر الماضي، حيث نُقلت إلى المستشفى إثر إصابتها بنوبة صرع ناتجة عن الضغوط النفسية وسوء المعاملة. ووصفت الناشطة الفلسطينية بيئة الاحتجاز بأنها كانت 'قذرة ولا إنسانية'، مما دفع شخصيات سياسية مثل رئيس بلدية نيويورك للتدخل المباشر لدى الإدارة الأمريكية.

وتأتي هذه الحادثة في سياق حملة قمعية أوسع شنتها إدارة الرئيس دونالد ترمب ضد الحراك الطلابي والشعبي المؤيد لفلسطين في الجامعات الأمريكية. وتضمنت هذه الحملة تهديدات بترحيل المتظاهرين الأجانب وسحب التمويل من المؤسسات التعليمية، تحت مزاعم مكافحة 'معاداة السامية' التي يراها الناشطون محاولة لتكميم الأفواه المنتقدة للاحتلال.

تحليل

الثّلاثاء 17 مارس 2026 11:17 صباحًا - بتوقيت القدس

الإفراج عن الناشطة والطالبة لقاء كردية بعد عام من الاحتجاز لدى سلطات الهجرة الأميركية


واشنطن – سعيد عريقات -17/3/2026

أُفرج عن الطالبة والناشطة الفلسطينية لقاء كردية بعد نحو عام كامل من احتجازها لدى السلطات الأميركية، في قضية أثارت جدلاً واسعاً حول حدود حرية التعبير وحقوق المهاجرين والنشطاء السياسيين في الولايات المتحدة.

وكانت سلطات الهجرة والجمارك الأميركية (ICE ) قد احتجزت كردية قبل عام تقريباً، بعدما شاركت في احتجاجات تضامنية مع قطاع غزة ضمن موجة من التظاهرات التي شهدتها عدة جامعات أميركية خلال عام 2024. وقد نُقلت لاحقاً إلى مركز احتجاز للمهاجرين في ولاية تكساس، حيث بقيت هناك طوال أشهر طويلة وسط حملة تضامن متزايدة من منظمات حقوقية ونشطاء وطلاب.

وخلال فترة احتجازها، أكد محامو كردية أن موكلتهم عوقبت فعلياً بسبب مواقفها السياسية ونشاطها في الدفاع عن الفلسطينيين، بينما قالت السلطات إن احتجازها مرتبط بمسائل تتعلق بوضعها القانوني في الولايات المتحدة، وليس بمواقفها السياسية.

ورغم صدور أكثر من قرار قضائي يطالب بالإفراج عنها بكفالة، استمر احتجاز كردية نتيجة استئنافات وإجراءات قانونية إضافية، ما أثار انتقادات منظمات حقوق الإنسان التي اعتبرت أن استمرار احتجازها لفترة طويلة يطرح تساؤلات حول استخدام نظام الهجرة في التعامل مع ناشطين سياسيين.

وخلال العام الذي أمضته في الاحتجاز، قالت جهات داعمة لها إنها عانت من ظروف صعبة داخل مركز الاحتجاز، بما في ذلك العزلة وتدهور حالتها الصحية، إضافة إلى ضغوط نفسية كبيرة نتيجة طول فترة الاحتجاز وعدم وضوح مستقبل قضيتها.

وفي الأشهر الأخيرة، تصاعدت حملة التضامن معها في الولايات المتحدة، حيث نظمت منظمات طلابية وحقوقية فعاليات واحتجاجات مطالبة بالإفراج عنها، كما أطلقت حملات ضغط تضمنت الاتصال بالمسؤولين المنتخبين وإرسال رسائل إلى الجهات الحكومية.

وجاء الإفراج عن كردية أخيراً بعد صدور قرار قضائي ثالث في القضية، إضافة إلى الضغوط القانونية والإعلامية المتواصلة التي مارسها فريق الدفاع عنها وعدد من المنظمات المدنية.

وقالت جهات داعمة لها إن إطلاق سراحها يمثل انتصاراً لما وصفته بـ"قوة العمل الشعبي"، مشيرة إلى أن آلاف الأشخاص شاركوا في حملات التضامن معها خلال الأشهر الماضية، سواء عبر تنظيم الاحتجاجات أو التواصل مع ممثليهم في الكونغرس.

وأضافت هذه الجهات أن القضية تعكس أهمية الضغط المجتمعي في الدفاع عن الحقوق المدنية، مؤكدة أن استمرار الاهتمام بالقضية لعب دوراً في إبقائها حاضرة في النقاش العام.

وبعد عام كامل من الاحتجاز، عادت كردية أخيراً إلى عائلتها، في نهاية معركة قانونية وإنسانية استمرت أشهراً طويلة وأثارت نقاشاً واسعاً حول التوازن بين سياسات الهجرة وحرية التعبير في الولايات المتحدة.

وتعكس قضية لقاء كردية التوتر المتزايد في الولايات المتحدة بين سياسات الهجرة والمناخ السياسي المحيط بالحرب في غزة. فقد أصبحت الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين في الجامعات الأميركية إحدى أبرز ساحات الجدل السياسي خلال العامين الماضيين. ويرى مدافعون عن الحقوق المدنية أن السلطات استخدمت أدوات قانون الهجرة في بعض الحالات للتعامل مع ناشطين سياسيين، وهو ما يثير مخاوف بشأن إمكانية توظيف القوانين الإدارية لمعاقبة النشاط السياسي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص لا يحملون الجنسية الأميركية.

في المقابل، تؤكد السلطات الأميركية أن قضايا الهجرة تُعالج وفق القوانين والإجراءات المعمول بها بغض النظر عن المواقف السياسية للأفراد. لكن منتقدي هذا الموقف يشيرون إلى أن توقيت بعض الاعتقالات وطبيعة القضايا يطرحان تساؤلات حول ما إذا كان السياق السياسي يلعب دوراً غير مباشر في قرارات إنفاذ القانون. كما يرى خبراء قانونيون أن نظام الاحتجاز الإداري للمهاجرين يمنح الحكومة هامشاً واسعاً لإطالة فترة الاحتجاز خلال مراحل الاستئناف القضائي.

كما أظهرت هذه القضية الدور المتزايد الذي تلعبه حملات الضغط الشعبية ومنظمات المجتمع المدني في التأثير على مسار القضايا الحقوقية في الولايات المتحدة. فقد ساهمت الحملات الإعلامية والفعاليات التضامنية في إبقاء القضية في دائرة الضوء لفترة طويلة، وهو ما يقول مراقبون إنه قد لا يغيّر دائماً المسار القانوني للقضايا، لكنه يخلق ضغطاً سياسياً وأخلاقياً يصعب تجاهله، خاصة عندما تتحول القضية إلى رمز لنقاش أوسع حول الحقوق والحريات.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 مارس 2026 10:14 صباحًا - بتوقيت القدس

هرمز.. المضيق والضائقة!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

منه تنفرج الكروب، وعليه ومن أجله تشتعل الحروب، فتتزاحم الخطوب في "بحرٍ لُجّيّ يغشاه موجٌ من فوقه موجٌ من فوقه سحاب، ظلماتٌ بعضها فوق بعض"، ويختنق الكون، وتضطرب الأسواق، وتنحسر الإمدادات، ويتمنى ترمب، الذي دخل الحرب دون حسابات، من الدول مد يد العون له لضمان تدفق الحركة في مياه المضيق، الذي يبدو كعنق زجاجة، تتقاطر إليه الفلك من كل فجٍّ عميق، بانتظار إشارة مرور.
إلى جانب "هرمز"، الذي يربط بين الخليج العربي وبحر العرب، يتجاور في المنطقة مضيقان آخران لا يقلان أهمية عنه؛ مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ومضيق جبل طارق الذي يربط بين المحيط الأطلنطي والبحر المتوسط.
لا يبدو ترمب يشعر بالضيق من إغلاق المضيق، فربما العكس، فهو يعتبر إغلاق هرمز يضرب الاقتصاد الصيني الذي يعتمد على نحو ٤٠٪ من إمدادات النفط الإيراني، بينما تتوفر للولايات المتحدة كمياتٌ كبيرةٌ من النفط الذي تنتجه من حقولها في ألاسكا وغيرها، وكذلك ما يتوفر لها من جارتها كندا، عدا عن النفط الفنزويلي الذي بات تحت سيطرتها.
يذهب ترمب لضرب جزيرة "خرج" رداً على إغلاق هرمز، فيما يحاول عبثاً تشكيل نواة تحالفٍ دوليّ يُعينه على فتح المضيق، الذي يبدو أنه ورقة إيران القوية لتوسيع مساحة الإضراب، ومضاعفة الأكلاف على الأسواق العالمية، لدفع الدول المتضررة إلى الضغط على ترمب من أجل وضع نهايةٍ للحرب.
ضرب جزيرة "خرج" يُعيد إلى الأذهان حرب الناقلات خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، ما من شأنه أن يدفع الجميع للبحث عن مخرج طوارئ للحد من تداعيات الحرب.
فعندما تضطرب المياه في هرمز، ترتجف الممرات في باب المندب وجبل طارق، فالجغرافيا لا تتجزأ في حسابات "قوس النار" المفتوح على المزيد من الدمار.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 مارس 2026 10:04 صباحًا - بتوقيت القدس

تحالف الظل: كيف تعزز الاستخبارات الروسية قدرات إيران العسكرية ضد واشنطن؟

كشفت تقارير دولية حديثة عن تصاعد لافت في مستوى التعاون العسكري بين موسكو وطهران، حيث برزت روسيا كداعم استراتيجي رئيسي لإيران في ظل التوترات المتزايدة بالشرق الأوسط. وأفادت مصادر مطلعة بأن الكرملين بدأ بتزويد الجانب الإيراني بمعلومات استخباراتية حساسة وصور أقمار صناعية دقيقة تتعلق بالتحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة.

ويشمل هذا الدعم التقني مشاركة بيانات ميدانية فورية حول مواقع السفن الحربية والطائرات التابعة للولايات المتحدة، مما يعزز من قدرة طهران على الرصد والمتابعة. وأوضحت المصادر أن هذا التنسيق ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج تعاون مستمر تعمق منذ اندلاع المواجهات الأخيرة في المنطقة، بهدف تقويض النفوذ الأمريكي.

وتلعب القدرات الفضائية الروسية دوراً محورياً في هذا التحالف، حيث تضع موسكو أنظمة مراقبة متطورة في خدمة الأهداف الإيرانية، ومن أبرزها القمر الصناعي المعروف باسم 'خيّام'. وتوفر هذه المنظومة صوراً بصرية ورادارية عالية الدقة، مما سمح لطهران بتحديد مواقع أصول عسكرية أمريكية وإسرائيلية بدقة متناهية لم تكن تمتلكها في السابق.

إلى جانب الدعم المعلوماتي، نقلت روسيا خبراتها الميدانية المكتسبة من الحرب في أوكرانيا إلى الحرس الثوري الإيراني، خاصة فيما يتعلق بتكتيكات الطائرات المسيّرة. وتتضمن هذه الاستشارات كيفية إطلاق أسراب متزامنة من الدرونز وتغيير مساراتها لتضليل أنظمة الدفاع الجوي المتطورة، وهو ما يفسر الدقة العالية للضربات الإيرانية الأخيرة.

وفي سياق متصل، أشارت تقارير إلى أن الولايات المتحدة اتخذت خطوات لتخفيف بعض القيود على مبيعات النفط الروسية في محاولة للسيطرة على أسعار الطاقة العالمية. إلا أن هذه الخطوة واجهت انتقادات حادة من حلفاء واشنطن، الذين حذروا من أن زيادة العائدات المالية لموسكو ستساهم مباشرة في تمويل عملياتها العسكرية المستمرة.

من جانبه، حذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من خطورة هذا التحالف، مشيراً إلى أن الدعم الروسي لإيران قد لا يتوقف عند حدود المعلومات والمسيّرات. ورجح زيلينسكي أن يمتد التعاون ليشمل تزويد طهران بصواريخ باليستية وأنظمة دفاع جوي متقدمة، مما يغير موازين القوى في المنطقة بشكل جذري.

وعلى الرغم من هذا الدعم المكثف، يرى خبراء عسكريون أن موسكو لا تزال تفضل البقاء بعيداً عن الانخراط المباشر في القتال بالشرق الأوسط في الوقت الراهن. ومع ذلك، فإن تصريحات المسؤولين الروس تشير إلى انحياز واضح، حيث أكد السفير الروسي في لندن أن بلاده لا تقف على الحياد في هذا الصراع الدائر.

ويرى محللون أن الدقة التي أظهرتها الهجمات الإيرانية الأخيرة على مراكز القيادة والرادارات تعود بشكل مباشر إلى 'الجهد الشامل' الذي تبذله الاستخبارات الروسية. هذا التعاون التقني مكن إيران من تجاوز ثغراتها التكنولوجية السابقة والوصول إلى مستوى متقدم من استراتيجيات الاستهداف الدقيق التي تعتمدها الجيوش الكبرى.

اقتصادياً، يصب ارتفاع أسعار النفط الناتج عن حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط في مصلحة الخزينة الروسية، مما يوفر لها غطاءً مالياً لمواجهة العقوبات الغربية. وتراقب العواصم الأوروبية بقلق هذا التداخل الاقتصادي والعسكري، معتبرة أن أي تهاون في الضغط على موسكو سيؤدي إلى إطالة أمد النزاعات في جبهات متعددة.

وفي هذا الصدد، عبرت بريطانيا وفرنسا عن مواقف حازمة برفض تخفيف العقوبات على روسيا، مؤكدتين أن استغلال موسكو للأزمات الإقليمية يهدد الأمن الدولي. وشددت باريس على أن التهديدات المتعلقة بالممرات المائية الدولية، مثل مضيق هرمز، لا يجب أن تكون ذريعة لتقديم تنازلات سياسية أو اقتصادية للكرملين.

كما اعتبر المستشار الألماني أن أي تخفيف للقيود في هذا التوقيت يعد 'خطوة خاطئة'، محذراً من استغلال روسيا للحرب في الشرق الأوسط لإضعاف الموقف الأوكراني. وتتفق هذه الرؤية مع مخاوف أجهزة استخبارات غربية ترى في التنسيق الروسي الإيراني محاولة جادة لإعادة تشكيل النظام الدولي وتحدي الهيمنة الغربية.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن روسيا طورت دعمها من مجرد تبادل معلومات عامة إلى مستوى استراتيجي يشمل التخطيط العملياتي المشترك. هذا التطور يعكس رغبة بوتين في إشغال الولايات المتحدة بجبهات متعددة، مما يقلل من تركيز واشنطن ودعمها العسكري الموجه لكييف في حربها التي دخلت عامها الخامس.

وفي خضم هذه التطورات، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعمه الكامل للقيادة في طهران، واصفاً بلاده بأنها 'شريك موثوق' لا يتخلى عن حلفائه في الأزمات. هذا التصريح يعزز من فرضية وجود اتفاقيات دفاعية غير معلنة تضمن استمرار تدفق التكنولوجيا العسكرية الروسية إلى العمق الإيراني مقابل استمرار التعاون في ملفات أخرى.

ختاماً، يرى مراقبون أن العالم يقترب من مرحلة صراع أوسع تتداخل فيها التحالفات الإقليمية والدولية بشكل غير مسبوق. إن تزايد التنسيق بين موسكو وطهران يضع المجتمع الدولي أمام تحديات أمنية معقدة، حيث لم تعد الحروب تنفصل عن بعضها البعض، بل أصبحت ساحات مترابطة تؤثر فيها التكنولوجيا الروسية على القرارات الإيرانية.

تحليل

الثّلاثاء 17 مارس 2026 10:03 صباحًا - بتوقيت القدس

بصيرة الفن في مواجهة السقوط: قراءة في لوحة 'الأعمى يقود العميان' لبيتر بروغل

تعد لوحة «الأعمى يقود العميان»، التي أبدعها الرسام الفلمنكي بيتر بروغل عام 1568، واحدة من أكثر الأعمال الفنية إثارة للتأمل في تاريخ الفن التشكيلي. اشتهر بروغل بتصوير تفاصيل الحياة الريفية والمشاهد اليومية للفلاحين، لكنه في هذا العمل تجاوز الرصد الواقعي ليقدم فلسفة عميقة تمزج بين الهزل والبشاعة. اللوحة لا تهدف إلى استدرار عطف المشاهد تجاه فاقدي البصر، بل تسعى لمخاطبة العقل حول خطورة فقدان البصيرة والحكمة في توجيه الجماعات.

استلهم الفنان موضوعه من نص ديني يحذر من تبعات القيادة الجاهلة، حيث يتجسد في اللوحة مشهد ستة رجال مكفوفين يسيرون في نسق متتابع نحو مصير مجهول. يعكس هذا التكوين البصري حالة من الاضطراب السياسي والديني التي عاصرها بروغل، حيث يبرز التناقض بين القائد الذي فقد طريقه والقطيع الذي يتبعه دون وعي. وقد نجح الفنان في تخليد تلك اللحظة الحرجة التي يسبق فيها السقوط الحتمي، محولاً إياها إلى رسالة كونية عابرة للزمن.

من الناحية التقنية، رسم بروغل الشخصيات الست بملامح متنوعة وثياب تقليدية، وصنع بينهم اتصالاً فيزيائياً عبر العصي أو الأيدي، مما يعزز فكرة التبعية العمياء. نلاحظ تدرجاً دقيقاً في الحركة؛ فبينما سقط القائد بالفعل في الحفرة، يبدو من يليه على وشك الانحدار، في حين يظل من في آخر الصف ثابتاً نسبياً. هذا التشكيل البصري المائل من اليسار إلى اليمين يخلق توتراً متصاعداً لدى المتلقي، وكأن السقوط عملية مستمرة لا يمكن إيقافها.

في خلفية المشهد المأساوي، تبرز كنيسة ريفية صغيرة ببرج مدبب وسط طبيعة هادئة وسكون تام، مما يخلق تضاداً حاداً مع الفوضى في مقدمة اللوحة. تمثل الكنيسة في هذا السياق نقطة الثبات والهداية التي غفل عنها السائرون، وهي شاهد صامت على المأساة البشرية التي تحدث أمامها. استخدم بروغل ألواناً ترابية ورمادية مع إضاءة قوية تجعل كل التفاصيل واضحة للعيان، في مفارقة فنية تشير إلى أن كل شيء مكشوف للرؤية إلا لمن فقدوا بصيرتهم.

تتجلى خطورة اللوحة في تصويرها لعمى القائد والتابع معاً، حيث لا يدرك الأخير عجز الأول، مما يؤدي بالضرورة إلى الضياع الجماعي. إنها تجسيد لخطورة الثقة العمياء المبنية على الجهل والضعف، حيث يسير الجميع بلا وعي نحو حفرة السقوط. يترك بروغل المشاهد في حالة من القلق المستمر، محذراً من مأساة الإنسان الذي يسلم قياده لمن لا يرى الطريق، في عالم يفتقر إلى الرؤية السليمة والحكمة النافذة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 مارس 2026 10:03 صباحًا - بتوقيت القدس

سيناريو السيطرة على جزيرة خرج: هل ينفذ ترمب وعيده القديم ضد 'درة التاج' الإيراني؟

أعاد القصف الأمريكي الأخير على جزيرة خرج الإيرانية إحياء تهديد قديم أطلقه الرئيس دونالد ترمب قبل نحو أربعة عقود، حيث برزت الجزيرة كهدف استراتيجي قد يحسم مسار المواجهة الحالية. ويُنظر إلى السيطرة على هذه الجزيرة المرجانية بوصفها الخيار الأكثر واقعية لتقويض الموارد المالية للنظام الإيراني، رغم ما يحمله هذا التوجه من مخاطر الانزلاق إلى مواجهة برية مباشرة.

تكتسب جزيرة خرج أهمية فائقة لكونها المحرك الرئيسي للاقتصاد الإيراني، إذ تتدفق عبرها نحو 90% من صادرات البلاد النفطية إلى الأسواق العالمية. وتقع الجزيرة على بعد 25 كيلومتراً من الساحل الإيراني، مما يجعلها نقطة ارتكاز حيوية للتحكم في إيرادات طهران المالية وقدرتها على تمويل مؤسساتها العسكرية وحلفائها في الخارج.

تاريخياً، كان ترمب قد صرح في مقابلة مع صحيفة 'الغارديان' عام 1988 بأنه سيضرب جزيرة خرج ويفرض سيطرته عليها لو كان صاحب القرار في واشنطن آنذاك. ويبدو أن الرئيس الأمريكي بدأ بتنفيذ هذا الوعيد جزئياً، حيث أعلن مؤخراً عن تدمير أهداف عسكرية في الجزيرة، واصفاً إياها بـ 'درة التاج' التي يجب التعامل معها بحزم.

أفادت مصادر بأن الهجمات الأخيرة ركزت بشكل دقيق على الدفاعات الجوية وقاعدة 'جوشان' البحرية ومنشآت المطار، مع تجنب استهداف البنية التحتية النفطية في هذه المرحلة. وأوضح ترمب عبر منصته 'تروث سوشال' أن عدم تدمير المنشآت النفطية كان قراراً اختيارياً، لكنه لوح بالقيام بذلك في حال هددت طهران سلامة الملاحة في مضيق هرمز.

من جانبها، رفعت طهران وتيرة صادراتها النفطية من الجزيرة إلى مستويات قياسية قبيل الهجوم، حيث كشفت مذكرات مصرفية عن شحن أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً. وتعكس هذه التحركات استشعار النظام الإيراني للخطر الداهم ومحاولته تأمين أكبر قدر من السيولة النقدية قبل تعطل الميناء الحيوي بفعل العمليات العسكرية المتواصلة.

رد الفعل الإيراني جاء حاداً، حيث توعدت القيادة العسكرية بتحويل المصالح النفطية الأمريكية في المنطقة إلى رماد إذا تم المساس بالمنشآت النفطية في خرج. وأكد المتحدث باسم 'مقر خاتم الأنبياء' أن أي اعتداء على البنية التحتية للطاقة سيواجه برد مزلزل يتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانية ليشمل حلفاء واشنطن في الإقليم.

يرى محللون أن السيطرة البرية على الجزيرة قد تكون بديلاً عن تدميرها، بهدف خنق النظام مالياً دون التسبب في كارثة بيئية أو قفزة جنونية في أسعار النفط العالمية. ومع ذلك، فإن هذا الخيار يواجه معارضة داخل دوائر صنع القرار الأمريكي التي تخشى تكرار سيناريوهات 'المستنقعات' في العراق وأفغانستان، خاصة مع قرب الجزيرة من منشآت نووية حساسة.

تتضارب التصريحات الصادرة عن إدارة ترمب بشأن إرسال قوات برية، حيث وصف الرئيس الأمر في مناسبات بأنه 'مضيعة للوقت' نظراً لتهالك القوة البحرية الإيرانية. لكنه عاد في تصريحات أخرى ليؤكد استعداده لنشر جنود 'إذا لزم الأمر' لمراقبة مخزونات اليورانيوم أو تأمين نقاط استراتيجية، مما يعكس حالة من التردد الاستراتيجي تجاه التدخل البري.

وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث حاول التمييز بين الحرب الحالية والحروب السابقة، مشيراً إلى أن واشنطن لا تسعى لبناء ديمقراطية في إيران أو الانخراط في 'قواعد اشتباك غبية'. وأكد هيغسيث أن الهدف هو تحقيق غايات عسكرية محددة تتعلق بالأمن القومي الأمريكي وحماية الملاحة الدولية، بعيداً عن مشاريع بناء الدول المكلفة.

تشير تقارير اقتصادية إلى أن سقوط جزيرة خرج في يد القوات الأمريكية سيؤدي فوراً إلى تراجع الإنتاج النفطي الإيراني بمقدار النصف وتوقف الصادرات تماماً. هذا السيناريو قد يدفع طهران إلى تنفيذ تهديداتها بإغلاق مضيق هرمز، مما سيشعل أزمة طاقة عالمية غير مسبوقة ويضع الاقتصاد الدولي على حافة الانهيار.

تظل جزيرة خرج، التي أنشأتها أصلاً شركة 'أموكو' الأمريكية قبل عقود، نقطة الضعف القاتلة في الجسد الإيراني والهدف الأكثر إغراءً للمخططين العسكريين في واشنطن. وبينما تستمر الضربات الجوية، يبقى التساؤل قائماً حول ما إذا كانت هذه العمليات هي تمهيد لغزو بحري محدود يضع اليد على شريان الحياة الإيراني.

حدد ترمب أربعة أهداف رئيسية لحملته العسكرية، تشمل تدمير القدرات الصاروخية والنووية ومنع تمويل 'الجيوش الإرهابية' في المنطقة. ويرى مراقبون أن تحقيق هذه الأهداف قد لا يتطلب احتلالاً كاملاً لإيران، بل السيطرة على مفاصل اقتصادية وعسكرية حيوية مثل جزيرة خرج لفرض شروط الاستسلام على طهران.

في ظل تماسك الهرم القيادي الإيراني بعد اختيار مرشد جديد، يبدو أن الرهان الأمريكي على انهيار داخلي سريع للنظام قد يتأخر، مما يزيد من احتمالية التصعيد العسكري. وتظل 'خرج' هي الورقة الرابحة التي يلوح بها ترمب للضغط على القيادة الإيرانية للتراجع عن مواقفها المتصلبة والدخول في مفاوضات تحت النار.

ختاماً، فإن الأيام المقبلة ستكشف مدى جدية التهديدات الأمريكية بالانتقال إلى المرحلة البرية في جزيرة خرج، وسط ترقب دولي لتداعيات ذلك على أمن الخليج. إن تحول الجزيرة من عقدة نفطية إلى ساحة مواجهة مباشرة يضع المنطقة برمتها أمام منعطف تاريخي قد يعيد رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط لسنوات طويلة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 مارس 2026 9:52 صباحًا - بتوقيت القدس

دور الأسرة في تعافي الأطفال من ويلات وانعكاسات ظروف الحروب



تنطلق هذه الصرخة والكلمات والأفكار الآتية من محراب الإنسانية، التي باتت شبه منسية، في ظل المآسي السيكولوجية وغيرها، التي فرضتها حالات العوز والفقر والتشريد والقتل لدرجة الإبادة بكل أصنافها وأشكالها، مما جعل هذه الصرخة – الموجهة للكل ممن لا زال لديه ضمير حي – تستهدف الكل الإنساني بغض النظر عن الجنس، العرق أو الدين، كون ويلات الحروب والعنف لا تستثني أحداً، بل الجميع عرضة للتأثر بنتائجها الوخيمة ودفع الثمن، إن لم تكن الأثمان.
تعتريني دهشة كبيرة، ليس فقط من دوام تكرار هذه الحروب والتي بعضها يرتقي إلى مستوى الإبادة (Genocide) لتشمل كل ما له علاقة بالبشر (موروث ثقافي وعمراني...إلخ)، حين يقفز إلى ذهني سؤال: ألم تتعلم البشرية وقادتها من عبر الحروب التي شهدها التاريخ البشري منذ بدء الكون، ظانّين أنه فقط بالحروب والقتل يمكن تحقيق أطماعهم أو استرداد حقوقهم المشروعة إن كانت كذلك، متجاهلين إمكانية وأهمية توظيف لغة الحوار القائم على إظهار البيّنة والسند الجلي كبديل ناجع، ولنا في التاريخ عبرة؟ ما صدمني صباح اليوم تصريح للرئيس الأمريكي قائم على مفاهيم سلبية مسبقة نحو الشعب الإيراني، بقوله "إنهم أوغاد مختلون وقتلهم شرف لي"، وتصريح آخر لظله رئيس الوزراء الإسرائيلي مدعياً أن الحرب ستجلب الحرية في النهاية!!!
مثل هؤلاء القادة وصناع القرار بخصوص حاضر ومستقبل شعوبهم والشعوب التي هي ضحية لنزواتهم، لا يأخذون بعين الاعتبار الانعكاسات السيكولوجية السلبية للحروب، ليس فقط على الجانب الآخر، بل وأيضاً على مجتمعاتهم، والتي حتماً ستترك بصمات وآثاراً كبيرة على كافة فئات المجتمع، وبالأخص فئة الأطفال، جراء الصدمات النفسية (PTSD) وما ينجم عنها من اضطرابات سلوكية (behavior disorders) مثل الاكتئاب (depression)، والتوتر (stress)، والقلق والأرق الدائمين (sleeping disorders)، وغيرها من الاضطرابات السلوكية، منها ما يصاحب الطفل لفترات زمنية طويلة أي مزمنة (endemic)، ومنها ما يكون التعافي منه ليس بسهولة أو بشكل كامل. فمثلاً، صدمة الفقدان تكاد تكون من ألدّ وأصعب عوائق تطور شخصية الطفل، لما يرافقها من أحداث ومناسبات تثير فيهم تذكرها (reminders). (لمزيد من المعلومات حول خطورة وتعقيدات هذه الصدمة، يمكن الرجوع إلى كتاب الكاتب بعنوان "فقدان أحد الوالدين (losing a parent)"، والذي صدر عام 2022 عن مؤسسة CARE).
يبحث الشخص الذي يعاني من مثل هذه الاضطرابات، خاصة الأطفال منهم، كي يعي ما يدور من حوله: لماذا وإلى متى كل ما يجري من حوله/حولها، كخطوة أولى نحو التعافي والخروج مما هو/هي فيه، وهذا ما يصطلح عليه علمياً ب "الإحساس بالتماسك (sense of coherence)"، والذي لن يتوفر إلا من خلال الأسرة، سواء الصغيرة منها أو الكبيرة، الملاذ الأول والأخير، للبدء بالشعور بالتوازن النفسي والجسدي والوظيفي، مما يعطي للأسرة ودورها أهمية خاصة في إنجاز الهدف كاملاً أو على الأقل التخفيف من حدة حالة الاضطراب السلوكي لدى الشخص.
لست هنا في مجال الحديث عن العلاج الإكلينيكي، فهناك المختصون به، بل وددت هنا تناول وعرض بعض الإجراءات وأساليب الوقاية (preventive measures) مثل:
• دوام ظهور الأسرة كجماعة واحدة موحدة في مواقفها قدر الإمكان، والابتعاد قدر المستطاع عن نهج الفردية والتفرد في اتخاذ وبلورة القرار، إذ من الأهمية بمكان توزيع الأدوار على الجميع في الأسرة، مع مراعاة السن والقدرات العاطفية والعقلية خاصة إذا كان هناك من هم من ذوي الاحتياجات الخاصة، مع سيادة روح التعاون والشراكة المسؤولة، بعيداً عن التنمر أو الاستهزاء والمقارنة بين أفراد الأسرة خاصة الأطفال منهم الذين هم بأمس الحاجة إلى الشعور بالأمان والاستقرار.
• دوام محاولة التجديد والتنويع حتى نتجنب الروتين المألوف، حتى لا يصاب الشخص/الأشخاص بالاكتئاب، القلق، الأرق، والخوف المتواصل.
• عدم التركيز على الفم (توجيه كلام، إعطاء أكل وشراب) فقط دون مخاطبة قلب ومشاعر الشخص المستهدف.
• ضرورة وضع الشخص/الأشخاص في دائرة صنع القرار، مع التركيز على أولوية سلامة الشخص المستهدف، مع الحرص على السلاسة والبساطة في التعامل، لكن دون الإسفاف والتقليل من شأن الحدث أو الوسيلة المقترحة.
• قد يكون من المفيد توظيف وسائل التواصل الاجتماعي وتعزيز دور الإعلام بكل أشكاله.
• لا بد من توظيف التقييم والتقويم للأساليب والتوصيات المستخدمة، وليبقَ الهاجس الأكبر لدينا هو: أي مستقبل ينتظر فلذات الأكباد وهم يعيشون هذه الأجواء الكريهة التي يسودها العنف القاتل والمدمّر، ليس فقط للشجر وللحجر، بل ولأحلام البشرية، بما فيهم عالم الأطفال واليافعين، بغدٍ مشرق يسوده الأمن والسلام والوئام؟!



أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 مارس 2026 9:50 صباحًا - بتوقيت القدس

في غرة كما في عمان رافعة أردنية


في غزة، كما في عمان، دور أردني إنساني وطني قومي ديني، في الإنحياز للشقيق الفلسطيني، في دعمه وإسناده، في التعاطف معه وعلاجه، في التنبيه لمعاناته، وفي التأكيد لحقه في الاستقلال كما حقه في الحياة، في وطنه الذي لا وطن له غيره.
في قطاع غزة: "قبيل حلول السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك نظمت الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية، والحملة الأردنية أكبر إفطار جماعي للنازحين في مخيم الأقصى بمواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، حيث اجتمع آلاف الصائمين من العائلات النازحة، والأطفال، والأيتام، حول موائد الإفطار في مشهد إنساني يعكس روح التكافل والتضامن ( الأردني الفلسطيني) في هذا الشهر الفضيل".
في عمان، أكرمتني الشريفة الهاشمية بدور بنت عبدالإله، لأن أكون مدعواً، والمتحدث أمام إفطار جماعي أقامته لأطفال غزة مع عائلاتهم الذين نقلتهم قواتنا المسلحة، لتلقي العلاج في مستشفياتنا الأردنية، بمبادرة وقرار من قبل رأس الدولة جلالة الملك.
إفطار أردني: في خان يونس، وفي عمان، تعبيراً عن الوفاء والتضامن، في وقت حرج، تعمل خلاله المستعمرة لتضييق الخناق على الفلسطينيين، والقتل والتجويع، بهدف التخلص من أكبر عدد منهم، فالصراع السياسي بين المشروعين المتصادمين: المشروع الوطني الديمقراطي الفلسطيني في مواجهة المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، صراع نجحت فيه وخلاله المستعمرة من احتلال كامل أرض فلسطين، ولكنها فشلت استراتيجياً من طرد وتشريد كامل الشعب الفلسطيني، وهذا ما يُفسر الجرائم البشعة التي قارفتها طوال عامين في قطاع غزة، ولا زالت، وهذا ما تفعله عصابات المستوطنين المحتلين الأجانب في القدس والضفة الفلسطينية.
الأردن الرسمي والشعبي، مُتناغم، متوافق، في تأدية الواجب نحو شعب فلسطين بهدف البقاء والصمود، وإحباط مشاريع المستعمرة التي تستهدف دفع الفلسطينيين نحو الرحيل: أهالي قطاع غزة إلى سيناء، وأهالي القدس والضفة الفلسطينية إلى الأردن، أو إلى أي مكان آخر، لكليهما أبناء القطاع وأبناء الضفة.
يختصر جلالة الملك، عبر الاتصال التضامني من قبل الرئيس السيسي،
 الفهم الأردني والمصلحة الوطني، والأولوية القومية، عبر التنبيه إلى "خطورة استغلال التطورات الحالية (حرب إيران) كذريعة لفرض واقع جديد في القدس والضفة الفلسطينية وغزة".
إدراك الأردن، أن أحد أهداف حرب إيران هو تجاوز ونسيان وشطب نتائج حرب غزة وما قارفته المستعمرة ضد الشعب الفلسطيني، و تهربها من تحمل مسؤولية ما قارفته من جرائم، فقد تحول الاهتمام الإعلامي والسياسي لما يجري في شرقنا العربي، ولم يعد الاهتمام بتداعيات ما جرى في غزة من جرائم وتدمير وخراب وقتل وما خلفه من عشرات الآلاف من الجرحى الذين يحتاجون للعلاج والرعاية.
الأردن يقظ لهذه العناوين، ولهذا لم يندفع نحو ما تعرضنا له من اعتداء وتطاول إيراني على السيادة الأردنية، بل بقي محافظاً على حماية الأجواء والتصدي لمحاولات الاختراق، والحفاظ على أمن الوطن والمواطنين، مع بقاء التركيز على عدم التصعيد، ولملمة التجاوزات، وخروج المنطقة مما علق بها من أحداث مقصودة تهدف إلى إبعاد الاهتمام والتركيز على ما يجري في فلسطين وخارج فلسطين في  لبنان، ونحن نعمل على إحباط هذه التوجهات حتى تكون فلسطين حقاً وتبقى مركز الاهتمام، وجوهر ما يجري في منطقتنا، وضرورة معالجته.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 مارس 2026 9:49 صباحًا - بتوقيت القدس

من حرب إيران إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط... هل يمتلك الفلسطينيون القدرة على التقاط اللحظة؟

الحرب على إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين أو محورين، بل حدث مفصلي قد يعيد تشكيل بنية التوازنات في الشرق الأوسط، وربما يترك بصمته أيضاً على مسار التحولات الجارية في النظام الدولي. فهذه الحرب، بما تنطوي عليه من تشابك بين الجغرافيا السياسية الإقليمية والصراع العالمي على النفوذ، تفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة: من إعادة تثبيت الهيمنة الأميركية–الإسرائيلية، إلى انزلاق المنطقة نحو فوضى ممتدة، أو نشوء توازنات جديدة في ظل نظام دولي يتجه تدريجياً نحو قدر أكبر من التعددية.

إسرائيل بين تفوق القوة وتآكل الشرعية

في أحد السيناريوهات المحتملة، قد تخرج إسرائيل من الحرب وهي أكثر ثقة بقدرتها على فرض إرادتها العسكرية على المنطقة. فإضعاف إيران، سواء عبر ضرب قدراتها النووية أو تقويض بنيتها العسكرية، قد يعزز موقع إسرائيل باعتبارها القوة العسكرية الأكثر تفوقاً في الشرق الأوسط، ويكرّس دورها بوصفها الركيزة الأساسية للاستراتيجية الأميركية في الإقليم.
غير أن هذا التفوق العسكري يتقاطع مع تحولات داخلية سلبية في المجتمع الإسرائيلي نفسه. فحالة الاستقطاب العميق بين التيارات القومية الدينية المتطرفة والتيارات الليبرالية باتت تعكس صراعاً حول هوية الدولة وحدود استخدام القوة. وقد كشفت الحروب المتتالية في المنطقة، بما في ذلك حرب الابادة الجماعية على قطاع غزة، أن الإنجازات العسكرية التكتيكية قد ترافقها كلفة استراتيجية متزايدة، سواء في صورة عزلة سياسية متنامية أو في تآكل مكانة إسرائيل داخل قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة نفسها. وهكذا قد تجد إسرائيل نفسها أمام مفارقة مركبة: تفوق عسكري متزايد يقابله تراجع أو حتى انحطاط في مكانتها على الساحة الدولية.

الخليج بين الأمن والتحوط الاستراتيجي

تقف دول الخليج في قلب هذه المعادلة المعقدة. فإذا أفضت الحرب إلى إضعاف إيران بشكل حاسم، فقد تميل بعض هذه الدول إلى تعزيز ارتباطها بالمظلة الأمنية الأميركية، وربما الانخراط بدرجات متفاوتة في ترتيبات أمنية إقليمية جديدة قد تكون إسرائيل جزءاً منها.
لكن تجربة المنطقة خلال العقود الماضية أظهرت أن اختلال التوازنات الإقليمية لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار، بل قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من عدم اليقين. ولهذا قد تسعى بعض دول الخليج إلى الاحتفاظ بهامش مناورة أوسع، عبر موازنة علاقاتها بين واشنطن والقوى الدولية الصاعدة، وعلى رأسها الصين.

الولايات المتحدة بين إعادة تثبيت النفوذ ومخاطر الاستنزاف

بالنسبة لواشنطن، تمثل الحرب على إيران محاولة لإعادة تثبيت موقعها القيادي في الشرق الأوسط بعد سنوات من التراجع النسبي. فالنجاح في إضعاف إيران قد يتيح لها فرصة إعادة ترتيب الإقليم بما يتوافق مع مصالحها ومصالح حلفائها.
غير أن التجربة التاريخية تشير أيضًا إلى أن الانتصارات العسكرية، إن حدثت، لا تتحول دائماً إلى استقرار سياسي. فاحتمال انزلاق الحرب إلى صراع طويل أو متعدد الجبهات قد يحولها إلى عامل استنزاف جديد للنفوذ الأميركي، بدلاً من أن تكون مدخلاً لاستعادة الهيمنة.

الصين والنظام الدولي المتحوّل

في المقابل، تنظر الصين إلى الشرق الأوسط من زاوية مختلفة. فهي ليست معنية بالانخراط العسكري المباشر في صراعات المنطقة، لكنها ترى فيها فضاءً حيوياً لمصالحها الاقتصادية وأمنها الطاقوي. ومن هنا قد تسعى بكين إلى استثمار أي تراجع في قدرة واشنطن على إدارة التوازنات الإقليمية لتعزيز حضورها الاقتصادي والدبلوماسي، في سياق أوسع يعكس انتقال النظام الدولي تدريجياً نحو تعددية أكبر في مراكز القوة.

إيران بين الضربة وإعادة التموضع

حتى في حال تعرضت إيران لضربات قاسية، فمن غير المرجح أن تختفي من معادلة القوة في المنطقة. فإيران دولة ذات عمق جغرافي وبشري كبير، وتمتلك شبكة واسعة من أدوات النفوذ الإقليمي. ولهذا قد يؤدي إضعافها عسكرياً إلى انتقال الصراع من المواجهة المباشرة إلى أشكال أكثر تعقيداً من الصراعات غير المتكافئة، بما يعيد تشكيل خرائط النفوذ في الإقليم بدلاً من إنهائها.

لبنان: توازنات هشّة في ظل التحولات

يظل لبنان إحدى الساحات الأكثر حساسية تجاه نتائج الحرب. فإذا أفضت المواجهة إلى إضعاف إيران إقليمياً، فمن المرجح أن ينعكس ذلك على موازين القوى الداخلية، ولا سيما في ما يتعلق بنفوذ القوى المرتبطة بمحورها. غير أن الطبيعة الطائفية للنظام اللبناني، إضافة إلى هشاشته الاقتصادية العميقة، تجعل أي تحول حاد في هذه التوازنات محفوفاً بمخاطر عدم الاستقرار. ولهذا قد يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار لبنان كساحة توازنات دقيقة بين قوى داخلية وإقليمية متعددة، مع تجدد النقاش حول مستقبل نظامه السياسي وحدود الصيغة الطائفية التي قامت عليها الدولة.

تركيا وأوروبا ومحاور إقليمية قيد التشكل

في هذا السياق المتغير، قد تسعى تركيا إلى توسيع هامش حركتها بوصفها قوة إقليمية قادرة على المناورة بين الشرق والغرب. فأنقرة، التي تجمع بين عضويتها في الناتو وطموحاتها الإقليمية، قد ترى في التحولات الجارية فرصة لتعزيز دورها السياسي والاقتصادي في المشرق العربي. وقد يترافق ذلك مع تقارب تدريجي بينها وبين بعض القوى العربية السنية الكبرى. ورغم أن مثل هذا المحور ،إن تشكل، سيبقى محكوماً بتباينات في المصالح والرؤى، فإنه قد يعكس محاولة لإعادة صياغة موازين القوى في المنطقة خارج الاستقطاب التقليدي بين إيران وإسرائيل.
أما أوروبا، التي بدت خلال السنوات الأخيرة لاعباً متردداً في الشرق الأوسط، فقد تجد نفسها مضطرة إلى الانخراط بصورة أكبر في إدارة تداعيات هذه التحولات. فاستقرار المنطقة يرتبط بالنسبة لها مباشرة بأمن الطاقة وبالحد من موجات الهجرة وباستقرار جوارها الجنوبي.
وقد يدفع ذلك بعض الدول الأوروبية إلى لعب دور دبلوماسي أكثر نشاطاً في إدارة الأزمات الإقليمية، وربما في إعادة طرح المسار السياسي للقضية الفلسطينية أيضاً، خاصة مع تنامي الانتقادات داخل الرأي العام الأوروبي للسياسات الإسرائيلية.

الجامعة العربية: غياب وتآكل

وسط هذه التحولات الكبرى، تبدو الجامعة العربية أقرب إلى إطار رمزي منها إلى مؤسسة قادرة على إدارة الأزمات الإقليمية. فالتباينات العميقة بين الدول العربية، واعتماد العديد منها على تحالفات ثنائية أو إقليمية ضيقة، حدّت كثيراً من قدرتها على التأثير في مسارات التحول الجارية في المنطقة.

لحظة إقليمية كبرى... والسؤال الفلسطيني

قد لا تحدد نتائج الحرب على إيران شكل الشرق الأوسط فحسب، بل قد تسهم أيضاً في تسريع التحولات الجارية في النظام الدولي. فالمنطقة تقف اليوم عند تقاطع صراعين متداخلين: صراع إقليمي على النفوذ وإعادة رسم موازين القوى، وصراع عالمي أوسع حول شكل النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين. ومن هذا المنظور، قد تعود القضية الفلسطينية لتطرح نفسها مجدداً بوصفها إحدى العقد المركزية في عدم الاستقرار الإقليمي، خاصة مع تزايد الانتقادات العالمية للسياسات الإسرائيلية. غير أن مثل هذا الاحتمال لا يتحقق تلقائياً. فالتاريخ يظهر أن اللحظات الدولية الكبرى لا تتحول إلى فرصٍ سياسية، إلا حين تنشأ حالة وطنية قادرة على قراءتها وصياغة مشروع جامع لاستثمارها. وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يمتلك الفلسطينيون، في ظل الانقسام العميق وتآكل شرعية مؤسساتهم، القدرة على التعامل مع متطلبات مثل هذه اللحظة التاريخية؟ أم أن حجم التحولات الجارية يفرض، قبل أي شيء آخر، إعادة بناء الحوامل السياسية والاجتماعية للمشروع الوطني الفلسطيني ذاته؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لم تعد مسألة فلسطينية داخلية فحسب، بل أصبحت جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بقدرة الفلسطينيين على تحويل المتغيِّرات الجارية في العالم إلى فرصة تاريخية. فبدون استعادة القدرة الوطنية على الفعل السياسي، وما يتطلبه ذلك من اعادة بناء النظام السياسي بمجمله، قد تمر هذه التحولات كما مرت لحظات مفصلية سابقة في تاريخ المنطقة؛ لحظات تفتح أبواب الاحتمالات، لكنها السؤال المفتاحي وبانتظار من يمتلك القدرة على التقاطه وصياغته في مشروع وطني "اجتماعي سياسي" ينقلنا إلى المستقبل، انطلاقًا من شبكات ومبادرات لتأطير الفئات الاجتماعية المختلفة وانخراطها في تلبية إحتياجاتها اليومية، وتمكينها من القدرة على البقاء والصمود، وقادرة في نفس الوقت على مخاطبة العالم دون عنترية أو دونية.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 مارس 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس

حرب إيران تعطل شحن الأدوية وتهدد إمدادات علاج السرطان



عواصم- وكالات- قال مسؤولون تنفيذيون في قطاع الأدوية، إنّ الحرب على إيران تعطّل تدفق الأدوية بالغة الأهمية إلى منطقة الخليج، مما يهدد مسارات إمداد أدوية السرطان وغيرها من العلاجات التي تتطلب التبريد، ويجبر الشركات على تغيير مسارات الرحلات الجوية وإيجاد سبل لإيصال الشحنات برا إلى المنطقة.
ويرى بعض المسؤولين التنفيذيين في قطاعي الأدوية واللوجستيات، أنّه حتى مع عدم وجود شواهد تذكر حتى الآن على حدوث نقص كبير، فمن الممكن أن يتغير الوضع إذا طال أمد الحرب. ذلك أنّ اعتماد دول الخليج على الواردات كبير، وبعض الأدوية لها فترة صلاحية قصيرة، وتتطلب تخزينا دقيقا ضمن سلسلة تبريد، مما يجعل النقل البري لمسافات طويلة أقل جدوى من الناحية العملية.
وقال مسؤولون تنفيذيون في شركات أدوية غربية لوكالة "رويترز"، إنّهم يبحثون عن طرق بديلة لتوصيل الأدوية إلى منطقة الخليج، وإنّهم ينقلون بعض الأدوية برا من مطارات مثل جدة والرياض في السعودية، وتشمل الخيارات الأخرى إسطنبول وسلطنة عُمان.
وتسبّبت الردود الإيرانية على القصف الأمريكي الإسرائيلي الكثيف والمتواصل في إغلاق عدة مطارات رئيسة في المنطقة، من بينها دبي وأبوظبي والدوحة. ودبي والدوحة مركزان رئيسان للشحن ⁠الجوي إذ يربطان أوروبا بآسيا وأفريقيا، فيما تتولى شركات طيران مثل "طيران الإمارات"، و"الاتحاد" للطيران، وشركات خدمات لوجستية مثل "دي.إتش.إل" ،(DHL)، نقل أدوية حساسة للحرارة يجب إبقاؤها ضمن نطاق ضيق من درجات الحرارة حتى تظل آمنة وفعالة.
ولفت الأستاذ في كلية "أنتويرب" للإدارة، ووتر ديولف، إلى بيانات من القطاع تظهر أنّ أكثر من خُمس الشحن الجوي العالمي، وهو الطريق الرئيس للأدوية واللقاحات الحيوية أو المنقذة للحياة، معرض للاضطرابات في المنطقة.
وحذّر أحد المسؤولين التنفيذيين من أنّ توفير "ممرات سلسلة التبريد" البديلة سريعا أمر غير ممكن، فضلا عن أنّها ليست متاحة دائما. ويشير بذلك المصطلح إلى المسارات التي يجري فيها التحكم في درجة الحرارة للشحنات والمستخدمة للأدوية الحساسة.
وقال مسؤول تنفيذي آخر في شركة أدوية، إنّ شركته أنشأت فرقا داخلية لإعطاء الأولوية للشحنات ذات الأهمية البالغة للمرضى، بما في ذلك علاجات السرطان، وحذّر من أنّ بعض الشحنات الخاضعة للتحكم الحراري ربما تفوّت رحلات الربط ما لم تُؤمّن لها ظروف التخزين والمناولة المناسبة.
وذكر مسؤول تنفيذي في شركة للأجهزة الطبية، أنّ الخطوة الأولى تتمثل في حصر الشحنات التي هي بالفعل في جاهزة للمغادرة أو التي هي في الطريق، وبعدها تحديد أي المنصات المحملة تحتاج إلى تحويل مسارها، وما إذا كان يتعين التخطيط لشحنات جديدة.
وطلب المسؤولون عدم نشر أسمائهم حتى يتسنى لهم مناقشة الأمور المتعلقة بالإجراءات الداخلية.
وقال المسؤول التنفيذي الذي تحدث عن الإجراءات الداخلية في شركته إنّ بعض الشحنات المتجهة من أوروبا إلى آسيا، التي تمر عادة عبر مطار دبي أو الدوحة، يجري تحويل مسارها عبر الصين أو سنغافورة. ولم تعد الطرق البحرية عملية بسبب طول مدة ‌الرحلات، فضلا عن ⁠إغلاق إيران لمضيق هرمز بالغ الأهمية.
وأضاف المسؤول التنفيذي أنّه "إذا كانت هناك جراحة عاجلة ومريض ينتظر العلاج، فعليك اختيار وسيلة النقل الأسرع".
وقال براشانت ياداف، وهو في شؤون الصحة العالمية لدى مجلس العلاقات الخارجية، إنّ مخزونات الأدوية قصيرة الصلاحية والحساسة لدرجات الحرارة ومرتفعة التكلفة تكفي عادة لنحو ثلاثة أشهر، مشيرا إلى أنّ أدوية السرطان، لا سيّما الأجسام المضادة وحيدة النسيلة، تأتي في مقدمة الأصناف الأكثر عرضة للتلف.
ويُحتمل أن يترتب على تأخر تسليم أدوية علاج الأورام عواقب وخيمة على المرضى، إذ ربما يضطرون إلى إعادة بدء دورة علاجية كاملة، أو قد تتفاقم حالتهم السرطانية.
وقال ياداف، إنّ تعطل الإمدادات يمثّل مشكلة بالفعل لبعض الشركات، إذ حذّر بعض العملاء من احتمال نفاد مخزونهم من الإمدادات في غضون 4 أسابيع إلى 6 أسابيع إذا لم تتحسن الأمور.
وفي سياق مناقشة الأزمة الخليجية وتداعياتها على سلاسل التوريد وأعمال النقل، شارك أكثر من 100 شخص من ⁠قطاعَي الأدوية والخدمات اللوجستية في ندوة عبر الإنترنت استضافتها الأسبوع الماضي مجموعة "فارما دوت إيرو"، المتخصصة في خدمات علوم الحياة.
ويقول بعض مزودي الخدمات اللوجستية، إنّ القطاع لا يزال قادرا على التعامل مع الوضع في الوقت الراهن.
وقالت المسؤولة عن الخدمات اللوجستية الجوية للرعاية الصحية في شركة "كونه-ناجل" للشحن، دوروتي بيشر، إنّ شركات الطيران تحلق إلى جدة والرياض وسلطنة عُمان، وتستخدم طرقا برية للوصول إلى الأسواق النهائية.
وأضافت قائلة "لا أرى خطرا حتى الآن من انخفاض كبير في المخزون"، مشيرة ⁠إلى أنّ شحنات الرعاية الصحية تحظى بالأولوية، لكنّ الإبقاء على تدفق الشحنات معركة مستمرة.
وقالت رئيسة العمليات في شركة "ماركن" المتخصصة في الخدمات اللوجستية للمستحضرات الحيوية الدوائية، دعاء فتح الله، إنّ الشحنات الخاضعة لسلسلة التبريد ما زالت تصل، لكنّ ذلك لا يتحقق إلا عبر إعادة توجيه مسارها على مدار الساعة في ظل التغيّر السريع في قيود المجال الجوي.
وأضافت أنّ تغيير المسار يعني فترات عبور أطول وتكاليف وقود أعلى، مما يدفع رسوم النقل إلى الارتفاع، فضلا عن زيادة استخدام الثلج الجاف للحفاظ ⁠على برودة الأدوية.
وقال مسؤولون تنفيذيون، إنّ المخاطر تتزايد بالنسبة للقطاع إذا استمر التعطل، مع تراجع الإمدادات في الخليج وآسيا.
وربما تؤثر اختناقات الشحن أيضا على منتجات تنطوي على مخاطر غير مباشرة على إمدادات الأدوية، بما في ذلك نقص سدّادات القوارير، والبلاستيك المستخدم في أكياس المحاليل الوريدية، والمواد اللازمة للتعبئة والتغليف.
وقال ديفيد ويكس، الذي يتابع قطاع سلاسل التوريد في وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني، "لا يقتصر الأمر دائما على نقص الدواء نفسه... ففي بعض الحالات، يكون النقص في السدّادة الصغيرة للقارورة التي تُسحب منها الجرعة".
وأدت الحرب التي أشعلتها الولايات المتحدة وإسرائيل بهجومها على إيران في الثامن والعشرين من شباط/ فبراير الماضي ‌ثمّ اتسعت رقعتها مع الضربات الإيرانية في أنحاء المنطقة، إلى تعطّل مراكز رئيسة للنقل الجوي وإغلاق مسارات الشحن، الأمر الذي أربك حركة السلع لكثير من المنتجات التي تتنوع من الأدوية إلى الأغذية والنفط.





فلسطين

الثّلاثاء 17 مارس 2026 9:46 صباحًا - بتوقيت القدس

إعدام عائلة بني عودة: تصعيد ممنهج لتصدير الرعب وفرض واقع التهجير

د. عبد المجيد سويلم: العملية هدفها إحداث صدمة نفسية لدى المجتمع الفلسطيني وإشعاره بوجود استعداد إسرائيلي دائم للانقضاض والقتل والفتك
محمد أبو علان دراغمة: الهدف إيصال رسالة بأن الحياة في هذه البلاد أصبحت غير مجدية وهو ما يتقاطع مع شعارات تدعو الفلسطينيين إلى الرحيل
خليل شاهين: الصورة الأوسع لهذه الجرائم لا تقتصر على تكرارها بل تشمل حالة الصمت الدولي تجاهها دون اتخاذ إجراءات لوقف جرائم الحرب
د. جمال حرفوش: ما جرى يندرج ضمن سياسة ردع قائمة على بث الرعب الجماعي داخل المجتمع باستهداف البيئة الاجتماعية وليس الأفراد فقط
سليمان بشارات: الجندي الإسرائيلي بات يشعر بغطاء رسمي جعله قادراً على إطلاق النار وقتل الفلسطينيين دون التفكير في العواقب القانونية أو الأخلاقية
عدنان الصباح: قتل عائلة بدم بارد دون تقديم أي مبرر يعكس مساراً لفرض واقع يقوم على السيطرة الكاملة على الأرض وتقليص الوجود الفلسطيني عليها

رام الله – خاص بـ"القدس" –


 ثثير حادثة إعدام عائلة بني عودة (الأب والأم وطفليهما) وإصابة اثنين آخرين قبل أيام، في بلدة طمون جنوب طوباس على يد وحدات خاصة إسرائيلية "مستعربين" مخاوف من أن تكون تلك المجزرة مؤشراً على تصاعد نهج استخدام القوة المميتة في الضفة الغربية، وتكثيف العمليات التي تستهدف المدنيين في ظل ظروف إقليمية متوترة، بهدف فرض أطماع وتنفيذ سياسات تفرض التهجير.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن ما جرى يتجاوز كونه حادثة ميدانية معزولة، ليحمل رسائل سياسية وأمنية تهدف إلى ترهيب المجتمع الفلسطيني وبث حالة من الصدمة والخوف داخله لفرض واقع سياسي أوسع.
ويشيرون إلى أن هذه العمليات تندرج ضمن استراتيجية أوسع تسعى من خلالها إسرائيل إلى تعزيز سياسة الردع وإظهار قدرتها على الوصول إلى أي مكان وفي أي وقت، حتى على حساب حياة المدنيين، كما يُنظر إلى هذه الحوادث باعتبارها جزءاً من نمط متكرر من العنف في الضفة الغربية وقطاع غزة، في ظل غياب مساءلة دولية فاعلة.
ويرون أن الجريمة تعكس توجهاً لتوسيع دائرة الضغط العسكري والنفسي على الفلسطينيين، بالتوازي مع تصاعد الاستيطان ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض بما يدفع نحو التهجير، مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي بتطورات إقليمية، ما يثير مخاوف من مرحلة أكثر تصعيداً في الضفة الغربية خلال الفترة المقبلة.



رسائل سياسية ونفسية

يرى أستاذ العلوم السياسية د. عبد المجيد سويلم أن الهجوم الذي نفذته قوات المستعربين الإسرائيلية في بلدة طمون، وأسفر عن اغتيال عائلة فلسطينية كاملة، يحمل في جوهره رسائل سياسية ونفسية تهدف إلى بث الرعب بين الفلسطينيين وإيصال رسالة واضحة مفادها بأن القوات الإسرائيلية، بما فيها الجيش والمستوطنون ووحدات المستعربين، مستعدة لاستخدام أقصى درجات القوة في مواجهة الفلسطينيين.
ويوضح سويلم أن العملية لا يمكن تفسيرها باعتبارات أمنية، مؤكداً أن الهدف الرئيسي منها يتمثل في إحداث صدمة نفسية لدى المجتمع الفلسطيني وإشعاره بوجود استعداد دائم للانقضاض والقتل والفتك في أي لحظة.
ويؤكد سويلم أن الرسالة الأساسية التي أرادت إسرائيل إيصالها من خلال هذه الجريمة هي التأكيد على أنها لن تسمح بظهور أي مظهر من مظاهر المقاومة أو حتى بوادر حراك شعبي يمكن أن يتطور إلى انتفاضة أو هبّة جماهيرية، حتى لو كان بمجرد الاشتباه.
ويشير سويلم إلى أن هذا النوع من العمليات يدخل في إطار ما يمكن وصفه بالحرب النفسية، حيث تسعى إسرائيل إلى ترهيب الفلسطينيين وإضعاف معنوياتهم ومنعهم من التفكير في أي تحرك جماعي أو سياسي.

محاولة كسر الإرادة الوطنية

ويرى سويلم أن الجريمة التي وقعت في طمون تُعد – بكل المقاييس – عملاً دموياً لا مبرر له، مشدداً على أن الهدف منها يتجاوز الجانب الميداني ليصل إلى محاولة كسر الإرادة الوطنية للفلسطينيين، لكن تفاعل المواطنين جاء بمستوى من الوعي الوطني، ما أدى إلى إفشال الأهداف التكتيكية التي سعت إسرائيل إلى تحقيقها من خلال العملية.
ويشير سويلم إلى أن ما يجري في الضفة الغربية في هذه المرحلة يعكس استمراراً لنهج إسرائيلي يقوم على تعذيب الفلسطينيين وإخافتهم وإيصال رسالة مفادها بأن السياسات التي اتبعتها إسرائيل في قطاع غزة، القائمة على القتل والتدمير والتجويع، يمكن أن تمتد إلى الضفة الغربية أيضاً.
ويوضح أن هذه الرسائل جاءت في سياق التطورات الإقليمية الأخيرة، ولا سيما بعد اندلاع الحرب على إيران، حيث تحاول إسرائيل استثمار الظروف الإقليمية والدولية لتعزيز سياسة الردع وبث الخوف داخل المجتمع الفلسطيني، بهدف التأثير في معنوياته ومنع أي أمل بإمكانية تغيير الواقع القائم.
ويؤكد سويلم أن ما يحدث في الضفة الغربية وقطاع غزة يعكس عقلية واحدة تقوم على استخدام القوة المفرطة والضغط النفسي والمعنوي لفرض الوقائع على الأرض، في محاولة لإقناع الفلسطينيين بأن إسرائيل قادرة على فرض إرادتها وسياساتها بالقوة.

سياسة إسرائيلية متكررة

يعتبر الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة أن حادثة اغتيال عائلة في بلدة طمون جنوب طوباس على يد وحدات المستعربين التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي لا تشكل حدثاً استثنائياً، بل تندرج ضمن سياسة إسرائيلية متكررة في التعامل مع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، تقوم على استخدام القوة المفرطة وإطلاق النار حتى على المدنيين.
ويوضح دراغمة أن حوادث مشابهة وقعت سابقاً في البلدة ذاتها، مشيراً إلى واقعة حدثت في الأول من سبتمبر/ أيلول من العام الماضي، عندما تعرض مواطن وعائلته لإطلاق نار من قبل قوات الاحتلال، ما أدى إلى إصابتهم ونجاتهم من الموت.

تعزيز نظرية الردع

ويبيّن دراغمة أن إحدى الرسائل الأساسية التي تسعى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى إيصالها من خلال مثل هذه العمليات هي التأكيد على قدرتها على الوصول إلى أي مكان وفي أي وقت، حتى لو كان ذلك على حساب حياة المدنيين، من أجل "تعزيز نظرية الردع".
ويشير دراغمة إلى أن هذه الحادثة تعكس أيضاً مدى سهولة استخدام السلاح ضد الفلسطينيين، في ظل غياب المساءلة الحقيقية.
ويلفت دراغمة إلى أن تقارير إعلامية إسرائيلية، بينها ما بثته قناة "كان" العبرية، أشارت إلى أن منفذي عملية اغتيال العائلة في طمون هم من عناصر الوحدات الخاصة الإسرائيلية، وهي وحدات مدربة للتعامل مع مثل هذه المواقف بطرق مختلفة، إلا أن ما حدث يعكس نهجاً قائماً على "القتل أولاً"، وليس على التعامل الأمني كما تدعي إسرائيل.

خلق ظروف الترحيل

ويؤكد دراغمة أن الرسائل التي تحملها هذه الجريمة الهدف منها إيصال رسالة للفلسطينيين بأن الحياة في هذه البلاد أصبحت غير مجدية، وهو ما يتقاطع مع شعارات رفعها مستوطنون في الضفة الغربية تدعو الفلسطينيين إلى الرحيل.
ويشير دراغمة إلى أن هذه السياسات لا تقتصر على العمليات العسكرية، بل تأتي ضمن منظومة متكاملة تشمل مصادرة الأراضي، وتهجير السكان، وارتكاب عمليات قتل بحق الفلسطينيين، معتبراً أن ما يجري يشكل استمراراً لنهج الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ولا سيما حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، في تكريس سياسة القتل بدم بارد، في وقت تبقى فيه جرائم الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة شاهداً على هذا النهج.

سياسة ميدانية قائمة

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين أن إعدام عائلة بني عودة بدم بارد في بلدة طمون يمثل تكراراً لجرائم مشابهة ارتكبتها إسرائيل سابقاً، سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية، مؤكداً أن ما جرى يندرج ضمن نمط متكرر من العمليات التي تستهدف الفلسطينيين بصورة مباشرة.
ويوضح شاهين أن وسائل إعلام إسرائيلية أشارت إلى أن الوحدة التي نفذت الجريمة في طمون هي ذاتها التي نفذت حادثة مشابهة قبل عدة أشهر، عندما أطلقت النار على شابين فلسطينيين بعد استسلامهما.
وبحسب شاهين، فإن هذا المعطى يعكس وجود نمط متكرر في سلوك هذه الوحدات الخاصة، ما يعزز الاعتقاد بأن مثل هذه الجرائم ليست حوادث فردية أو معزولة، بل جزء من سياسة ميدانية قائمة.

حالة صمت دولي مشجعة

ويشير شاهين إلى أن الصورة الأوسع لهذه الجرائم لا تقتصر على تكرارها، بل تشمل أيضاً حالة الصمت الدولي تجاهها، والاكتفاء ببيانات الشجب دون اتخاذ إجراءات فعلية لوقف جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل.
ويؤكد شاهين أن هذا الواقع ظهر بوضوح خلال ما يقارب عامين ونصف من الحرب المستمرة في قطاع غزة، حيث استمرت العمليات العسكرية دون إجراءات دولية رادعة، وكذلك في الضفة الغربية التي تشهد تصاعداً في عمليات القتل والاعتداءات من قبل الجيش الإسرائيلي وميليشيات المستوطنين.
ويرى شاهين أن عدم اتخاذ إجراءات دولية حقيقية يشير إلى وجود مستوى من النفاق السياسي لدى بعض القوى الدولية، خصوصاً في أوروبا، بل ويصل في بعض الحالات إلى حد التواطؤ، الأمر الذي يسمح لإسرائيل بالاستمرار في تنفيذ عملياتها ضد الفلسطينيين دون خشية من المساءلة.
ويلفت شاهين إلى المفارقة في ردود الفعل الدولية، حيث أظهرت بعض الدول الأوروبية استعداداً للتحرك عسكرياً في سياقات أخرى، كما حدث مع إرسال حاملات طائرات وقوات إضافية في ظل التصعيد المرتبط بالحرب على إيران، بذريعة حماية الملاحة أو مواجهة تهديدات محتملة، في حين لم تشهد الأراضي الفلسطينية تحركاً مماثلاً رغم استمرار الجرائم والانتهاكات.

سياسة إسرائيلية مرشحة للتصاعد

ويشير شاهين إلى أن السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين مرشحة للتصاعد بغض النظر عن نتائج الحرب الجارية على إيران.
ويبيّن شاهين أن التحول في المشهد الإيراني قد تكون له تداعيات كبيرة على القضية الفلسطينية وعلى المنطقة العربية عموماً، إذ قد يؤدي إلى تعزيز الهيمنة الإسرائيلية في الشرق الأوسط، وربما إحياء مشاريع إقليمية مثل ما يُعرف بمشروع الطريق الهندي الذي يربط إمدادات الطاقة عبر المنطقة.
ويشير شاهين إلى أنه حتى في حال فشل إسرائيل والولايات المتحدة في تحقيق أهدافهما في إيران، فإن الضفة الغربية وقطاع غزة سيبقيان في صلب الأولويات الإسرائيلية، خصوصاً في ظل حاجة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تحقيق ما وصفه بـ"صورة نصر" في ساحات أخرى إذا لم تتحقق في إيران.
ووفق شاهين، فإن هذه الصورة قد تتجسد في تصعيد العمليات العسكرية في لبنان ضد حزب الله، بما في ذلك احتمالات توسيع العمليات في جنوب لبنان وربما السيطرة على مناطق جنوب نهر الليطاني، أو من خلال استئناف العمليات العسكرية المكثفة في قطاع غزة.

مقاربة تقوم على الضم والتوسع الاستيطاني

أما في الضفة الغربية، فيرى شاهين أن السياسات الإسرائيلية تسير باتجاه تبني مقاربة تقوم على الضم والتوسع الاستيطاني، وفق رؤية وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش تحت شعار "الحسم"، والتي تقوم على توسيع الاستيطان وتقطيع أوصال المدن الفلسطينية وعزلها عن محيطها الريفي، إضافة إلى إطلاق يد ميليشيات المستوطنين.
ويشير شاهين إلى تصريحات صدرت مؤخراً عن وزير الاقتصاد الإسرائيلي نير بركات تحدث فيها عن أن الخطوة التالية بعد إيران قد تكون تفكيك السلطة الفلسطينية، ما يعكس وجود نقاش داخل إسرائيل حول مستقبل السلطة وإمكانية تحويلها إلى كيانات محلية أو بلديات منفصلة تدير المدن الفلسطينية بشكل مجزأ.
ويؤكد شاهين أن هذه السيناريوهات تعني أن الفلسطينيين قد يواجهون مرحلة جديدة من السياسات الإسرائيلية القائمة على الضم وتغيير الواقع الديمغرافي وتوسيع السيطرة الميدانية، مشيراً إلى أن ذلك يترافق مع خطوات ميدانية مثل تصاعد هجمات المستوطنين، ومحاولات فرض وقائع جديدة في المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي.

بلورة حراك فلسطيني

وفي ضوء هذه التحديات، يشدد شاهين على ضرورة بلورة حراك فلسطيني مختلف يقوم على تعزيز صمود المجتمع الفلسطيني، وإطلاق حوار وطني شامل يضم الفصائل والمجتمع المدني والقطاع الخاص، بهدف بناء هياكل لإدارة الحكم في قطاع غزة ضمن رؤية فلسطينية موحدة تشمل الضفة الغربية أيضاً.
ويدعو شاهين إلى تطوير أشكال جديدة لإدارة شؤون الفلسطينيين في المناطق المصنفة (ب) و(ج) وفي القدس، عبر صيغ مشتركة تجمع بين السلطة الفلسطينية والقوى المجتمعية المختلفة تتبع لمنظمة التحرير الفلسطينية، بحيث تشكل مرجعية موحدة قادرة على مواجهة التحديات المتصاعدة والحفاظ على إدارة المجتمع الفلسطيني في ظل المتغيرات الإقليمية والسياسية الراهنة.

دلالات قانونية وسياسية وأخلاقية خطيرة

يعتبر أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل د. جمال حرفوش أن جريمة اغتيال عائلة كاملة في بلدة طمون جنوب طوباس على يد قوات خاصة إسرائيلية هي فعل مركب يحمل دلالات قانونية وسياسية وأخلاقية خطيرة.
ويوضح حرفوش أن خطورة الحادثة تنبع من طبيعتها القانونية، إذ إن استخدام قوات عسكرية وسائل تمويه مدنية والتسلل بين السكان المدنيين قبل إطلاق النار المباشر على عائلة كاملة يشكل انتهاكاً واضحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما أحكام اتفاقيات جنيف الرابعة لعام 1949 التي تحظر استهداف المدنيين أو تعريضهم للخطر أثناء العمليات العسكرية.
ويبيّن حرفوش أن هذه الممارسات هي جرائم يصنفها الفقه القانوني الدولي كجرائم حرب عندما تستهدف مدنيين محميين.

سياسة ردع قائمة على بث الرعب الجماعي

ويرى حرفوش أن الجريمة تعكس تحولاً خطيراً في طبيعة العمليات العسكرية التي ينفذها الاحتلال داخل الضفة الغربية، حيث لم تعد تقتصر على الاعتقالات أو عمليات الملاحقة، بل باتت تتجه نحو توسيع دائرة القتل الميداني المباشر، على نحو يشبه النموذج الذي استخدمه الاحتلال في قطاع غزة.
ويوضح حرفوش أن هذا التحول بالجرائم تندرج ضمن سياسة ردع قائمة على بث الرعب الجماعي داخل المجتمع الفلسطيني عبر استهداف البيئة الاجتماعية وليس الأفراد فقط.
ويشير حرفوش إلى أن تداعيات هذه الجرائم تتجاوز حدود الحادثة نفسها، إذ تسهم في تعميق حالة انعدام الأمن الإنساني لدى السكان المدنيين وتغذي حالة الاحتقان والغضب الشعبي، كما تقوض أي ادعاءات بوجود قواعد اشتباك أو معايير قانونية تضبط سلوك القوات العسكرية في الأراضي الفلسطينية.

نموذج الحرب المفتوحة على المدنيين

ويوضح حرفوش أن الرسائل التي تحملها الجريمة متعددة، أبرزها محاولة تعميم نموذج الحرب المفتوحة على المدنيين الذي ظهر بوضوح في قطاع غزة، إلى جانب توجيه رسالة ردع نفسي جماعي تقوم على ترسيخ فكرة أن العائلة الفلسطينية نفسها قد تصبح هدفاً مباشراً، وهو ما يندرج ضمن سياسة العقاب الجماعي المحظورة صراحة في القانون الدولي.
ويلفت حرفوش إلى أن مثل هذه الجرائم تمثل أيضاً اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المجتمع الدولي على تفعيل آليات المساءلة القانونية، سواء عبر المحكمة الجنائية الدولية أو منظومة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، مؤكداً أن استمرار الإفلات من العقاب يسهم في إعادة إنتاج هذه الجرائم وتكرارها.
ويشدد حرفوش على أن جريمة طمون ليست حادثة منفصلة، بل حلقة ضمن نمط من العنف الممنهج الذي يمارسه الاحتلال، مؤكداً أن التجارب التاريخية أثبتت أن القوة قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تستطيع إلغاء الحقوق التاريخية للشعوب أو إسكات مطالب العدالة.

القتل الخيار الأول للجنود الإسرائيليين

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن جريمة اغتيال عائلة فلسطينية في بلدة طمون تشير إلى أن خيار القتل أصبح الخيار الأول لدى الجنود الإسرائيليين قبل أي اعتبارات أخرى.
ويوضح بشارات أن ما جرى في طمون يدل على أن القرار باستخدام القوة المميتة لم يعد قراراً ميدانياً فردياً، بل هو انعكاس لسياسات تصدر عن المستويين السياسي والعسكري في إسرائيل، بحيث يُمنح الجندي الإسرائيلي صلاحيات واسعة لاستخدام القوة دون الخشية من المساءلة أو المحاسبة.
ويؤكد بشارات أن الجندي الإسرائيلي بات يشعر بغطاء رسمي كامل من القيادة السياسية والعسكرية، جعله قادراً على إطلاق النار وقتل الفلسطينيين دون التفكير في العواقب القانونية أو الأخلاقية، بل إن هذا السلوك تحول إلى جزء من الممارسة اليومية في تعامل جيش الاحتلال مع الفلسطينيين.
ويشير بشارات إلى أن هذا الواقع يعكس تنامي "نزعة الجريمة" في السلوك العسكري الإسرائيلي، مستذكراً حوادث سابقة من عمليات القتل الصامت التي كانت تحدث على الحواجز العسكرية وفي الشوارع داخل المدن الفلسطينية وخارجها.
ويلفت بشارات إلى ما جرى في قطاع غزة، من عمليات قتل استهدفت عائلات مدنية وأطفالاً ونساءً خلال الحروب المتعاقبة.

استخفاف بقيمة الإنسان الفلسطيني

ويعتبر  بشارات أن الحادثة تعكس استخفافاً إسرائيلياً واضحاً بقيمة الإنسان الفلسطيني، الذي أصبح مجرد رقم في الإحصاءات بالنسبة للمؤسسة الإسرائيلية، يمكن أن يرتفع أو ينخفض دون أن يشكل ذلك أي اعتبار إنساني أو أخلاقي.
ويلفت بشارات إلى أن هذا النهج يرتبط بسياسة إسرائيلية تقوم على تقليص الوجود الفلسطيني في الأراضي المحتلة، من خلال خلق بيئة طاردة للفلسطينيين تدفعهم إما إلى الرحيل أو إلى الاستسلام للواقع الذي تفرضه إسرائيل. ويستشهد بشارات بحادثة وقعت قبل نحو عام ونصف في بلدة طمون ذاتها، عندما استشهد ثلاثة أطفال في طمون جراء قصف بطائرة مسيّرة، حيث ادعت إسرائيل حينها أنهم مسلحون قبل أن يتضح لاحقاً أنهم كانوا أطفالاً يلعبون في ساحة منزلهم.

شعور إسرائيلي بعدم الخضوع للمساءلة الدولية

ويرى بشارات أن أحد أخطر أبعاد هذه الجرائم يتمثل في شعور إسرائيل بأنها لم تعد خاضعة للمساءلة الدولية، وأن القوانين الدولية والقيم الإنسانية لم تعد بالنسبة لها سوى نصوص غير ملزمة.
ويوضح بشارات أن الجرائم الإسرائيلية باتت تمر بشكل يومي وممنهج دون ردود فعل دولية واضحة، ما يفتح المجال أمام مزيد من الانتهاكات بحق الفلسطينيين في ظل غياب المساءلة الدولية.

مخطط أوسع لتفريغ منطقة الأغوار

يوضح الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن جريمة اغتيال عائلة بني عودة في بلدة طمون يندرج ضمن مخطط أوسع تسعى إسرائيل من خلاله إلى تفريغ منطقة الأغوار من الوجود الفلسطيني، مشيراً إلى أن أهمية هذه المنطقة لا تقتصر على كونها سلة الغذاء الفلسطينية، بل تتجاوز ذلك إلى موقعها الاستراتيجي الحساس.
ويلفت الصباح إلى أن السلسلة الجبلية الممتدة بين الأغوار وعمق الضفة الغربية تمثل محوراً أساسياً في هذا المخطط، حيث تسعى إسرائيل إلى تحويل هذه المناطق إلى شريط استيطاني يفصل الأغوار عن باقي مدن الضفة.
وبحسب الصباح، فإن هذا المخطط يهدف إلى خلق عازل جغرافي وديمغرافي بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وبين الامتداد العربي في الأردن، بما يؤدي إلى قطع التواصل الجغرافي والديمغرافي، وبالتالي الحد من أي تأثير سياسي أو وطني قد يأتي من العمق العربي تجاه القضية الفلسطينية.
ويشير الصباح إلى أن الاستهدافات الإسرائيلية لا تقتصر على طمون وحدها، بل تشمل سلسلة من المناطق الواقعة على هذا الخط الجغرافي، ما يعكس تركيزاً واضحاً على هذه المنطقة في السياسات الميدانية للاحتلال.

رسائل إسرائيلية واضحة

ويرى الصباح أن الرسائل التي تسعى إسرائيل إلى إيصالها من خلال هذه الجرائم تحمل بعدين رئيسيين؛ الأول يتعلق بمحاولة ترسيخ فكرة أن ثمن المقاومة سيكون قاسياً، والثاني يتمثل في إيصال رسالة للفلسطينيين بأن وجودهم على هذه الأرض غير مرغوب فيه، وأن عليهم مغادرتها.

استغلال الظروف الإقليمية والدولية الراهنة

ويشير الصباح إلى أن إسرائيل تحاول استغلال الظروف الإقليمية والدولية الراهنة، بما في ذلك الحرب الجارية على إيران والانشغال الدولي بالصراعات في مناطق مختلفة من العالم، من أجل تعميق معاناة الفلسطينيين وتحويل حياتهم إلى واقع غير قابل للاستمرار، بما يسهم في دفعهم إلى الرحيل عن أرضهم.
ويؤكد الصباح أن ما جرى في قطاع غزة وما يحدث في لبنان من تصعيد عسكري، إضافة إلى غياب ردع دولي حقيقي، شجع إسرائيل على المضي قدماً في تنفيذ مخططاتها في الضفة الغربية أيضاً.

معادلة فرض السيادة الإسرائيلية

ويعتبر الصباح أن الرسالة التي تحاول إسرائيل ترسيخها تقوم على فرض معادلة مفادها بأن الأرض كلها خاضعة للسيادة الإسرائيلية، وأن الفلسطينيين ليسوا سوى مقيمين فيها، وعليهم إما الخضوع للواقع الذي تفرضه إسرائيل أو مغادرة البلاد.
ويرى الصباح أن الجريمة التي ارتكبت في طمون تمثل نموذجاً لهذا التوجه، إذ جرى قتل عائلة كاملة بدم بارد دون تقديم أي مبرر، ما يعكس مساراً يسعى في نهايته إلى فرض واقع يقوم على السيطرة الكاملة على الأرض الفلسطينية وتقليص الوجود الفلسطيني عليها.

فلسطين

الثّلاثاء 17 مارس 2026 9:39 صباحًا - بتوقيت القدس

لجنة الانتخابات: الدعاية الانتخابية تبدأ في 10 نيسان وأي نشاط قبل ذلك مخالف للقانون

أعلنت لجنة الانتخابات المركزية أن فترة الدعاية الانتخابية للانتخابات المحلية ستبدأ في 10 وحتى 23 نيسان المقبل، مؤكدة أن أي مظهر من مظاهر الدعاية الانتخابية قبل هذا الموعد يُعد مخالفا للقانون.

وقالت اللجنة إنها رصدت بعض مظاهر الدعاية الانتخابية المبكرة خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو مجموعات تطبيق واتساب، معتبرة أن ذلك مخالف للقانون، ومشددة على ضرورة التزام القوائم والمرشحين بأحكام وضوابط الدعاية الانتخابية كما ينص عليها القانون.

وأوضحت اللجنة أن احترام قواعد الدعاية الانتخابية بما فيها التوقيت يعد التزاما مهنيا وأخلاقيا وقانونيا على كل قائمة ومرشح، مؤكدة أن الفترة المحددة للدعاية والبالغة 14 يوما كافية لتمكين المرشحين من التواصل مع الناخبين وعرض برامجهم الانتخابية.

وأضافت أن مظاهر الدعاية الانتخابية متنوعة ومتعددة، ويحق لكل قائمة أو مرشح تنظيم الأنشطة التي يرونها مناسبة ومشروعة خلال الفترة القانونية المحددة.

وكانت اللجنة قد نشرت في وقت سابق بيانا أوضحت فيه سقف الإنفاق على الدعاية الانتخابية، إضافة إلى نشر أحكام وضوابط الدعاية الانتخابية عبر موقعها الإلكتروني، داعية المواطنين والمرشحين إلى الاطلاع عليها ومتابعة صفحاتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تركز اللجنة خلال الفترة الحالية على توضيح القواعد الناظمة للدعاية الانتخابية.

فلسطين

الثّلاثاء 17 مارس 2026 9:37 صباحًا - بتوقيت القدس

حملة الخير الرمضانية في القدس: 5112 كوبوناً عبر 16 متجراً لدعم الأسر وتنشيط السوق


تحولت حملة الخير الرمضانية، التي تنفذها وكالة بيت مال القدس الشريف في القدس وضواحيها، إلى منظومة دعم اجتماعي واقتصادي متكاملة تجمع بين مساندة الأسر المتعففة، وتنشيط الحركة التجارية ودعم التجار المقدسيين، وتوفير فرص عمل مؤقتة للشـباب، في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي تشـهدها المدينة المقدسة.
وتتميز حملة هذا العام بتحويل جزء كبير من المساعدة من سلال غذائية جاهزة وموحدة إلى قسائم شرائية "كوبونات" تمنح الأسر المستفيدة حرية اختيار احتياجاتها الفعلية من المواد الغذائية، بما يحفظ كرامتها ويتيح لها التسوق بشكل طبيعي من المتاجر المعتمدة لتجنيب الأسر المتعففة المستفيدة اي إحساس بالإهانة والوصم الاجتماعي.
وبموجب المبادرة، يتوجه المستفيدون إلى المتاجر المشاركة ويقتنون ما يحتاجونه من مواد غذائية مختلفة، مثل الأرز والزيت والطحين والبقوليات والمعلبات والحليب والتمر وغيرها من الاحتياجات الأساسية، قبل تقديم القسيمة عند صندوق الدفع لإتمام عملية الشراء بسهولة، في مشهد يعكس روح التكافل والتضامن الاجتماعي.
5112 كوبوناً لدعم الأسر والتجار وتنشيط الدورة الاقتصادية
وقال القائمون على حملة الخير الرمضانية لوكالة بيت مال القدس الشريف إنها تشمل هذا العام توزيع 5112 كوبوناً شرائياً بقيمة 350 شيقلاً (ما يعادل 140 دولارا أمريكيا)  للقسيمة الواحدة، يستفيد منها آلاف الأسر في مدينة القدس وضواحيها.
وأضافوا أن الحملة لا تقتصر على توفير المواد الغذائية للمحتاجين، بل تسهم أيضاً في تنشيط الدورة الاقتصادية داخل الأسواق المقدسية، وذلك في إطار مخطط الوكالة 2026 الذي جعل تنشيط قطاع الاقتصاد والتجارة ضمن أولويات العمل وجعل هذه القطاعات رافعة للتنمية والاستقرار الاجتماعي.
في هذا الاطار، اعتمدت الوكالة 16 متجراً مقدسياً موزعة على أكثر من 30 منطقة في محافظة القدس لتوفير المواد الغذائية للمستفيدين، ما يتيح للأسر التسوق قرب أماكن سكنها، ويسهم في دعم التجار المقدسيين وتشجيعهم على الاستمرار في فتح محالهم رغم التحديات الاقتصادية التي تواجه المدينة.
كما توفر الحملة فرص عمل مؤقتة للشباب المقدسي في مجالات التنظيم والتوزيع والخدمات اللوجستية المرتبطة بتنفيذ البرنامج خلال شهر رمضان المبارك، بما يعزز الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمبادرة داخل المجتمع المحلي.
تعكس "حملة الخير الرمضانية" فلسفة وكالة بيت مال القدس الشريف القائمة على تحويل التضامن إلى عمل اجتماعي عملي يلامس احتياجات الناس مباشرة، مع التأكيد على أن حفظ كرامة المستفيدين يمثل أحد أشكال دعم صمود المقدسيين في مدينتهم.
وفي هذا السياق، أكد المدير المكلف بتسيير وكالة بيت مال القدس الشريف، محمد سالم الشرقاوي، أن المبادرة لعام 1447هـ تندرج في سياق التعليمات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، لمواصلة الوكالة دعمها للاشقاء الفلسطينيين في كل الظروف والأحوال.
وأوضح الشرقاوي أن المبادرة لا تقتصر على توفير المساعدة الغذائية فحسب، بل تسهم أيضاً في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للأسر المقدسية وتنشيط الحركة التجارية في المدينة، إلى جانب توفير فرص عمل مؤقتة للشباب.
إشادة مقدسية بالمبادرة
في هذا السياق، وجّه مدير عام الغرفة التجارية الصناعية العربية في القدس لؤي الحسيني شكره لصاحب الجلالة ملك المغرب، رئيس لجنة القدس، محمد السادس، تقديراً لجهوده المتواصلة في رعاية ودعم أعمال لجنة القدس وما تقدمه من مبادرات لتعزيز صمود المقدسيين.
وثمّن الحسيني جهود وكالة بيت مال القدس الشريف، مشيداً بالتواصل المستمر لإدارة الوكالة مع المؤسسات المقدسية والعمل على دعم الهوية الوطنية وتعزيز صمود سكان المدينة.
وأكد أن برامج الوكالة تسهم في تحسين الظروف المعيشية للأسر المقدسية وتنشيط الحركة التجارية وتوفير فرص عمل لأبناء المدينة، معرباً عن أمله في أن تتكامل هذه الجهود مع عمل المؤسسات المقدسية الأخرى بما يمهد للانتقال تدريجياً من العمل الإغاثي إلى مقاربات تنموية أكثر استدامة.
يذكر أن وكالة بيت مال القدس الشريف هي الذراع التنفيذية الميدانية للجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، وتعمل تحت إشراف لجنة القدس التي يرأسها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وتنفذ برامج ومشاريع في مجالات المساعدة الاجتماعية والصحة والتعليم والترميم والإسكان ودعم الاقتصاد المحلي، إضافة إلى المبادرات الثقافية والإعلامية الهادفة إلى دعم صمود المقدسيين وتعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية والحفاظ على الهوية الحضارية العربية والإسلامية للمدينة المقدسة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 مارس 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس

دراما 'حكاية نرجس' تعيد فتح ملف 'عزيزة بنت إبليس' وقضايا خطف الأطفال

أعاد المسلسل الرمضاني 'حكاية نرجس' فتح جروح قديمة في قلوب العائلات التي عانت من مأساة خطف الأطفال، وهي الجريمة التي لا تزال تطل برأسها في المجتمعات العربية نتيجة ظروف اجتماعية معقدة. ويستحضر العمل، الذي يستلهم أحداثه من واقعة حقيقية شهدتها مصر، حكايات أسر لا تزال تعيش مرارة الانتظار وفقدان الأبناء.

ولا يكتفي المسلسل بإثارة الجراح، بل يغوص في قضية تأخر الإنجاب وما يرافقها من ضغوط نفسية واجتماعية قاسية تُمارس على الأزواج. ففي كثير من الأحيان، تتحول هذه المسألة الشخصية إلى مادة للتنمر الاجتماعي، مما قد يدفع الضحايا إلى العزلة أو الانزلاق نحو سلوكيات يائسة تحت وطأة الوصم.

تتمحور أحداث العمل، الذي كتبه عمار صبري وأخرجه سامح علاء، حول شخصية 'نرجس' التي تؤدي دورها الفنانة ريهام عبد الغفور. تعيش نرجس صراعاً مريراً مع مجتمعها بسبب عدم قدرتها على الإنجاب، وهو ما يؤدي في النهاية إلى انهيار حياتها الزوجية الأولى وارتباط زوجها بامرأة أخرى.

تحاول نرجس بدء حياة جديدة بالزواج من حبيبها القديم 'عوني'، الذي يجسد شخصيته الممثل حمزة العيلي، إلا أن هذه البداية تصطدم برفض عائلته القاطع. وتجد البطلة نفسها محاصرة بنظرات الشك والرفض ذاتها، مما يعمق جراحها النفسية ويدفعها نحو حافة الانهيار.

ومع تزايد حدة التنمر، تبدأ نرجس في سلوك مسارات مظلمة بدأت بكذبة صغيرة حول ادعاء الحمل، لكنها سرعان ما تطورت إلى جرائم خطف منظمة. لقد حاولت نرجس من خلال هذه الجرائم ملء فراغ الحرمان وإقناع المجتمع بأنها امرأة 'طبيعية'، متجاهلة العواقب الكارثية لأفعالها.

تستند 'حكاية نرجس' إلى قصة 'عزيزة بنت إبليس'، وهي واحدة من أكثر الجرائم غموضاً وإثارة في ثمانينيات القرن الماضي بمدينة الإسكندرية. بدأت القصة الحقيقية مع عزيزة السعداوي، التي تعرضت لإساءة المعاملة والطلاق بسبب عدم الإنجاب، مما جعلها هدفاً دائماً لنظرات الشفقة القاتلة.

في عام 1983، نفذت عزيزة أولى جرائمها باختطاف طفل من مستشفى الشاطبي بعد تنكرها في زي ممرضة، ونجحت في تسجيله باسمها واسم زوجها الجديد. لم تكن هذه العملية سوى البداية لسلسلة من الاختطافات التي شملت أطفالاً آخرين من الأسواق والمرافق العامة تحت غطاء الحمل الوهمي.

بمرور الوقت، تحولت عزيزة من امرأة تبحث عن الأمومة الزائفة إلى مجرمة محترفة تتاجر بالأطفال مقابل مبالغ مالية. واستمر هذا الخداع لسنوات طويلة حتى تمكنت الأجهزة الأمنية من كشف خيوط الجريمة عام 1992، وصدر بحقها حكم بالسجن لمدة سبع سنوات.

من بين الأطفال الذين اختطفتهم عزيزة، برزت قصة الشاب 'إسلام' الذي عاش مع أسرة غريبة عنه لمدة 22 عاماً بناءً على ادعاءات الخاطفة. ورغم أن تحاليل الحمض النووي أثبتت لاحقاً عدم انتمائه لتلك الأسرة، إلا أن الحقيقة ظلت غائبة تماماً عن هويته الأصلية.

بعد خروجها من السجن، ظهرت عزيزة في وسائل الإعلام متمسكة بروايتها بأن إسلام هو ابنها الحقيقي، رغم النفي القاطع من الفحوصات الطبية. وبقيت ترفض الكشف عن هوية أسرته البيولوجية، مما ترك الشاب في حالة من الضياع النفسي والقانوني المستمر.

انتهت حياة عزيزة السعداوي بالانتحار، ومع رحيلها ضاعت الحقيقة الوحيدة التي كان يبحث عنها إسلام لسنوات طويلة. وبات الشاب عالقاً بين روايات متناقضة، عاجزاً عن الوصول إلى جذوره الحقيقية لأن الشخص الوحيد الذي يملك السر قد فارق الحياة.

أثار المسلسل انقساماً حاداً بين المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تباينت الآراء بين التعاطف مع نرجس كضحية للمجتمع وبين إدانتها كمجرمة. ويرى المستنكرون أن الضغوط الاجتماعية لا تبرر أبداً حرمان الأمهات من أطفالهن وتدمير مستقبل الصغار.

في المقابل، يتبنى فريق آخر وجهة نظر ترى في نرجس انعكاساً لقسوة المجتمع الذي لا يرحم المرأة التي تعاني من مشاكل صحية. ويؤكد هؤلاء أن التنمر المستمر والوصم الاجتماعي هما المحركان الأساسيان اللذان دفعا البطلة نحو هذا المصير المأساوي والجريمة.

وبين هذا وذاك، تظل 'حكاية نرجس' صرخة درامية في وجه التقاليد البالية التي ترهق كاهل الأفراد وتدفعهم نحو الهاوية. ويبقى الحكم النهائي للجمهور الذي يراقب كيف يمكن للدراما أن تعيد إحياء قضايا واقعية منسية لتسليط الضوء على ثغرات المجتمع.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 مارس 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس

أسواق المدن العربية تتهيأ لعيد الفطر: تحولات النصف الثاني من رمضان

تشهد الأسواق في المدن العربية مع دخول النصف الثاني من شهر رمضان المبارك تحولاً ملموساً في طبيعة الحركة التجارية واهتمامات المتسوقين. فبعد أسابيع من التركيز المكثف على مستلزمات الإفطار والسحور، بدأت البوصلة تتجه تدريجياً نحو التحضير لاستقبال عيد الفطر السعيد.

تتصدر واجهات محلات الملابس والأحذية المشهد العام، حيث تكتسي الشوارع التجارية بإيقاع حيوي يختلف تماماً عما كانت عليه في الأيام الأولى من الشهر الفضيل. وتبرز مدن كبرى مثل القاهرة وعمان وبيروت والدار البيضاء كنموذج لهذا التغير المتسارع في سلوك المستهلك العربي.

تعتبر ملابس الأطفال الطقس الأكثر صموداً في وجه المتغيرات، إذ يحرص الآباء على تأمين كسوة العيد لصغارهم كأولوية قصوى لا تقبل التأجيل. ورغم التحديات الاقتصادية التي قد تواجهها بعض العائلات، إلا أن فكرة إدخال البهجة على قلوب الأطفال تظل محركاً أساسياً لحركة البيع والشراء.

تكتظ الأسواق الشعبية بالأمهات اللواتي يبحثن عن أفضل الخيارات والأسعار، بينما يحاول الآباء الموازنة بين الميزانيات المتاحة ورغبات الأبناء. وفي المقابل، تشهد المراكز التجارية الكبرى حركة موازية تعلن عن اقتراب العيد من خلال العروض الترويجية والازدحام الملحوظ في أروقتها.

لا يقتصر الأمر على الشراء الفعلي، بل تظهر ظاهرة 'استطلاع العيد' حيث تخرج العائلات لمجرد مراقبة الأجواء والتعرف على أحدث صيحات الموضة. هذا النوع من التجوال يمنح الشوارع حيوية إضافية ويجعل من التسوق تجربة اجتماعية متكاملة تتجاوز مجرد اقتناء السلع.

على صعيد آخر، تبدأ محلات الحلويات في تغيير قائمة معروضاتها لتتناسب مع متطلبات العيد الوشيك. فبعد أن كانت القطايف والكنافة واللقيمات هي سيدة الموقف في النصف الأول، تبدأ الأصناف التقليدية الأخرى في الظهور بقوة على الرفوف.

يبرز المعمول وكعك العيد والغريبة والبسكويت كأهم المشتريات في هذه الفترة، حيث يزداد الطلب عليها بشكل تصاعدي كلما اقترب يوم العيد. وفي بلاد الشام، تنهمك بعض العائلات في تحضير المعمول منزلياً، بينما تشهد المخابز الكبرى في مصر ضغطاً هائلاً لتوفير كميات الكعك الجاهز.

تظل فترة ما بعد الإفطار هي 'سيد الحركة' في كافة الأسواق العربية، حيث يفضل الناس الخروج ليلاً هرباً من حرارة النهار أو بسبب الالتزامات الوظيفية. وتتحول الشوارع في ساعات المساء إلى خلية نحل لا تهدأ، حيث تمتزج أصوات الباعة بضحكات الأطفال في أجواء رمضانية بامتياز.

في أحياء مثل وسط البلد بالقاهرة أو الأسواق القديمة في عمان، يمتد العمل في المحلات التجارية حتى ساعات الفجر الأولى. وتتحول الأرصفة إلى مساحات للعرض، بينما تسير السيارات ببطء شديد نتيجة الازدحام البشري الذي يملأ المحيط التجاري للمدن.

تعكس هذه التحولات في الأسواق قدرة المجتمعات العربية على التكيف مع الظروف المختلفة للحفاظ على هوية العيد. ففي سنوات الرخاء تظهر القوة الشرائية بوضوح، بينما في الأوقات الصعبة يميل الناس نحو الشراء الضروري مع الإبقاء على الحد الأدنى من مظاهر الاحتفال.

إن الأسواق في النصف الثاني من رمضان ليست مجرد نقاط للتبادل التجاري، بل هي مساحات اجتماعية يختبر فيها الناس قدرتهم على صناعة الفرح. إنها تعبير حي عن الإصرار على استمرارية التقاليد المتوارثة التي تربط الأجيال ببهجة العيد المنتظرة.

ومع اقتراب الأيام الأخيرة من الشهر، يتوقع أن تصل هذه الحركة إلى ذروتها القصوى، حيث تصبح الأسواق هي الوجهة الرئيسية للجميع. ويبقى الهدف الأسمى هو إتمام طقوس العيد التي تبدأ من السوق وتنتهي بصلاته وزياراته العائلية الدافئة.