أحدث الأخبار

السّبت 25 أبريل 2026 12:20 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد جوي عنيف: قتلى وجرحى في هجمات متبادلة بالمسيرات بين موسكو وكييف

شهدت مدينة دنيبرو الواقعة جنوب شرق أوكرانيا ليلة دامية إثر هجوم جوي روسي واسع النطاق، أسفر عن مقتل أربعة أشخاص على الأقل وإصابة أكثر من ثلاثين آخرين بجروح متفاوتة. وأفادت مصادر ميدانية بأن القصف الروسي لم يقتصر على دنيبرو بل طال مناطق عدة، في واحدة من أعنف موجات التصعيد الجوي التي تشهدها البلاد منذ أشهر طويلة.

واستخدمت القوات الروسية في هجومها الليلي ترسانة ضخمة ضمت نحو 660 وسيلة هجومية، تنوعت بين الطائرات المسيرة الانتحارية والصواريخ الباليستية والمجنحة. وأكدت السلطات الأوكرانية أن هذا الهجوم المكثف استهدف بشكل مباشر الأحياء السكنية والمرافق الحيوية، مما أدى إلى دمار واسع في الممتلكات الخاصة والعامة.

من جانبه، أوضح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن القصف الروسي تواصل دون انقطاع تقريباً طوال ساعات الليل، مستهدفاً مدناً وبلدات مأهولة بالسكان. وشدد زيلينسكي على أن طبيعة الأهداف المختارة تؤكد تعمد استهداف البنى التحتية المدنية، داعياً المجتمع الدولي والحلفاء إلى اتخاذ إجراءات فورية لتعزيز منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية.

وفي تفاصيل العمليات الدفاعية، أعلنت القوات الجوية الأوكرانية أنها واجهت هجوماً شمل 619 طائرة مسيرة و47 صاروخاً أُطلقت من منصات مختلفة. ونجحت وحدات الدفاع الجوي في اعتراض وإسقاط 580 طائرة مسيرة و30 صاروخاً، وهو ما حال دون وقوع كارثة إنسانية أكبر في المناطق المستهدفة التي تركزت حول إقليم دنيبرو.

وعلى الأرض، كشف أولكسندر غانيا، رئيس الإدارة العسكرية في دنيبروبيتروفسك، عن تفاصيل مأساوية لعمليات الإنقاذ، حيث تم انتشال جثتين من تحت ركام مبنى سكني انهار جراء الغارات. وأشار غانيا إلى أن فرق الطوارئ لا تزال تواصل البحث عن مفقودين محتملين تحت الأنقاض، في حين تعمل الطواقم الطبية على تقديم الرعاية العاجلة لعشرات المصابين.

في المقابل، لم يتوقف الرد الأوكراني عند الدفاع، حيث طالت الهجمات بالمسيرات العمق الروسي، مستهدفة مدينة يكاترينبورغ بشكل مباشر. وأظهرت توثيقات مصورة دماراً كبيراً لحق ببرج سكني في وسط المدينة الروسية، بعدما نجحت طائرة مسيرة أوكرانية في اختراق الأجواء والارتطام بالمبنى، مما أثار حالة من الذعر بين السكان المحليين.

وأدت الضربة الأوكرانية في يكاترينبورغ إلى إصابة ستة أشخاص على الأقل، وتناثر حطام الطائرة والواجهات الزجاجية على مساحة واسعة بلغت نحو 200 متر من موقع الانفجار. وأعلن حاكم منطقة سفردلوفسك الروسية عن إخلاء المبنى المتضرر بالكامل وتأمين قاطنيه، مع استمرار فرق التحقيق في معاينة الأضرار الجسيمة التي لحقت بالشقق السكنية في الطوابق العليا.

ويأتي هذا التبادل العنيف للهجمات الجوية ليشير إلى مرحلة جديدة من التصعيد المتبادل بين موسكو وكييف، حيث باتت المسيرات سلاحاً أساسياً في استهداف العمق. وبينما تطالب أوكرانيا برد دولي أكثر صرامة لوقف استهداف مدنييها، تواصل روسيا عملياتها الجوية المكثفة رداً على ما تصفه بالهجمات الأوكرانية على أراضيها.

فلسطين

السّبت 25 أبريل 2026 11:50 صباحًا - بتوقيت القدس

أسطول "الصمود" يصل صقلية في طريقه لغزة: ناشطون يؤكدون الاستمرار حتى كسر الحصار

وصلت سفن "أسطول الصمود العالمي" مساء الخميس إلى ميناء سيراكوز في جزيرة صقلية الإيطالية، محققة بذلك نجاح المرحلة الأولى من رحلتها البحرية المتجهة إلى قطاع غزة. وتأتي هذه الخطوة ضمن مبادرة إنسانية واسعة انطلقت من مدينة برشلونة الإسبانية في الثاني عشر من أبريل الجاري، بمشاركة ناشطين ومتطوعين من مختلف أنحاء العالم.

وأكد القائمون على المهمة التي تحمل اسم "ربيع 2026" أن الهدف الأساسي هو كسر الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ سنوات طويلة، وتأمين وصول المساعدات الإغاثية للفلسطينيين. وتعد هذه المحاولة هي الثانية للأسطول بعد تجربة سابقة في عام 2025 تعرضت لهجوم عسكري إسرائيلي في المياه الدولية أدى لاعتقال مئات المشاركين.

وكشف سيف، عضو مجلس إدارة أسطول الصمود، عن تفاصيل ميدانية واجهت الرحلة، مشيراً إلى أنهم تمكنوا من إجبار إحدى كبريات سفن الشحن العالمية المتجهة إلى إسرائيل على تغيير مسارها. وأوضح أن التعبئة مستمرة في البحر وعلى البر، مع توقعات بانضمام سفن إضافية للقافلة في عرض البحر خلال الأيام المقبلة.

وشدد الناشطون على أن خطتهم تعتمد على تقييم مستمر للأوضاع الميدانية، مؤكدين أن الوصول إلى شواطئ غزة هو الغاية النهائية التي لن يتنازلوا عنها. وقال سيف في تصريحات صحفية إن العزيمة لا تزال قوية لدى جميع المشاركين، وأن الفشل في الوصول سابقاً لم يزد المتطوعين إلا إصراراً على تكرار المحاولة.

من جانبه، أوضح الناشط البرازيلي تياغو أفيلا، الذي يشارك للمرة الثالثة في هذه القوافل أن المهمة الحالية تختلف عن سابقاتها بزيادة عدد المراكب وتدريب المشاركين بشكل أفضل. وأشار أفيلا إلى أن الوعي العالمي بحقيقة ما يجري في غزة من إبادة جماعية قد تضاعف، مما خلق زخماً دولياً غير مسبوق لدعم هذه المبادرة الشعبية.

وأضاف أفيلا أن أحرار العالم لا يخشون التهديدات السياسية أو العسكرية، معتبراً أن زمن الهيمنة المطلقة لنتنياهو والإدارة الأمريكية على مصير الشعوب قد انتهى. وأكد أن الهدف لا يقتصر على كسر الحصار المادي فحسب، بل يمتد لكسر حالة التواطؤ الدولي التي سمحت باستمرار معاناة الفلسطينيين لعقود.

وفي سياق متصل، اعتبر الناشط الإيطالي أنطونيو لا بيتشيريللا أن الأوضاع الراهنة في المنطقة تفرض تحركاً شعبياً عاجلاً يتجاوز عجز المؤسسات الدولية الرسمية. وأشار إلى أن العدوان الإسرائيلي لم يعد محصوراً في غزة بل امتد ليشمل لبنان والضفة الغربية، مما يجعل الصمت والمراقبة خياراً غير مقبول أخلاقياً.

وأوضح لا بيتشيريللا أن الاعتماد على الحكومات لم يعد مجدياً بعد أن أثبتت فشلها في وقف الانتهاكات، بل إن بعضها متورط بشكل مباشر في دعم الاحتلال. وأكد أن التحرك الشعبي هو الرد الوحيد المتبقي لمواجهة المخاطر المحدقة بالمنطقة، مشدداً على أن "أكبر خطر هو عدم فعل شيء".

بدورها، لفتت المتحدثة باسم الأسطول في إيطاليا، ماريا إيلينا ديليا، إلى أن استمرار القتل في غزة رغم إعلان وقف إطلاق النار هو المحرك الأساسي لهذه الرحلة. وذكرت ديليا أن نحو 800 فلسطيني استشهدوا منذ أكتوبر الماضي، واصفة ما يحدث بأنه "إبادة جماعية منخفضة الشدة" تستوجب تدخلاً إنسانياً فورياً.

وحذرت المتحدثة من انتقال نموذج القمع والدمار الذي طبقته إسرائيل في غزة إلى الأراضي اللبنانية، مؤكدة أن الصمت الحالي سيؤدي إلى كوارث إنسانية أوسع. وقالت إن الأسطول يسعى لفتح ممر إنساني دائم ومستقر يعوض إغلاق المعابر البرية التي يتحكم فيها الاحتلال ويمنع من خلالها دخول الضروريات.

وعن حجم القافلة، كشفت ديليا أن عدد السفن المشاركة قد يصل إلى 100 سفينة، حيث ترسو حالياً نحو 75 سفينة في الموانئ الإيطالية بانتظار الانطلاق. ومن المتوقع أن تلتقي هذه السفن مع وحدات بحرية أخرى قادمة من اليونان وتركيا لتشكيل أكبر تجمع بحري تضامني يتجه نحو سواحل قطاع غزة.

وأكدت ديليا أن الرسالة السياسية والإنسانية للأسطول تفوق أهمية عدد السفن، فهي تعبير عن رفض الشعوب لتجاهل الحكومات للقانون الدولي وحقوق الإنسان. وشددت على أن المبادرة تمثل صرخة عالمية ضد الإبادة، ومحاولة عملية لكسر العزلة المفروضة على أكثر من مليوني إنسان في القطاع المحاصر.

ويعاني قطاع غزة من حصار خانق منذ عام 2007، أدى إلى تدمير البنية التحتية وانهيار المنظومة الصحية والخدماتية بشكل شبه كامل. وتسببت حرب الإبادة الأخيرة في تشريد نحو 1.5 مليون فلسطيني، باتوا بلا مأوى نتيجة القصف الممنهج للمناطق السكنية والمرافق العامة والمستشفيات.

وتشير الإحصائيات إلى أن العدوان الإسرائيلي خلف حصيلة ثقيلة من الضحايا تجاوزت 72 ألف شهيد، في ظل نقص حاد في الوقود والمستلزمات الطبية والأدوية. وتأتي تحركات أسطول الصمود في وقت حرج لمحاولة تخفيف هذه الأزمة الإنسانية غير المسبوقة التي يصفها مراقبون دوليون بأنها الأسوأ في التاريخ الحديث.

أقلام وأراء

السّبت 25 أبريل 2026 11:50 صباحًا - بتوقيت القدس

اختراق المجتمعات: سلاح الاحتلال البديل حين تعجز القوة العسكرية

لم تكن الحروب عبر التاريخ الإنساني تقتصر على المواجهات العسكرية المباشرة بالسلاح والعتاد فقط، بل رافقتها دائماً أدوات خفية تهدف إلى تفكيك المجتمعات من الداخل. يسعى الاحتلال من خلال هذه الوسائل إلى إضعاف الروابط الوطنية وبث الشك والخوف بين أبناء الشعب الواحد، مستهدفاً الحاضنة الشعبية التي تشكل الدرع الحامي للمقاومة.

تبرز ظاهرة المتعاونين كإحدى أخطر الاستراتيجيات التي اعتمدتها القوى الاستعمارية عبر العصور للسيطرة على الشعوب المستعصية على الإخضاع. فحين يعجز المحتل عن تحقيق أهدافه بالقوة العسكرية الغاشمة، يبدأ بالبحث عن ثغرات داخلية ينفذ منها لضرب الثقة المتبادلة بين أفراد المجتمع المقاوم.

يدرك الاحتلال تماماً أن تماسك الشعوب هو العقبة الكبرى أمام مشروعات الهيمنة والسيطرة، ولذلك يعمل على تحويل بعض الأفراد إلى أدوات تخدم أهدافه الأمنية والسياسية. هذه السياسة ليست حالة معزولة، بل هي جزء من تاريخ طويل طبقه الاستعمار القديم في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لتقليل كلفة المواجهة.

في الحالة الفلسطينية، تكتسب هذه الظاهرة حساسية مفرطة وتعقيداً كبيراً نظراً لطول أمد الصراع وطبيعة الاحتلال الإحلالي. لقد اعتمدت مصادر أمنية تابعة للاحتلال على شبكات تجنيد تحاول استغلال الأزمات الاقتصادية والاحتياجات الإنسانية الملحة للمواطنين تحت الحصار.

الهدف من وراء هذه الاختراقات ليس أمنياً محضاً لجمع المعلومات، بل يمتد ليكون هدفاً نفسياً وسياسياً يسعى لزعزعة الاستقرار الاجتماعي. يحاول الاحتلال تحويل بيئة المقاومة إلى ساحة قلقة ومتوترة يطغى عليها التوجس، مما يعيق قدرة المجتمع على الصمود الطويل.

رغم هذه المحاولات المستمرة لعقود، إلا أن المجتمع الفلسطيني طوّر وعياً جمعياً صلباً تجاه أساليب الاختراق والابتزاز الأمني. أصبحت ظاهرة العمالة تمثل عبئاً أخلاقياً واجتماعياً منبوذاً، حيث تصطدم دائماً بحقيقة الانتماء الوطني المتجذر والذاكرة الجماعية الرافضة للتنازل.

خلال العامين الأخيرين، شن الاحتلال حرباً تدميرية شاملة استخدم فيها التجويع والحصار المنهجي كأدوات للضغط على الحاضنة الشعبية. كانت هذه الحرب محاولة لإرهاق الشعب الفلسطيني نفسياً ودفعه نحو الانكسار أو القبول بالأمر الواقع تحت وطأة المعاناة غير المسبوقة.

بالرغم من حجم المأساة والدمار، لم تنجح استراتيجية تفكيك الهوية الجمعية أو تحويل المعاناة إلى استسلام سياسي. بل على العكس، كشفت سنوات الحرب القاسية عن قدرة فائقة للمجتمع على إعادة إنتاج التضامن الداخلي والتمسك بحق البقاء رغم الكلفة الباهظة.

إن لجوء الاحتلال لأساليب الاختراق الاجتماعي يعكس في جوهره أزمة عميقة يواجهها النظام الاستعماري في فرض إرادته. فالمحتل الذي يحتاج للتجسس على أدق تفاصيل حياة الناس يدرك ضمنياً أنه يواجه شعباً لا يمكن كسر إرادته بالوسائل التقليدية.

التاريخ يؤكد أن الإمبراطوريات التي راهنت على الانقسام الداخلي للشعوب لم تنجح في ضمان بقائها واستمراريتها على المدى البعيد. الشعوب قد تمر بمراحل من التعب والألم، لكنها لا تنسى حقوقها التاريخية ولا تتخلى عن تطلعها الفطري نحو الحرية والانعتاق.

في فلسطين، لا تخرج القاعدة عن سياقها التاريخي المعروف، حيث أثبت المجتمع قدرته على مواجهة محاولات التفكيك الداخلي. الهوية الوطنية الفلسطينية، المتجذرة في الوعي والذاكرة، تظل دائماً أقوى من المكاسب التكتيكية المحدودة التي قد يحققها الاحتلال عبر عملائه.

الانتصار الحقيقي لا يتحقق عبر التجسس أو تمزيق النسيج المجتمعي، بل يرتبط بالعدالة والاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة. وما دام الشعب متمسكاً بأرضه، فإن كل أدوات الاختراق ستظل عاجزة عن هزيمة إرادة البقاء التي تتجاوز حدود القوة العسكرية.

يعتقد بعض المراهنين أن حجم الدمار في فلسطين ولبنان قد يدفع نحو القبول بـ 'الواقعية السياسية' كخيار وحيد متاح. لكن هذا التصور يغفل دروس التاريخ التي تؤكد أن المحتل، مهما بلغت قوته، يبقى الأضعف أخلاقياً وسياسياً أمام صاحب الحق.

يواجه قادة الاحتلال اليوم اتهامات دولية خطيرة تتعلق بجرائم الإبادة الجماعية، وهي تهم تلاحق شرعيتهم أمام العالم أجمع. إن قوة السلاح قد تؤخر لحظة الحقيقة، لكنها لن تلغي حتمية انتصار الشعوب التي تؤمن بأن التاريخ ينصف المدافعين عن وجودهم في النهاية.

عربي ودولي

السّبت 25 أبريل 2026 11:50 صباحًا - بتوقيت القدس

باكستان لاعباً محورياً: كيف تحولت إسلام أباد إلى وسيط في الصراع الأمريكي الإيراني؟

شهد العقد الأخير تحولات دراماتيكية في نفوذ باكستان الإقليمي، حيث عانت إسلام أباد من تراجع حاد في منطقة الخليج العربي نتيجة الاستقطابات الأيديولوجية الحادة. وقد ساهمت حاجة القوى الغربية لتقديم الهند كقوة موازنة للصين في تعزيز مكانة نيودلهي على حساب الدور الباكستاني التقليدي.

تجلت هذه الضغوط من خلال تبني قوى إقليمية للموقف الهندي، وصولاً إلى طرح الممر الاقتصادي الهندي الأوروبي الذي يمر عبر الإمارات والسعودية وإسرائيل. هذه المؤشرات، مضافاً إليها الأزمات الاقتصادية الداخلية في باكستان، كانت توحي بأن دورها التاريخي في المنطقة قد شارف على الانتهاء.

إلا أن المشهد بدأ يتبدل جذرياً مع تبني المملكة العربية السعودية لسياسة خارجية جديدة اتسمت بالاستقلالية والابتعاد عن المحور الهندي الإسرائيلي. وقد عززت الحرب الباكستانية الهندية الخاطفة من هذه التحولات، حيث أظهرت إسلام أباد قدرات عسكرية أعادت صياغة موازين القوى في ذهن صناع القرار الإقليمي.

في عام 2025، وعقب الاعتداء الإسرائيلي الذي استهدف دولة قطر، اتخذت الرياض خطوة استراتيجية برفع مستوى التحالف مع باكستان. وتوج هذا التقارب بتوقيع اتفاقية دفاعية ملزمة تقضي بتدخل القوات الباكستانية في حال تعرض الأمن السعودي لأي تهديد خارجي مباشر.

بالتوازي مع ذلك، كان التنسيق التركي الباكستاني يكتسب زخماً متصاعداً بفضل جهود أنقرة لدمج إسلام أباد في المعادلات الإقليمية المتعددة. شمل هذا التعاون مسارات ثلاثية مع أذربيجان وأوكرانيا، بالإضافة إلى تنسيق وثيق في الملفات المتعلقة بالقضية الفلسطينية وقطاع غزة.

مع اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى في فبراير 2026، برز اسم باكستان كلاعب غير متوقع. حيث تحولت إسلام أباد إلى قناة اتصال رئيسية ووسيط بين واشنطن وطهران، متجاوزة بذلك أدواراً كانت محصورة تاريخياً في سلطنة عمان وسويسرا.

يعود هذا البروز المفاجئ إلى عدة عوامل، أبرزها الوضع الاقتصادي الحرج لباكستان الذي تأثر بشدة بإغلاق مضيق هرمز. ومع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، وجدت إسلام أباد نفسها أمام ضرورة ملحة لوقف الحرب لتفادي انهيار مالي واجتماعي داخلي نتيجة التضخم المفرط.

لعبت المساعدات المالية الخليجية دوراً في تثبيت الموقف الباكستاني، حيث تدخلت قطر والسعودية لتأمين 5 مليار دولار لسد العجز المالي. جاء ذلك في وقت طالبت فيه الإمارات إسلام أباد بسداد ديون مستحقة بقيمة 3 مليار دولار، مما زاد من تعقيد المشهد الاقتصادي.

على الصعيد العسكري، وضعت الهجمات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي باكستان أمام اختبار حقيقي لالتزاماتها الدفاعية. وأرسلت إسلام أباد رسائل حازمة إلى طهران مفادها أن أي استهداف للمملكة العربية السعودية سيفعل تلقائياً بنود الاتفاقية الدفاعية الموقعة بين البلدين.

سعت باكستان من خلال تحركاتها الدبلوماسية إلى تجنب سيناريو المواجهة المباشرة مع جارتها إيران، مفضلة الانخراط في مسار وقف إطلاق النار. وترى القيادة الباكستانية أن جر البلاد إلى حرب إقليمية سيفاقم من أزماتها الداخلية ويقوض جهود التنمية الهشة.

تتخوف إسلام أباد بشكل عميق من تداعيات احتمال سقوط النظام الإيراني أو تحول إيران إلى دولة فاشلة نتيجة الحرب. وتستحضر الذاكرة السياسية الباكستانية التجربة المريرة مع أفغانستان، حيث لا تزال تعاني من الأعباء الأمنية والاجتماعية لعدم الاستقرار على حدودها الغربية.

تمتلك باكستان ميزة فريدة تتمثل في علاقاتها المتوازنة مع الأقطاب المتنافسة، فهي حليف استراتيجي للصين وتمتلك إرثاً طويلاً من التعاون مع واشنطن. هذا التوازن، بالإضافة إلى علاقاتها المتنامية مع دول الخليج وإيران، جعل منها وسيطاً مقبولاً لدى كافة الأطراف المتصارعة.

تراقب إسلام أباد بحذر الجهود الغربية لدعم الصعود الدولي للهند، وتعتبر أن نجاح التحالفات الهندية الإسرائيلية الخليجية يمثل تهديداً وجودياً لنفوذها. لذا، فإن انخراطها في الوساطة يهدف أيضاً إلى احتواء الطموحات الهندية وضمان مقعد دائم لها في صياغة مستقبل المنطقة.

في نهاية المطاف، تظل جهود الوساطة الباكستانية مرهونة بتطورات الميدان العسكري ومدى رغبة الأطراف الدولية في الوصول إلى تسوية. ومع ذلك، فإن تحول باكستان من دولة تعاني من تراجع النفوذ إلى وسيط إقليمي لا غنى عنه يمثل نقطة تحول جوهرية في جيوسياسية الشرق الأوسط.

أقلام وأراء

السّبت 25 أبريل 2026 11:20 صباحًا - بتوقيت القدس

ملف المعتقلين في مصر: من منطق التفاوض إلى واقع 'الافتداء' والرهائن

تكتسب التحركات الحقوقية والإنسانية المتعلقة بملف المعتقلين السياسيين في مصر أهمية استثنائية في الوقت الراهن، ليس لكونها مؤشراً على انفراجة سياسية مرتقبة، بل لأنها تعري البنية التي تدار بها الدولة. إن المسألة لم تعد تتعلق بسلطة يمكن دفعها لتصحيح مسارها القانوني، بل بمنظومة استفادت من استمرار الأزمة وحولت الاعتقال إلى أداة حكم دائمة.

يرى مراقبون أن هذه المبادرات تعمل كمرآة تعكس حجم المأساة الإنسانية وتمنع محاولات السلطة لتطبيع الوضع الاستثنائي الحالي. إن القيمة الحقيقية لهذه التحركات تكمن في إبقاء القضية حاضرة في الوعي العام، ومواجهة سياسات التعتيم التي تهدف إلى تغييب آلاف الوجوه خلف قضبان السجون.

إن النظام الحالي لم يكتفِ بجعل الاعتقال قاعدة بدلاً من الاستثناء، بل حول الحبس الاحتياطي والتدوير إلى استراتيجية لإخضاع المجتمع وكسر إرادته السياسية. هذه الأدوات لم تعد تُستخدم لتحقيق العدالة، بل أصبحت ركيزة أساسية لبقاء السلطة وتجريم أي صوت معارض أو رأي مغاير.

تؤكد الوقائع أن السلطة في مصر لا تتحرك بمنطق الضمير أو الالتزام بالقانون، بل تخضع فقط للحسابات المصلحية الباردة أو الضغوط الداخلية والخارجية المكثفة. ومن هنا، فإن جدوى المبادرات الحقوقية تكمن في توثيق الجرائم ومنع السلطة من تسويق الإفراجات المحدودة كإصلاحات سياسية حقيقية.

الإفراج عن بضع عشرات من المعتقلين لا يغير من الواقع السياسي والأخلاقي شيئاً ما دامت آلة القمع مستمرة في إنتاج ضحايا جدد يومياً. إن النظام يسعى لاستخدام هذه الإفراجات كمناورات دعائية، بينما يظل المفرج عنهم تحت تهديد الملاحقة والترهيب المستمر في دائرة مغلقة من الاستهداف.

في ظل انسداد الأفق السياسي، برزت أفكار وصفت بالمأساوية مثل فكرة 'المال مقابل الإفراج'، وهي تعبير عن حالة اليأس التي وصل إليها المجتمع الحقوقي. هذه الطروحات لا تهدف لشرعنة الجريمة، بل هي محاولة اضطرارية لانتزاع الأبرياء من براثن سلطة تتعامل مع مواطنيها بمنطق الخاطف والمخطوف.

إن مجرد طرح فكرة 'الافتداء' يمثل إدانة تاريخية للنظام المصري، حيث انحدرت الدولة إلى مستوى التعامل مع البشر كأرقام في معادلة مالية أو سياسية. هذا الواقع يهدم المعنى الأخلاقي للدولة ويحولها من مصدر للحماية والأمان إلى مصدر أول للخوف والتهديد لمواطنيها.

قد تدفع الأزمات المالية الطاحنة وتراكم الديون النظام إلى النظر في مقترحات ذات طابع مالي مقابل إغلاق بعض الملفات الحقوقية. لكن هذا الاحتمال إن تحقق، لن يكون انفراجاً بل تأكيداً على تحول الظلم السياسي إلى تجارة بالألم الوطني واستثمار في الجريمة المستمرة.

لا يمكن الحديث عن مخرج حقيقي للأزمة إلا بقرار سياسي شامل ينهي الحقبة الحالية عبر تبييض السجون من كافة معتقلي الرأي. إن إنهاء سياسة التدوير وإساءة استخدام الحبس الاحتياطي هو الممر الإلزامي الوحيد لاستعادة الحد الأدنى من الثقة في مفهوم الدولة والعدالة.

المأساة الحقيقية في مصر اليوم لا تكمن فقط في أعداد السجناء، بل في اعتياد المشهد والتعامل معه كملف إداري قابل للتفاوض البارد. إن هذا الجرح الوطني النازف يتطلب مواجهة صريحة مع السلطة التي ترى في الحرية تهديداً وجودياً لها وفي السجن أداة وحيدة للإدارة.

أفادت مصادر بأن الحالة الحقوقية في مصر وصلت إلى مرحلة من التوحش دفعت أصحاب الضمير للبحث عن أي وسيلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. هذا الانهيار القيمي يعكس مدى الفجوة بين السلطة والمجتمع، حيث غابت لغة القانون وحلت محلها لغة القهر المجرد والابتزاز السياسي.

إن السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس عن مدى نجاح المبادرات الفردية، بل عن كيفية وصول الدولة إلى هذه المرحلة من التردي الأخلاقي والقانوني. كيف أصبح إنقاذ الأبرياء يشبه عمليات تحرير الأسرى من يد عصابات لا تعترف بالحقوق الأساسية للإنسان؟

يبقى الرهان على استمرار الرفض الشعبي والحقوقي لسياسات الاستسلام، والإصرار على أن الحق في الحرية ليس موضوعاً للمساومة أو الفدية. إن توثيق هذه المرحلة السوداء يعد خطوة ضرورية للمحاسبة التاريخية والسياسية التي لا تسقط بالتقادم مهما طال أمد القمع.

في الختام، يظل ملف المعتقلين في مصر اختباراً يومياً لما تبقى من إنسانية في هذا العالم، وتذكيراً دائماً بأن الوطن لا يمكن أن يستقر على ركام من الظلم. إن الحرية حق أصيل وليست منحة من سلطة، والاعتراف بهذا الحق هو البداية الوحيدة لأي إصلاح حقيقي.

عربي ودولي

السّبت 25 أبريل 2026 11:20 صباحًا - بتوقيت القدس

تراجع مستوى التمثيل الأمريكي في مفاوضات إسلام آباد وغياب فانس عن المشهد

تستعد العاصمة الباكستانية إسلام آباد لاستضافة جولة جديدة من المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران نهاية هذا الأسبوع. وتأتي هذه الجولة في ظل غياب لافت لنائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، الذي كان قد قاد الوفد المفاوض في وقت سابق من هذا الشهر.

أعلن البيت الأبيض أن المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر سيتوليان قيادة الوفد الأمريكي في هذه المرحلة. وقد غادر المبعوثان بالفعل متوجهين إلى باكستان للمشاركة في المباحثات التي تهدف إلى إيجاد مخرج للأزمة الراهنة بين واشنطن وطهران.

أفادت مصادر صحفية بأن قرار استبعاد فانس من هذه الجولة يعكس تراجعاً في مستوى التوقعات الدبلوماسية. ويرى مسؤولون أمريكيون أن فشل الزيارة السابقة في التوصل إلى اتفاق نهائي دفع الإدارة إلى خفض مستوى التمثيل في الوقت الراهن.

على الجانب الإيراني، تقرر عدم إرسال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إلى المفاوضات الحالية. ويُعد قاليباف أرفع مسؤول إيراني شارك في جولات سابقة، وكان يُنظر إليه كنظير مباشر لنائب الرئيس الأمريكي في البروتوكول الدبلوماسي المعمول به.

أوضحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت أن فانس سيبقى على أهبة الاستعداد للتدخل إذا لزم الأمر. وأشارت إلى أن نائب الرئيس قد يتوجه إلى باكستان في حال رأى المسؤولون أن وجوده سيشكل إضافة ضرورية وحاسمة لمسار التفاوض.

يرى مراقبون أن غياب فانس يهدف إلى حماية صورته السياسية وتجنب أي إحراج دبلوماسي في حال تعثرت المحادثات مجدداً. كما أن تقليص المتطلبات الأمنية واللوجستية المرافقة لنائب الرئيس يقلل من سقف التوقعات الشعبية والدولية تجاه نتائج هذه الجولة.

وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسلام آباد في زيارة رسمية، حيث التقى بقائد الجيش الباكستاني عاصم منير. ورغم تأكيد طهران أن الزيارة لا تشمل لقاءات مع الجانب الأمريكي، إلا أن التوقيت يشير إلى دور باكستاني محوري كوسيط.

تشير التقارير إلى أن كوشنر وويتكوف يحملان أجندة أكثر تشدداً فيما يتعلق بالمطالب الإقليمية. ويسعى الوفد الأمريكي للضغط على إيران لوقف دعمها لحلفائها في المنطقة، بما يشمل حزب الله في لبنان وحركة حماس في قطاع غزة.

تتضمن المطالب الأمريكية أيضاً ضرورة وقف هجمات الحوثيين في اليمن وتأمين ممرات التجارة العالمية. وتواجه هذه الاشتراطات رفضاً إيرانياً قاطعاً، مما قد يؤدي إلى إطالة أمد المفاوضات وزيادة الضغوط الاقتصادية الناجمة عن إغلاق ممرات الطاقة.

أكدت الإدارة الأمريكية أنها رصدت بعض التقدم في المواقف الإيرانية خلال الأيام القليلة الماضية. ورغم عدم الكشف عن تفاصيل هذا التقدم، إلا أن البيت الأبيض يأمل في أن تسفر لقاءات إسلام آباد عن نتائج إيجابية ملموسة تنهي حالة التصعيد.

لا يزال الرئيس دونالد ترامب يلوح بخيار القوة العسكرية والضغط الأقصى ضد طهران. وهدد ترامب باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم تذعن الحكومة لشروطه المتعلقة بالبرنامج النووي والنشاط الإقليمي المزعزع للاستقرار.

يعتبر فانس ركيزة أساسية في فريق ترامب التفاوضي رغم غيابه الميداني عن هذه الجولة. وكان نائب الرئيس قد أعرب سابقاً عن مخاوفه من إطالة أمد الصراع، مؤكداً رغبته في التوصل إلى تسوية تضمن المصالح الأمريكية دون الانزلاق لحرب شاملة.

تراقب الأسواق العالمية نتائج هذه المحادثات بحذر شديد نظراً لتأثيرها المباشر على إمدادات النفط والغاز. ويؤدي استمرار التوتر إلى تعطيل نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية، مما يفاقم الأزمات الاقتصادية في مختلف دول العالم.

يبقى الباب مفتوحاً أمام إمكانية تدخل مباشر من ترامب أو فانس في حال إحراز خرق حقيقي في جدار الأزمة. وتؤكد واشنطن أنها مستعدة لإعطاء الدبلوماسية فرصة كاملة، شريطة أن تقدم طهران عرضاً يلبي التطلعات الأمريكية للأمن الإقليمي.

فلسطين

السّبت 25 أبريل 2026 11:20 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة تحت النار: استمرار الغارات الإسرائيلية يرفع حصيلة الشهداء وسط انهيار إنساني

يعيش سكان قطاع غزة واقعاً مأساوياً متجدداً، حيث لم يعرف الأهالي طعماً للهدنة المزعومة في ظل استمرار القصف الإسرائيلي وتصاعد المعاناة الإنسانية بشكل غير مسبوق. وتصف شهادات من الميدان أن الوجع يتجدد بلا توقف، إذ لا يكاد الألم يهدأ حتى يعود من جديد مخلفاً مزيداً من الضحايا والدمار في مختلف المحافظات.

وأفادت مصادر ميدانية باستشهاد 13 فلسطينياً منذ يوم أمس الجمعة جراء سلسلة غارات جوية استهدفت مواقع متفرقة ومنازل للمواطنين في القطاع. ووثقت مقاطع فيديو متداولة إصابات عديدة في صفوف المدنيين بنيران آليات الجيش الإسرائيلي التي استهدفت التجمعات السكنية بشكل مباشر ومكثف.

وأثار استمرار هذه الغارات وتصاعد وتيرة الاستهداف اليومي، تزامناً مع الحصار الخانق المفروض على المعابر، موجة غضب عارمة في أوساط الأهالي. وانعكس هذا السخط عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر الفلسطينيون عن يأسهم من تدهور الأوضاع المعيشية وتواصل فصول المعاناة دون رادع دولي.

وأكد ناشطون ميدانيون أن الحقيقة الماثلة على الأرض تشير إلى غياب أي التزام حقيقي بالاتفاقات، واصفين ما يحدث بأنه خضوع لـ 'مزاج إسرائيلي للقتل'. وأشاروا إلى أن الساعات الماضية شهدت ارتكاب ثلاث مجازر مروعة، مما يعزز القناعة بأن آلة الحرب لم تتوقف عن حصد الأرواح.

ويمر قطاع غزة، من شماله إلى جنوبه، بأوضاع إنسانية بالغة الصعوبة في ظل ارتفاع أعداد الشهداء يومياً وغياب التغطية الإعلامية الكافية لبعض المناطق المنكوبة. ويتزامن ذلك مع غلاء خانق في أسعار السلع الأساسية واستمرار إغلاق المعابر الحيوية التي تربط القطاع بالعالم الخارجي.

وتعاني المنظومة الصحية من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية، مما يجعل التعامل مع الإصابات اليومية أمراً في غاية التعقيد. وأوضح مراقبون أن ما يحدث في غزة حالياً يفوق الوصف، مع تدهور متسارع يطال كافة مناحي الحياة اليومية والخدمات الأساسية المتهالكة.

وتفاقمت الأزمة المعيشية بشكل غير مسبوق نتيجة تراجع القدرة الشرائية وانعدام مصادر الدخل لغالبية الأسر الفلسطينية. وباتت العائلات تكافح بمرارة لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية، وسط انهيار شبه كامل في شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي.

وأشار ناشطون إلى استمرار ما وصفوه بـ 'الإبادة الممنهجة'، مستشهدين بمقتل الطفلة ناية خالد الطناني التي ارتقت مع أفراد من عائلتها في شمال غزة. وشملت قائمة ضحايا تلك الغارة والدة الطفلة وشقيقها، في جريمة تضاف إلى سلسلة الجرائم التي تستهدف الطفولة في القطاع.

ويرى مدونون أن الاحتلال الإسرائيلي لم يتوقف لحظة واحدة عن استهداف المدنيين ومواصلة سياسة الخنق الممنهج على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي. واتهم النشطاء القوى الدولية بالتواطؤ المستمر منذ عامين، وهو ما سمح باستمرار حرب الإبادة التي راح ضحيتها عشرات الآلاف.

وتأتي هذه التطورات الدامية ضمن سلسلة الخروق الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ العاشر من أكتوبر لعام 2025. ورغم الاتفاق، إلا أن الميدان يشهد تصعيداً مستمراً أعاد للأذهان أهوال الحرب الشاملة التي خلفت أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد على 172 ألف جريح.

وكان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة قد أصدر بياناً أكد فيه ارتكاب الاحتلال لأكثر من 2400 خرق للاتفاق حتى منتصف أبريل الجاري. وشملت هذه الخروق عمليات قتل مباشر، واعتقالات تعسفية، وتشديداً لسياسات التجويع والحصار التي تستهدف كسر إرادة السكان.

ووفقاً لبيانات وزارة الصحة، فقد أسفرت هذه الخروق المتواصلة عن استشهاد 972 فلسطينياً وإصابة 2235 آخرين منذ بدء سريان التهدئة المفترضة. وتؤكد هذه الأرقام أن نزيف الدم لم يتوقف، وأن الموت لا يزال يطارد سكان غزة في كل زاوية وفي كل وقت.

عربي ودولي

السّبت 25 أبريل 2026 11:20 صباحًا - بتوقيت القدس

إدارة ترامب تطلق حملة واسعة لسحب الجنسية من مئات الأمريكيين المجنسين

بدأت وزارة العدل الأمريكية تحركات قانونية واسعة النطاق تهدف إلى تجريد مئات المواطنين الأمريكيين المولودين في الخارج من جنسياتهم. وأفادت مصادر مطلعة بأن المدعين الفدراليين في مختلف المكاتب الميدانية عبر الولايات المتحدة تلقوا تعليمات بمباشرة العمل على تنفيذ هذا المسعى بشكل فوري. تأتي هذه الخطوة في سياق تشديد الإجراءات القانونية ضد المهاجرين الذين حصلوا على المواطنة في سنوات سابقة.

وتشير التحقيقات الجارية إلى استهداف ما لا يقل عن 300 مواطن من أصول أجنبية كمرحلة أولى، مع توقعات بارتفاع هذا العدد ليصل إلى المئات خلال الأشهر المقبلة. وتعمل الإدارة الحالية على تكثيف عمليات إلغاء التجنيس عبر مراجعة دقيقة للملفات القديمة والحديثة. ووفقاً لمسؤولين في الوزارة، فإن هذه الجهود تندرج ضمن خطة استراتيجية لتعزيز الرقابة على نزاهة نظام الهجرة الوطني.

وفي إطار التنسيق اللوجستي، قامت دائرة خدمات المواطنة والهجرة التابعة لوزارة الأمن الداخلي بإعادة تكليف مجموعة من الخبراء والموظفين للبحث عن ثغرات قانونية في ملفات التجنس. وقد تم توزيع هؤلاء الخبراء على مكاتب الهجرة في أنحاء البلاد لتحديد الحالات التي يمكن الطعن في قانونيتها. ويهدف هذا التنسيق إلى تزويد الادعاء العام بقائمة دورية تضم ما بين 100 إلى 200 حالة شهرياً للملاحقة القضائية.

من جانبه، صرح متحدث باسم وزارة العدل بأن التركيز ينصب بشكل أساسي على من وصفهم بـ 'الأجانب المجرمين' الذين لجأوا إلى الاحتيال للحصول على الصفة القانونية. وأكد المتحدث أن الوزارة تضع هذا الملف على رأس أولوياتها لضمان عدم استغلال القوانين الأمريكية من قبل أفراد غير مستحقين. وتعد هذه الحملة هي الأضخم من نوعها في تاريخ الولايات المتحدة من حيث عدد الحالات المستهدفة وسرعة التنفيذ.

وتثير هذه الإجراءات مخاوف واسعة بين أوساط الجاليات المهاجرة والمنظمات الحقوقية التي ترى فيها استهدافاً سياسياً يتجاوز مجرد مكافحة الاحتيال. ومع ذلك، تصر السلطات الفدرالية على أن التحرك يجري بسرعة كبيرة لضمان محاسبة المتورطين في تزوير بياناتهم الشخصية أثناء مراحل الهجرة. ومن المتوقع أن تشهد المحاكم الفدرالية موجة غير مسبوقة من قضايا إلغاء التجنيس خلال الفترة القادمة.

فلسطين

السّبت 25 أبريل 2026 11:05 صباحًا - بتوقيت القدس

انطلاق انتخابات المجالس المحلية في الضفة الغربية ودير البلح بقطاع غزة

فتحت مراكز الاقتراع أبوابها صباح السبت أمام الناخبين الفلسطينيين في الضفة الغربية ومدينة دير البلح بقطاع غزة، لاختيار ممثليهم في المجالس البلدية والقروية. وتأتي هذه العملية الانتخابية في توقيت حساس، حيث تعد الأولى من نوعها التي تشمل منطقة في قطاع غزة منذ اندلاع المواجهات العسكرية الأخيرة، وسط ترقب محلي ودولي لنتائجها.

وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية أن نحو مليون و40 ألف ناخب وناخبة مدعوون للمشاركة في هذا الاقتراع، وهو ما يمثل حوالي 67% من إجمالي المسجلين في السجل الانتخابي. وقد تم تجهيز 491 مركز اقتراع في مختلف المناطق المستهدفة، يشرف عليها أكثر من عشرة آلاف موظف لضمان سير العملية الانتخابية بسلاسة.

وتشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة حدثاً استثنائياً، حيث تُجرى فيها الانتخابات المحلية لأول مرة منذ نحو 22 عاماً. وقد وقع الاختيار على هذه المدينة لكونها المنطقة الأقل تضرراً نسبياً في القطاع بعد عامين من الحرب، مما سمح بتهيئة الظروف اللوجستية والأمنية اللازمة لفتح 12 مركز اقتراع فيها.

وعلى صعيد المنافسة، تتصدر القوائم المستقلة المشهد بنسبة وصلت إلى 88% من إجمالي القوائم المترشحة، مقابل 12% فقط للقوائم الحزبية. وتتنافس هذه القوائم المدعومة من حركة فتح وفصائل أخرى كالجبهة الشعبية، في حين يغيب التمثيل الرسمي لحركة حماس عن هذه الدورة الانتخابية.

وفي العديد من الهيئات المحلية الكبرى مثل رام الله ونابلس، حُسمت النتائج مسبقاً من خلال نظام التزكية، حيث لم تتقدم سوى قائمة واحدة للترشح. وبحسب بيانات اللجنة، فقد تم حسم 197 هيئة محلية بالتزكية، منها 42 بلدية و155 مجلساً قروياً، مما قلص دائرة التنافس المباشر في تلك المناطق.

وتطبق لجنة الانتخابات نظام التمثيل النسبي (القائمة المفتوحة) للمجالس البلدية، بينما يُعتمد نظام الأغلبية للمجالس القروية وفقاً للقانون المقر في نوفمبر 2025. كما يتم توزيع المقاعد بناءً على نظام 'سانت لوجي' العالمي، مع تحديد نسبة حسم تبلغ 5% للقوائم المتنافسة لضمان تمثيل عادل.

ورغم الأجواء الديمقراطية، عبر بعض المواطنين عن إحباطهم من جدوى هذه الانتخابات في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي. وقال محمود بدر، وهو رجل أعمال من طولكرم إن النتائج قد لا تلمس الواقع المعيشي بشكل جذري، معتبراً أن السيطرة الميدانية للاحتلال تظل العائق الأكبر أمام أي إدارة محلية منتخبة.

من جانبه، وصف منسق الأمم المتحدة رامز الأكبروف هذه الخطوة بأنها فرصة هامة للفلسطينيين لممارسة حقوقهم السياسية. وأكد الأكبروف أن إجراء الانتخابات في ظل هذه الظروف الاستثنائية يعكس إصراراً على العمل المؤسسي، رغم التحديات الجسيمة التي تواجه البنية التحتية والوضع السياسي العام.

وفيما يخص الترتيبات الفنية، أوضحت مصادر مطلعة أن صناديق الاقتراع في دير البلح قد تُغلق في وقت مبكر مقارنة بالضفة الغربية. ويهدف هذا الإجراء إلى تسهيل عملية الفرز في وضح النهار وتجنب المعوقات الناتجة عن الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي والدمار الذي طال شبكات الطاقة في القطاع.

ويرى مراقبون سياسيون أن تنظيم الانتخابات في دير البلح يمثل تجربة لاختبار قدرة السلطة الفلسطينية على إدارة الحكم المحلي في غزة مستقبلاً. وتأتي هذه الخطوة في ظل استمرار الانقسام السياسي القائم منذ عام 2007، ومحاولات متكررة لتوحيد المؤسسات الفلسطينية عبر بوابة الخدمات البلدية والقروية.

تحليل

السّبت 25 أبريل 2026 10:50 صباحًا - بتوقيت القدس

من نهاية التاريخ إلى صدام الحضارات: كيف تآكلت الوعود الليبرالية في السياسة الأمريكية؟

شهدت الساحة الفكرية الأمريكية سجالاً متجدداً حول جدوى النموذج الليبرالي، خاصة بعد صدور كتاب فرانسيس فوكوياما 'الليبرالية ومنتقدوها الساخطون'. حاول فوكوياما في أطروحته الأخيرة الدفاع عن الليبرالية باعتبارها أفقاً إنسانياً لا غنى عنه، رغم الاعتراف بالتشوهات التي طالت تطبيقها العملي في العقود الأخيرة.

يرى فوكوياما أن الأزمات الراهنة تنبع من سوء التأويل والممارسة، وليس من جوهر الفكرة الليبرالية نفسها. وقد استند في دفاعه إلى مفهوم 'الثيموس' أو الرغبة في الاعتراف، معتبراً أن النظام الليبرالي هو الوحيد القادر على إشباع تطلعات الفرد وتحقيق كرامته الإنسانية بعيداً عن الاستبداد.

على النقيض من ذلك، تبرز الخصوصية الأمريكية في تعريف الليبرالية، حيث تتماهى مع التوجهات اليسارية التي تنادي بتدخل الدولة لتحقيق العدالة الاجتماعية. هذا المفهوم يصطدم تاريخياً مع الأطروحة المحافظة التي تقدس حرية الفرد المطلقة وترفض أي قيود حكومية على النشاط الاقتصادي والمبادرة الحرة.

قبل صعود الظاهرة الترامبية، كان النقاش السياسي في واشنطن يتأرجح بين قطبي العدالة الاجتماعية والحرية الاقتصادية. وقد سعت النخب الديمقراطية لتعزيز نفوذها عبر المؤسسات القضائية لحماية الأقليات، بينما ركز الجمهوريون على المؤسسات المنتخبة لضمان تدفق الرأسمال وتقليص دور الدولة.

مع وصول دونالد ترامب إلى السلطة، لم تتغير العناوين العريضة للمشروع المحافظ المتمثلة في خفض الضرائب ومواجهة العولمة. إلا أن المتغير الأبرز كان الخطاب الشعبوي الذي أحدث انقساماً مجتمعياً غير مسبوق، وربط الهوية الثقافية للرجل الأبيض بالسياسات الاقتصادية الحمائية.

غالباً ما تنظر النخب العربية إلى السياسة الأمريكية من زاوية الهيمنة الخارجية فقط، متجاهلة الديناميات الداخلية المعقدة. والحقيقة أن السياسة الخارجية، سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية، تهدف في النهاية إلى تأمين 'فائض قيمة' يخفف من حدة التوترات الاجتماعية داخل الولايات المتحدة.

تختلف الأدوات بين الحزبين؛ فبينما يفضل الديمقراطيون استخدام 'القوة الناعمة' وشعارات حقوق الإنسان لتأمين المصالح، يميل الجمهوريون في عهد ترامب إلى القوة الخشنة. وتتجلى هذه القوة في فرض الحصار الاقتصادي والضغوط الدبلوماسية المباشرة لتحقيق المكاسب القومية الأمريكية.

أثيرت تساؤلات جدية حول مدى خدمة الحروب الخارجية للمصالح الأمريكية العليا، خاصة فيما يتعلق بالملف الإيراني. وأشارت مصادر إعلامية رصينة إلى أن واشنطن قد تنجر إلى صراعات بضغط إسرائيلي مباشر، مما يضع 'فائض القيمة' الأمريكي في كفة والمصالح الإسرائيلية في كفة أخرى.

يبدو أن أطروحة فوكوياما حول 'نهاية التاريخ' قد فقدت قدرتها التفسيرية أمام الواقع المتغير. فقد اعترف فوكوياما نفسه في مراجعاته بأن صعود 'الليبرالية الجديدة' المتطرفة وسياسات الهوية قد شوه المبادئ الكلاسيكية التي بنى عليها نظريته المتفائلة.

في المقابل، تكتسب رؤية صمويل هنتنغتون حول 'صدام الحضارات' صموداً أكبر في تفسير مسارات السياسة الخارجية الأمريكية. هنتنغتون لم يهتم بالفروق الثقافية بقدر اهتمامه بتحديد 'العدو' القادم، موجهاً البوصلة نحو مواجهة الحضارة الإسلامية ثم الصين كأولويات استراتيجية.

لقد نجح هنتنغتون في إقناع صانع القرار الأمريكي بضرورة تغيير الأولويات وتبريد الجبهة مع روسيا مؤقتاً للتفرغ للصراع القيمي والثقافي. هذا التوجه هو ما مهد الطريق فعلياً لحروب أفغانستان والعراق، وصولاً إلى التوترات الراهنة في منطقة الشرق الأوسط.

يبرز عامل جديد وحاسم في المشهد الأمريكي المعاصر وهو تأثير 'الصهيونية الدينية' على مراكز القرار. هذا التأثير لم يعد يقتصر على السياسة الخارجية، بل امتد ليشمل الديناميات الداخلية عبر دعم النزعات العنصرية ومعاداة التعددية الثقافية داخل المجتمع الأمريكي.

تتجلى خطورة هذا التأثير في السياسات المتطرفة الموجهة ضد الناشطين الداعمين للحقوق الفلسطينية داخل الولايات المتحدة. إن التماهي بين اليمين الترامبي والصهيونية الدينية بات يهدد الأسس الديمقراطية التي قامت عليها أمريكا، ويقوض صورتها كنموذج ليبرالي عالمي.

في الختام، لا يمكن فهم التحولات الأمريكية بمعزل عن تداخل المصالح الاقتصادية مع الأيديولوجيات الدينية المتطرفة. إن ارتهان القرار الأمريكي لأجندات الصهيونية الدينية قد يؤدي في النهاية إلى نشوء نظام عالمي جديد ينهي حقبة الهيمنة الأمريكية المنفردة.

أقلام وأراء

السّبت 25 أبريل 2026 10:50 صباحًا - بتوقيت القدس

ترامب ومقاييس الأهلية: قراءة في السلوك السياسي والاضطرابات الشخصية

تثير الحالة الذهنية والمسلكية للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب تساؤلات عميقة تتجاوز حدود السياسة لتصل إلى أروقة الطب النفسي والقانون الدولي. يرى مراقبون أن مسار ترامب يتسم بـ'عجز البصيرة' والتخبط في اتخاذ القرارات، مما يجعله في نظر البعض غير مؤاخذ بمقاييس العقل الرشيد، رغم فداحة الجرائم المنسوبة إليه من إبادة وفساد.

تتجلى ملامح عدم الاستقرار في إدارة ترامب من خلال اعتماده المفرط على وسائل التواصل الاجتماعي لإعلان قرارات مصيرية وكارثية في ساعات متأخرة من الليل. هذا السلوك يعكس نمطاً صبيانياً في التعامل مع شؤون الدولة، حيث غالباً ما يناقض نفسه بين عشية وضحاها، متبعاً نهج 'كلام الليل يمحوه النهار'.

شهدت الفترة الماضية تصعيداً في لهجة ترامب تجاه القوى الدولية، حيث أعلن مراراً الانتصار على إيران مهدداً بمحو حضارتها من الوجود في تصريحات وُصفت بالهوجاء. كما لم يسلم الرموز الدينيون من هجومه، حيث وصف بابا الفاتيكان بالضعف في مواجهة الجريمة، مما يعكس حدة في الخطاب تفتقر للدبلوماسية.

في الداخل الأمريكي، لم تكن المعارضة الديمقراطية وحدها من تحركت لعزله، بل وجد هذا المسعى دعماً من جنرالات متقاعدين في الجيش الأمريكي. وقد أقدم ترامب على إقالة 11 جنرالاً رفيع المستوى لمجرد انتقادهم لطريقة إدارته للملفات العسكرية، مما عمق الفجوة بينه وبين المؤسسة العسكرية.

حتى داخل معسكره اليميني، بدأت أصوات كانت تعتبره 'المسيح المخلص' تنقلب ضده وتطالب بإزاحته من السلطة بأسرع وقت ممكن. مارجوري تيلر غرين، التي كانت من أشد مؤيديه، باتت تصفه في الأسابيع الأخيرة بأنه 'مجنون رسمياً'، وهو تحول دراماتيكي في الولاءات السياسية.

من جهتها، وصفت الناشطة اليمينية كانديس أوينز ترامب بأنه شخص 'مخبول ومجبول على إبادة البشر'، وذلك عبر منصاتها التي يتابعها الملايين. هذه الانتقادات الحادة من قلب التيار المحافظ تشير إلى تآكل الثقة في قدرة ترامب على قيادة البلاد بشكل متزن.

أكد تاي كوب، كبير المحامين السابق في البيت الأبيض أن تدهور الحالة العقلية لترامب لم يعد بحاجة إلى أدلة إضافية لإثباته. وفي سياق متصل، استخدمت سيتفاني غريشام، السكرتيرة الصحفية السابقة، لغة مهذبة للإشارة إلى أن الرئيس السابق 'ليس على ما يرام' من الناحية الذهنية.

قبل عقد من الزمان، حذر فريق من علماء الطب النفسي في كتاب 'حالة ترامب الخطرة' من معاناته من 'نرجسية خبيثة'. هذا الاضطراب يجمع بين الشعور المبالغ فيه بالأهمية، والحاجة الماسة للإعجاب، مع افتقار تام للتعاطف مع الآخرين أو الشعور بآلامهم.

تتسم النرجسية الخبيثة بكونها مزيجاً ساماً من السادية والسلوك المعادي للمجتمع وجنون الارتياب، مما يدفع المصاب بها لتدمير المحيطين به. ويبدو أن هذا التشخيص الطبي بدأ يجد صدى لدى الرأي العام الأمريكي، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن 63% من المواطنين يشككون في أهليته العقلية.

المثير للدهشة أن ترامب نفسه لا يجد حرجاً في الظهور بمظهر 'المجنون' إذا كان ذلك يخدم أهدافه التفاوضية، كما كشفت نيكي هالي. فقد طلب منها إعطاء انطباع لخصومه الدوليين بأنه غير متزن، وهو تكتيك يراه النائب العام السابق وليام بار جزءاً من 'الكمية الصحيحة من الجنون'.

يعاني خطاب ترامب من انفصال واضح عن الواقع، حيث يكرر أكاذيب حول أصول عائلته، مدعياً أن والده ولد في ألمانيا رغم ثبوت ولادته في نيويورك. كما يظهر تشتتاً غريباً في أحاديثه الرسمية، حيث ينتقل من الحديث عن الحروب إلى مناقشة أقمشة الستائر أو أنواع الأفاعي في دول بعيدة.

بلغ التجاوز ذروته عندما نشر ترامب صورة لنفسه في هيئة 'المسيح' وهو يشفي المرضى، محاطاً بطائرات مقاتلة وملائكة عسكريين. هذا التصرف أثار غضب الملايين من المسيحيين الذين اعتبروه تجديفاً، مما اضطره لسحب الصورة لاحقاً تحت ضغط الانتقادات الواسعة.

إن محاولة ترامب تبرير الصورة بأنه قصد دور 'الطبيب' لم تكن مقنعة، خاصة وأن الرموز المستخدمة كانت ذات دلالات دينية عميقة لا تخطئها العين. هذا التخبط يعزز فرضية فقدان البوصلة الأخلاقية والسياسية في آن واحد، مما يجعله شخصية استثنائية في تاريخ الرئاسة الأمريكية.

في نهاية المطاف، يبقى الجدل حول أهلية ترامب قائماً بين من يراه عبقرياً يتلاعب بالخصوم ومن يراه مريضاً يحتاج للعلاج. لكن الحقائق الميدانية والشهادات من أقرب المقربين إليه ترسم صورة لرجل يقود أقوى دولة في العالم بعقلية مضطربة تفتقر لأدنى معايير الرشد السياسي.

أحدث الأخبار

السّبت 25 أبريل 2026 10:50 صباحًا - بتوقيت القدس

الدفاع الإيرانية: ننتج ألف نوع من الأسلحة محلياً بالتعاون مع 9 آلاف شركة

أعلنت وزارة الدفاع الإيرانية عن تحقيق طفرة في قطاع التصنيع العسكري، حيث أكد المتحدث باسم الوزارة، رضا طلائي أن طهران باتت تنتج ما يزيد عن 1000 نوع من الأسلحة والمعدات العسكرية بجهود محلية كاملة. وأوضح طلائي أن هذه الصناعات تغطي مجالات استراتيجية تشمل الصواريخ البالستية، والطائرات المسيرة، بالإضافة إلى المنظومات الدفاعية والتجهيزات اللوجستية المتطورة.

وأفادت مصادر إعلامية بأن هذه القدرات الإنتاجية هي نتاج استراتيجية استثمارية طويلة الأمد تجاوزت 25 عاماً، حيث تضافرت جهود المؤسسات العسكرية الرسمية مع القطاع الخاص والشركات القائمة على المعرفة. وأشار المتحدث إلى أن شبكة التصنيع العسكري الإيراني باتت تضم اليوم نحو 9 آلاف شركة تعمل بالتنسيق مع وزارة الدفاع لتأمين احتياجات القوات المسلحة.

وفي سياق متصل، شدد طلائي على أن البنية التحتية للصناعات الدفاعية في البلاد صُممت لتكون مقاومة للهجمات العسكرية، مؤكداً أن توزع مراكز الإنتاج على رقعة جغرافية واسعة ومتنوعة يضمن استمرارية العمليات وتطوير المنظومات حتى في ظروف الاستهداف المباشر لبعض المنشآت، مما يمنح الصناعة العسكرية مرونة استراتيجية عالية.

فلسطين

السّبت 25 أبريل 2026 10:20 صباحًا - بتوقيت القدس

سلاح الطائفية: كيف يحاول الاحتلال تفكيك النسيج اللبناني لفرض هيمنته؟

سلطت تقارير صحفية دولية الضوء على ممارسات جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، حيث أثارت صورة جندي يدنس تمثالاً للسيد المسيح في إحدى القرى المسيحية غضباً واسعاً. ورغم اعتذار قادة الاحتلال عن هذا الفعل الرمزي، إلا أنهم لم يبدوا أي أسف تجاه تدمير المساجد والمدارس الحكومية والبنية التحتية التي طالها القصف العنيف خلال الأسابيع الماضية.

وتشير القراءات التحليلية إلى أن الاحتلال يتبع سياسة 'العقاب الجماعي' التي طبقها سابقاً في قطاع غزة، مستهدفاً هذه المرة الحاضنة الشعبية للمقاومة في لبنان. وقد تجلى ذلك في تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي توعد بتحويل الضاحية الجنوبية لبيروت إلى نسخة مدمرة تشبه مدينة خان يونس الفلسطينية.

وفي إطار استغلال التباينات الداخلية، يمارس مسؤولو الاحتلال ضغوطاً علنية وسرية على الزعماء الدروز والمسيحيين لإخراج النازحين الشيعة من مناطقهم. تهدف هذه التحركات إلى خلق شرخ اجتماعي وأهلي داخل لبنان، وتحويل التنوع الديني الذي يميز البلاد إلى فتيل للاقتتال الداخلي الذي يخدم مصالح 'تل أبيب'.

لقد أسفر العدوان الأخير عن حصيلة دموية ثقيلة، حيث قُتل أكثر من 2300 شخص ونزح ما يزيد عن مليون لبناني من قراهم ومدنهم. ومن بين المجازر المروعة، برزت الغارة الجوية على بيروت في الثامن من نيسان، والتي أدت لمقتل 350 شخصاً في غضون عشر دقائق فقط، رغم الحديث عن تفاهمات دولية لوقف التصعيد.

ويرى الدكتور أسامة مقدسي أن هذا التكتيك لا يستهدف حزب الله كقوة عسكرية فحسب، بل يشن حرباً شاملة على طبيعة المجتمع اللبناني التعددي. فالاحتلال يسعى لتقويض نموذج التعايش الذي يمثله لبنان، واستبداله ببيئة ممزقة طائفياً يسهل التحكم بها وفرض الإرادة السياسية عليها.

تاريخياً، لم تكن الأطماع الإسرائيلية في لبنان وليدة اللحظة، بل تعود إلى عهد ديفيد بن غوريون الذي وضع عينه على نهر الليطاني كحدود طبيعية للتوسع. ومنذ اجتياح عام 1982، حاول الاحتلال مراراً تنصيب سلطة تابعة له في بيروت عبر التدخل في التوازنات الطائفية الحساسة للبلاد.

وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار الهش، إلا أن قوات الاحتلال لا تزال تحتفظ بوجود عسكري في مساحات واسعة من الحدود الجنوبية. ويمنح الاتفاق الحالي 'تل أبيب' ذريعة 'الدفاع عن النفس' للقيام بعمليات عسكرية في أي وقت، بينما يفتقر الجانب اللبناني لضمانات مماثلة تحمي سيادته.

إن استهداف المدنيين من الطائفة الشيعية بشكل مركز يهدف إلى عزلهم سياسياً واجتماعياً عن بقية المكونات اللبنانية. ويحاول المتحدثون باسم جيش الاحتلال تبرير قصف المناطق المختلطة بادعاءات غير مدعومة بأدلة حول انتقال عناصر المقاومة إليها، مما يضع حياة جميع اللبنانيين في خطر دائم.

ويواجه الجيش اللبناني تحديات جسيمة في الحفاظ على السلم الأهلي ومنع انزلاق البلاد نحو حرب أهلية جديدة يخطط لها الاحتلال. فرئيس أركان الجيش يدرك أن محاولة نزع سلاح المقاومة بالقوة في ظل التهديد الإسرائيلي المستمر قد تؤدي إلى انفجار داخلي لا تحمد عقباه.

يمثل لبنان بنظامه الدستوري وتعدديته الدينية نقيضاً للأيديولوجية التي يقوم عليها كيان الاحتلال كدولة يهودية تسعى لإخضاع محيطها. وهذا التناقض الجوهري هو ما يدفع الاحتلال لمحاولة تدمير النموذج اللبناني الذي يثبت إمكانية العيش المشترك بين مختلف الأديان والطوائف.

وفي خضم الدمار، تبرز قصص التكاتف الإنساني كدليل على صمود النسيج الاجتماعي اللبناني، مثل قصة المسعف يوسف عساف الذي استشهد أثناء أداء واجبه. وقد تحولت جنازته في مدينة صور إلى تظاهرة وطنية جمعت رجال دين مسلمين ومسيحيين في رسالة تحدٍ واضحة لسياسات التقسيم.

إن الصراع الحالي يتجاوز الحدود العسكرية ليصل إلى جوهر البقاء الوطني، حيث يرفض اللبنانيون في كثير من المناطق الانجرار خلف التحريض الإسرائيلي. وتستمر محاولات الاحتلال لابتزاز الحكومة اللبنانية سياسياً عبر التهديد بمزيد من التدمير إذا لم تنصع لمطالبه الأمنية.

ويبقى مستقبل المنطقة معلقاً بين خيارين؛ إما القبول بالهيمنة الإسرائيلية التي تقوم على تفتيت الدول المجاورة، أو التمسك بالتعددية والكرامة الوطنية. إن صمود لبنان في وجه هذه الضغوط الطائفية يمثل حائط صد أمام مشاريع التوسع التي تستهدف الجغرافيا والإنسان على حد سواء.

ختاماً، يظل الوعي اللبناني بمخاطر اللعب على الوتر الطائفي هو الضمانة الوحيدة لإفشال مخططات الاحتلال. فبينما تهدم الآلة العسكرية القرى والمدن، يحاول المجتمع اللبناني ترميم ما أفسدته الحرب عبر التمسك بهويته الوطنية الجامعة ورفض الانقسام الذي يمهد الطريق للاحتلال.

أقلام وأراء

السّبت 25 أبريل 2026 10:20 صباحًا - بتوقيت القدس

الحرب كستار للفشل: قراءة في استراتيجية الهروب من الهزيمة السياسية

في القراءات التاريخية للنزاعات السياسية والعسكرية، تبرز ظاهرة لجوء القوى العاجزة عن تحقيق غاياتها إلى إعادة تعريف الواقع بدلاً من الاعتراف بالهزيمة. هذا النمط يتجلى بوضوح في السياسات التي تتبنى صناعة صراعات جديدة لإبقاء صورة القوة قائمة، حتى وإن كان ذلك على أنقاض الحقيقة والواقع الميداني.

تبدو المقاربة الإسرائيلية منذ عقود قائمة على استبدال الفشل في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى بتوسيع رقعة العمليات العسكرية. إن هذا التكثيف في ساحات الاشتباك المتجددة يهدف بالأساس إلى إخفاء العجز عن فرض نتائج نهائية ومستقرة على الأرض، رغم امتلاك ترسانة تكنولوجية وعسكرية متفوقة.

لقد أثبتت التجربة الطويلة أن القوة العسكرية، مهما بلغت سطوتها، لا تملك القدرة وحدها على حسم معارك تتعلق بالهوية والوجود والحق التاريخي. فالحروب المتكررة وسياسات العقاب الجماعي لم تنتج واقعاً سياسياً يضمن الأمن الدائم، بل كشفت عن عمق الأزمة البنيوية في منطق الاحتلال.

يقف القانون الدولي اليوم في حالة من العجز المشهود أمام تكرار استخدام القوة دون رادع حقيقي أو محاسبة دولية. المبادئ التي تأسست لحماية المدنيين ومنع الإبادة تواجه اختباراً قاسياً، حيث تُعلق فعاليتها أمام اعتبارات النفوذ السياسي وموازين القوى التي تفرضها الدول الكبرى.

يبرز الدعم الأمريكي المستمر للاحتلال كأحد أهم مظاهر الاختلال في النظام العالمي الحديث. فواشنطن، التي تقدم نفسها كراعية للقانون الدولي، تنحاز في كثير من الأحيان لمقاربة القوة، مما يحول المؤسسات الدولية إلى كيانات محدودة التأثير تكتفي بإصدار بيانات الإدانة الورقية.

إن الاعتماد المفرط على التفوق العسكري لا يؤدي إلى الاستقرار المنشود، بل يفتح الأبواب أمام دورات متنفذة ومتكررة من العنف. التاريخ يعلمنا أن إرادة الشعوب غالباً ما تكون أكثر صلابة من الحسابات العسكرية، لأنها تنبع من شعور عميق بالانتماء والحق الأصيل في الأرض.

في المشهد الفلسطيني، تبرز دلالات إنسانية وسياسية بالغة الأهمية تتجاوز حدود الجغرافيا. فرغم عقود من التهجير والحصار، بقي الفلسطينيون حاضرين في مدنهم ومخيماتهم، يعيدون ترميم ما هدمته الحرب، في رسالة واضحة بأن الشعوب لا تُقاس بما تملكه من سلاح بل بقدرتها على الصمود.

يتكرر هذا المشهد في لبنان بصيغ مختلفة، حيث يرفض المجتمع اللبناني الخضوع الكامل لمنطق العدوان رغم الأزمات الداخلية العميقة. الاعتداءات المتكررة لم تنجح في فرض حالة استسلام جماعي، بل عززت القناعة بأن الكرامة الوطنية لا يمكن مقايضتها بالخوف أو الإذعان للتهديدات العسكرية.

على صعيد إقليمي أوسع، تكشف المواجهة المتصاعدة بين المحور الأمريكي الإسرائيلي وإيران عن تعقيدات تستنزف الجميع دون تحقيق حسم نهائي. هذا الصراع المفتوح يؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، ويدفع العالم ثمن غياب الحلول السياسية العادلة والجذرية.

إن أخطر تداعيات استمرار هذه الحروب هو التآكل التدريجي لفكرة العدالة الدولية ومصداقية المنظومة العالمية. عندما يشعر العالم بأن القوانين تُطبق بانتقائية بحسب هوية الضحية أو الجاني، فإن الثقة في التعايش العالمي تبدأ بالانهيار، مما يهدد الاستقرار في مناطق بعيدة عن الصراع.

السؤال الجوهري الذي يطرحه الواقع الراهن ليس عن حجم القوة العسكرية، بل عن القدرة على بناء سلام مستدام وعادل. الاحتلال قد يفرض واقعاً مؤقتاً بقوة السلاح، لكنه يعجز تماماً عن محو الذاكرة الجمعية للشعوب أو إنهاء فكرة المقاومة المتجذرة في الوجدان.

في البعد القيمي، يبرز مفهوم الشهادة في الوعي الديني كعنصر محوري يغير النظرة التقليدية للخسائر البشرية. هذا المفهوم يعيد تعريف العلاقة بين الحياة والموت، حيث يُنظر إلى التضحية كجزء من سردية صمود طويلة ترى في العدالة الإلهية تعويضاً عن غياب العدالة الأرضية.

إن استخدام القوة المفرطة لا يحقق الحسم السياسي، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً عبر تعميق منطق المقاومة وإعادة إنتاج أسبابها. الموت في سبيل الكرامة يصبح في هذا السياق وسيلة لرفض الظلم، مما يجعل الحسابات العسكرية التقليدية غير قادرة على فهم دوافع الصمود.

في المحصلة، يبقى المسار الدموي مفتوحاً على تساؤلات حول إمكانية تحويله إلى أفق سياسي يعالج جذور الصراع. إن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يكون نتيجة للقوة، بل يجب أن يكون مؤسساً على العدالة التي تعيد الحقوق لأصحابها وتنهي دورات العنف المتكررة.

فلسطين

السّبت 25 أبريل 2026 10:20 صباحًا - بتوقيت القدس

تراجع حاد في مساعدات غزة عقب التصعيد الإقليمي والاحتلال يواصل خرق اتفاق التهدئة

أفادت مصادر صحفية دولية بأن إمدادات الغذاء والبضائع التجارية الموجهة إلى قطاع غزة شهدت تراجعاً حاداً في الآونة الأخيرة، وذلك في أعقاب اندلاع المواجهة العسكرية بين الاحتلال وإيران. وأوضحت التقارير أن القيود الإضافية التي فرضتها السلطات الإسرائيلية على المعابر البرية تسببت في إبطاء تدفق المساعدات وعرقلة حركة الشاحنات بشكل كامل في عدة مناسبات.

وتشير بيانات صادرة عن الأمم المتحدة إلى أن متوسط عدد شاحنات المساعدات التي تدخل القطاع يومياً لا يتجاوز حالياً 60 شاحنة، وهو انخفاض ملموس مقارنة بنحو 95 شاحنة كانت تدخل قبل التصعيد الإقليمي الأخير. وذكرت مصادر أن نسبة الانخفاض في تدفق الإغاثة وصلت في بعض الفترات إلى 80%، مما جعل الوضع الإنساني رهينة للتصعيد العسكري في المنطقة.

ولا تزال سلطات الاحتلال تمنع إدخال قائمة طويلة من المواد الأساسية الضرورية للحياة اليومية، وعلى رأسها مواد البناء والمعدات اللازمة لإزالة الركام، بالإضافة إلى مستلزمات طبية حيوية. وأعرب مسؤولون دوليون عن إحباطهم الشديد من تعطل المسارات الدبلوماسية التي كانت تهدف إلى توسيع نطاق المساعدات، مؤكدين أن الاحتلال يتنصل من التزاماته بفتح المعابر.

وعلى الصعيد الميداني، يواصل الجيش الإسرائيلي خروقاته لاتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ تنفيذه في العاشر من أكتوبر 2025 استناداً إلى خطة أمريكية لإنهاء الحرب. وحسب بيانات وزارة الصحة، فقد أسفرت هذه الخروقات عن استشهاد 972 فلسطينياً وإصابة أكثر من ألفين آخرين، مما يهدد بانهيار التهدئة الهشة التي جاءت بعد عامين من حرب الإبادة الجماعية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن حجم الدمار في قطاع غزة طال نحو 90% من البنية التحتية المدنية، في وقت يعاني فيه نحو 1.9 مليون نازح من ظروف معيشية كارثية. ورغم دخول الاتفاق حيز التنفيذ، إلا أن الاحتلال لم يلتزم بإدخال الكميات المتفق عليها من مواد الإيواء والمساعدات الغذائية، مما فاقم معاناة السكان الذين يتجاوز عددهم 2.4 مليون نسمة.

وفي سياق المسار السياسي، كان الرئيس الأمريكي قد أعلن في منتصف يناير الماضي عن بدء المرحلة الثانية من الاتفاق، والتي تتضمن بنوداً تتعلق بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية وتشكيل هياكل إدارة انتقالية. ومع ذلك، برزت أصوات يمينية داخل الحكومة الإسرائيلية تطالب باستئناف العمليات العسكرية الشاملة، مدعية رفض حركة حماس للالتزامات المتعلقة بنزع السلاح.

من جهتها، أكدت حركة حماس أنها تتعامل بجدية مع المقترحات المقدمة لتطبيق التزامات المرحلة الأولى والتحضير للنقاش حول ترتيبات المرحلة الثانية. ويأتي هذا التجاذب السياسي في وقت تزداد فيه الصعوبات اللوجيستية وتأثر مسارات الشحن في المنطقة بفعل التوترات العسكرية، مما يزيد من تعقيد وصول الإمدادات الإغاثية إلى القطاع المحاصر.

السّبت 25 أبريل 2026 10:05 صباحًا - بتوقيت القدس

جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية تُنجز مهامها الرقابية على الانتخابات المحلية في الضفة الغربية وقطاع غزة

أنجزت جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية، اليوم السبت، مهامها الرقابية على مجريات الانتخابات المحلية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة – دير البلح، وذلك بمشاركة 90 مراقباً ومراقبة مدرَّبين على أسس الرقابة المهنية وفق أعلى المعايير الدولية المعتمدة في هذا المجال. وقد شمل نطاق العمل الرقابي زيارة 95 مركز اقتراع في مختلف المناطق المستهدفة، وهو ما يمثّل حضوراً ميدانياً واسعاً يعكس جدية الجمعية في أداء مهمتها الرقابية. وتجدر الإشارة إلى أن الجمعية كانت قد سجّلت في مرحلة التحضير 130 مراقباً ومراقبة، بعد أن نالت اعتمادها رسمياً بوصفها هيئةً رقابيةً محليةً من قِبل لجنة الانتخابات المركزية، وخضع جميع المراقبين والمراقبات لبرامج تدريبية متخصصة أهّلتهم/نّ للاضطلاع بهذه المهمة بكفاءة واحترافية عالية.

أبدى فريق الرقابة تقديره للجهود الملموسة التي بذلتها لجنة الانتخابات المركزية في إدارة العملية الانتخابية، مُسجِّلاً جملةً من الملاحظات الإيجابية التي انعكست على مستوى التنظيم والإجراءات المتبعة داخل مراكز الاقتراع. وفي الوقت ذاته، رصد الفريق الميداني عدة مخالفات وإشكاليات تستوجب الإشارة إليها في هذا البيان.

على صعيد المخالفات الميدانية، وثّقت الجمعية 31 مخالفة (حتى وقت صدور البيان) على نظام الشكاوى الإلكتروني التابع للجنة الانتخابات المركزية، وذلك استناداً إلى ما رصده مراقبوها ومراقباتها على امتداد يوم الاقتراع. وتتوزع هذه المخالفات على عدة محاور؛ ففيما يتعلق بالدعاية الانتخابية، سُجِّلت محاولات ضغط وتوجيه من بعض المرشحين ووكلائهم/نّ على الناخبين في المحيط المباشر لمراكز الاقتراع، وهو ما يُشكّل استمراراً محظوراً للدعاية الانتخابية خلال يوم الاقتراع. وعلى صعيد إمكانية الوصول، تبيّن وجود قصور واضح في تهيئة عدد من مراكز الاقتراع لاستيعاب الأشخاص ذوي الإعاقة، مما أفضى إلى صعوبات فعلية في الوصول وخلق بعض مظاهر الفوضى في محيط تلك المراكز. وفيما يتعلق بالناخبين الأميين، رصد المراقبون والمراقبات خروقات من بعض مرافقيهم، تمثّلت في محاولة التأثير على توجهاتهم/نّ التصويتية بدلاً من الاقتصار على تقديم المساعدة الإجرائية المسموح بها قانوناً. كما سُجِّلت حالة انتحال هوية لإحدى الناخبات، تسبّبت في توتر داخل أحد مراكز الاقتراع وأربكت سير العملية لفترة من الوقت. وعلى صعيد الازدحام، أدى تكدّس الحشود أمام عدد من المراكز إلى صعوبات جدية في الوصول، لا سيما بالنسبة للنساء اللواتي واجهن عقبات إضافية في الوصول بيسر وأمان إلى مراكز الاقتراع.

وقد تولّت لجنة الانتخابات المركزية معالجة غالبية هذه المخالفات بصورة فورية عند الإبلاغ عنها، فيما واصلت فرق الرقابة متابعة الحالات المتبقية وتوثيقها وفق الإجراءات والآليات المعتمدة.

في سياق موازٍ لمهمتها الرقابية، تضطلع الجمعية بدور محوري ومتكامل في دعم مشاركة المرأة السياسية على المستوى المحلي، انطلاقاً من قناعتها الراسخة بأن التمثيل العادل للمرأة في الهيئات المنتخبة ركيزةٌ أساسية لأي مسار ديمقراطي حقيقي. وفي هذا الإطار، ترشّحت 113 امرأة من عضوات مجالس الظل النسوية والناشطات والمتطوعات في الجمعية للانتخابات المحلية الحالية، موزّعات على مختلف محافظات الضفة الغربية، وتتراوح أعمار غالبيتهن بين 23 و49 عاماً، فيما يعكس تنوعاً جيلياً في قاعدة المرشحات المدعومات. وتُمثّل عضوات مجالس الظل، البالغ عددهن 64 عضوة، نحو 57% من إجمالي المرشحات المدعومات، فيما تُمثّل الناشطات والمتطوعات، البالغ عددهن 49، نحو 43% من هذا الإجمالي. وقد خاضت 50 امرأة منهن الانتخابات في المجالس القروية بالنظام الفردي، مقابل 63 امرأة ضمن القوائم الانتخابية في المجالس البلدية.

والأكثر دلالةً في هذا السياق أن 69 امرأة من بين المرشحات يخضن تجربة الترشح للمرة الأولى في حياتهن، في حين سبق لـ 44 منهن المشاركة في انتخابات سابقة. وتُجسّد هذه الأرقام الأثر التراكمي لبرامج الجمعية في تعزيز الحضور السياسي للمرأة، وتوسيع قاعدة النساء الراغبات في الانخراط الفاعل في الشأن العام. وقد سبق ذلك تنفيذ سلسلة من اللقاءات التوعوية والتدريبات المتخصصة في القيادة وإدارة الحملات الانتخابية ومهارات التفاوض والتواصل وقانون الانتخابات المحلية، إلى جانب توثيق قصص عدد من المرشحات لتعريف المجتمع المحلي بهن وتعزيز فرص انتخابهن.

وفي إطار الدعم المؤسسي المستدام، أطلقت الجمعية عبر منتدى النوع الاجتماعي في الحكم المحلي "حاضنة دعم" للمرشحات، توفيراً للإسناد المهني والسياسي في مراحل ما قبل الانتخابات وخلالها وبعد الفوز، بما يُسهم في استدامة مشاركتهن وتحسين أدائهن داخل المجالس المحلية. كما دعت الجمعية المواطنين والمواطنات إلى التواصل عبر الرقم المجاني 1800606060 للإبلاغ عن أي خروقات أو انتهاكات تطال المرشحات أو تمسّ نزاهة العملية الانتخابية.

تُعدّ جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية من الجهات المؤسِّسة لائتلاف الرقابة الأهلية على الانتخابات منذ عام 2004-2005، وقد شاركت بانتظام بوصفها هيئةً رقابيةً محليةً في مختلف الدورات الانتخابية المتعاقبة، مما يُجسّد خبرتها المتراكمة ودورها الفاعل والمستمر في دعم المسار الديمقراطي الفلسطيني. كما شكّلت الجمعية خلال السنوات الماضية 109 مجالس ظل نسوية منتشرة في مختلف محافظات الضفة الغربية وقطاع غزة، لتكون منصات مجتمعية فاعلة في الرقابة على أداء الهيئات المحلية من منظور النوع الاجتماعي.

وتؤكد الجمعية التزامها الراسخ بمواصلة دورها بوصفها فاعلاً رئيسياً في تعزيز الديمقراطية التشاركية في فلسطين، من خلال تمكين المرأة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وتوسيع قاعدة المشاركة المدنية أمام جميع فئات المجتمع ولا سيما الشباب، والتأثير في السياسات العامة بما يكفل المساواة وعدالة التمثيل في مواقع صنع القرار المحلي، وبما يعكس إرادة الناخبين ويُعزّز ثقتهم/نّ بمؤسساتهم/نّ الوطنية.


تحليل

السّبت 25 أبريل 2026 9:46 صباحًا - بتوقيت القدس

عراقجي لا يخطط للقاء كوشنر وويتكوف في إسلام آباد والمحادثات في مهبّ الريح


واشنطن – سعيد عريقات – 25/4/2026

أعلنت الإدارة الأميركية أن المبعوث ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر سيتوجهان إلى باكستان لإجراء محادثات مباشرة مع مفاوضين إيرانيين بوساطة إسلام آباد، غير أن طهران سارعت إلى نفي وجود أي لقاء مقرر، مؤكدة أن ملاحظاتها ستُنقل عبر المسؤولين الباكستانيين. وبين الروايتين، يتكشف مجددًا حجم الفجوة بين الطرفين، ليس فقط حول شكل التفاوض، بل حول جوهره وإمكان نجاحه أصلًا.

قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن الإيرانيين هم من طلبوا هذا اللقاء المباشر، وإن الرئيس دونالد ترمب أوفد ويتكوف وكوشنر "لسماع ما لديهم"، معربة عن أملها في أن يفضي الاجتماع إلى تحريك المسار نحو اتفاق. لكن الخارجية الإيرانية نسفت هذا الانطباع سريعًا، حين أكدت أنه لا توجد خطط لاجتماع مع الوفد الأميركي، وأن ما لدى طهران سيُنقل إلى الوسطاء الباكستانيين فقط.

هذا التناقض لا يبدو مجرد سوء تنسيق إعلامي، بل يعكس أزمة أعمق في الثقة السياسية. ففي طهران، لا يُنظر إلى كوشنر وويتكوف بوصفهما موفدين محايدين أو قادرين على إدارة تفاوض جدي، بل باعتبارهما شخصيتين تفتقران إلى المعرفة الدقيقة بالملفات النووية والأمنية والإقليمية المعقدة. كما أن الإيرانيين لا ينسون أن الرجلين شاركا في مسارات سابقة، بينما كانا، وفق تقديرات واسعة في طهران، على اطلاع بالنوايا الإسرائيلية والأميركية لشن حرب على إيران في شهر حزيران الماضي، وكذلك في نهاية شباط الذي سبقه. ومن هنا ترى القيادة الإيرانية أن التفاوض مع من عرفوا بالتصعيد قبل وقوعه ينسف أي قاعدة للثقة.

وقد وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسلام آباد في زيارة قصيرة، قبل انتقاله إلى عُمان وروسيا لإجراء مشاورات أوسع. وتشير مصادر مطلعة إلى أن هدف الزيارة يتمثل في تمرير أفكار إيرانية عبر القناة الباكستانية، واختبار ما إذا كانت واشنطن مستعدة فعلًا لتغيير نهجها، أم أنها تكرر سياسة الجمع بين الضغط والتفاوض في آن واحد.

وفي موازاة ذلك، أفادت تقارير بأن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يقف على أهبة الاستعداد للتوجه إلى إسلام آباد في أي لحظة، إذا خلص الرئيس ترمب إلى أن الاتصالات بلغت مرحلة حاسمة وأن المسار التفاوضي بات مثمرًا. ويعكس هذا الترتيب رغبة البيت الأبيض في إبقاء خيار التدخل السياسي الرفيع جاهزًا، إذا ظهرت فرصة لاختراق سريع أو إعلان تفاهم أول.

وكانت الجولة السابقة من المحادثات قد تعثرت بعدما أعلنت إيران أنها غير جاهزة للمشاركة، فيما لم يغادر الوفد الأميركي واشنطن أصلًا. وبعد ذلك أعلن ترمب تمديد وقف إطلاق النار أسبوعين إضافيين في اللحظة الأخيرة، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها محاولة لمنح المسار الدبلوماسي فرصة أخيرة، من دون التخلي عن أدوات الضغط.

غير أن المؤشر الأكثر دلالة تمثل في تقارير تحدثت عن إعداد الجيش الأميركي خططًا جديدة لاستهداف قدرات إيرانية مرتبطة بمضيق هرمز، تشمل زوارق سريعة وأصولًا بحرية للحرس الثوري. كما لوّح ترمب علنًا بأن البحرية الأميركية “ستطلق النار وتقتل” أي زورق يزرع ألغامًا في المضيق. وبذلك تبدو الرسالة الأميركية مزدوجة: تفاوض على الطاولة، وتهديد في البحر.

هذا التناقض يفسر إلى حد بعيد الحذر الإيراني. فمن الصعب إقناع طهران بأن واشنطن تسعى إلى تسوية مستقرة، بينما تستمر في تطوير سيناريوهات المواجهة العسكرية. لذلك قد تنظر إيران إلى أي حوار جارٍ باعتباره أداة لشراء الوقت أو جمع المعلومات، لا مدخلًا لاتفاق دائم. وفي المقابل، يبدو أن إدارة ترمب تراهن على أن مزيج العقوبات والتهديد العسكري سيدفع الإيرانيين إلى تقديم تنازلات جوهرية.

كما أن اختيار باكستان وسيطًا يعكس حاجة الطرفين إلى قناة لا تثير حساسية مباشرة، لكن قدرة إسلام آباد تبقى محدودة إذا استمرت الهوة السياسية على حالها. فالوسيط يستطيع نقل الرسائل وتهدئة الأجواء، لكنه لا يستطيع صناعة الثقة المفقودة أو فرض تسوية على خصمين يتبادلان الشكوك.

أما اعتماد ترمب على شخصيات من دائرته الضيقة، مثل كوشنر وويتكوف، فيؤكد أن الملف الإيراني ما يزال يُدار بمنطق الولاء الشخصي أكثر من الخبرة التفاوضية المتخصصة. وهذا ما تلتقطه طهران جيدًا، فتتعامل مع القناة الحالية بوصفها امتدادًا مباشرًا لمزاج البيت الأبيض، لا مسارًا مؤسساتيًا مستقرًا يمكن البناء عليه.

وبحسب الخبراء، لا يتعلق رفض إيران لقاء كوشنر وويتكوف في إسلام آباد بالأسماء وحدها، بل برسالة سياسية أوسع مفادها أن طهران لن تمنح واشنطن صورة تفاوضية مجانية، ما لم تقترن الأقوال بتغيير حقيقي في السلوك. وحتى يحدث ذلك، ستبقى المحادثات معلقة بين التهديد والتكذيب، وبين الرغبة في الاتفاق واستحالة الوثوق بالطرف الآخر.

أقلام وأراء

السّبت 25 أبريل 2026 9:27 صباحًا - بتوقيت القدس

الحملات الانتخابية في زمن الذكاء الاصطناعي

تمر فلسطين بفترة استثنائية في موضوع الاستحقاقات الانتخابية المتتالية، مما أسفر عن تفاعل مزدحم على منصات التواصل الاجتماعي في الترويج للقوائم والأشخاص باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وغيرها، وهو أمر صحي يدلل على اهتمام شعبنا، وتحديداً شبابنا، بهذه التقنيات وتوجيهها بالطريقة الأمثل نحو تحقيق أفضل الممارسات لهذه التطبيقات والأدوات في خدمة المجتمع الفلسطيني، وتعزيز المشاركة الديمقراطية، ورفع مستوى الوعي السياسي والاجتماعي.

لكن، وللأسف، ظهرت أيضاً مشاهدات استخدمت فيها تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي بصورة سلبية، قائمة على تزييف المشاهد، واختلاق قصص بعيدة عن الواقع، بهدف الضرب بسمعة قائمة انتخابية أو أشخاص فيها، أو خلق حالة من البلبلة والتشويش بين الناس، خاصة في الفترات الانتخابية الحساسة التي يكون فيها الرأي العام سريع التأثر وسريع التفاعل وهو ما يميز مجتمعاتنا وتحديداً الريفية منها، حينها تتحول التكنولوجيا من أداة بناء إلى وسيلة هدم، ومن منصة للوعي إلى ساحة مفتوحة للتضليل والتشويه.

الذكاء الاصطناعي نفسه، الذي قد يُساء استخدامه في صناعة المحتوى المزيف، يمكن أن يكون إحدى أهم الأدوات في كشف هذا التزييف والحد من انتشاره، فهناك تطبيقات متقدمة قادرة على تحليل الصور والفيديوهات واكتشاف التعديلات غير الطبيعية فيها، مثل تقنيات كشف الـ Deepfake التي تستطيع رصد التلاعب في تعابير الوجه، أو عدم التناسق في حركة الشفاه، أو اختلاف الظلال والإضاءة، وهي تفاصيل قد لا يلاحظها الإنسان العادي.

من بين هذه الأدوات تطبيقات مثل Hive Moderation وReality Defender وDeepware Scanner، وهي منصات متخصصة في فحص الفيديوهات والصور وكشف المحتوى المفبرك، كما تعتمد بعض المؤسسات الإعلامية على أدوات مثل InVID للتحقق من صحة الفيديوهات المنتشرة على منصات التواصل، عبر تحليل الإطارات الأصلية ومصدر النشر الأول، بينما تساعد أدوات مثل Google Fact Check Explorer وTinEye في تتبع الصور ومعرفة إن كانت قديمة أو مأخوذة من سياق مختلف تماماً.

كما توجد أدوات تعتمد على تحليل النصوص، تستطيع مقارنة الأخبار المتداولة بالمصادر الأصلية والموثوقة، واكتشاف الأخبار المفبركة أو العناوين المضللة التي يتم تصميمها لجذب الانتباه وإثارة الرأي العام، فمثلاً، قد يتم تداول تصريح مزيف على لسان شخصية عامة أو مرشح انتخابي، وهنا يمكن للأنظمة الذكية أن تقارن بين الأسلوب اللغوي المعتاد للشخص وبين النص المنشور، وتحدد احتمالية التلاعب أو الانتحال.

وقد شهد العالم عدة تجارب بارزة في هذا المجال، ففي الانتخابات الأمريكية الأخيرة، استخدمت مؤسسات إعلامية كبرى وشركات تقنية أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة لرصد المقاطع المفبركة والتصريحات المزيفة التي انتشرت حول المرشحين، خاصة عبر منصات مثل فيسبوك وإكس وتيك توك. كما أن الاتحاد الأوروبي عمل على تطوير أنظمة رقابة رقمية لمتابعة المحتوى السياسي المضلل خلال الانتخابات البرلمانية، مع تعاون مباشر بين شركات التكنولوجيا وفرق التحقق الصحفي.

وفي الهند، أيضا، واجهت الانتخابات العامة تحدياً كبيراً بسبب انتشار المقاطع المزيفة، ما دفع السلطات والمؤسسات الإعلامية إلى استخدام تقنيات تحقق مدعومة بالذكاء الاصطناعي لرصد المحتوى المفبرك بسرعة قبل وصوله إلى ملايين المستخدمين. كما ظهرت مبادرات مستقلة من مؤسسات صحفية ومنظمات مجتمع مدني لمراقبة الحملات الرقمية المشبوهة.

وفي السياق الفلسطيني، يمكن لهذه الأدوات أن تساعد المؤسسات الإعلامية، والجامعات، والهيئات الرقابية، وحتى المواطنين أنفسهم، في التحقق من صحة المواد المتداولة قبل إعادة نشرها، كما يمكن للمنصات الرقمية المحلية أن تطور آليات إنذار مبكر ترصد الحملات المنظمة التي تستهدف التضليل السياسي أو الاجتماعي، خاصة في الفترات الحساسة المرتبطة بالانتخابات.

ولعل المثال الأوضح هو انتشار مقاطع فيديو مفبركة خلال الحملات الانتخابية، تُظهر أشخاصاً في مواقف لم تحدث أصلاً، أو تصريحات لم تصدر عنهم، أو صوراً قديمة يعاد تدويرها على أنها أحداث جديدة. هنا يصبح الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية، بل خط دفاع أول عن الحقيقة، وعن حق المواطن في الوصول إلى معلومة صحيحة غير مشوهة.

غير أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، فمهما تطورت أدوات الكشف والتحليل، يبقى الإنسان هو الحلقة الأهم في مواجهة التضليل. إن الدوافع الاجتماعية والوطنية والدينية تشكل وازعاً أساسياً ومهماً في الحد من هذه الظاهرة؛ فالمسؤولية الأخلاقية، والانتماء الوطني، والخوف من ظلم الآخرين، كلها عناصر يجب أن تسبق ضغطة زر “المشاركة” أو “النشر”. فليس كل ما يُرى يُصدق، وليس كل ما يُتداول حقيقة.

إن حماية المجتمع الفلسطيني من المعلومات المزيفة ليست مهمة تقنية فقط، بل مسؤولية جماعية تبدأ من الضمير، وتعززها المعرفة، وتحميها التكنولوجيا حين تُستخدم في الاتجاه الصحيح. وبين الوعي والأخلاق والذكاء الاصطناعي، يمكننا أن نبني فضاءً رقمياً أكثر صدقاً وعدالة ومسؤولية، وأن نجعل من الحملات الانتخابية مساحة للتنافس الشريف لا ساحة للتضليل والتشويه.

أقلام وأراء

السّبت 25 أبريل 2026 9:26 صباحًا - بتوقيت القدس

هل ما زال الإعلان الانتخابي يقنع الناخب.. أم أن الواقع المعيشي سبق الخطاب الرقمي؟

في الضفة الغربية لم يعد السؤال فقط عن مدى حضور الحملات الانتخابية على المنصات الرقمية، بل عن مدى قدرتها على لمس واقع الناخب الذي يعيش تحت ضغط اقتصادي يومي ومسؤوليات تتجاوز الخطاب السياسي التقليدي. في هذا السياق، يصبح التمييز بين الإعلان الممول والمنشور العادي مسألة أقل أهمية مما يعتقده القائمون على الحملات، لأن الناخب لم يعد يقيم الرسالة بناءً على شكلها، بل على قدرتها على التعبير عن واقعه الفعلي.

الناخب اليوم لا يسأل إن كان هذا الإعلان ممولًا أم لا، بل يسأل بشكل غير مباشر: هل هذا المرشح يفهم ما أعيشه؟ هل يتحدث بلغتي أم بلغة بعيدة عن تفاصيل حياتي اليومية؟ هنا يتحول الإعلان من أداة تأثير إلى اختبار مصداقية، لأن كثافة الإعلانات لم تعد تعني قوة الحملة، بل قد تعكس أحيانًا انفصالها عن الواقع؛ عندما يشعر الناخب أن الرسائل مكررة أو عامة أو مستوردة من نماذج تسويقية لا تشبه البيئة المحلية.

في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة في الضفة الغربية يتراجع تأثير الشكل لصالح المضمون، الناخب الذي يواجه تحديات تتعلق بالعمل والدخل والخدمات لا يتفاعل مع خطاب إنشائي، حتى لو كان مصوغًا باحترافية عالية، بل يبحث عن إشارات حقيقية تدل على فهم المرشح لهذه التحديات، وهذا ما يجعل كثيرًا من الحملات الرقمية تبدو كأنها تدور في فراغ، لأنها تركز على الظهور أكثر من التركيز على بناء علاقة حقيقية مع الجمهور.

المشكلة ليست في استخدام الإعلانات الممولة بحد ذاتها، بل في طريقة توظيفها، كثير من المرشحين ما زالوا يتعاملون مع المنصات الرقمية كلوحات إعلانية تقليدية يتم فيها عرض الشعارات والوعود، دون إدراك أن هذه المنصات تقوم على التفاعل والحوار وبناء الثقة على المديين القصير والطويل، هذا الاستخدام السطحي يجعل الناخب لا يشعر بقرب المرشح منه، بل على العكس قد يعزز شعوره بأن الخطاب موجه له بشكل اصطناعي، وليس نابعًا من فهم حقيقي.

في المقابل، عندما ينجح مرشح في استخدام المنصات بطريقة تعكس فهمًا للسياق المحلي، ويقدم محتوى يتحدث عن تفاصيل الحياة اليومية، ويظهر تفاعله مع الناس بشكل مباشر، يصبح الفرق واضحًا حتى لو لم يكن حجم إنفاقه الإعلاني كبيرًا، هنا لا يعود الإعلان هو العنصر الحاسم، بل طريقة بناء العلاقة الرقمية التي تتجاوز فكرة البيع السياسي إلى خلق شعور بالتمثيل.

ما يحدث فعليًا أن جزءًا من الناخبين في الضفة الغربية أصبح أقل حساسية تجاه الإعلانات الممولة بحد ذاتها، وأكثر حساسية تجاه مصداقية المحتوى، هذا التحول يعكس نضجًا نسبيًا في سلوك المستخدم الرقمي، لكنه في الوقت ذاته يكشف فجوة لدى كثير من المرشحين الذين لم يطوروا بعد استراتيجيات رقمية تتناسب مع هذا الوعي الجديد.

في النهاية، يمكن القول إن الإعلانات لم تفقد تأثيرها، لكنها فقدت قدرتها على الإقناع السريع الناخب، لم يعد يتأثر بمجرد الظهور، بل بطريقة الحضور، هل يشعر أن المرشح قريب منه فعليًا، أم مجرد صورة رقمية تحاول الوصول إليه؟ التحدي الحقيقي أمام المرشحين في الضفة الغربية ليس في زيادة الإنفاق الإعلاني، بل في إعادة تعريف كيفية استخدام المنصات الرقمية، بحيث تتحول من وسيلة عرض إلى مساحة تفاعل تعكس فهمًا حقيقيًا للناس، وليس فقط محاولة الوصول إليهم.

* باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي

أقلام وأراء

السّبت 25 أبريل 2026 9:25 صباحًا - بتوقيت القدس

سرديات ما لا يُكتب في محاضر الجنود (٥) المغيّر: اكتبوا ما شئتم.. الحقيقة ليست في محاضركم

قبسات


في المغير، لا تُدوَّن الوقائع كما يُراد لها أن تُفهم. تُختزل في لغةٍ إدارية صمّاء: اقتحام، اشتباك، إصابات. لكن ما لا يدخل في هذه اللغة هو البنية الأعمق للفعل: لحظة تحوّل الإنسان إلى شرطٍ لوجود المكان، لا مجرد ساكن فيه. هنا لا تكون الأحداث منفصلة، بل متصلة بخيطٍ واحد اسمه: معنى البقاء تحت ضغط الاقتلاع.

هجوم المستوطنين على مدرسة ذكور المغير لم يكن واقعة على مبنى، بل محاولة لاختبار إمكانية استمرار الحياة في طورها الأول. المدرسة ليست جدرانًا، بل زمنًا لم يُسمح له أن يكتمل. وحين هبّ الأهالي للتصدي، لم يكن ذلك فعل مواجهة فحسب، بل انكشافًا لمعنى الوجود حين يُختزل إلى جسدٍ يقف في مواجهة محوٍ محتمل.

في هذا الامتداد، ارتقى الطفل أوس نعسان، طالب الصف التاسع. في السرد الرسمي سيُختصر إلى رقمٍ في حدث، لكن في البنية الأعمق هو تكرار لمعنى لم ينقطع: ابن الشهيد حمدي، الذي ارتقى قبل سنوات في المشهد ذاته تقريبًا. هنا لا يعمل الزمن كخطٍّ متقدم، بل كبنية تكرار تُعيد اختبار الفكرة نفسها بأجساد مختلفة: هل يمكن للمعنى أن يستمر حين يُعاد إنتاج الفقد؟

أوس لا يطويه الموت. ما بعد الجسد ليس صمتًا مكتملًا، بل أثرًا معلّقًا. الدم الذي خضّب كوفيته لا يعمل كعلامة نهاية، بل كامتدادٍ لمعنى لم يُختتم. كأنّ الجسد، حين يتوقف، يترك خلفه طبقة من الوجود لا تنتمي إلى الحياة ولا إلى العدم، بل إلى ما بينهما.

وهنا، يقف شقيق أوس، كطفل يواجه سؤالًا يفوق عمره: كيف يُفهم الغياب حين يأتي دفعةً واحدة؟ في عينيه ارتباكٌ لا يجد لغة، ومحاولة أولى لالتقاط معنى الفقد قبل أن يكتمل وعيه به. هنا، لا يكون الحزن دموعًا فقط، بل بداية تشكّل وعيٍ قاسٍ بأن ما كان ثابتًا يمكن أن يختفي فجأة.

وبالتوازي، ارتقى الشاب جهاد مرزوق أبو نعيم. خروجه مع الأهالي لم يكن فعل قرار فردي، بل انخراطًا في لحظة يتداخل فيها الخاص مع العام حتى التلاشي. كان ينتظر طفلة، حياةً تتكوّن في مسارها الهادئ داخل بيته، لكنه في لحظة المواجهة انحاز إلى الحياة بوصفها معنى مهددًا، لا تجربة شخصية فقط. هنا يتحول الفعل من "اختيار" إلى ما يشبه الضرورة الوجودية: أن يكون الإنسان في موقعه حين يُختبر معنى وجوده.

رحل جهاد، وترك زوجته في شهرها الثامن. وما بين اكتمال الحياة داخليًا وانقطاعها خارجيًا، لا تنغلق الدلالة. الطفل القادم لا يبدأ من فراغ، إنما من اسمٍ محمّل بغيابٍ سابق، كأنّ الوجود لا يُولد من الصفر، بل من تراكم أثرٍ لم يُغلق.

وجهاد ليس معزولًا عن سياقه. هو ابن الفدائي أبو وحيد، الأسير المحرر، حيث سيرة لم تنته عند لحظة الخروج من القيد، بل استمرار لفكرة الحرية حين تتحول من حدثٍ فردي إلى ذاكرةٍ ممتدة داخل العائلة والمكان. هنا لا تنفصل التجربة عن أثرها، بل تتحول إلى بنية وعيٍ جماعيّ لا يُختصر في زمن الاعتقال أو التحرر.

في مقابل هذه اللغة التي تُغلق الوقائع داخل صيغٍ مكتملة، يخرج صوت الأب من خارج كل نظامٍ للتدوين. لا يقول شيئًا قابلًا للأرشفة، بل شيئًا يتشظى منها:

"تعجّلت الرحيل… بقي شهرٌ واحد لترى ابنتك التي انتظرتها خمسة عشر عامًا… لعلّك قلت إنك تراها في الجنة.

وجعنا كبير وأليم، لكنّنا صابرون لأنّنا ندرك أنك كنت تحمي أبناء قريتك وأنّ الهدف يستحق الشهادة.

ماذا أقول؟ هل أبكيك أم أزفّك؟ أنت من تقرر.

تركت فينا جرحًا عميقًا… ليتنا نحن من رحل.

من يقول لنا صباح الخير؟ من يمازح أمّه؟ من يأخذ الأطفال نزهة؟ لم تعد أختك تطل من شباكها، ولم يعد في السهرة من يخفف ثقلها.

هل نجلس على الرصيف أنا وأمك ننتظرك… أم لم يعد للانتظار جدوى؟".

هنا لا يعود الفقد فكرة، بل فجوة زمنية ملموسة بين حياةٍ كانت على وشك الاكتمال وانقطاعٍ مباغت. يتردّد الصوت بين البكاء والفخر،  كحالةٍ لا تستقر، يتكشّف ما تعجز اللغة الإدارية عن التقاطه: أنّ الغياب لا يُقاس فقط بمن رحل، بل بما تركه معلّقًا—تفاصيل صغيرة انطفأت فجأة، وأدوار يومية لم يعد من يحملها، وذاكرةٌ بدأت تفقد توازنها.

في مستشفى رام الله، تتبدّل اللغة بينما يبقى المعنى نفسه خارجها. جثمانان في الثلاجة، في حالة سكونٍ يشبه تعليق الزمن. في السجلات تُكتب كلمات مغلقة: نقل، حفظ، توثيق. لكن ما لا يُكتب هو أنّ المكان نفسه يتحول إلى منطقة تماس بين طبقتين من الوجود، حيث لا يكتمل الغياب ولا تستقر الحياة.

هناك، عند لمس الجدران الباردة، لا تعود الذاكرة فردية. تعود ذاكرة أقدم: أخي مناضل الذي استُشهد منذ عشرين عامًا، ووداعي له الذي لم يكتمل، بقي كجملةٍ مفتوحة في الداخل، لا تُغلقها السنوات. ليست استعادة، بل استمرار لبنية فقدٍ تتكرر كلما أعاد الواقع إنتاج صورته الأولى.

وفي مشهدٍ لا يُكتب في المحاضر، يجلس أبٌ واضعًا رأس ابنه بين يديه، كأنّ الموت لم يكتمل بعد. لا صراخ، فقط صمتٌ تحمله يدان ترفضان الفقد. هنا، تسقط اللغة مرةً أخرى؛ فلا " الاستشهاد" يُغلق المعنى، ولا الغياب يكتمل.

في المغير، لا تُفهم الوقائع كأحداث منفصلة، بل كاختبار متكرر لعلاقة الإنسان بمكانه. الاقتحام ليس بداية، والاستشهاد ليس نهاية، بل نقاط داخل حركة أوسع: حركة إعادة تعريف الوجود نفسه تحت ضغط الإلغاء.

وفي محاضر الجنود، تُغلق الجمل بسرعة.

أما هنا، فلا شيء يُغلق.

كل اسم يُكتب لا يختتم المعنى، بل يفتحه من جديد،

كأنّ الأرض نفسها ترفض أن تُختصر في روايةٍ واحدة.

فلسطين

السّبت 25 أبريل 2026 9:24 صباحًا - بتوقيت القدس

صوت من الجنة: رحيل الشيخ ناجي القزاز.. قيثارة السماء

الشيخ عزام الخطيب: رحيل الشيخ القزاز بعد 45 عاماً في خدمة المسجد يعد خسارةً كبيرةً ليس فقط للمسجد الأقصى بل لكل المسلمين

الشيخ عكرمة صبري: نشأ في أسرة توارثت شرف الأذان في المسجد الأقصى أباً عن جد، فكان امتداداً لصوت مبارك عُرف بالإخلاص والعذوبة

الشيخ محمد حسين: العمل في المسجد الأقصى ليس مجرد وظيفة، بل هو تكريم واصطفاء من الله، لما يمثِّله هذا المسجد من مكانة عظيمة في الإسلام

الشيخ يوسف أبو سنينة: عُرف بالهمة العالية والالتزام وتلقى العلوم الشرعية في قبة الصخرة المشرفة ودرس الفقه والأحكام حتى أصبح من أبرز مؤذني المسجد

العيساوي: ابتُلي الشيخ ناجي القزاز في أواخر حياته بالمرض ورغم ذلك كان حاضرًا لتلبية الواجب حتى في أصعب الظروف

الشيخ الدكتور محمد سليم: نال لقب شيخ المؤذنين الذي ورثه عن أجداده وله عظيم الأجر والرحمة من الله حسب ما بشرنا رسول الله

د. خالد أبو جمعة: حظي بمكانة خاصة لدى أهالي القدس وفلسطين بوصفه أحد الأصوات التي شكّلت جزءًا من الهوية الدينية للمسجد الأقصى



خاص بـ "القدس"-

ودَّعَت مدينة القدس ومآذن المسجد الأقصى المبارك، شيخ المؤذنين، الشيخ ناجي القزاز بعد مسيرة امتدت لأكثر من 45 عاماً، حافلة بالعلم العطاء والثبات، مسيرة يشهد لها بالخير كل من عرفه وسمع صوته.

بقلوب يملؤها الحزن والثقة برحمة الله، يستذكر من عايش الشيخ القزاز لحظات جمعتهم وإياه حفرت عميقاً في ذاكرتهم، يستحضرون تاريخ عائلة تولت مَهمة رفع نداء "الله أكبر" من مآذن مسرى رسول الله التي تأن تحت سيطرة الاحتلال.


مهمة شرَّفَهُ الله بها


يُؤكد الشيخ عزام الخطيب، رئيس مجلس أوقاف القدس ومدير عام دائرة الأوقاف الإسلامية وشؤون المسجد الأقصى المبارك، أن الشيخ ناجي القزاز كان من المُخلِصين للمسجد الأقصى المبارك، ومن حَفَظَة القرآن الكريم، ومن أصحاب الأصوات الندية، حيث أمضى أكثر من 45 عاماً في خدمة المسجد، في مهمة شرفية شرَّفَهُ الله سبحانه وتعالى بها.

ويوضح الخطيب أن دائرة الأوقاف الإسلامية عبَّرَت عن حُزنها العميق لفقدانه؛ لما عُرِفَ عنه من أخلاق حميدة وهدوء وسعة صدر، إضافة إلى التزامه الكامل في أداء مهامه داخل هذا الموقع الحساس، الذي يُعد من أهم مقدسات المسلمين.

ودعا الشيخ الخطيب أن يتغمد الله الفقيد القزاز بواسع رحمته ومغفرته، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدم للمسجد الأقصى المبارك، وأن يجعله من المقربين في جناته.

وأعرب الخطيب عن أمله في أن يواصل نجله الشيخ فراس القزاز المسيرة، مشيراً إلى أنه من حَفَظَة القرآن الكريم ومن أصحاب الأصوات الندية أيضاً، ويتمتع بأخلاق حميدة، وقد نهل من سيرة والده وقيمه.

ويختتم الخطيب حديثه بالتأكيد على أن رحيل الشيخ ناجي القزاز يعد خسارةً كبيرةً، ليس فقط للمسجد الأقصى، بل لكل المسلمين.



أسرة توارثت الأذان في "الأقصى" أباً عن جد


يقول خطيب المسجد الأقصى المبارك، رئيس الهيئة الإسلامية العليا، الدكتور الشيخ عكرمة صبري: إن الفلسطينيين يستحضرون سيرة الفقيد الحاج ناجي القزاز، الذي ارتبط صوته ارتباطاً وثيقاً بالمسجد الأقصى المبارك.

ويوضح الشيخ صبري أن علاقته بالفقيد تعود إلى عام 1978، حين كان يشغل منصب مدير الوعظ والإرشاد، وأن جد الفقيد، الحاج ناجي الكبير، الذي كان من الوجوه المعروفة في مدينة القدس آنذاك، اصطحب حفيده الشاب ناجي وطلب أن يخلفه في مهمة الأذان في المسجد الأقصى، حيث تقدم للاختبار وكان أهلاً لهذه المهمة، ليُعيَّن مُؤذِناً في المسجد الأقصى، ومذ ذلك الحين ظل صوته الندي يصدح بنداء "الله أكبر" في رحاب الأقصى وسماء القدس.

ويُشير الشيخ صبري إلى أن الحاج ناجي القزاز نشأ في أسرة توارثت شرف الأذان في المسجد الأقصى أباً عن جد، فكان امتدادا لصوت مبارك عُرف بالإخلاص والعذوبة.

ويوضح أن نجله الشاب الشيخ فراس القزاز يواصل اليوم هذه المسيرة، ويعرب عن أمله بأن يَمُد الله في عمره وأن تبقى هذه العائلة محافظة على هذا الإرث المبارك في خدمة المسجد الأقصى.

ويدعو الشيخ صبري إلى الترحم على الفقيد، سائلا الله أن يتغمَّدَه بواسع رحمته، وأن يبارك في من يخلفه، ويؤكد أن نداء "الله أكبر" سيبقى مجلجلًا في سماء القدس وفلسطين والمسجد الأقصى المبارك.



العزاء في استمرارية الرسالة


بدوره، يقول مفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين، إن المرحوم ناجي القزاز خدم المسجد الأقصى المبارك لأكثر من 45 عاماً، حيث ظل يرفع الأذان ويُصدح بذكر الله من رحاب الأقصى في مختلف الظروف، سواءً في أوقات الرخاء أو الشدة، مُجسداً نموذجاً للمؤذن المُلتزم والمُقرِئ المُخلِص.

ويشير الشيخ حسين إلى أن فقدانه يشكل خسارة حقيقية للمسجد الأقصى ومدينة القدس، ويؤكد أن الأقصى سيفتقد صوته وحضوره، لكنه سيبقى دائما قبلة لقلوب المسلمين ومحطّ اهتمام كل المخلصين للدين الإسلامي.

ويضيف أن العزاء يتمثّل في استمرار الرسالة، ويُعرب عن ثقته بأن نجله فراس سيكون خير خَلفٍ لخير سَلف، لما يتمتع به من التزام وأخلاق حميدة وصوت مميز في رفع الأذان وتلاوة القرآن الكريم داخل المسجد الأقصى المبارك.

ويدعو مفتي القدس إلى الترحم على الفقيد، سائلا الله أن يتغمَّدَه بواسع رحمته، وأن يعوض المسجد الأقصى ومدينة القدس خيرًا بفقدانه.

وفيما يتعلق بالجنازة، يوضح الشيخ حسين أنها كانت مهيبة وتعكس حجم الوفاء من أهالي القدس لكل من يخدم المسجد الأقصى، لا سيما في الوظائف الدينية كالأذان والتلاوة والإمامة والخطابة.

ويشدد على أن العمل في المسجد الأقصى ليس مجرد وظيفة، بل هو تكريم واصطفاء من الله، لما يمثله هذا المسجد من مكانة عظيمة في الإسلام، كونه القبلة الأولى وثالث الحرمين الشريفين، ويؤكد أن الانتساب إليه هو شرف عظيم ورسالة إيمانية لخدمة الدين والمقدسات.


جنازته شهادة على حب الناس له


يقول إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك، الشيخ يوسف أبو سنينة إن الحاج ناجي القزاز كان من رجالات المسجد الأقصى الذين أفنوا حياتهم في خدمته، ويشير إلى أن علاقته به تعود إلى الطفولة، حيث درسا معاً في المدرسة العمرية منذ الصفوف الابتدائية الأولى.

ويوضح أبو سنينة أن الفقيد التحق بالعمل مؤذناً في المسجد الأقصى المبارك عام 1978، ثم زامله في العمل بعد ذلك بسنوات، واستمرت هذه الزمالة حتى وفاته، ويؤكد أنه كان مثالاً للرجل صاحب الأخلاق الحسنة، واللسان الطيب، بعيداً عن الغيبة أو الإساءة للآخرين، ومواظباً على أداء واجباته دون تقصير.

ويضيف أبو سنينة أن الحاج ناجي القزاز عُرف بالهمة العالية والالتزام، وكان قد تلقى علوماً شرعية في قبة الصخرة المشرفة على يد الشيخ أبو إسماعيل، حيث درس الفقه والأحكام، واستمر في تطوير نفسه إلى جانب عمله في الأذان، حتى أصبح من أبرز مؤذني المسجد الأقصى.

ويشير إلى أن الفقيد ربَّى نجله فراس على هذا النهج، حيث بدأ بالأذان منذ صغره، ولا يزال يواصل اليوم هذه المهمة في المسجد الأقصى، في امتداد لمسيرة والده.

ويوضح الشيخ أبو سنينة أن الحاج ناجي كان محبوباً بين أهل القدس، وهو ما ظهر جلياً في الجنازة المهيبة التي خرجت من المسجد الأقصى، ويؤكد أن هذا الحب يعكس مكانته في قلوب الناس وتقديرهم لما قدّمه.

ويختتم أبو سنينة بالدعاء للفقيد بالرحمة والمغفرة، وأن يُسكِنَه الله فسيح جناته، وأن يجمعه مع الصالحين، ويؤكد أن الموت حقّ على كل إنسان، وأن سيرة الراحل ستبقى حاضرة في وجدان كل من عرفه.



ابتُلي في أواخر حياته بالمرض


يؤكد مساعد مدير المسجد الأقصى، مدير الوعظ والإرشاد، الشيخ خالد العيساوي ******** أن الشيخ الراحل ناجي القزاز كان كبير مؤذني المسجد الأقصى وشيخهم، وأنه عرف بتقواه وورعه وإخلاصه في أداء رسالته الدينية على مدار سنوات طويلة من الخدمة.

ويوضح العيساوي أنه عمل معه قرابة تسع سنوات، ولم يسجّل عليه خلالها أي تقصير أو تأخر في أداء واجباته، بل كان مثالاً للالتزام والانضباط، وحرص دائما على خدمة المسجد الأقصى وإقامة الشعائر الدينية فيه، إلى جانب تعامله الطيب وسهولة تعامله مع الناس.

ويضيف العيساوي أن الفقيد كان حاضرًا لتلبية الواجب حتى في أصعب الظروف، بما في ذلك فترات مرضه، حيث كان يستجيب لأي طارئ دون تردد، ما ترك أثراً طيباً وبصمة واضحة في قلوب كل من عرفه وعمل معه.

ويشير إلى أن الشيخ القزاز أُبتُلي في أواخر حياته بالمرض، داعيا الله أن يتغمَّده بواسع رحمته، ويلفت إلى أن الصلاة عليه في المسجد الأقصى مرتين تعكس مكانته ومحبة الناس له، وتعد دلالة على الرحمة التي حظي بها بإذن الله.

ويوضح العيساوي أن نجله الشيخ فراس القزاز سيواصل المسيرة، حيث كان سنداً لوالده خلال فترة مرضه، وتولّى جزءًا من مهامه، ويؤكد أن العائلة تمتلك إرثاً عريقاً في خدمة الأذان في المسجد الأقصى يمتد لأكثر من 700 عام.

ويشدد على أن الشيخ ناجي القزاز تميز بالتواضع والقرب من الناس، وكان مثالاً للنزاهة والعِفة، حيث عاش حياة كريمة شريفة، ولم يُعرف عنه إلا كل خير، ما جعله محل احترام ومحبة الجميع.

ويختتم العيساوي بالتأكيد على أن المسجد الأقصى سيفتقد هذا الصوت العذب وهذه القامة الدينية، كما سيفتقده المؤذنون ورواد المسجد ومحبو الأقصى، إلا أن أثره سيبقى حاضراً، سائلاً الله أن يكون من الناجين وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدم طوال أكثر من أربعة عقود في رفع الأذان وخدمة المسجد الأقصى المبارك.


صوته جزء من الهوية الدينية لـ"الأقصى"


يقول خطيب ومدرِّس المسجد الأقصى المبارك، د. خالد أبو جمعة: شيَّعَ المقدسيون شيخ مؤذني المسجد الأقصى المبارك الشيخ ناجي القزاز، الذي كان قلبه وروحه وجوارحه معلَّقة بالمسجد الأَقصى المبارك، رحل بعد مسيرة دينية حافلة امتدت أكثر من 45 عامًا قضاها في رفع الأذان وتلاوة القرآن الكريم في المسجد الأَقصى المبارك.

ويضيف أبو جمعة أنه لا يمكن لمن أكرمه الله بسكن المدينة المقدس إلا وأن تكون أذناه قد تعودتا على سماع ترتيل كتاب الله وصوت مؤذن المسجد الأَقصى المبارك الشيخ ناجي القزاز- رحمه الله.

ويؤكد أبو جمعة أنه برحيل القزاز يفقد المسجد الأقصى أحد وجوهه الصوتية المألوفة حيث ارتبط صوته النَّدي بوجدان المقدسيين والذي صدح به لعقود طويلة، وسيبقى حاضراً في ذاكرة المكان ورواده، وحاضراً في محرابه ومنابره، ناشراً روح الطمأنينة والإيمان بين المصلين، وشاهداً على مرحلة طويلة من العطاء والارتباط الوثيق بأحد أهم المعالم الدينية في العالم الإسلامي.

ويشير أبو جمعة إلى أن الشيخ القزاز حظي بمكانة خاصة لدى أهالي القدس خاصة وأَهل فلسطين عامَّة، بوصفه أحد الأصوات التي شكّلت جزءًا من الهوية الدينية للمسجد الأقصى.

ويضيف، ولا ننسى أَنَّه رحمه الله تعالى صاحب طريقة وأَداء خاصٍّ ومُميَّز في تلاوة القرآن، فعند سماعه بصوته الملائكيّ الذي يشنّف آذان المستمعين، نجد أَثر قراءته على وجوه أهل الإِيمان في المسجد الأَقصى، فلا نجدُ كلمات تصف الشيخ وتصف ما نشعر به عند سماع آيات الله تتلى بصوته.

ويرى أبو جمعة أن الشيخ رحل بعد رحلة إِيمانية روحية ومن الرباط والتواجد في جنبات المسجد الأقصى المبارك، قبلة المسلمين الأُولى ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويقول أبو جمعة: رحم الله شيخاً مقدسياً يرجو تجارة رابحة لن تبور، ونسأل الله عزوجل أن يكون له من اسمه نصيب، ونحن نعلم أن فضل قراءة القرآن والأدلة عليه ظاهرة بيَّنة في السنة النبوية الشريفة، فقد وردت الكثير من الأحاديث التي تُبين عظم فضل قراءة القرآن الكريم، ونيل مرتبة السَّفرة الكرام البَرَرة ما ورد عن أمّ المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- عن رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- أنّه قال: "الْماهِرُ بالقُرْآنِ مع السَّفَرَةِ الكِرامِ البَرَرَةِ، والذي يَقْرَأُ القُرْآنَ ويَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وهو عليه شاقٌّ، له أجْرانِ". رحمك الله يا شيخنا الفاضل وتعازينا لكل أسرتك ومحبيك ولعموم أَهل بيت المقدس".


نال ما لم ينله غيره


يقول خطيب المسجد الأقصى المبارك الدكتور الشيخ محمد سليم: الشيخ ناجي القزاز نال لقب شيخ المؤذنين، الذي ورثه عن أجداده، والذي وَرَّثَهُ لابنه من بعده. ونال ما لم ينله غيره بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هذا الخير والشرف الذي ناله: السؤدد والشرف يوم القيامة، النجاة من الغرق بالعرق يوم يغرق الناس بعرقهم في المحشر، كثرة الثواب وعظيم الرحمة التي ينالها من الله سبحانه، يُغفر له بعدد من سمعه من الإنس والجن، وكذلك يشهدون له، يستغفر له كل رطب ويابس، الأجر والثواب على الإقامة.

ويضيف الشيخ سليم: وإذا علمنا مضاعفة الأجور في المسجد الأقصى إلى ألف ضعف، فإننا حينئذ نغبط أخانا ناجي القزاز على عظيم ما يناله من الثواب والأجر والرحمة من الله تعالى، وحسبه من البشرى ذلك، حزن الناس على موته، والثناء والترحم عليه، فعليه رحمه الله وبركاته.

أقلام وأراء

السّبت 25 أبريل 2026 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس

بين رغبة واشنطن في التهدئة ورهان نتنياهو على استمرار الحرب/ مصطفى إبراهيم



تكشف التطورات الأخيرة المرتبطة بالمواجهة مع إيران عن مفارقة سياسية عميقة: إدارة أميركية تميل إلى إنهاء الحرب، مقابل قيادة إسرائيلية تحتاج إلى استمرارها. هذه ليست مجرد فجوة في التقدير، بل اختلاف في وظيفة الحرب ذاتها داخل كل نظام. بالنسبة لـ دونالد ترامب لم تعد الحرب أداة مريحة. صحيح أنه لا يتردد في التهديد بتدمير شامل، ولا يتخلى عن سياسة “الضغط الأقصى”، لكن المؤشرات تتزايد على أنه يسعى إلى مخرج سياسي، ولو كان مؤقتاً. فالحرب التي طالت أكثر مما ينبغي بدأت تتحول إلى عبء داخلي: تراجع في الشعبية، تشققات في الخطاب المحافظ، ومخاوف من التورط في سيناريو مفتوح لا يمكن ضبطه.


لكن هذا  "التعب" لا ينبغي تفسيره بوصفه نزعة سلمية. ما يريده ترامب، على الأرجح، ليس إنهاء الصراع بقدر ما هو إعادة تعريف أدواته: تقليص الكلفة المباشرة، تكثيف الضغط الاقتصادي، والإبقاء على التهديد العسكري كخيار جاهز. إنها محاولة للانتقال من حرب مكلفة إلى إدارة صراع منخفضة الكلفة وعالية التأثير.


في المقابل، يقف بنيامين نتنياهو في موقع مختلف تماماً. فالحرب، بالنسبة له، ليست عبئاً بل ضرورة سياسية. هي الإطار الذي يُعيد ترتيب أولويات الداخل، ويؤجل الأسئلة الصعبة، ويمنحه القدرة على التحكم في الإيقاع السياسي. لذلك، فإن أي تهدئة إقليمية – سواء في إيران أو لبنان – لا تُقرأ في إسرائيل بوصفها إنجازاً، بل كتهديد محتمل لتماسك الحكومة.


لكن هذه المفارقة لا تعني تعارضاً كاملاً بقدر ما تعكس إختلافاً في مستوى إدارة الصراع. فالهدنة التي يدفع بها دونالد ترامب لا تُعبّر عن رغبة في إنهاء الحرب، بل عن محاولة لإعادة ضبط إيقاعها وتقليل كلفتها، مع الإبقاء على أدوات الضغط قائمة. في المقابل، يحتاج بنيامين نتنياهو إلى استمرار هذا الإيقاع أو نقله إلى ساحات أخرى، لأن توقفه الكامل يفتح الباب أمام استحقاقات داخلية مؤجلة. وهكذا، لا يدور الخلاف حول الحرب ذاتها، بل حول توقيتها ووظيفتها وحدودها.


في الجبهة اللبنانية، تتضح الفجوة بين الخطاب والواقع. فخلافاً للصورة التي تُقدَّم للجمهور الإسرائيلي، لا يدور الحديث عن حرب واسعة النطاق، بل عن عمليات محدودة، بقوات أقل، وأهداف تكتيكية ضيقة. الانخراط البري محدود، الاعتماد الأكبر على النيران عن بُعد، والجيش يتجنب توسيع المواجهة إلى مستوى لا يستطيع تحمّله.


هذا النمط يعكس قيداً مزدوجاً: استنزاف واضح في القوات، وإدراك بأن أي تصعيد واسع قد يفتح مواجهة لا يمكن احتواؤها. ومع ذلك، تستمر السردية الرسمية في تضخيم حجم العمليات للحفاظ على صورة الردع. النتيجة هي حالة من الحرب المُدارة: لا حسم، ولا انسحاب، بل توازن هشّ يسمح باستمرار الاشتباك دون انفجار شامل. لكن هذا النوع من الحروب لا ينتج “نصراً” يمكن تسويقه داخليًا.


ويكتسب هذا التوصيف مصداقية إضافية حين يأتي من داخل الإعلام الإسرائيلي نفسه، حيث يجري الاعتراف بأن القتال الفعلي في لبنان يدور في نطاق محدود، “بمئات المقاتلين، لا آلاف أو عشرات الآلاف كما قد يعتقد الجمهور”، مع الإقرار بأن الوحدات القتالية “مرهقة، ولا يمكن تكليفها بمهام طموحة أكثر من اللازم”. والأهم أن هذا التقييم نفسه يشير إلى أنه رغم التفوق العسكري، “لا تظهر على حزب الله علامات انكسار”، ما يكشف مأزقاً مركباً: قوة نارية كبيرة بلا قدرة على الحسم.


هنا تحديداً تعود غزة إلى مركز المشهد. ليس لأن المعادلة العسكرية تغيّرت، بل لأن الحاجة السياسية للحرب ما زالت قائمة. فالحكومة الإسرائيلية، التي لم تستطع تحقيق أهدافها المعلنة، تجد نفسها أمام معضلة: كيف تبرر استمرار الحرب دون نتائج حاسمة، وكيف تنهيها دون أن تبدو مهزومة الحل، كما يبدو، هو إبقاء غزة في حالة “قابلية دائمة للاشتعال”. تسريبات عن تعاظم قوة حماس، ضربات تتجاوز خطوط التهدئة، واستعدادات عسكرية متواصلة – كلها مؤشرات على أن البيئة تُهيّأ لجولة جديدة.


في هذا السياق، ومع تصاعد الحديث عن تحركات نيكولاي ميلادينوف ولقاءاته مع حركة حماس في إطار نقاشات تتعلق بملف نزع السلاح، يلاحظ تزايد تركيز وسائل الإعلام الإسرائيلية على ما تصفه بـ“تعاظم قدرات حماس” وضرورة تفكيك بنيتها العسكرية.

ويبدو أن هذا التركيز المتجدد على ما يجري في غزة لا يمكن فصله عن الاعتبارات السياسية المحيطة، وقد يعكس – في جزء منه – تمهيداً لمرحلة ضغط جديدة على القطاع.


هذا التوازي بين المسار السياسي والخطاب الإعلامي لا يبدو عفوياً، بل يعكس محاولة لتهيئة بيئة ضغط مزدوجة: تفاوضية من جهة، وتحريضية من جهة أخرى، بما يعزز سردية مفادها أن أي تهدئة مستقبلية يجب أن تمر عبر شروط صارمة، في مقدمتها نزع السلاح.


لكن الأخطر من ذلك هو أن هذه السياسة لا تنفصل عن الواقع الإنساني الكارثي في القطاع. فاستمرار القصف، وسقوط المدنيين، وتدمير ما تبقى من مقومات الحياة، لم يعد مجرد “أثر جانبي” للحرب، بل جزء من معادلتها. بمعنى آخر: الضغط على المجتمع المدني يتحول إلى أداة ضمن إدارة الصراع.


وهنا تتقاطع السياسة مع ما يمكن وصفه بوضوح بأنه استخدام ممنهج للتجويع والتدمير كوسيلة ضغط، فالحرب على غزة لم تعد فقط مواجهة عسكرية، بل بنية متكاملة من السيطرة والإخضاع تُدار تحت غطاء أمني، لكنها تحمل أبعادًا أعمق بكثير.


في هذا السياق، لا تبدو الحرب حدثاً طارئاً، بل جزءاً من نمط حكم يعتمد على الأزمات المستمرة. قد تنجح واشنطن في فرض تهدئة مؤقتة هنا أو هناك، وقد تُفتح قنوات تفاوض مع إيران، وقد تستمر الجبهة اللبنانية ضمن حدودها الحالية. لكن ذلك كله لا يغيّر الحقيقة الأساسية: هناك من لا يستطيع تحمّل نهاية الحرب.


بالنسبة لنتنياهو، نهاية الحرب تعني العودة إلى الداخل: إلى الأسئلة المؤجلة، والإخفاقات غير المحسومة، والتوازنات السياسية الهشة. لذلك، فإن استمرار الحرب – بأي شكل، وفي أي جبهة – يصبح خياراً مفضلاً.

من هنا، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الحرب ستتجدد، بل: أين، ومتى، وبأي ذريعة؟ وفي ظل هذا المنطق، تبدو غزة المرشحة الدائمة لدفع الثمن. بهذا المعنى، لا تكون الهدنة نقيض الحرب، بل أحد أشكالها المؤقتة.

فلسطين

السّبت 25 أبريل 2026 9:06 صباحًا - بتوقيت القدس

رحيل يورغن هابرماس.. الفيلسوف الذي سقطت نظرياته عند حدود غزة

غيب الموت الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني البارز يورغن هابرماس، الذي رحل عن عمر ناهز 96 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً فكرياً عميقاً جعله واحداً من أهم منظري مدرسة فرانكفورت النقدية في العصر الحديث. عُرف هابرماس بلقب 'الأوروبي الأخير' لتمسكه بمبادئ التنوير الأوروبية، وقد أثرت نظرياته، وعلى رأسها 'الفعل التواصلي'، في أجيال من الباحثين والسياسيين حول العالم.

ولد هابرماس في مدينة دوسلدورف عام 1929، ونشأ في ظل الصعود النازي الذي شكل وعيه السياسي الأول بطريقة قاسية. انخرط في شبابه كمساعد في وحدات الدفاع الجوي خلال الحرب العالمية الثانية، وهي التجربة التي وصفها لاحقاً بأنها كانت العيش في ظل 'نظام إجرامي' قاد المجتمع نحو البربرية، مما دفعه للبحث عن أسس عقلانية للديمقراطية.

بدأت مسيرته الأكاديمية في جامعات غوتينغن وبون، حيث حصل على الدكتوراه عام 1954، قبل أن تلفت كتاباته انتباه الفيلسوف تيودور أدورنو. انضم هابرماس إلى معهد البحوث الاجتماعية في فرانكفورت، ليبدأ تطوير منهجه في التحليل النقدي للمجتمع، الهادف إلى كشف آليات الهيمنة والأيديولوجيات التي تقيد حرية الإنسان.

رغم كونه مرشداً فكرياً لحركات الاحتجاج الطلابية في الستينيات، إلا أنه اصطدم مع الراديكاليين منهم، واصفاً أساليبهم بـ 'الفاشية اليسارية'. هذا الموقف عكس طبيعته الفلسفية التي تميل إلى الحوار العقلاني والمؤسساتي بدلاً من الثورة العنيفة، وهو ما وثقه في كتابه الشهير 'الثورة الزائفة وأبناؤها'.

في عام 1981، نشر هابرماس عمله الموسوعي 'نظرية الفعل التواصلي'، الذي سعى من خلاله إلى تأسيس أخلاقيات تعتمد على اللغة والتفاهم المتبادل. كانت هذه النظرية تهدف إلى خلق فضاء عام ديمقراطي يتحرر فيه الأفراد من سلطة المال والقوة، ويحتكمون فيه فقط إلى 'قوة الحجة الأفضل'.

خاض الفيلسوف الراحل معارك فكرية كبرى، أبرزها 'جدل المؤرخين' في الثمانينيات، حيث تصدى لمحاولات التقليل من فظاعة المحرقة النازية. اعتبر هابرماس أن الهولوكوست جريمة فريدة لا يمكن مقارنتها بجرائم أخرى، وهو الموقف الذي ظل يحكم رؤيته السياسية والأخلاقية حتى نهاية حياته.

على الصعيد السياسي الدولي، دعم هابرماس تدخل حلف شمال الأطلسي في كوسوفو عام 1999، مبرراً ذلك بضرورة حماية حقوق الإنسان وفق القانون الدولي. كما كان مدافعاً شرساً عن الوحدة الأوروبية، داعياً إلى تحويل الاتحاد الأوروبي إلى ديمقراطية عابرة للحدود الوطنية تتجاوز مفهوم الدولة القومية التقليدي.

في سنواته الأخيرة، لم يتوقف هابرماس عن الاشتباك مع القضايا الراهنة، حيث انتقد في كتابه الصادر عام 2024 سيطرة 'منطق الحرب' على النخب الغربية. وحذر من غياب الأفق السياسي في الحرب الأوكرانية، معتبراً أن الغرب فشل في تقديم مبادرات دبلوماسية مبكرة لوقف النزيف المستمر.

إلا أن المحطة الأكثر جدلاً في مسيرة هابرماس كانت موقفه من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي بدأت في أكتوبر 2023. فقد وقع بياناً بعنوان 'مبادئ التضامن'، دافع فيه بقوة عن العمليات العسكرية الإسرائيلية، معتبراً حماية 'الحياة اليهودية' التزاماً ألمانياً لا يقبل النقاش.

أثار هذا البيان صدمة في الأوساط الثقافية العربية والدولية، حيث رأى نقاد أن هابرماس ناقض نظرياته حول 'الفعل التواصلي' و'العقلانية'. فقد اعتبر الفيلسوف أن توصيف ما يجري في غزة بـ 'الإبادة الجماعية' هو أمر غير مقبول، مما وضعه في مواجهة مع مفكرين رأوا في موقفه انحيازاً أعمى للاحتلال.

أفادت مصادر أكاديمية أن موقف هابرماس الأخير عكس أزمة الفلسفة الغربية في التعامل مع الدم الفلسطيني، حيث سقطت الكونية المدعاة أمام اختبار الواقع. واعتبر مراقبون أن الفيلسوف الذي قضى حياته ينظر للحوار، فضل الصمت أو التبرير أمام آلة القتل التي تستهدف المدنيين في غزة ولبنان.

يرى منتقدوه أنه تخلى عن الإرث النقدي لمدرسة فرانكفورت ليتحول إلى مدافع عن 'الوضع الراهن' والسياسات الرسمية الألمانية. هذا التحول اعتبره البعض 'انتحاراً أخلاقياً' لنظام فكري طالما ادعى الدفاع عن المظلومين وكشف آليات القمع والاضطهاد في العالم الحديث.

رغم بلوغه التسعينات، ظل هابرماس 'متيقظاً فكرياً' حتى أيامه الأخيرة، يتابع التحولات الدولية بقلق وتوجس. وقد حظي بتكريمات عالمية عديدة، حتى أن اسمه أطلق على كويكب في الفضاء عام 1999، تقديراً لإسهاماته التي تجاوزت حدود القارة الأوروبية لتصل إلى آفاق كونية.

يرحل هابرماس اليوم تاركاً خلفه تساؤلات كبرى حول جدوى الفلسفة إذا عجزت عن الانتصار للإنسان في لحظات الحقيقة. ستبقى 'سقطة غزة' نقطة سوداء في تاريخ هذا المفكر، وتذكيراً دائماً بأن العقلانية التواصلية قد تتحول إلى أداة للإقصاء عندما تصطدم بحدود المصالح السياسية والعقد التاريخية.

أقلام وأراء

السّبت 25 أبريل 2026 7:35 صباحًا - بتوقيت القدس

مضائق الصراع: من حروب الإمبراطوريات القديمة إلى أوراق الضغط الإيرانية

يعود تاريخ الصراع على الممرات المائية الدولية إلى نحو ألف عام قبل الميلاد، حيث كان الخليج يمثل الشريان الحيوي للتجارة العالمية بين الإمبراطوريات الناشئة. وقد شهدت تلك الحقبة تنافساً محموماً بين الحضارات الفارسية والإغريقية ثم الرومانية البيزنطية للسيطرة على هذا الممر الذي يربط قارتي آسيا وأوروبا، ويمد الشرق الأوسط بالموارد الخام والمصنعة.

مع بزوغ فجر الإسلام وتوسع الدولة المركزية في مكة والمدينة، برز البحر الأحمر كمنافس استراتيجي لمضيق هرمز، ليصبح شرياناً تجارياً أكثر جاذبية بانفتاحه على رقعة جغرافية واسعة. هذا التحول التاريخي تعزز لاحقاً في القرن التاسع عشر بافتتاح قناة السويس، التي ربطت المحيط الهندي بالبحر المتوسط، وجمعت بين جنوب الكرة الأرضية وشمالها في مسار ملاحي واحد.

إن الصراع الحالي حول نفوذ القوى الكبرى في المنطقة يعيد إلى الأذهان الصدامات القديمة بين بيزنطة وبلاد فارس وحلفائهم من الغساسنة والمناذرة. فالمضايق البحرية، مثل هرمز وباب المندب، لم تكن مجرد ممرات للسفن، بل كانت دائماً حلقة وصل استراتيجية تحدد موازين القوى السياسية والاقتصادية بين الشرق والغرب عبر العصور المختلفة.

في العصر الحديث، تحول مضيق هرمز إلى ساحة مواجهة مباشرة نتيجة الضغوط الدولية والحصار المفروض على إيران بسبب ملفها النووي. وتجد طهران في موقعها الجغرافي المطل على المضيق وسيلة للرد على الابتزاز الغربي، حيث تضيق المساحات الملاحية لتجعل السفن الدولية تحت المراقبة المباشرة والسيطرة الإيرانية في الحالات القصوى.

على الرغم من أن القوانين الدولية تقضي بحرية الملاحة وعدم فرض رسوم مرور في المضايق الدولية، إلا أن التوترات السياسية دفعت نحو التلويح بمبدأ المعاملة بالمثل. وتستغل إيران حالة ترهل القوانين الدولية والعدوان الاقتصادي الممارس ضدها لتحويل المضيق إلى ورقة تفاوضية قوية تهدف من خلالها إلى تحصيل مكاسب سياسية واقتصادية على طاولة المفاوضات.

إن الأهمية الجيوسياسية لهذه الممرات المائية تزداد تعقيداً مع تداخل المصالح العسكرية والتجارية، حيث تظل السفن الحربية والتجارية على مرمى حجر من السواحل الإقليمية. وهذا الواقع يفرض تحديات مستمرة على استقرار الملاحة العالمية، ويجعل من التحكم في المضايق هدفاً استراتيجياً يتجاوز مجرد تنظيم حركة التجارة إلى فرض الإرادات السياسية.

عربي ودولي

السّبت 25 أبريل 2026 7:05 صباحًا - بتوقيت القدس

سباق التسلح في شرق آسيا: اليابان تعزز قدراتها الصاروخية وبكين تحذر من 'نزعة عسكرية' جديدة

تشهد منطقة شرق آسيا حالة من الغليان السياسي والعسكري بين اليابان والصين، حيث تبرز ملامح تصعيد جديد يهدد بجر القوتين إلى دوامة من الأزمات المتلاحقة. ويأتي هذا التوتر في ظل إرث تاريخي ثقيل لا يزال يلقي بظلاله على الحاضر، مما يعقد أي محاولات للتهدئة أو التفاهم المستقبلي بين الجارين اللدودين.

وفي خطوة ميدانية لافتة، أقدمت السلطات اليابانية على نشر أول صاروخ من تطويرها المحلي المعروف باسم 'تايب 25' في معسكر كينغون بمحافظة كوماماتو. ويتميز هذا الصاروخ بمدى يصل إلى نحو 600 ميل، وهو ما يضعه في موقع استراتيجي يمكنه من استهداف حواضن صينية كبرى وحيوية مثل مدينة شنغهاي.

ويرى مراقبون أن نشر هذه المنظومات في جزر ريوكيو سيجعل الساحل الشرقي للصين بالكامل ضمن نطاق النيران اليابانية، وهو تحول نوعي في العقيدة العسكرية لطوكيو. ولم تكتفِ اليابان بذلك، بل عززت ترسانتها بنشر قذيفة الانزلاق فائقة السرعة 'HVGP' في قاعدة أميركية قريبة من العاصمة، لتمثل أول سلاح فرط صوتي يدخل الخدمة الفعلية.

تتزامن هذه التحركات العسكرية مع ترتيبات دبلوماسية حساسة، حيث يستعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب للتوجه إلى بكين لعقد قمة مرتقبة مع نظيره الصيني شي جينبينغ. وبما أن اليابان تعد الحليف الاستراتيجي الأبرز لواشنطن في المنطقة، فإن بكين تنظر إلى هذه التطورات العسكرية كجزء من رؤية أميركية أوسع لمحاصرتها.

وقد أبدت بكين حساسية مفرطة تجاه التصريحات السياسية الصادرة من طوكيو، خاصة تلك المتعلقة بملف جزيرة تايوان الشائك. حيث اعتبرت رئيسة الوزراء اليابانية تاكايتشي أن أي تدهور أمني حول تايوان يمثل 'أزمة وجودية' لليابان، وهو ما قوبل برفض صيني قاطع وحاد.

وتشدد الصين في كافة المحافل الدولية على أن تايوان جزء لا يتجزأ من سيادتها الوطنية، وتعتبر الالتزام بمبدأ 'الصين الواحدة' شرطاً لا يقبل التفاوض. وترى مصادر دبلوماسية أن التصريحات اليابانية الأخيرة تجاوزت الخطوط الحمراء التي رسمتها بكين لإدارة علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية.

إن جذور الخلاف بين البلدين ليست وليدة اللحظة، بل هي محكومة بحزازات تاريخية تعود إلى فترة الحرب الثانية التي استمرت ثماني سنوات. ولا تزال أحداث مثل مذبحة 'نانجينغ' تشكل جرحاً غائراً في الذاكرة الجمعية الصينية، حيث تتهم بكين طوكيو بعدم تقديم اعتذار كافٍ وصادق عن جرائم الماضي.

وعلى الجانب الآخر، تصر اليابان على أنها قدمت اعتذارات متكررة، وتتهم الصين أحياناً بتوظيف التاريخ لتحقيق مكاسب سياسية في الحاضر. هذا التراشق التاريخي يغذي النزعات القومية في كلا البلدين، ويجعل من الصعب بناء جسور ثقة متينة تصمد أمام التحديات الجيوسياسية الراهنة.

وإلى جانب التاريخ، يبرز النزاع الإقليمي على جزر 'سينكاكو' أو 'دياويو' كمحرك رئيسي للتوتر في بحر الصين الشرقي. وتكمن أهمية هذه الجزر في موقعها الاستراتيجي الذي يتيح السيطرة البحرية، بالإضافة إلى التوقعات بوجود موارد ضخمة من النفط والغاز في المناطق المحيطة بها.

كما تلعب المنافسة الاقتصادية دوراً محورياً في تأجيج الصراع، حيث تشعر طوكيو بالقلق من الصعود الصاروخي للصين في النظام المالي العالمي. ورغم أن اليابان تظل ركيزة أساسية في الرأسمالية العالمية، إلا أن النفوذ الصيني المتزايد في الأسواق الآسيوية يخلق روحاً تنافسية شرسة تتجاوز حدود التجارة.

وفي تبريره للتحركات الأخيرة، صرح وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي بأن هذه التعزيزات تهدف إلى رفع قدرة الردع الوطنية. ووصف كويزومي البيئة الأمنية الحالية بأنها الأكثر تعقيداً وخطورة منذ نهاية الحرب الباردة، مما يستوجب إعادة هيكلة شاملة للقوات المسلحة اليابانية.

في المقابل، ترفض وزارة الخارجية الصينية هذه التبريرات، وتعتبر أن الصواريخ بعيدة المدى تتجاوز مفهوم الدفاع عن النفس لتصبح أسلحة هجومية. وحذرت بكين من أن ما وصفته بـ'النزعة العسكرية الجديدة' في اليابان يهدد الاستقرار الإقليمي ويلقي بظلال قاتمة على مستقبل السلام في القارة الآسيوية.

ويبدو أن اليابان تمضي قدماً في صياغة استراتيجية أمن قومي جديدة تتماشى مع المتغيرات العالمية المتسارعة وغياب اليقين في النظام الدولي. وتسعى طوكيو من خلال ذلك إلى موازنة الحضور العسكري الصيني الطاغي، والذي تجلى بوضوح في الاستعراضات العسكرية الضخمة التي نظمتها بكين مؤخراً.

إن خطورة هذا المشهد التصادمي تكمن في تمدد آثاره إلى منطقة 'الإندوباسيفيك' برمتها، حيث تتصاعد المشاعر الوطنية والشعبوية. ومع استمرار سباق التسلح وتبادل الاتهامات، يبقى التنبؤ بمآلات هذا الصراع أمراً صعباً، في ظل منطقة باتت تقف فعلياً في مرمى نيران القوى الكبرى.

فلسطين

السّبت 25 أبريل 2026 6:51 صباحًا - بتوقيت القدس

بين الشجاعة الإسبانية والتردد الأوروبي: لماذا تفشل القارة في محاسبة إسرائيل؟

وضعت أنياس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، الدول الأوروبية أمام مرآة مسؤولياتها الأخلاقية، متسائلة عن سبب عجز القارة عن اتخاذ مواقف حازمة تجاه الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي. وأشارت كالامار في تصريحات حديثة إلى أن النموذج الإسباني يثبت إمكانية المقاومة السياسية والتمسك بالمعايير الدولية، معتبرة أن ما يمنع بقية العواصم هو حالة من التخاذل غير المبرر أمام الهجمات التي تستهدف قيم التعاون العالمي.

وفي الوقت الذي أصدرت فيه منظمة العفو تقريرها السنوي المندد بسياسات قادة مثل نتنياهو وترامب وبوتين، وصفت المنظمة تحركاتهم بأنها 'هجمات افتراسية' تهدف لهدم النظام الدولي القائم منذ الحرب العالمية الثانية. ودعت المنظمة المجتمع الدولي إلى التوقف عن مهادنة هؤلاء الساسة الذين يسعون لفرض نظام بديل يقوم على العنصرية واللامساواة، محذرة من أن الصمت الحالي ينذر بمصير سيئ للإنسانية جمعاء.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، كشفت كواليس اجتماعات وزراء الخارجية الأوروبيين عن انقسام حاد، حيث اصطدمت محاولات تعليق اتفاقية الشراكة الاقتصادية مع إسرائيل بجدار الرفض الألماني والإيطالي. ورغم الدعم الذي قدمته دول مثل إسبانيا وإيرلندا وسلوفينيا لهذا المقترح، إلا أن حق النقض حال دون اتخاذ إجراء عقابي فعلي، متجاهلاً عريضة شعبية وقعها أكثر من مليون مواطن أوروبي يطالبون بمحاسبة إسرائيل على جرائمها في غزة والضفة ولبنان.

وتكشف لغة الأرقام عن حجم النفوذ الاقتصادي الذي يمتلكه الاتحاد الأوروبي، كونه الشريك التجاري الأول لإسرائيل في العالم بمبادلات سنوية تتخطى 42 مليار يورو. وتمثل هذه التجارة شريان حياة للدولة العبرية، إذ تشكل 34% من وارداتها و29% من صادراتها، مما يعني أن استخدام السلاح الاقتصادي كفيل بإجبار تل أبيب على الإصغاء لصوت العقل والالتزام بالقرارات الدولية التي دأبت على استحقارها.

وتتصدر ألمانيا قائمة الشركاء التجاريين لإسرائيل داخل الاتحاد الأوروبي بحجم تبادل يصل إلى 7.5 مليار يورو، تليها هولندا وإيرلندا وإيطاليا بمبالغ متفاوتة. والمفارقة تكمن في أن إسرائيل، رغم اعتمادها الكبير على السوق الأوروبية، لا تمثل وزناً اقتصادياً ضخماً للاتحاد، حيث لا تتجاوز المبادلات معها 1% من إجمالي التجارة الأوروبية، مما يعزز فرضية أن العائق هو 'عقدة الخوف' السياسية لا المصلحة الاقتصادية البحتة.

وفي الشق العسكري، تبرز ألمانيا كداعم رئيسي، حيث تعد المزود الثاني للسلاح لإسرائيل بعد الولايات المتحدة، مؤمنةً نحو ثلث احتياجاتها العسكرية. وقد منحت برلين تراخيص تصدير أسلحة لشركاتها بقيمة 580 مليون يورو في الفترة الممتدة من أكتوبر 2023 وحتى نهاية 2025، وهو ما يضعها في موقع الشريك المباشر في تعزيز القدرات العسكرية الإسرائيلية وسط الانتقادات الدولية الواسعة.

أما بقية القوى الأوروبية مثل فرنسا وإيطاليا، فتظهر بياناتها مساهمات عسكرية أقل بكثير، حيث لم تتجاوز الصادرات الفرنسية 16 مليون يورو في عام 2024. ويؤكد هذا التباين في الأرقام والمواقف أن الأزمة الحقيقية تكمن في 'الجبن الأخلاقي' المتوارث بين الحكومات الأوروبية، والذي يمنعها من تحويل ثقلها الاقتصادي إلى أداة ضغط فعالة لوقف الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان في المنطقة.

فلسطين

السّبت 25 أبريل 2026 5:50 صباحًا - بتوقيت القدس

الفلسطينيون يتوجهون لصناديق الاقتراع: انتخابات محلية بالضفة ودير البلح تكسر غياباً دام 22 عاماً

بدأ الناخبون الفلسطينيون، صباح اليوم السبت، التوجه إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في الهيئات المحلية، في عملية انتخابية تشمل 183 هيئة موزعة بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وتكتسب هذه الدورة الانتخابية أهمية استثنائية مع شمولها مدينة دير البلح في القطاع، لتكون المرة الأولى التي يمارس فيها سكان المدينة حقهم الانتخابي المحلي منذ ما يزيد عن عقدين من الزمن.

ودعت لجنة الانتخابات المركزية نحو مليون و40 ألف ناخب وناخبة للمشاركة في هذا الاستحقاق، وهو ما يعادل 67% من إجمالي المسجلين في سجل الناخبين العام. وقد تم اختيار مدينة دير البلح لتكون الممثل الوحيد لقطاع غزة في هذه المرحلة نظراً لكونها المنطقة الأقل تضرراً من الناحية الإنشائية واللوجستية جراء الحرب الإسرائيلية التي عصفت بالقطاع على مدار العامين الماضيين.

وأكدت مصادر من لجنة الانتخابات المركزية استكمال كافة الترتيبات الفنية والإدارية لضمان سير يوم الاقتراع بسلاسة، حيث فتحت المراكز أبوابها في تمام الساعة السابعة صباحاً. ومن المقرر أن تستمر عملية التصويت حتى الساعة السابعة مساءً، لإتاحة الفرصة أمام أكبر عدد من المواطنين للإدلاء بأصواتهم في مراكز الاقتراع المنتشرة في مختلف المحافظات.

وتعتمد آلية التصويت الحالية على الحضور الشخصي للناخب وإبراز الهوية الفلسطينية الرسمية كشرط أساسي للمشاركة، مع اتباع نظام القوائم في المجالس البلدية. كما وضعت اللجنة ضوابط صارمة لضمان سرية ونزاهة العملية، شملت منع إدخال الهواتف المحمولة إلى غرف الاقتراع، وتوفير تسهيلات خاصة لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة عبر مرافقين معتمدين.

وفي خطوة تنظيمية، أعلنت اللجنة أنها ستصدر تقارير دورية كل ثلاث ساعات للكشف عن نسب المشاركة في مختلف الدوائر الانتخابية، لابقاء الجمهور على اطلاع بمسار العملية. ومن المنتظر أن يتم عقد مؤتمر صحفي موسع في اليوم التالي للاقتراع لإعلان النتائج الرسمية الأولية وتوزيع المقاعد على القوائم الفائزة.

وتُجرى هذه الانتخابات بموجب قانون انتخابي جديد تم إقراره في نوفمبر 2025، والذي أحدث تغييراً جوهرياً في بنية النظام الانتخابي الفلسطيني. حيث يعتمد القانون نظام التمثيل النسبي عبر 'القائمة المفتوحة' للمجالس البلدية، بينما أبقى على نظام الأغلبية أو 'الترشح الفردي' للمجالس القروية الصغيرة، سعياً لتعزيز التعددية.

ويطبق في هذه الدورة نظام 'سانت لوجي' الرياضي لتوزيع المقاعد، وهو نظام يهدف إلى تحقيق عدالة أكبر في تمثيل القوائم الصغيرة وتقليل الفجوة بين عدد الأصوات والمقاعد المحصلة. كما يشترط القانون تجاوز القائمة لنسبة حسم تبلغ 5% كحد أدنى للدخول في حسابات توزيع المقاعد، مع ضمان كوتا خاصة لتمثيل النساء والتوازن الديني.

وتشير البيانات الإحصائية إلى أن التنافس يتركز في 90 مجلساً بلدياً، حيث تتسابق 321 قائمة انتخابية تضم في صفوفها نحو 3773 مرشحاً، من بينهم 1200 امرأة. واللافت في هذه الانتخابات هو الهيمنة الواضحة للقوائم المستقلة التي شكلت 88% من إجمالي القوائم المتنافسة، مقابل حضور حزبي محدود لم يتجاوز 12%.

أما على صعيد المجالس القروية، فتجري الانتخابات في 93 مجلساً يتنافس فيها 1358 مرشحاً، مع تسجيل حضور نسائي لافت برئاسة ثماني نساء لقوائم انتخابية. وفي المقابل، أعلنت اللجنة حسم تشكيل 197 هيئة محلية بالتزكية بعد عدم ترشح أكثر من قائمة واحدة، وهو ما يعكس تبايناً في حدة المنافسة السياسية بين التجمعات السكانية المختلفة.

ولإدارة هذا اليوم الطويل، جهزت لجنة الانتخابات 491 مركز اقتراع، خصصت منها 12 مركزاً لخدمة الناخبين في مدينة دير البلح بقطاع غزة. ويشرف على العملية الانتخابية طاقم ضخم يضم أكثر من 10 آلاف موظف، يعملون على تنظيم الطوابير وتدقيق الهويات وضمان تطبيق البروتوكولات القانونية المعتمدة.

وتحظى العملية الانتخابية برقابة واسعة، حيث تم اعتماد 2539 مراقباً يمثلون 69 هيئة رقابية محلية ودولية، بالإضافة إلى عشرات الدبلوماسيين والضيوف الأجانب. كما يتواجد في الميدان أكثر من 800 صحفي يمثلون 120 وسيلة إعلامية محلية ودولية لتغطية هذا الحدث الذي يُنظر إليه كاختبار لمدى إمكانية استعادة المسار الديمقراطي.

وكانت الحكومة الفلسطينية قد قررت في وقت سابق قصر إجراء الانتخابات في قطاع غزة على دير البلح فقط، مع تأجيلها في بقية المناطق إلى حين توفر الظروف الملائمة. ويأتي هذا القرار بعد سلسلة من التأجيلات التي شهدتها السنوات الماضية نتيجة تداعيات الانقسام السياسي والجغرافي المستمر منذ عام 2007 بين الضفة والقطاع.

ورغم الجهود المتكررة لإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية، لا تزال الساحة الفلسطينية تعيش حالة من التجاذب السياسي بين القوى الكبرى. وتعتبر هذه الانتخابات المحلية، رغم طابعها الخدماتي، مؤشراً مهماً على توجهات الشارع الفلسطيني في ظل غياب الانتخابات التشريعية والرئاسية العامة لسنوات طويلة.

ويأمل المراقبون أن تشكل هذه الخطوة لبنة أولى نحو إجراء انتخابات شاملة في كافة الأراضي الفلسطينية، بما يساهم في تجديد شرعية المؤسسات المحلية. ومع إغلاق الصناديق مساء اليوم، ستبدأ لجان الفرز عملها فوراً داخل المحطات، تمهيداً لنقل النتائج إلى المركز الرئيسي للجنة الانتخابات في مدينة رام الله.

عربي ودولي

السّبت 25 أبريل 2026 5:35 صباحًا - بتوقيت القدس

جدل في مراكش عقب أداء سياح يهود صلوات تلمودية أمام أسوار المدينة التاريخية

لم تكن مدينة مراكش يوماً مجرد تجمع عمراني أو ركام من الحجر، بل مثلت عبر تاريخها الطويل صفحة حية تجسد قيم التعايش الإنساني وآثار الحضارات المتعاقبة. إلا أن المشاهد الأخيرة التي تناقلتها منصات التواصل لسياح يهود يؤدون صلواتهم بخشوع أمام 'باب دكالة' التاريخي، قد فجرت موجة من التساؤلات العميقة حول دلالات هذا الفعل في التوقيت الراهن.

يقف هؤلاء السياح بزيّهم التقليدي أمام الأسوار التاريخية، متمتمين بدعوات دينية في مشهد يتجاوز حدود السياحة الترفيهية العابرة إلى واقعة مثقلة بالمعاني السياسية والاجتماعية. هذا السلوك دفع الكثيرين للتساؤل عن سر اختيار هذا الحائط تحديداً، وعن الذاكرة التي يحاول هؤلاء استحضارها في فضاء عام يتقاسمه الجميع.

يرى مراقبون أن اختيار 'باب دكالة' قد لا يرتبط بقداسة دينية منصوص عليها في الكتب، بقدر ما يرتبط بمحاولة استعادة صلة مع زمن غابر وبيوت قديمة كانت تسكنها الجالية اليهودية في المنطقة. هي محاولة لاستنطق الحجر والبحث في ثنايا الجدران عن صدى خطوات الأجداد التي غابت في غيابات الزمن، لكنها صلاة خرجت من حيز المعبد الضيق إلى رحابة الشارع.

أحدث هذا التحول في ممارسة الطقوس الدينية نوعاً من الارتباك في وجدان أهل المدينة الحمراء، الذين اعتادوا على وجود 'الملاح' والمعابد اليهودية كأماكن مخصصة للعبادة. إن تحول الأسوار التاريخية التي تملكها الأمة جمعاء إلى قبلة للطقوس الدينية يطرح إشكالية حول تديين الفضاء العام وتغيير هوية المعالم الأثرية.

تضطرب الآراء في الشارع المغربي بين من يعتبر هذه المشاهد تجسيداً لروح التسامح والانفتاح التي عرفت بها المملكة عبر العصور، وبين من يرى فيها خروجاً فجاً عن المألوف. الفريق المعارض يرى أن رمزية المكان يجب أن تظل بمنأى عن أي توظيف ديني أو سياسي قد يمس بسكينة المجتمع واستقراره الهوياتي.

لا يمكن فصل هذه الواقعة عن سياقات السياسة وإكراهات الواقع الإقليمي التي تلقي بظلالها على المشهد المحلي، مما يحول فعلاً تعبدياً بسيطاً إلى حدث سياسي بامتياز. لقد ضجت الوسائط الرقمية بنقاشات حادة، حيث اعتبر البعض أن ما حدث يندرج ضمن الحريات الفردية، بينما رآه آخرون استفزازاً صريحاً للمشاعر العامة.

هذا الارتباك الهوياتي يعكس صراعاً بين الإخلاص لروح التعددية المغربية الأصيلة، وبين الخشية من فرض أمر واقع جديد لم يعهده المغاربة في تعاملهم مع الفضاءات العامة. فالمواطن الذي نشأ على احترام الجار مهما كان دينه، يجد نفسه اليوم أمام مشهد يكسر ألفة المدينة ويدخله في دائرة من الشك والريبة.

تتعالى الأصوات المطالبة بضرورة تدخل الجهات الرسمية للحفاظ على سيادة الفضاء العام ومنع تحويل المآثر التاريخية إلى مسارح لطقوس دينية غير مرخصة. فالحفاظ على سكينة المجتمع يقتضي عدم السماح لأي فئة بجعل الملك العام مكاناً لممارسات قد تثير الفرقة أو تخل بالنظام العام المتبع في المواقع الأثرية.

إن الحاجة تبدو ملحة اليوم أكثر من أي وقت مضى لامتلاك بصيرة نافذة تفرق بوضوح بين إحياء التراث الإنساني وبين التديين العشوائي للفضاءات المفتوحة. السياحة الدينية يجب أن تظل رافداً للمعرفة والوصل بين الشعوب، لا أن تتحول إلى مبعث للقلق الاجتماعي أو سبباً في تأجيج الصراعات الفكرية.

الدولة المغربية، بما تملكه من إرث تاريخي ورسالة حضارية، مطالبة بوضع ميزان عدل يحفظ للزائرين حقهم في استعادة ذاكرتهم التاريخية دون المساس بقدسية المكان. التعايش لم يكن يوماً فوضى تترك للصدف، بل هو أدب متبادل يلتزم به الجميع تحت سقف القانون الذي يحمي الجميع دون استثناء.

يجب أن تبقى مراكش كما كانت دائماً، منارة للعلم والسكينة والتعايش السلمي، بعيداً عن أن تتحول إلى ميدان للتدافع والجدل الديني والسياسي. إن قوة المغرب تكمن في تعدد روافده الثقافية، ولكن هذه القوة تستمد استمراريتها من تلاحم أجزائه واحترام ثوابته الوطنية والاجتماعية الراسخة.

إن حرية العبادة مكفولة في دور العبادة المعلومة والمعروفة للجميع، أما الأسوار والآثار فهي شواهد صامتة على عظمة التاريخ المشترك ويجب حمايتها من الصخب. إن إقحام الخصومات السياسية في الممارسات الدينية يفسد على الروح صفاءها، ويؤدي بالضرورة إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي الذي تنعم به المدينة.

في نهاية المطاف، يبقى الرهان على الوعي الجماعي للمواطنين والزوار على حد سواء في إدراك الحدود الفاصلة بين ممارسة الشعائر وبين احترام خصوصية المكان. إن الحفاظ على هوية مراكش الحمراء يتطلب تكاتف الجهود لضمان عدم انزلاق الممارسات الفردية نحو توترات لا تخدم قيم التسامح التي ينشدها الجميع.

ستظل أسوار مراكش تحكي قصص الأولين، ولكنها تطالب الأحفاد اليوم بأن يحسنوا قراءة التاريخ بعيداً عن الاستفزاز أو محاولات فرض واقع جديد. فالتاريخ الذي يجمع لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للتفريق، والسكينة التي تميز هذه المدينة هي أمانة يجب الحفاظ عليها للأجيال القادمة.

عربي ودولي

السّبت 25 أبريل 2026 5:21 صباحًا - بتوقيت القدس

لندن تتمسك بسيادتها على جزر فوكلاند وسط أنباء عن مراجعة واشنطن لموقفها

عادت قضية السيادة على جزر فوكلاند لتتصدر المشهد الدبلوماسي الدولي، عقب تسريبات إعلامية أشارت إلى إمكانية إجراء الولايات المتحدة مراجعة شاملة لموقفها من هذا النزاع التاريخي. وتأتي هذه التطورات في وقت حساس تسعى فيه الأرجنتين لتعزيز مطالبها بالسيادة على الأرخبيل عبر القنوات الدبلوماسية الدولية.

من جانبه، سارع مكتب رئيس الوزراء البريطاني في داونينغ ستريت إلى حسم الجدل، مؤكداً أن الجزر تظل إقليماً بريطانيا يقع تحت السيادة الكاملة للمملكة المتحدة. وأوضح المتحدث الرسمي أن هذا الموقف يستند إلى أسس قانونية وتاريخية متينة لا تقبل التأويل أو التفاوض في الوقت الراهن.

وشددت لندن على أن إرادة السكان المحليين هي المعيار الحاسم في تحديد مستقبل الجزر، مشيرة إلى نتائج الاستفتاءات السابقة التي عكست رغبة شعبية عارمة. واعتبرت الحكومة البريطانية أن حق تقرير المصير هو مبدأ أصيل من مبادئ القانون الدولي التي تحمي وضع الجزر الحالي.

وتشير التقارير الصحفية المستندة إلى مصادر مطلعة إلى وجود مراسلات داخلية في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تبحث في إعادة تقييم ملفات دولية شائكة. ومن بين هذه الملفات يبرز النزاع على جزر فوكلاند، وهو ما قد يمثل تحولاً في السياسة الخارجية التقليدية لواشنطن تجاه حليفتها الوثيقة لندن.

تاريخياً، حافظت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على نوع من التوازن، حيث اعترفت بالإدارة البريطانية الفعلية للجزر دون إصدار إعلان رسمي يحسم مسألة السيادة النهائية. إلا أن الأنباء الأخيرة أثارت قلقاً في الأوساط السياسية البريطانية التي تخشى من تراجع الدعم الأمريكي المطلق في هذا الملف.

النزاع على الجزر، التي تسميها الأرجنتين "جزر مالفيناس"، شهد ذروته العسكرية في عام 1982 خلال حرب استمرت عشرة أسابيع وانتهت باستعادة بريطانيا للسيطرة عليها. وقد خلفت تلك المواجهة خسائر بشرية كبيرة في صفوف الطرفين، ولا تزال ذكراها تشكل جزءاً أساسياً من الهوية الوطنية في كلا البلدين.

وفي عام 2013، وجه سكان الجزر رسالة قوية للمجتمع الدولي عبر استفتاء عام، حيث صوتت الأغلبية الساحقة بنسبة فاقت 90% لصالح البقاء تحت التاج البريطاني. وتستخدم لندن هذه النتائج كدليل قانوني وأخلاقي أمام الأمم المتحدة لدحض المطالب الأرجنتينية المتكررة بالسيادة على الأرخبيل.

على الجانب الآخر، أعلن الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي في وقت سابق من عام 2024 عن خطة استراتيجية تهدف إلى استعادة الجزر عبر المسارات الدبلوماسية. وتؤكد بوينس آيرس أن الجزر جزء لا يتجزأ من أراضيها بناءً على القرب الجغرافي والمطالبات التاريخية الموروثة عن الاستعمار الإسباني.

ورغم التصريحات الأرجنتينية الطموحة، يرى مراقبون أن الموقف البريطاني يظل متصلباً، خاصة مع تأكيدات رئيس الوزراء كير ستارمر على عدم الانجرار وراء أي محاولات لتغيير الوضع القائم. وتراقب الأوساط الدولية الآن رد الفعل الرسمي من البيت الأبيض لتوضيح حقيقة المراجعة التي تحدثت عنها التقارير.

يبقى ملف جزر فوكلاند اختباراً حقيقياً لمتانة العلاقات البريطانية الأمريكية في ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة. وبينما تتمسك لندن بـ "حق تقرير المصير"، تواصل الأرجنتين حشد الدعم الإقليمي لمطالبها، مما يجعل الأرخبيل نقطة توتر مستمرة في جنوب المحيط الأطلسي.

صحة

السّبت 25 أبريل 2026 4:36 صباحًا - بتوقيت القدس

دراسة حديثة: سكر 'الديوكسي ريبوز' قد ينهي أزمة الصلع الوراثي

كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في مجلة 'فرونتيرز إن فارماكولوجي' لعام 2024، عن بارقة أمل جديدة لملايين المصابين بالصلع حول العالم. وأشارت النتائج إلى أن الحل لمشكلة تساقط الشعر قد لا يكمن في العقاقير الكيميائية المعقدة أو العمليات الجراحية المكلفة، بل في نوع محدد من السكر الطبيعي.

تستهدف هذه الدراسة معالجة الصلع الوراثي الذي يعاني منه نحو 40% من سكان العالم، وهي حالة لا تقتصر على الرجال فقط بل تشمل النساء أيضاً. وبينما يفقد الإنسان الطبيعي قرابة 100 شعرة يومياً، فإن المصابين بهذا النوع من الصلع يفقدون خصلات كاملة، مما يؤدي إلى تراجع كثافة الشعر بشكل ملحوظ.

يركز البحث على سكر يُعرف باسم 'الديوكسي ريبوز'، وهو مركب ينتجه جسم الإنسان بشكل طبيعي ويؤدي دوراً محورياً في استقرار الحمض النووي (DNA). ويمثل هذا السكر مع مجموعات الفوسفات العمود الفقري للشفرة الوراثية، حيث يوفر البنية اللازمة لعمليات التضاعف والنسخ البيولوجي داخل الخلايا.

أوضحت التقارير العلمية أن هذا السكر يتجاوز كونه مجرد لبنة أساسية للحياة، ليصبح علاجاً محتملاً وفعالاً لتساقط الشعر. وتعتمد الآلية المقترحة على قدرة 'الديوكسي ريبوز' على زيادة تدفق الدم بشكل مباشر إلى بصيلات الشعر، مما يوفر لها الغذاء اللازم لاستعادة حيويتها وتحفيز نموها من جديد.

المثير في هذا الاكتشاف الطبي أنه جاء بمحض الصدفة خلال أبحاث استمرت ثماني سنوات ولم تكن تستهدف علاج الصلع في بدايتها. فقد كان الفريق البحثي يدرس تأثير السكر على سرعة التئام الجروح لدى الفئران، وكيفية مساهمته في بناء أوعية دموية جديدة لترميم الأنسجة المتضررة.

لاحظ الباحثون خلال التجارب المخبرية أن الفئران التي عولجت بالسكر نما الشعر حول جروحها بسرعة وكثافة أكبر مقارنة بالمجموعات الأخرى. هذا المتغير غير المتوقع دفع العلماء إلى تحويل مسار البحث لفهم العلاقة بين هذا المركب السكري ونمو الشعر في المناطق المصابة بالخمول.

وللتأكد من النتائج، قام الفريق بمحاكاة حالة تساقط الشعر الناتجة عن هرمون التستوستيرون، وهو المسبب الرئيسي للصلع الذكوري، على نماذج مخبرية. وأثبتت التجارب أن تقديم جرعات صغيرة ومنتظمة من سكر 'الديوكسي ريبوز' نجح في تحفيز تكوين شبكة أوعية دموية دعمت نمو الشعر مجدداً.

تفتح هذه النتائج آفاقاً جديدة لتطوير علاجات موضعية آمنة ومنخفضة التكلفة لمواجهة الصلع، بعيداً عن الحلول التقليدية مثل الباروكات أو زراعة الشعر. ويرى الخبراء أن الاعتماد على مركبات طبيعية ينتجها الجسم قد يقلل من الآثار الجانبية المرتبطة بالعلاجات الهرمونية المتوفرة حالياً في الأسواق.