اسرائيليات

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 11:54 صباحًا - بتوقيت القدس

تراجع في استخدام الآليات الثقيلة الإسرائيلية جنوب لبنان خشية مسيرات حزب الله

أفادت تقارير صحفية عبرية بأن قيادة الجيش الإسرائيلي اتخذت قراراً بتقليص الاعتماد على المعدات والآليات الثقيلة في العمليات الجارية بجنوب لبنان. وشمل هذا الإجراء تراجعاً ملحوظاً في استخدام الحفارات والجرافات العسكرية التي كانت تعمل في الخطوط الأمامية، وذلك عقب رصد تحولها إلى أهداف مكشوفة وسهلة للاستهداف من قبل الطائرات المسيرة التابعة لحزب الله.

وذكرت المصادر أن هذا التغيير التكتيكي جاء مدفوعاً بتصاعد خطر المسيرات الانقضاضية المزودة بتقنيات الرؤية الليلية، والتي باتت تشكل تهديداً حقيقياً ومقلقاً للتحركات الميدانية. وقد تسببت هذه الطائرات مؤخراً في مقتل جنديين إسرائيليين خلال هجومين منفصلين وقعا في غضون أيام قليلة، مما استدعى إعادة تقييم شاملة لآلية عمل القوات في المناطق المفتوحة.

وتسود حالة من الذهول والصدمة داخل أروقة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نتيجة التطور النوعي في قدرات حزب الله الجوية، خاصة في الشق المتعلق بالعمليات الليلية. وأوضحت مصادر مطلعة أن الجيش لم يعتد على مواجهة هذا النمط من الهجمات الدقيقة في الظلام، حيث كان يعتمد تاريخياً على تفوقه التكنولوجي المطلق في الرؤية الليلية والتحرك الآمن خلال ساعات الليل.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن المسيرات الليلية نجحت في كسر احتكار الاحتلال للسيطرة على الميدان بعد غياب الشمس، مما أدى إلى شلل جزئي في عمل الوحدات الهندسيّة. ويحاول الجيش حالياً البحث عن حلول تقنية أو تكتيكية لمواجهة هذا التحدي الجديد الذي أفقد آلياته الثقيلة ميزة الحماية، وجعل من بقائها في الميدان عبئاً عسكرياً وبشرياً كبيراً.

اسرائيليات

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 11:24 صباحًا - بتوقيت القدس

الكنيست الإسرائيلي يخطو الخطوة الأولى نحو حل نفسه وتحديد موعد للانتخابات المبكرة

خطا الكنيست الإسرائيلي خطوة دراماتيكية نحو إنهاء ولايته الحالية، بعد أن صادق في وقت متأخر من ليل الثلاثاء بالقراءة الأولى على مشروع قانون حل نفسه. وجاءت هذه المصادقة بأغلبية ساحقة بلغت 106 أصوات من أصل 120 عضواً، دون تسجيل أي معارضة تذكر، مما يعكس رغبة جماعية في التوجه نحو صناديق الاقتراع.

وعلى الرغم من هذا التوافق الواسع في التصويت، إلا أن المسار التشريعي لم ينتهِ بعد، حيث يتطلب القانون المرور عبر القراءتين الثانية والثالثة ليصبح نافذاً بشكل رسمي. وتفتح هذه الخطوة الباب أمام مرحلة من التجاذبات السياسية حول التفاصيل النهائية وموعد إجراء الانتخابات المقبلة.

ومن المقرر أن يُحال مشروع القانون الآن إلى لجنة الكنيست المختصة لإجراء مناقشات معمقة وصياغة البنود النهائية قبل إعادته للهيئة العامة. وتعتبر هاتان المرحلتان هما الحاسمتان اللتان ستحددان بشكل قطعي موعد حل البرلمان وبدء الفترة الانتقالية للحكومة الحالية.

وتشير التقديرات الأولية والمقترحات المطروحة إلى أن موعد الانتخابات المبكرة سيتراوح ما بين الثامن من سبتمبر والعشرين من أكتوبر المقبلين. وسيتم حسم التاريخ النهائي خلال المداولات التشريعية المقبلة، مع مراعاة التوازنات السياسية بين أحزاب الائتلاف والمعارضة.

من جانبها، أكدت لجنة الانتخابات المركزية جاهزيتها التامة لإدارة العملية الانتخابية ضمن أي جدول زمني يقره الكنيست، حتى لو تقلصت المدة القانونية المعتادة. وأوضح القائم بأعمال مدير اللجنة، دين ليفني أن الكوادر الفنية مستعدة للتعامل مع الضغط الزمني المتوقع لضمان نزاهة الاقتراع.

ومع ذلك، تبرز تحديات لوجيستية جدية تتعلق بتزامن المواعيد المقترحة مع الأعياد اليهودية، مما قد يعيق عمليات فرز الأصوات والرقابة. وحذرت اللجنة من أن اختيار تاريخ 15 سبتمبر قد يتطلب تمديد مهلة إعلان النتائج الرسمية لضمان الدقة الفنية والقانونية في ظل العطلات الرسمية.

وفيما يتعلق بالنشاط البرلماني الحالي، ستبقى اللجان قادرة على تمرير مشاريع قوانين مثيرة للجدل حتى لحظة المصادقة النهائية على حل الكنيست. ومن أبرز هذه القوانين مقترح فصل صلاحيات المستشار القضائي للحكومة، وخطة إعادة هيكلة قطاع الإعلام التي يسعى الليكود لإقرارها.

وبمجرد إقرار الحل نهائياً، ستتوقف كافة المسارات التشريعية المفتوحة وتُجمد القوانين التي لم تكتمل مراحلها، إلا في حالات التوافق الشامل. ويهدف هذا الإجراء إلى منع استغلال الفترة الانتقالية لتمرير تشريعات حزبية ضيقة دون رقابة برلمانية كاملة.

وتعود جذور هذه الأزمة السياسية إلى الخلاف العميق بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والأحزاب الحريدية حول قانون التجنيد. وقد فشلت الحكومة في التوصل إلى صيغة توافقية تعفي طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية، مما دفع الحلفاء الدينيين للتلويح بفرط عقد الائتلاف.

وأفادت مصادر سياسية بأن الزعيم الروحي لحزب 'ديغل هاتوراه' أصدر تعليماته للنواب بالتحرك نحو حل البرلمان بعد وصول المفاوضات مع نتنياهو إلى طريق مسدود. ويرى القادة الدينيون أن الذهاب للانتخابات أفضل من القبول بقانون تجنيد لا يلبي تطلعات قاعدتهم الجماهيرية.

وتكشف الكواليس عن تباين في وجهات النظر داخل المعسكر الحريدي نفسه بشأن التوقيت الأمثل للانتخابات، حيث يفضل البعض شهر سبتمبر لضمان حشد الناخبين. وفي المقابل، يحاول حزب الليكود كسب المزيد من الوقت لتأجيل الموعد قدر الإمكان، أملاً في تحسين موقعه في استطلاعات الرأي.

ويرى مراقبون أن هذه التطورات تعكس تصدعاً كبيراً في بنية الائتلاف اليميني الحاكم الذي واجه أزمات متلاحقة منذ تشكيله. وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس تشهد فيه الساحة الإسرائيلية استقطاباً حاداً حول قضايا داخلية وأمنية معقدة.

إن التوجه نحو جولة انتخابية جديدة يضع إسرائيل أمام حالة من عدم اليقين السياسي، في ظل عجز المعسكرات المتنافسة عن تحقيق أغلبية مستقرة. ومن المتوقع أن تشهد الأسابيع المقبلة سباقاً مع الزمن لترتيب الأوراق السياسية قبل الدخول رسمياً في معمعة الحملات الانتخابية.

اسرائيليات

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 11:24 صباحًا - بتوقيت القدس

إيهود باراك يهاجم نتنياهو: جيشنا مستنزف والحكومة تبيع الأوهام للجمهور

وجه رئيس الوزراء ووزير الأمن الإسرائيلي الأسبق، إيهود باراك، انتقادات حادة وشديدة اللهجة إلى الحكومة اليمينية الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو. واتهم باراك الحكومة بممارسة التضليل الممنهج ضد الجمهور الإسرائيلي، في وقت يعاني فيه جيش الاحتلال من استنزاف مستمر وتواصل سقوط صواريخ حزب الله على المستوطنات الشمالية.

وأشار باراك في تصريحات نقلتها مصادر إعلامية عبرية، إلى أن الوعود التي يطلقها نتنياهو حول تدمير قدرات حزب الله وإعادته عشرات السنين إلى الوراء هي محض 'هراء'. وأوضح أن الأرقام المعلنة حول خسائر الجيش لا تعكس الواقع الميداني، واصفاً سلوك رئيس الوزراء بأنه مجرد 'عد للجثث' دون تحقيق أهداف استراتيجية حقيقية.

وتطرق الجنرال الأسبق إلى الإعلانات الأمريكية الأخيرة بشأن وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن الواقع على الأرض كذب تلك الادعاءات فور صدورها. فقد استأنف حزب الله قصفه للمستوطنات الشمالية بعد وقت قصير من تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مما يعكس فشل المقاربة السياسية والأمنية الحالية في احتواء الموقف.

وحذر باراك من الأوهام التي تسوقها الحكومة حول إمكانية القضاء النهائي على حزب الله، مؤكداً أن هذا الهدف لا يمكن تحقيقه دون احتلال كامل للأراضي اللبنانية. واعتبر أن خيار الاحتلال غير عملي على الإطلاق، وأن الاستمرار في تدمير القرى اللبنانية يمنح الحزب دوراً أكثر أهمية وشرعية داخل النسيج اللبناني بدلاً من إضعافه.

ورأى باراك أن السياسات الحالية تسببت في وصول إسرائيل إلى أخطر وضع سياسي وأمني في تاريخها، نتيجة غياب الرؤية الدبلوماسية. وأكد أن الحروب يجب أن تكون وسيلة للوصول إلى حلول سياسية، بينما تكتفي الحكومة الحالية ببث رسائل البقاء الدائم في لبنان، وهو ما يعزز موقف إيران والمحور الداعم لها في المنطقة.

وفيما يخص العمليات البرية، أعرب رئيس الأركان الأسبق عن خشية عميقة من أن التحركات العسكرية لا ترتبط بأهداف عملية واضحة. وذكر أن حزب الله تطور تاريخياً نتيجة الوجود الإسرائيلي داخل لبنان، متسائلاً عن سبب تأخر الانسحاب في المرات السابقة، ومحذراً من تكرار ذات الأخطاء الاستراتيجية التي تقوي الخصوم.

واختتم باراك حديثه بالإشارة إلى أن القيادات المعارضة مثل نفتالي بينيت وغادي آيزنكوت يتفوقون على نتنياهو بمراحل في إدارة الأزمات. ودعا إلى ضرورة التحرك الدولي المنسق مع قوى إقليمية ودولية لتقويض شرعية سلاح حزب الله، بدلاً من الاعتماد على القوة العسكرية المنفردة التي أثبتت فشلها في تحقيق الأمن المستدام.

اسرائيليات

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 11:24 صباحًا - بتوقيت القدس

الكنيست يصادق بالقراءة الأولى على حل نفسه والتوجه لانتخابات مبكرة

خطت المنظومة السياسية في دولة الاحتلال خطوة متقدمة نحو إنهاء الدورة البرلمانية الحالية، حيث صادقت الهيئة العامة للكنيست في وقت متأخر من ليل أمس بالقراءة الأولى على مشروع قانون يقضي بحل البرلمان. وقد حظي هذا التوجه بتأييد واسع وشبه إجماعي، إذ صوت لصالح القرار 106 أعضاء، مما يعكس رغبة سياسية عارمة في التوجه نحو صناديق الاقتراع مجدداً لحسم الأزمات الراهنة.

يأتي هذا التصويت الحاسم بعد ساعات قليلة من توصية لجنة الكنيست بطرح المشروع أمام الهيئة العامة للنقاش العاجل، وهو ما يشير إلى تسارع وتيرة الإجراءات القانونية لفك الارتباط الحكومي الحالي. ومع ذلك، لا يزال المسار التشريعي يتطلب استكمال القراءتين الثانية والثالثة قبل أن يصبح القانون نافذاً بشكل رسمي، وهي مرحلة تتطلب توافقات نهائية حول التفاصيل الفنية والزمنية للعملية الانتخابية.

وبحسب المسودة التي تمت المصادقة عليها، فإن المواعيد المقترحة لإجراء الانتخابات التشريعية المبكرة تتراوح في الفترة ما بين الثامن من أيلول والعشرين من تشرين الأول المقبلين. وتجري حالياً مشاورات مكثفة داخل أروقة الائتلاف الحكومي لبلورة موقف نهائي بشأن التاريخ الدقيق الذي سيتم اعتماده رسمياً، وذلك لضمان جاهزية الأحزاب واللجان المشرفة على العملية الانتخابية.

أفادت مصادر مطلعة بأن الائتلاف يسعى لتحديد موعد يخدم مصالحه السياسية قبل عرض التشريع للتصويت النهائي والقطعي في الأيام القادمة. وفي حال إتمام المصادقة النهائية، ستدخل البلاد في مرحلة انتقالية سياسية تشهد إعادة ترتيب للأوراق الحزبية، وسط ترقب محلي ودولي لما ستسفر عنه نتائج الانتخابات المقبلة وتأثيرها على الملفات الأمنية والسياسية في المنطقة.

تحليل

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 10:48 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يواجه نتنياهو: التصعيد في لبنان يهدد مفاوضات إيران

سالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات – 2/6/2026


نسب موقع "آكسيوس" الأميركي  إلى مصادر أميركية مطلعة قولها أن مواجهة حادة وغير مألوفة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على خلفية التصعيد العسكري الإسرائيلي في لبنان، في تطور يعكس حجم القلق داخل الإدارة الأميركية من احتمال انهيار المسار الدبلوماسي الجاري مع إيران واتساع رقعة التوتر الإقليمي.


وبحسب المصادر المطلعة على فحوى الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الزعيمين الاثنين، فإن ترمب وجّه انتقادات لاذعة لنتنياهو بسبب تهديداته بتوسيع العمليات العسكرية واستهداف العاصمة اللبنانية بيروت، معتبراً أن هذا النهج لا يضر فقط بصورة إسرائيل الدولية، بل يهدد أيضاً الجهود السياسية التي تبذلها واشنطن لاحتواء أزمات المنطقة.


وقال مسؤول أميركي إن الرئيس الأميركي أبلغ نتنياهو بشكل مباشر أن أي هجوم واسع على بيروت سيؤدي إلى مزيد من عزلة إسرائيل على الساحة الدولية، وسيمنح خصومها السياسيين والدبلوماسيين ذرائع إضافية لمهاجمتها، في وقت تواجه فيه انتقادات متزايدة بسبب حجم الدمار والخسائر البشرية الناجمة عن عملياتها العسكرية.


وأشارت المصادر إلى أن ترمب لم يخفِ استياءه من الطريقة التي يدير بها نتنياهو المواجهة في لبنان، معتبراً أن الإجراءات العسكرية الإسرائيلية تجاوزت حدود الردع والدفاع المشروع إلى سياسة تصعيد قد تقود إلى انفجار إقليمي يصعب احتواؤه.


ووفق المعلومات المتداولة داخل الأوساط الأميركية، فإن الرئيس الأميركي ذكّر نتنياهو بالدعم السياسي الذي وفره له خلال السنوات الماضية، بما في ذلك وقوفه إلى جانبه خلال الأزمات القضائية والسياسية التي واجهها داخل إسرائيل، معبراً عن امتعاضه مما اعتبره تجاهلاً إسرائيلياً للمصالح الاستراتيجية الأميركية الأوسع في المنطقة.


ويأتي هذا التوتر في وقت توسع فيه إسرائيل عملياتها البرية في جنوب لبنان، بالتوازي مع التلويح بتوجيه ضربات إلى أهداف داخل بيروت. وأكد مسؤولون أميركيون أن ترمب أبدى قلقاً خاصاً من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين ومن اعتماد الجيش الإسرائيلي أساليب عسكرية تؤدي إلى تدمير واسع النطاق من أجل استهداف شخصيات أو مواقع محددة تابعة لحزب الله.


 


 


وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الضغوط الأميركية نجحت، على الأقل مؤقتاً، في ثني الحكومة الإسرائيلية عن تنفيذ خطط كانت قيد الدراسة لاستهداف مواقع داخل العاصمة اللبنانية، وهو ما اعتبره مراقبون دليلاً على استمرار قدرة واشنطن على التأثير في القرارات الإسرائيلية عندما تتعارض مع المصالح الأميركية المباشرة.


وتكتسب هذه الأزمة أهمية إضافية بسبب تزامنها مع المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران. فالإدارة الأميركية ترى أن أي تصعيد كبير في لبنان قد يدفع طهران إلى الانسحاب من المحادثات أو التشدد في مواقفها، وهو ما يهدد أحد أبرز الملفات التي يراهن عليها ترمب في سياسته الخارجية.


وكانت إيران قد لوّحت بالفعل بإمكانية إعادة النظر في مسار التفاوض إذا استمرت العمليات الإسرائيلية في لبنان، الأمر الذي دفع البيت الأبيض إلى تكثيف جهوده لمنع تحول الجبهة اللبنانية إلى عامل يقوض المسار الدبلوماسي بأكمله.


ورغم أن نتنياهو أكد بعد الاتصال أن إسرائيل ستواصل عملياتها العسكرية ما دامت هجمات حزب الله مستمرة، فإن مصادر أميركية ترى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي اضطر إلى التراجع عن بعض خياراته الأكثر تصعيداً تحت ضغط مباشر من البيت الأبيض.


ويعكس هذا السجال المتصاعد تبايناً متزايداً بين أولويات الطرفين؛ فبينما تركز الحكومة الإسرائيلية على توسيع هامشها العسكري في مواجهة حزب الله، تسعى إدارة ترمب إلى منع اندلاع حرب إقليمية قد تطيح بجهودها الرامية إلى إعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط عبر التفاهم مع إيران.


وتكشف هذه الأزمة أن العلاقة الخاصة بين واشنطن وتل أبيب لا تلغي وجود خطوط حمراء أميركية عندما تصبح المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة معرضة للخطر. فحين كان التصعيد الإسرائيلي يهدد بصورة مباشرة المفاوضات مع إيران، بدا أن البيت الأبيض مستعد لاستخدام نفوذه السياسي للضغط على نتنياهو. وتؤشر الحادثة إلى أن الدعم الأميركي لإسرائيل، رغم متانته، ليس مطلقاً أو غير مشروط. كما تعكس إدراكاً متزايداً داخل الإدارة الأميركية بأن استمرار الحروب الإقليمية المفتوحة يضعف قدرة واشنطن على تحقيق أهدافها الدبلوماسية ويستنزف نفوذها الدولي.


ولم يعد الملف اللبناني شأناً منفصلاً عن المفاوضات الأميركية الإيرانية، بل أصبح جزءاً من معادلة تفاوضية أوسع. فطهران تنظر إلى حزب الله باعتباره أحد أهم أوراق نفوذها الإقليمية، وأي محاولة لإضعافه عسكرياً خلال المفاوضات ستُفسَّر على أنها ضغط سياسي غير مباشر على إيران نفسها. لذلك تخشى واشنطن من أن يؤدي التصعيد الإسرائيلي إلى انهيار الثقة بين الأطراف المتفاوضة. ومن هذا المنطلق، تبدو الجبهة اللبنانية اليوم إحدى أكثر الساحات تأثيراً في تحديد مستقبل أي تفاهم محتمل بين واشنطن وطهران.


ويواجه نتنياهو معضلة متزايدة التعقيد تتمثل في التوفيق بين متطلبات المشهد السياسي الداخلي الإسرائيلي وبين الضغوط القادمة من واشنطن. فمن جهة، يحتاج إلى إظهار الحزم العسكري للحفاظ على تماسك ائتلافه السياسي وتفادي الانتقادات الداخلية. ومن جهة أخرى، لا يستطيع تجاهل الضغوط الأميركية بسبب اعتماد إسرائيل الاستراتيجي على الدعم السياسي والعسكري والدبلوماسي الذي توفره الولايات المتحدة. ولذلك قد تشهد المرحلة المقبلة استمراراً لحالة الشد والجذب بين الطرفين، مع محاولة نتنياهو تحقيق مكاسب ميدانية دون الوصول إلى مواجهة تثير غضب البيت الأبيض.

تحليل

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 10:05 صباحًا - بتوقيت القدس

بقيادة طليب، تصويت مرتقب في مجلس النواب لإنهاء الدعم الأميركي للحرب الإسرائيلية على لبنان

رسالة واشنطن




واشنطن –  سعيد عريقات-2/6/2026


تحليل إخباري


يستعد مجلس النواب الأميركي خلال الأيام المقبلة للتصويت على مشروع قرار يستند إلى قانون صلاحيات الحرب، ويهدف إلى إنهاء أي مشاركة أميركية في الحرب الإسرائيلية على لبنان لم تحصل على تفويض صريح من الكونغرس، في خطوة تعكس تنامي الانقسام داخل المؤسسة السياسية الأميركية بشأن الانخراط المتواصل لواشنطن في النزاعات الإقليمية المرتبطة بإسرائيل.


ويقود هذه المبادرة التشريعية النائبة الديمقراطية رشيدة طليب، الفلسطينية الأصل، التي تحولت إلى أحد أبرز وجوه المعارضة داخل الكونغرس للسياسات الإسرائيلية وللغطاء السياسي والعسكري الذي توفره لها واشنطن. وتشتهر طليب بمواقفها الجريئة في مواجهة ما يعتبره منتقدون انحيازاً راسخاً داخل المؤسسة التشريعية الأميركية لمصلحة إسرائيل، إذ لم تتردد في تحدي ضغوط جماعات الضغط المؤيدة لها والدفاع عن حقوق الفلسطينيين واللبنانيين في المحافل التشريعية. ومن هذا المنطلق، تقدمت بمشروع قرار يهدف إلى إنهاء أي مشاركة أميركية في الحرب الإسرائيلية على لبنان لم تحصل على موافقة الكونغرس، بما في ذلك التعاون الاستخباري والعسكري الذي ترى أنه يجعل الولايات المتحدة شريكاً مباشراً في النزاع.


ويأتي التحرك التشريعي في وقت تتزايد فيه الانتقادات الموجهة إلى إدارة الرئيس دونالد ترمب بسبب ما يعتبره معارضون تجاوزاً لصلاحيات السلطة التنفيذية في إدارة النزاعات الخارجية. وتستند هذه الانتقادات إلى قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973، والذي يفرض قيوداً على قدرة الرئيس على إشراك الولايات المتحدة في عمليات عسكرية أو دعم نزاعات مسلحة دون موافقة الكونغرس.


ووفق مذكرة أعدها مكتب النائبة طليب، فإن إدارة ترمب لم تكتف بدعم العمليات الإسرائيلية سياسياً وعسكرياً، بل شاركت بصورة مباشرة في اتخاذ قرارات تتعلق بالموافقة على بعض العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان أو رفضها، فضلاً عن توفير معلومات استخبارية استخدمت في تنفيذ هجمات عسكرية وتنسيق مستمر مع الجيش الإسرائيلي خلال مجريات الحرب.


وتشير المعطيات التي يستند إليها مؤيدو القرار إلى أن استمرار هذا الانخراط يجعل الولايات المتحدة طرفاً فعلياً في النزاع، وليس مجرد داعم خارجي لإسرائيل. ويؤكد هؤلاء أن حجم التنسيق العسكري والاستخباري القائم يتجاوز حدود الدعم التقليدي بين الحلفاء، ما يضع الإدارة الأميركية في مواجهة أسئلة قانونية وسياسية متزايدة داخل الكونغرس.


وتقول طليب إن الحرب الإسرائيلية على لبنان أسفرت منذ مطلع آذارالماضي عن مقتل أكثر من 3400 لبناني، بينهم أعداد كبيرة من المدنيين، معتبرة أن الولايات المتحدة تتحمل جزءاً من المسؤولية عن استمرار العمليات العسكرية نتيجة الدعم الذي تقدمه لإسرائيل. وتعهدت النائبة الديمقراطية بدفع المجلس إلى التصويت على إنهاء المشاركة الأميركية الفورية في ما وصفته بـ"الحرب غير القانونية وغير الأخلاقية" على لبنان.


ولا يقتصر التحدي الذي تواجهه إدارة ترمب على الملف اللبناني. فالمجلس يستعد أيضاً للنظر في مشروع قرار منفصل يهدف إلى تقييد الحرب الدائرة مع إيران وإنهاء العمليات العسكرية الأميركية المرتبطة بها. ويأتي ذلك في ظل استمرار المواجهات العسكرية المتبادلة بين واشنطن وطهران، رغم الحديث عن وقف إطلاق نار هش ما زال مهدداً بالانهيار في أي لحظة.


وكان الجمهوريون في مجلس النواب قد نجحوا سابقاً في تأجيل التصويت على مشروع القرار المتعلق بإيران قبل عطلة "يوم الذكرى"، بعدما تبين أن عدداً من النواب لا يؤيدون مساعي القيادة الجمهورية لمنع طرحه. إلا أن عودة الكونغرس إلى الانعقاد أعادت الملف إلى الواجهة وسط تصاعد الضغوط الشعبية والسياسية المطالبة بإعادة تأكيد دور السلطة التشريعية في قرارات الحرب والسلم.


ويأتي هذا التحرك التشريعي في واشنطن فيما تتزايد المؤشرات إلى احتمال اتساع رقعة المواجهة الإقليمية إذا استمرت الحرب الإسرائيلية على لبنان. فقد حذر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الاثنين، من أن طهران قد تنتقل إلى مرحلة "المواجهة المباشرة مع العدو" إذا لم توقف إسرائيل هجماتها على الأراضي اللبنانية. وجاءت تصريحات قاليباف عقب اتصال أجراه مع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، أكد خلاله أن "استمرار العدوان الإسرائيلي لن يؤدي فقط إلى وقف مسار المفاوضات الجارية، بل سيدفع إيران إلى الانخراط بصورة مباشرة في المواجهة". وتعكس هذه التصريحات حجم الترابط المتزايد بين الساحتين اللبنانية والإيرانية، وتؤكد أن أي تصعيد إضافي في لبنان قد يتحول سريعاً إلى عامل تفجير لمواجهة إقليمية أوسع تشمل أطرافاً عدة، في وقت تبذل فيه جهود دبلوماسية مكثفة لمنع انهيار التهدئة الهشة القائمة بين واشنطن وطهران.


كما تضفي هذه التهديدات الإيرانية بعداً إضافياً على الجدل الدائر داخل الكونغرس، إذ يرى مؤيدو مشروع القرار أن استمرار الدعم الأميركي للعمليات الإسرائيلية في لبنان لا يهدد بإطالة أمد الحرب فحسب، بل قد يجر الولايات المتحدة نفسها إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تتجاوز حدود النزاع اللبناني، وهو ما يجعل التصويت المرتقب اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسة التشريعية على كبح الانزلاق نحو حرب أوسع في الشرق الأوسط.


ولا تقتصر أهمية هذه المعركة التشريعية على الحرب في لبنان أو المواجهة مع إيران، بل تمتد إلى جوهر التوازن الدستوري داخل النظام السياسي الأميركي. فمنذ عقود توسعت صلاحيات الرؤساء المتعاقبين في استخدام القوة العسكرية خارجياً دون تفويضات واضحة من الكونغرس، مستفيدين من ظروف الطوارئ والحروب المفتوحة. ويعتبر مؤيدو القرار أن التصويت المرتقب يشكل اختباراً حقيقياً لقدرة الكونغرس على استعادة صلاحياته الدستورية. أما فشله فقد يكرس سابقة جديدة تسمح للبيت الأبيض بالاستمرار في إدارة الحروب الإقليمية عبر الشراكات العسكرية والتحالفات دون رقابة تشريعية فعالة.


ويكشف طرح مشروع القرار عن تحول سياسي مهم داخل واشنطن يتمثل في تراجع قدرة إسرائيل على الاحتفاظ بالإجماع التقليدي الذي تمتعت به لعقود داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي. فالأصوات المنتقدة للدعم العسكري غير المشروط أصبحت أكثر جرأة وتنظيماً، خصوصاً بين الديمقراطيين التقدميين وجزء من الناخبين الشباب. وبينما ما زالت الأغلبية في الكونغرس تؤيد التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل، فإن النقاش انتقل من مستوى الهامش السياسي إلى قلب المؤسسة التشريعية، وهو تطور يعكس تغيراً تدريجياً في المزاج السياسي الأميركي تجاه الحروب الإقليمية وتكاليفها الإنسانية.


يشار إلى أن الرئيس ترمب يواجه معضلة سياسية متنامية تتمثل في محاولة الجمع بين دعم إسرائيل والمحافظة على صورته أمام قاعدته السياسية التي طالما رفعت شعار تجنب الحروب الخارجية المكلفة. فكلما ازداد الانخراط الأميركي في النزاعات الإقليمية، تعززت الانتقادات التي تتهم الإدارة بالتورط في صراعات لا تحظى بتأييد شعبي واسع. كما أن استمرار العمليات العسكرية في لبنان وإيران قد يضعف خطاب ترمب القائم على تقديم نفسه باعتباره رئيساً قادراً على إنهاء الحروب لا توسيعها. ولذلك فإن نتائج التصويت المرتقب قد تحمل تداعيات سياسية تتجاوز السياسة الخارجية إلى الحسابات الانتخابية الداخلية.

عربي ودولي

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 9:24 صباحًا - بتوقيت القدس

وثائق تكشف إخفاقاً أمنياً بريطانياً في تعيين السفير السابق بواشنطن وعلاقته بإبستين

فجرت وثائق رسمية نُشرت حديثاً في العاصمة البريطانية لندن موجة من الجدل السياسي، بعدما كشفت عن تحمل الحكومة المسؤولية الكاملة في قضية تعيين السفير السابق لدى واشنطن، بيتر ماندلسون. وأوضحت التقارير أن التعيين جاء رغم وجود تحذيرات أمنية مسبقة تتعلق بارتباطاته المثيرة للجدل مع تاجر الجنس الراحل جيفري إبستين، وهو ما يضع معايير الاختيار في المناصب السيادية تحت المجهر.

وأشارت مصادر صحفية إلى أن الحكومة البريطانية لم تتخذ الإجراءات اللازمة لمعالجة المخاوف الأمنية الخطيرة التي رافقت ترشيح ماندلسون لهذا المنصب الدبلوماسي الرفيع. وأكدت المعلومات المسربة أن السفير السابق فشل فعلياً في اجتياز إجراءات الفحص الأمني الرسمي التي تسبق التعيين، ومع ذلك تم المضي قدماً في تنصيبه سفيراً للمملكة المتحدة في الولايات المتحدة.

وتعود جذور الأزمة إلى علاقة وطيدة جمعت بين ماندلسون وإبستين، الذي تورط في فضائح استغلال جنسي دولية واسعة النطاق هزت أركان النخبة العالمية. وتكشف الوثائق أن هذه العلاقة لم تكن مجرد تعارف عابر، بل تضمنت تجاوزات بروتوكولية وأمنية خطيرة أثارت ريبة الأجهزة الاستخباراتية والرقابية في بريطانيا منذ سنوات طويلة.

وفي تفاصيل صادمة تعود لعام 2009، تبين أن ماندلسون، الذي كان يشغل حينها حقيبة وزارة الأعمال في حكومة غوردون براون، قام بإرسال وثيقة داخلية سرية تابعة لمجلس الوزراء إلى إبستين. هذا التصرف غير القانوني دفع الشرطة البريطانية في ذلك الوقت إلى فتح تحقيق جنائي ضد الوزير السابق، مما عزز من الشكوك حول طبيعة نفوذ إبستين على المسؤولين البريطانيين.

وعلى خلفية هذه التطورات المتلاحقة وتصاعد الضغوط السياسية والإعلامية، اضطر ماندلسون لتقديم استقالته من منصبه في عام 2025. وجاءت هذه الاستقالة بعد أن بات بقاؤه في السلك الدبلوماسي يشكل عبئاً سياسياً كبيراً على الحكومة، خاصة مع ظهور تفاصيل جديدة حول كيفية تجاوزه للتدقيق الأمني الذي يخضع له كبار المسؤولين.

من جانبه، أقر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بأنه كان على دراية كاملة بطبيعة العلاقة التي تربط ماندلسون بجيفري إبستين قبل صدور قرار تعيينه سفيراً في واشنطن. هذا الاعتراف أثار موجة من التساؤلات البرلمانية حول مدى نزاهة معايير التعيين، وكيفية السماح لشخصية تحوم حولها شبهات أمنية وجنائية بتمثيل البلاد في أهم العواصم العالمية.

وتواجه الحكومة البريطانية حالياً مطالبات بفتح تحقيق شامل وشفاف حول كيفية الالتفاف على الفحوصات الأمنية الرسمية لصالح شخصيات سياسية نافذة. ويرى مراقبون أن هذه الفضيحة قد تؤدي إلى مراجعة شاملة لكافة التعيينات الدبلوماسية الأخيرة، لضمان عدم تكرار مثل هذه الإخفاقات التي تمس بالأمن القومي وسمعة بريطانيا الدولية.

أحدث الأخبار

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 9:24 صباحًا - بتوقيت القدس

ترامب يعلن التوصل لاتفاق لوقف التصعيد بين الاحتلال وحزب الله

كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نجاح جهود الوساطة في التوصل إلى اتفاق يقضي بوقف التصعيد العسكري المتبادل بين جيش الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله اللبناني. وأوضح ترامب في تصريحات رسمية أن التفاهمات الجديدة تضمن وقفاً فورياً لإطلاق النار من الجانبين، مشيراً إلى أن التحركات العسكرية التي كانت تستهدف العاصمة اللبنانية قد توقفت تماماً.

وأكد الرئيس الأمريكي أن الوحدات العسكرية الإسرائيلية التي كانت في طريقها نحو بيروت قد صدرت لها الأوامر بالانسحاب والعودة إلى مواقعها السابقة. وجاء هذا التطور عقب اتصال هاتفي وصفه ترامب بـ 'المثمر للغاية' مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، حيث جرى التباحث في آليات تثبيت التهدئة ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة.

وفي سياق متصل، أشار ترامب إلى أن قنوات اتصال فُتحت عبر ممثلين رفيعي المستوى مع قيادة حزب الله، أسفرت عن موافقة الحزب على الالتزام بوقف العمليات الهجومية. وبموجب هذا الاتفاق، تعهدت سلطات الاحتلال بعدم شن أي هجمات جديدة على الأراضي اللبنانية مقابل توقف الحزب عن استهداف المواقع الإسرائيلية، مما يمهد الطريق لاستقرار نسبي على الحدود الشمالية.

وعلى صعيد المسار الدبلوماسي الإقليمي، كشف ترامب أن الإدارة الأمريكية تخوض مفاوضات متسارعة الوتيرة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية للوصول إلى تفاهمات أوسع. وأعرب الرئيس الأمريكي عن تفاؤله بمسار هذه المحادثات التي تجري خلف الكواليس، موجهاً شكره للمتابعين والمهتمين بهذا الملف الشائك الذي يترقبه المجتمع الدولي بحذر.

يأتي هذا الإعلان المفاجئ بعد ساعات من توتر ميداني حاد، حيث أطلقت إيران تحذيرات شديدة اللهجة لسكان شمال فلسطين المحتلة بضرورة الإخلاء الفوري. وكانت طهران قد ربطت هذه التهديدات بأي استهداف إسرائيلي محتمل للضاحية الجنوبية في بيروت، معتبرة أن الانتهاكات المتكررة لاتفاقات السلم السابقة استوجبت رداً رادعاً قبل تدخل الوساطة الأمريكية الأخيرة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:32 صباحًا - بتوقيت القدس

الحقوق المالية المنسية للفلسطينيين: الملف الذي لم يُفتح منذ 78 عامًا

في السياسة، هناك حقوق تُنتزع بالقوة، وحقوق تُستعاد بالقانون، وحقوق تضيع لأنها تُنسى.


وعلى امتداد العقود الماضية، خاض الفلسطينيون معارك الأرض والهوية واللاجئين والأسرى والاستيطان، لكن سؤالًا آخر بقي معلقًا في الظل، وكأنه خارج جدول الأعمال الوطني:


ماذا حدث للحقوق والأصول المالية الفلسطينية التي كانت قائمة قبل عام 1948؟


قد يبدو السؤال للبعض ثانويًا في ظل ما يواجهه الشعب الفلسطيني من احتلال وحصار واستيطان وعدوان، لكنه في الحقيقة سؤال يرتبط بجوهر العدالة الوطنية والتاريخية. فالشعوب لا تفقد أوطانها فقط، بل قد تفقد أيضًا أموالها ومؤسساتها وأوقافها وحقوقها الاقتصادية عندما تغيب الدولة وتتفكك البنية القانونية التي تحمي هذه الحقوق.


قبل النكبة، كانت فلسطين تمتلك اقتصادًا ناشئًا ومؤسسات مالية وإدارية وأوقافًا وأصولًا عامة وأموالًا مودعة ضمن النظام المالي الذي كان قائمًا خلال فترة الانتداب البريطاني. ومع التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها المنطقة، اختفى جزء كبير من الحديث حول مصير تلك الحقوق والأصول، وبقي الملف محاطًا بالأسئلة أكثر من الإجابات.


المشكلة الحقيقية ليست في عدم امتلاك إجابات نهائية حتى الآن، بل في أننا لم نبذل جهدًا وطنيًا مؤسسيًا كافيًا لطرح الأسئلة أصلًا.


ففي عالم القانون الدولي لا تكفي الروايات، ولا تكفي المواقف السياسية، ولا تكفي الخطابات العاطفية. ما يصنع الحقوق هو الوثائق، وما يحفظها هو التوثيق، وما يستردها هو العمل القانوني المنظم.


ولهذا فإن القضية لا ينبغي أن تبدأ من اتهام هذا الطرف أو ذاك، ولا من إطلاق تقديرات مالية غير موثقة، بل من إطلاق مشروع وطني شامل للبحث والتقصي والتوثيق.


إن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم على المؤسسات الفلسطينية ليس: كم تبلغ قيمة الأصول الفلسطينية التاريخية؟


بل: هل نملك أصلًا سجلًا وطنيًا موحدًا لهذه الحقوق؟


وهل توجد قاعدة بيانات وطنية تجمع ما يتعلق بالأموال والودائع والأوقاف والأصول العامة الفلسطينية التي تعود إلى ما قبل عام 1948؟


وهل توجد لجنة قانونية متخصصة تعمل بصورة دائمة على هذا الملف؟


إذا كانت الإجابة لا، فإن المشكلة لا تكمن في ضياع الحقوق فحسب، بل في غياب البنية الوطنية القادرة على حمايتها.


إن التجارب الدولية الحديثة تقدم دروسًا مهمة. فالكثير من الدول والشعوب التي تعرضت للاستعمار لم تبدأ معاركها باستعادة الأموال أو الممتلكات، بل بدأت أولًا ببناء ملفات قانونية دقيقة تستند إلى الأرشيفات والسجلات والوثائق التاريخية.


ولهذا فإن الخطوة الأولى المطلوبة فلسطينيًا ليست رفع دعوى أمام محكمة دولية، ولا التوجه إلى الأمم المتحدة، بل تأسيس هيئة وطنية مستقلة لحصر وتوثيق الحقوق المالية الفلسطينية التاريخية.


هيئة تضم مؤرخين وخبراء اقتصاد وقانونيين ومحاسبين ومتخصصين في الأرشفة الدولية، تكون مهمتها البحث في الأرشيفات الفلسطينية والبريطانية والعثمانية والعربية والدولية، وجمع كل ما يتعلق بالأصول والحقوق المالية الفلسطينية قبل النكبة.


هذه الخطوة وحدها كفيلة بنقل القضية من دائرة التكهنات إلى دائرة الحقائق.


أما الخطوة الثانية، فتتمثل في حماية أي حقوق محتملة من الضياع المستقبلي عبر إنشاء صندوق سيادي للحقوق الفلسطينية التاريخية.


قد يتساءل البعض: كيف ننشئ صندوقًا لأموال لم تُسترد بعد؟


والجواب بسيط.


الصندوق ليس مجرد وعاء مالي، بل إطار قانوني ومؤسسي لحماية الحقوق المستقبلية وضمان إدارتها بشفافية واستقلالية إذا جرى استردادها يومًا ما.


فالتاريخ يعلمنا أن بعض الشعوب نجحت في استعادة أصولها المالية، لكنها فشلت لاحقًا في إدارتها، فضاعت الثروة مرة أخرى ولكن بأيدٍ مختلفة.


ومن هنا ينبغي أن يكون التفكير في إدارة الأموال جزءًا من التفكير في استعادتها.


أما الخطوة الثالثة، فتتمثل في تدويل القضية ضمن إطار العدالة الاستعمارية العالمية.


فالعالم يشهد اليوم نقاشًا متزايدًا حول مسؤوليات القوى الاستعمارية التاريخية تجاه الشعوب التي خضعت لسيطرتها. وتتصاعد المطالبات بإعادة الممتلكات المنهوبة والآثار والأموال والحقوق التاريخية في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.


وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى الحقوق المالية الفلسطينية باعتبارها ملفًا فلسطينيًا معزولًا، بل باعتبارها جزءًا من قضية عالمية تتعلق بالعدالة التاريخية والإنصاف بين الشعوب.


إن تحويل الملف إلى قضية عدالة دولية يمنحه شرعية أوسع، ويخرجه من دائرة التجاذبات السياسية الضيقة.


لكن قبل كل ذلك، يجب أن نعترف بحقيقة أساسية:


الخطر الأكبر على الحقوق الفلسطينية التاريخية ليس فقط من يحتفظ بها أو يرفض الاعتراف بها، بل من احتمال أن تتآكل بفعل النسيان والإهمال وغياب العمل المؤسسي.


فالحقوق لا تسقط بالتقادم قانونيًا فقط، بل قد تسقط عمليًا عندما يغيب من يدافع عنها ويوثقها ويتابعها جيلاً بعد جيل.


لهذا فإنني أدعو سلطة النقد الفلسطينية ووزارة المالية والمؤسسات الأكاديمية ومراكز الدراسات القانونية والاقتصادية إلى إطلاق مبادرة وطنية لتأسيس أول سجل فلسطيني شامل للحقوق والأصول المالية التاريخية.


فقد يكون بين دفاتر الأرشيفات المنسية ما يستحق البحث، وقد يكون في الوثائق المهملة ما يعيد فتح ملفات أُغلقت قبل عقود.


وفي النهاية، ليست القضية قضية أموال فحسب.


إنها قضية ذاكرة وطنية.


وقضية سيادة قانونية.


وقضية حق شعب في أن يعرف ماذا كان يملك، وماذا فقد، وماذا يمكن أن يستعيد.


فما يُوثق لا يضيع، وما يُحمى قانونيًا يبقى حيًا، حتى لو انتظر عقودًا طويلة ليعود إلى أصحابه.


م. غسان جابر

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:18 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب.. من الفاشل إلى التلاعب في المنطقة

أثار طلب الرئيس الأمريكي، في المكالمة الجماعية مع زعماء دول عربية وإسلامية، الانخراط في اتفاقات إبراهيم ردود فعل واضحة من قبل المملكة العربية السعودية والباكستان بعدم الربط في أي اتفاق بتعلق بالحرب الإيرانية الإسرائيلية- الإيرانية، بل الارتباط الممكن هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة عام 1967 أو وجود مسار موثوق لإقامة الدولة الفلسطينية، أي التركيز على لُب الصراع في المنطقة المتعلقة بالأساس في الاحتلال الإسرائيلي.

كما أشار هذا الطلب إلى أن ترمب ما زال متعلقا بتحقيق نصر سياسي لنتنياهو من أجل القبول بالمعادلة الجديدة التي ترسمها الولايات المتحدة لمصالحها في المنطقة، وربما إعادة العلاقة مع إيران.

ويبدو أن القراءة الخاطئة للإدارة الامريكية التي بدأت حرباً دون النظر إلى مصالح الدول العربية في الخليج العربي، ألحقت الضرر بمجمل دول الخليج العربي من الناحية الأمنية؛ بسبب استهداف إيران لأراضيها ومنشأتها الاقتصادية خاصة النفطية، وإغلاق مضيق هرمز، ما أثر بشكل كبير على المصالح الاقتصادية لهذه الدول بسبب منع التدفق الحر للتجارة بما فيها تصدر النفط الخليجي إلى دول العالم.

يرتبط طلب ترمب، المذكور أعلاه، بمسألتين الأولى؛ توظيف هذه الحرب للقول إنه حقق السلام في الشرق الأوسط كإنجاز له- أي لترمب- على طريق توسيع اتفاقيات إبراهيم بتوظيف القوة العسكرية الأمريكية لإخضاع المنطقة، وهي إحدى شعاراته السياسية. والثانية؛ محاولة كسب دعم اللوبي الصهيوني في الولايات الأمريكية لصالح مرشحي الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية للكونغرس في تشرين الثاني المقبل؛ وذلك بسبب فشله في إخضاع كلي لإيران عبر الحرب أو القوة المسلحة.

في ظني، أن أركان الإدارة الأمريكية تدرك تماماً أن إحداث تغيير في منطقة الشرق الأوسط يتطلب إعادة تموضع لمصالح القوى الإقليمية فيها؛ وبخاصة ما يتعلق بأطماع إسرائيل في المنطقة ووقف عدوانها على دول وشعوب المنطقة نحو تحقيق السلام الشامل المبني على الحقوق وفي مقدمتها حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، لتعزيز الاستقرار والأمن والازدهار في المنطقة.

لكن حتى الآن الرئيس الأمريكي ترمب لم يدرك جوهر العلاقات المتشابكة والمتداخلة في منطقة الشرق الأوسط القائمة على التاريخ والهوية والحقوق والجغرافيا والدين والاقتصاد؛ فالعيش المشترك لا يرتبط بالاقتصاد والازدهار وحده، بل الاعتراف بالمكانة دون إهدار لأي من العوامل المتداخلة الكامنة في المنطقة واعتبارات كل طرف من الأطراف.



أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:17 صباحًا - بتوقيت القدس

لبنان في معادلات الصراع الإقليمي

يحتل لبنان موقعًا محوريًا في التفاعلات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، حيث تتداخل على أرضه المصالح المحلية والإقليمية والدولية بصورة معقدة. وقد أدى موقعه الجغرافي على الحدود مع إسرائيل، إلى جانب تركيبته السياسية والطائفية الخاصة، إلى جعله ساحة مهمة للتنافس الاستراتيجي بين القوى الإقليمية. وفي هذا السياق، برزت إيران وإسرائيل بوصفهما من أبرز الأطراف المؤثرة في المشهد اللبناني، الأمر الذي جعل لبنان عنصرًا مهمًا في حسابات الأمن والسياسة الإقليمية.

شهد الدور الإيراني في لبنان تطورًا ملحوظًا خلال العقود الأخيرة، حيث عززت طهران حضورها من خلال علاقاتها السياسية والاستراتيجية مع قوى لبنانية مؤثرة، وعلى رأسها حزب الله. وقد مكّن هذا الحضور إيران من امتلاك أدوات تأثير تتجاوز الحدود اللبنانية لتشمل ملفات إقليمية أوسع. وتنظر طهران إلى لبنان باعتباره جزءًا من منظومة إقليمية تهدف إلى تعزيز النفوذ السياسي والعسكري ومواجهة الضغوط الخارجية، وخاصة تلك المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل.

في المقابل، تنظر إسرائيل إلى الساحة اللبنانية من منظور أمني بالدرجة الأولى. فوجود قوى مسلحة على حدودها الشمالية يمثل، من وجهة نظرها، تحديًا استراتيجيًا دائمًا. لذلك، تتابع إسرائيل التطورات اللبنانية عن كثب، وتحرص على منع أي تغيرات قد تؤدي إلى تعزيز القدرات العسكرية للقوى المعادية لها. كما تستخدم الملف اللبناني في حواراتها مع الولايات المتحدة والقوى الغربية لتأكيد أهمية الدعم السياسي والعسكري لمواجهة ما تعتبره تهديدات متزايدة على حدودها.

وتزداد أهمية لبنان في فترات التوتر الإقليمي، حيث يصبح جزءًا من منظومة الرسائل السياسية والعسكرية المتبادلة بين الأطراف المختلفة. ففي أوقات الأزمات، قد يُستخدم التصعيد المحدود أو التهديد به كوسيلة للضغط وتحسين شروط التفاوض في ملفات أخرى، مثل الملف النووي الإيراني أو الترتيبات الأمنية في المنطقة. ومن هنا، لا يمكن فهم التطورات اللبنانية بمعزل عن السياق الإقليمي الأشمل.

مع ذلك، فإن النظر إلى لبنان باعتباره مجرد أداة في يد القوى الخارجية يتجاهل حقيقة وجود عوامل داخلية مؤثرة. فالأزمة الاقتصادية المستمرة، والانقسامات السياسية، والتحديات الاجتماعية، كلها عناصر تلعب دورًا مهمًا في تشكيل الواقع اللبناني. كما أن الدولة اللبنانية والقوى السياسية المحلية تسعى، بدرجات متفاوتة، إلى حماية مصالحها الوطنية والتعامل مع الضغوط الخارجية بما يخدم أولوياتها الداخلية.

علاوة على ذلك، فإن التوازنات الإقليمية والدولية تجعل من الصعب على أي طرف فرض إرادته بشكل كامل على الساحة اللبنانية. فهناك شبكة معقدة من المصالح المتداخلة تشمل قوى عربية ودولية متعددة، الأمر الذي يحد من قدرة أي جهة على التحكم الكامل بمسار الأحداث. ولذلك، يبقى لبنان مساحة للتفاعل والتأثير المتبادل أكثر من كونه مجرد ساحة خاضعة لطرف واحد.

وفي الختام، يمثل لبنان نموذجًا بارزًا لتشابك العوامل المحلية والإقليمية في تشكيل السياسات والأحداث. فبين النفوذ الإيراني، والهواجس الأمنية الإسرائيلية، والمصالح الدولية المختلفة، يظل لبنان جزءًا أساسيًا من معادلات الشرق الأوسط. ويعتمد مستقبله إلى حد كبير على قدرته في تعزيز مؤسسات الدولة وتحقيق الاستقرار الداخلي، بما يسمح له بالتعامل مع التحديات الخارجية من موقع أكثر قوة واستقلالية.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:16 صباحًا - بتوقيت القدس

من سايكس بيكو إلى بلفور: حين صارت الخريطةُ وعداً وصار الوعدُ نكبةً



في السادس عشر من مايو 1916، لم تكن بريطانيا وفرنسا ترسمان حدود الشرق الأوسط على ورق فحسب، بل كانتا تعيدان اختراع المشرق بوصفه غنيمة سياسية مؤجلة. كانت الحرب العالمية الأولى تلتهم الإمبراطوريات القديمة، وكانت الدولة العثمانية تتراجع، فيما كانت قناة السويس تؤرق لندن كما لو أنها شريان الإمبراطورية الأخير. في تلك اللحظة لم ينظر العقل الاستعماري إلى العرب بوصفهم شعوبا تنتظر حقها في الاستقلال، ولا إلى فلسطين بوصفها وطنا لشعب قائم في أرضه، بل بوصفهما مادة قابلة للتقسيم وساحة قابلة لإعادة الترتيب.

هكذا ولدت سايكس بيكو: لا كاتفاق حدودي فقط، بل كفلسفة استعمارية كاملة. فلسفة ترى أن خرائط النفوذ أصدق من ذاكرة الشعوب، وأن مصير المجتمعات يمكن أن يقرره رجال يجلسون في غرف مغلقة بعيدا عن تراب البلاد وأسماء أهلها. وما إن فتحت هذه الخرائط السرية حتى صار وعد بلفور ممكنا. لم يكن بلفور انحرافا عن سايكس بيكو، بل نتيجتها الأشد قسوة؛ فإذا كانت سايكس بيكو قد جزأت المشرق إلى مناطق نفوذ، فإن بلفور انتزع فلسطين من معناها الوطني والإنساني والتاريخي، وحولها من أرض لشعبها إلى وعد يمنحه من لا يملك لمن لا يستحق.

بين سايكس بيكو ووعد بلفور لا نقف أمام حدثين متجاورين، بل أمام منطق واحد: تحويل المنطقة من فضاء حضاري متصل إلى خرائط نفوذ مجزأة، ومن شعوب تطلب الاستقلال إلى جماعات ممزقة تدار بالوعود والانتداب. لقد كان وعد بلفور ثمرة مرة لشجرة سايكس بيكو؛ الشجرة التي زرعت التقسيم في الأرض، ثم منحت الغريب حقا فوقها، وفتحت قرنا كاملا من الاحتلال، من الانتداب إلى الاستيطان.

لم تكن الخديعة عابرة. ففي الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تخاطب الشريف حسين بلغة الاستقلال العربي، كانت تتفاوض سرا مع فرنسا على تقسيم المشرق، وتتقدم في الوقت نفسه نحو الحركة الصهيونية لتمنحها وعدا في فلسطين. هكذا استدعي العرب إلى الحرب باسم التحرر لا باسم الشراكة، واستعملت الثورة العربية أداة لتفكيك الجسد العثماني، لا لتأسيس دولة عربية مستقلة. أما فلسطين، فأخرجت من سياقها الطبيعي ومن علاقتها العضوية بأهلها ومحيطها، لتصبح فضاء مؤجلا لوظيفة استعمارية أكبر: حماية طريق الإمبراطورية، وتثبيت موطئ قدم دائم في قلب المشرق.

والأكثر مأساوية أن العرب لم يخرجوا من عباءة الإمبراطورية إلى فضاء السيادة، بل إلى غرف الانتداب. كانت السلطنة قد شاخت وتحتاج إلى إصلاح عميق، لكن إسقاط الرابطة السياسية القديمة لم يرافقه بناء رابطة جديدة قادرة على حماية الأرض والقرار. لذلك لم يولد الاستقلال الموعود، بل ولدت كيانات تحت الوصاية، وحدود مرسومة بمسطرة الخارج، ودول مبكرة الهشاشة، تحمل جرح النشأة وقلق الشرعية.

ولا يمكن فهم سايكس بيكو وبلفور بعيدا عن الحسابات الجيوسياسية الكبرى. فقد نظر الأوروبيون إلى الدولة العثمانية طويلا بوصفها حاجزا أمام الاندفاع الروسي نحو المياه الدافئة وطرق الهند. دعموها حين كانت سدا نافعا، ثم قرروا وراثتها حين بات سقوطها محتوما. لم يكن الشرق في المخيال الإمبراطوري ذاتا سياسية، بل ممرا وحاجزا وخزانا للموارد ومسرحا للتوازنات الكبرى.

غير أن الخديعة الكبرى لا تكمن فقط في أن بريطانيا وعدت العرب بما لم تف به، بل في أنها أعادت تعريف المنطقة كلها من خلال عدسة استعمارية تعتبر التنوع علة، والمجتمعات الشرقية عاجزة عن إنتاج الدولة، والغرب وصيا طبيعيا على خرائطها. لم تكن هذه القراءة وصفا بريئا، بل أداة حكم؛ فحين يصنف الخارج المجتمع إلى طوائف وقبائل وأقليات، يصبح تدخله ضرورة، وتصبح الحدود المفروضة حلا.

منذ ذلك الحين تحركت أحجار الدومينو. سقوط السلطنة فتح باب الانتداب، والانتداب فتح باب المشروع الصهيوني، والمشروع الصهيوني فتح باب النكبة، والنكبة فتحت باب اللجوء والحروب والانقلابات، والنكسة فتحت باب الاحتلال الطويل، والاحتلال فتح باب الاستيطان بوصفه سياسة يومية. في هذا المسار لم تكن فلسطين هامشا، بل المختبر الأكثر كثافة لفكرة السيطرة: كيف يتحول شعب كامل إلى “مشكلة”، والمحتل إلى طرف أمني، والحق إلى ملف تفاوض بلا نهاية.

أخطر ما في سايكس بيكو أنها لم تنته بانتهاء لحظتها التاريخية، بل تحولت إلى قابلية مستمرة لإعادة الإنتاج. فالمؤامرات الراهنة ليست نسخة كربونية من اتفاق 1916، لكنها تعمل بروحه ذاتها: تفكيك المجال العربي، تحويل الدولة إلى جزر متنازعة، إضعاف الروابط الوطنية، وإعادة بناء المنطقة حول مصالح الخارج لا إرادة شعوبها. الجميع يلعن سايكس بيكو في الخطاب، لكن كثيرا من القوى يمارسها في الواقع حين يقبل بتقسيم المجتمع إلى طوائف ومناطق ومليشيات، وحين يستدعي الخارج ضد الداخل.

بهذا المعنى، لا تبدو حروب اليمن والسودان وليبيا والعراق منفصلة عن سؤال الخرائط. إنها تجليات متأخرة لمنطق سايكس بيكو وقد عاد أكثر شراسة: ليس عبر موظف بريطاني وفرنسي يرسمان الحدود فوق طاولة، بل عبر انهيار الدولة من داخلها، وتعدد الجيوش، وتنازع الشرعيات، وصعود المليشيات، وتحول السيادة إلى سلعة تتقاسمها العواصم الإقليمية والدولية. هنا لا ترسم الخريطة من الخارج وحده، بل من الداخل أيضا، حين تفشل الدولة في احتكار العنف المشروع.

لذلك فإن القول إن سايكس بيكو انتهت قول شديد التبسيط. لقد انتهت كوثيقة، لكنها بقيت كمنهج. بقيت حين تحولت الدولة العربية إلى كيان هش يحرسه نظام مستبد أكثر مما يحرسه عقد اجتماعي. وبقيت حين حمت القوى الكبرى أنظمة قمعية باسم الاستقرار، وهي تعلم أن هذا الاستقرار ليس سوى تجميد مؤقت للانفجار. لقد احتاجت خرائط سايكس بيكو إلى أنظمة قوية على شعوبها وضعيفة أمام الخارج؛ أنظمة تمنع المواطنة، وتؤجل الإصلاح، وتكسر المجتمع المدني، وتحتكر الجيش والقانون والثروة.

من هنا تبدو اللحظة الراهنة امتدادا لذلك التاريخ. فخطابات “الشرق الأوسط الجديد”، ومشاريع إعادة تشكيل المنطقة بالقوة والصفقات والتطبيع، ليست مجرد عناوين سياسية عابرة؛ إنها محاولة لمنح سايكس بيكو حياة جديدة بأدوات مختلفة. لم تعد الخريطة ترسم بالحبر وحده، بل بالصواريخ، والممرات الاقتصادية، وصفقات السلاح، واتفاقات التطبيع. ولم تعد فلسطين وحدها هي المستهدفة، بل معنى المنطقة كلها: أن تصبح إسرائيل مركز النظام، وأن تتحول الدول العربية إلى هوامش أمنية واقتصادية حولها.

تغيرت الأسماء وبقيت البنية. بالأمس: سايكس بيكو، بلفور، الانتداب، الحماية، مناطق النفوذ. واليوم: الشرق الأوسط الجديد، الاتفاقات الإبراهيمية، الممرات الاقتصادية، الأمن الإقليمي، مكافحة الإرهاب، حماية الملاحة، وإعادة هندسة الدولة الوطنية. ليست هذه المفاهيم متطابقة، ولا يجوز اختزالها كلها في مؤامرة واحدة، لكنها تتحرك، في كثير من استعمالاتها، ضمن منطق قديم: ترتيب المنطقة من خارجها، وتكييف خرائطها مع مصالح القوى الكبرى.

غير أن الإنصاف التاريخي يقتضي ألا نحول الخارج إلى قدر مطلق، ولا الداخل إلى ضحية بريئة تماما. فقد نجحت سايكس بيكو لأنها وجدت هشاشة عربية، ونجح بلفور لأنه جاء في لحظة غياب قوة فلسطينية وعربية قادرة على فرض نفسها. وما تزال مخططات اليوم تجد طريقها لأن الدولة العربية ضعيفة، والمجتمع منقسم، والنخب مأخوذة بمصالحها، والقانون مطوع للسلطة، والذاكرة مثقلة بالشعارات أكثر من المؤسسات.

لذلك فإن قراءة سايكس بيكو لا ينبغي أن تتحول إلى مرثية طويلة، بل إلى نقد مزدوج: نقد للاستعمار الذي جزأ، ونقد للذات التي لم تبن قوة تمنع التجزئة من التحول إلى مصير. فليس المطلوب أن نبكي السلطنة العثمانية كما لو كانت فردوسا ضائعا، ولا أن نمجد الثورة العربية كما لو كانت خلاصا محققا، بل أن نفهم مأساة الانتقال: كيف سقط فضاء سياسي قديم قبل أن يولد فضاء عربي حديث؟

في هذا المعنى، تكون فلسطين مرآة المشرق كله. فما حدث لها كان أكثر كثافة مما حدث لغيرها، لكنه ليس منفصلا عنه. هي المكان الذي تجمعت فيه خرائط سايكس بيكو، ووعد بلفور، والانتداب، والاستيطان، وفشل النظام العربي، وتواطؤ القوى الكبرى، وعجز القانون الدولي عن حماية الحق حين يصطدم بالقوة. والفلسطيني لم يفقد وطنه لأنه عجز عن التعدد أو الحداثة، بل لأن قوة استعمارية أعادت تعريف وطنه دون رضاه، ثم حمت مشروعا استيطانيا حول الحق الأصلي إلى عبء تفاوضي.

مواجهة سايكس بيكو الجديدة لا تكون بالشعارات وحدها، بل بإغلاق الشروط التي تمنحها الحياة: بناء دولة مواطنة لا دولة غلبة، جيش وطني لا جيوش متنافسة، قانون لا مزاج حاكم، عدالة انتقالية لا انتقام، ومجتمع مدني قادر على ملء الفراغ بين الدولة والناس. فحين تفشل الدولة في حماية مواطنيها، يأتي الخارج باسم الحماية. وحين تفشل النخب في إنتاج تسوية وطنية، يأتي المبعوث الدولي بخريطة طريق. وحين ينهار العقد الاجتماعي، تعود سايكس بيكو لا بوصفها اتفاقا قديما، بل بوصفها قدرا يوميا يصنعه العجز الداخلي بقدر ما تصنعه الأطماع الخارجية.

من سايكس بيكو إلى بلفور، ومن الانتداب إلى الشرق الأوسط الجديد، يتكرر الدرس القاسي: الجغرافيا التي لا تحرسها قوة تتحول إلى غنيمة، والحق الذي لا تسنده مؤسسة يتحول إلى عاطفة، والذاكرة التي لا تنتج مشروعا تتحول إلى بكاء. الرد الحقيقي على سايكس بيكو ليس تمزيق الخرائط بالكلمات، بل بناء دولة عادلة لا تخاف مواطنيها. والرد الحقيقي على بلفور ليس استعادة اللعنة فقط، بل استعادة فلسطين كقضية حق وسيادة وعدالة. هكذا فقط يمكن أن تتحول الذكرى من طقس حزن إلى بداية وعي، ويمكن أن يتحول الألم إلى مشروع، والذاكرة إلى سياسة، وفلسطين من جرح مفتوح إلى معيار أخلاقي لتحرير المنطقة من قرن كامل من الخديعة.

فلسطين

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:15 صباحًا - بتوقيت القدس

مشاريع مياه الشرب تتوقف...قطاع غزة مُهدد بالعطش والنازحون يلجأون للبحر مُجددًا

خاص ب "القدس" - صلاح سكيك- تعصف أزمة جديدة بقطاع غزة، تضاف إلى سلسلة الأزمات التي تضرب القطاع منذ أكتوبر 2023، حيث إن المنطقة الساحلية الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، ستتحول إلى صحراء بلا مياه شرب خلال صيف 2026.

مؤخرًا، توقفت بعض مشاريع توزيع مياه الشرب على مخيمات النازحين في عدد من مناطق القطاع، والمشروع عبارة عن 30 شاحنة مياه وكل شاحنة تحمل 15 كوبًا، وهذه الكمية تغطي حوالي 300 مخيم يوميًا.

 ومع دخول فصل الصيف، فإن حاجة النازحين لمياه الشرب تتضاعف مقارنة بفصل الشتاء الذي كانت فيه أيضًا أزمة مياه الشرب، وحاليًا يتم الاعتماد على شاحنات المياه التي يرعاها بعض المبادرين ولا تلبي 10‎%‎ من الاحتياج اليومي للنازح، ما يعني أننا أمام كارثة جديدة تضاف إلى كوارث حرب الإبادة.


مياه البحر ليست حلًا


أم رامي، تقف أمام جالوناتها منتظرة قدوم شاحنة المياه والتي كانت تأتي يوميًا، وبسبب نقص المياه باتت تزور مخيمهم مرتان أسبوعيًا، ما يعني أنها ستضطر أن تخفض كمية استهلاك الماء في طهي الطعام، والاستحمام، وغسل الملابس.

وقالت أم رامي في حديث لصحيفة "ے": إنها ستلجأ إلى ما كانت تفعله قبل عام وهي تعبئة جالوناتها من مياه البحر، وهي مياه مالحة ولا تصلح للشرب أو الاستحمام والغسل؛ مستدركة "لكنني رغم ذلك مضطرة أن استخدم مياه البحر في الاستحمام وغسل الملابس والأواني".

وأوضحت أن أبنائها الثلاثة يسيرون مسافة طويلة حتى الوصول إلى شاطئ البحر وهذه العملية تتكرر يوميًا خمس أو ست مرات، داعية دول العالم للتخفيف من حجم الكوارث الإنسانية في قطاع غزة، وأول وأهم هذه الكوارث أزمة المياه.


المياه والمجاعة الثالثة


بدوره، قال حسام حمدان، وهو مزارع نازح في منطقة المواصي: إن أزمة المياه التي تعصف بقطاع غزة ستؤثر على ري الخضروات والفواكه، ما يعني أن أزمة المياه، ستولد أزمة طعام حيث يعتمد الغزيون في طعامهم على الخضروات نظرًا لغلاء بقية الأطعمة وشح الكثير منها.

وأشار حمدان في حديث مع "ے" إلى أن الخضروات بحاجة دائمة للري، ونظرًا لشدة الحرارة في قطاع غزة هذا العام وعدم توفر المياه الكافية، فإن الكثير من المحاصيل ستهلك وستتحول بيئة القطاع إلى بيئة "متصحرة"، دون أي تدخل دولي لحماية السكان أو البيئة، محذرًا من حدوث مجاعة ثالثة بسبب هذا الواقع.


لا نريد أن يتحكم بنا مستوطن حقير


أما محمود الغندور، أكد أنه بسبب أزمة المياه فإن دول الجوار مطالبين إما الضغط على إسرائيل لحل مشكلة المياه وتحديدًا مياه "الماكروت"، أو مد أنابيب المياه إلى القطاع، مضيفًا: "نحن لا نريد بترولًا ولا غازًا.. نريد أن نشرب مياه يا عرب، دون أن يتحكم بنا مستوطن حقير يغلق صنبور المياه كلما أراد".

وأضاف الغندور لصحيفة "ے" أن إسرائيل تريد إبقاء هذه الوضعية في قطاع غزة، واختلاق الأزمات بعد الإبادة والمجاعة، حتى يبدأ الغزيون بالتفكير بالهجرة لدول الخارج، وهذا ما قاله وزير المالية المستوطن بتسئيل سموتريتش قبل أيام.

ودعا في نهاية حديثه المنظمات الدولية العاملة في قطاع غزة، لاستمرار تنفيذ مشاريع مياه الشرب، وعلى رأس هذه المنظمات برنامج الأمن المتحدة الإنمائي "UNDP" والتي تعنى بتوفير مياه الصالحة للشرب للسكان، منذ بداية حرب الإبادة.

ووفق تقرير نشرته الأمم المتحدة، فإن نحو 75% من النازحين في قطاع غزة يعتمدون على المياه التي يتم نقلها عبر الشاحنات، في ظل تدهور حاد للبنية التحتية واستمرار الأزمة الإنسانية الناتجة عن الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023.

وأشارت الأمم المتحدة إلى أنه بعد أكثر من عامين ونصف على اندلاع حرب الإبادة، لم تعد الخيام المنتشرة في أرجاء القطاع مجرد ملاجئ مؤقتة للنازحين، بل تحولت إلى واقع يومي قاسٍ يختزل معاناة مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين فقدوا بيوتهم وأمانهم وكل تفاصيل حياتهم السابقة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:14 صباحًا - بتوقيت القدس

لبنان على صفيح ساخن...تصعيد متواصل وحسابات تتجاوز الميدان

خليل شاهين: الطروحات المتداولة بشأن مبادرة أمريكية لوقف التصعيد لا تبدو سوى تمهيد سياسي لمرحلة أكثر حدة من العمليات العسكرية

محمد جودة: من المرجح استمرار التصعيد ضمن حدود معينة بحيث تتواصل العمليات العسكرية والضغوط المتبادلة دون مواجهة شاملة

نعمان توفيق العابد: التصعيد في لبنان يندرج ضمن مخططات استراتيجية وأمنية تسعى حكومة الاحتلال لتحقيقها في إطار رؤيتها الأوسع للمنطقة

عدنان الصباح: ما يجري جنوب الليطاني يهدف إلى إفراغ المنطقة من سكانها وتحويلها إلى منطقة استراتيجية خاضعة للسيطرة الإسرائيلية

سليمان بشارات: أهداف التصعيد تتجاوز سلاح حزب الله أو إنشاء منطقة عازلة وتتعلق بمستقبل الوجود الإسرائيلي في الجنوب اللبناني

نهاد أبو غوش: أي توسع للعدوان سيحمل تحديات عسكرية وسياسية كبيرة لإسرائيل وتعزيز موقف حزب الله وإحراج الحكومة اللبنانية



رام الله- خاص بـ"القدس"-

يتجه المشهد في لبنان نحو مزيد من التصعيد، في ظل مؤشرات على أن التحركات العسكرية الجارية لا تنفصل عن مساعٍ لإعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض واقع أمني جديد على الأرض، مع استمرار العمليات واتساع نطاقها بشكل تدريجي، بما ينسجم مع أطماع وأهداف أيدلوجية إسرائيلية في الإقليم.

ويرى كتاب ومحللون سياسيون، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن هذه التطورات واتساع التصعيد الإسرائيلي على لبنان يتقاطع مع حسابات سياسية وإقليمية أوسع، حيث ترتبط الجبهة اللبنانية بملفات تفاوضية حساسة مع إيران وتوازنات دولية معقدة، ما يجعلها جزءاً من مشهد إقليمي غير مستقر وقابل للتغير.

ويشيرون إلى أن المرحلة المقبلة تبقى مفتوحة على احتمال استمرار التصعيد أو احتوائه عبر تسويات سياسية ودبلوماسية، في ظل هشاشة ميدانية تجعل مسار الأحداث رهناً بتطورات متسارعة على أكثر من مستوى.




تكريس واقع أمني جديد


يحذر الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين من أن التطورات الميدانية المتسارعة في لبنان تشير إلى اتجاه إسرائيلي نحو توسيع نطاق العمليات العسكرية وتكريس واقع أمني جديد يتجاوز فكرة المناطق العازلة التقليدية، في ظل تعثر الجهود السياسية واستمرار حالة الاستنزاف المتبادل بين جيش الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله.

ويوضح شاهين أن العمليات العسكرية الإسرائيلية المكثفة في جنوب لبنان، رغم اتساعها وتعمقها، لم تحقق الأهداف التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية، وفي مقدمتها توفير الأمن للمستوطنات الشمالية وإعادة الاستقرار إليها.


حالة استنزاف متبادلة


ويرى شاهين أن نمط المواجهة القائم حالياً يعكس حالة استنزاف متبادلة يصعب على إسرائيل تحمل تبعاتها على المدى الطويل، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الداخلية الموجهة إلى حكومة بنيامين نتنياهو والجيش الإسرائيلي بسبب العجز عن إيجاد حلول حاسمة للتحديات الميدانية المتصاعدة.

ويشير شاهين إلى أن حزب الله نجح في تطوير أساليب المواجهة من خلال تغيير تكتيكاته القتالية والانتقال من الوحدات الثابتة إلى أسلوب حرب المجموعات القائم على حرب العصابات، إلى جانب استخدام وسائل قتالية جديدة، الأمر الذي حدّ من قدرة الجيش الإسرائيلي على تحقيق إنجازات ميدانية حاسمة.

ويشير شاهين إلى أن توسيع حزب الله لدائرة الاستهداف لتشمل مناطق مثل صفد وعكا وكرميئيل وطبريا أدى إلى عودة مظاهر النزوح في بعض المستوطنات الشمالية، وهو ما يمثل تحدياً إضافياً للحكومة الإسرائيلية.


إسرائيل أمام خيارات محدودة


ويرى شاهين أن إسرائيل تجد نفسها أمام خيارات محدودة، إذ لا تستطيع التراجع أو القبول بوقف إطلاق النار في الظروف الحالية خشية اعتبار ذلك فشلاً جديداً يضاف إلى إخفاقاتها في مواجهة إيران، وإلى عجزها عن تحقيق أهدافها المعلنة في قطاع غزة بعد سنوات من الحرب.

ولذلك يرجح شاهين أن تتجه حكومة نتنياهو نحو المزيد من التصعيد والسعي للحصول على دعم أمريكي لتوسيع العمليات العسكرية، بما في ذلك تكثيف الاستهدافات في الضاحية الجنوبية لبيروت وتنفيذ عمليات نوعية واغتيالات جديدة.


تمهيد سياسي لمرحلة أكثر حدة


ويعتبر شاهين أن الطروحات المتداولة بشأن مبادرة أمريكية لوقف التصعيد لا تبدو سوى تمهيد سياسي لمرحلة أكثر حدة من العمليات العسكرية، خاصة أنها تقوم على اشتراط وقف كامل لأنشطة حزب الله مقابل امتناع إسرائيل عن استهداف بيروت والضاحية الجنوبية.

ويؤكد أن ما يجري حالياً يعكس تحولاً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، يقوم على إنشاء ما تسميه إسرائيل "مناطق دفاع" بدلاً من المناطق العازلة التقليدية.

ووفق شاهين، تقوم هذه الاستراتيجية على تدمير البنية العمرانية ومظاهر الحياة في المناطق المستهدفة، وإقامة قواعد ومنشآت عسكرية دائمة تضمن بقاء الجيش الإسرائيلي لفترات طويلة، كما يحدث في أجزاء من قطاع غزة وبعض المناطق الحدودية في جنوب لبنان.

ويوضح شاهين أن المخططات الإسرائيلية قد تتطور نحو فرض السيطرة الكاملة على المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، ثم التوسع شمالاً باتجاه الزهراني والأولي وإقليم التفاح، وصولاً إلى فرض ضغوط مباشرة على العاصمة بيروت عبر حصار بري وبحري دون الحاجة إلى احتلالها أو تدميرها بشكل مباشر.

ويعتقد شاهين أن التصعيد سيبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً ما لم يتم التوصل إلى تفاهم أمريكي ـ إيراني شامل يتضمن وقفاً لإطلاق النار في لبنان.


أي اتفاق محتمل لن ينهي الأزمة بصورة كاملة


ومع ذلك، فإن شاهين يوضح أي اتفاق محتمل لن ينهي الأزمة بصورة كاملة، إذ يتوقع أن تحتفظ إسرائيل بالمناطق التي عززت وجودها العسكري فيها، وأن تستخدمها كورقة ضغط خلال أي مفاوضات مستقبلية مع الدولة اللبنانية، سعياً لفرض أجندة أمنية تتصدرها قضية نزع سلاح حزب الله، على غرار الشروط التي تطرحها في مفاوضاتها المتعلقة بقطاع غزة.


مسار متواصل من التصعيد في المنطقة


يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن التطورات الجارية على الجبهة اللبنانية تندرج ضمن مسار متواصل من التوتر والتصعيد الذي تشهده المنطقة منذ فترة، في ظل سعي إسرائيل إلى تعزيز مواقعها الميدانية وتحقيق أهداف أمنية وعسكرية تعتبرها ضرورية، مقابل اعتبار الجانب اللبناني هذه التحركات اعتداءً على السيادة اللبنانية ومحاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض بالقوة.

ويوضح جودة أن المشهد الحالي لا يقتصر على الجانب العسكري المباشر، بل يحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية أوسع ترتبط بموازين القوى وقواعد الاشتباك السائدة بين الأطراف المختلفة.


تحسين المواقع التفاوضية وتعزيز أوراق القوة


ويشير جودة إلى أن التحركات الميدانية الجارية يمكن فهمها أيضاً في إطار محاولات متبادلة لتحسين المواقع التفاوضية وتعزيز أوراق القوة استعداداً لأي تفاهمات أو ترتيبات سياسية وأمنية محتملة خلال المرحلة المقبلة.

ويلفت جودة إلى أنه من المبكر تحديد ما إذا كانت التحركات الإسرائيلية الحالية تعكس استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى إحداث تغييرات دائمة على الأرض، أم أنها ترتبط بظروف ميدانية وسياسية مؤقتة فرضتها التطورات الأخيرة، إلا أنها تعكس بصورة واضحة استمرار هشاشة الوضع الأمني على الحدود اللبنانية وإمكانية تجدد التوتر في أي وقت.


استمرار التصعيد ضمن حدود معينة


وحول السيناريوهات المتوقعة، يوضح جودة أن المعطيات الحالية ترجح استمرار التصعيد ضمن حدود معينة، بحيث تتواصل العمليات العسكرية والضغوط المتبادلة دون الوصول إلى مواجهة شاملة أو حرب واسعة النطاق، وهو السيناريو الذي يبدو الأقرب في المدى المنظور.

ويلفت جودة إلى وجود احتمال آخر يتمثل في نجاح الجهود الدبلوماسية والوساطات الدولية في احتواء التوتر القائم والتوصل إلى تفاهمات أو ترتيبات أمنية من شأنها خفض مستوى التصعيد وإعادة قدر من الاستقرار النسبي إلى المناطق الحدودية.

ولم يستبعد جودة احتمال حدوث تصعيد أوسع إذا طرأت تطورات ميدانية أو سياسية من شأنها تغيير حسابات الأطراف المعنية، لكنه يؤكد أن المؤشرات المتوافرة حتى الآن تدل على إدراك مختلف الأطراف لحجم الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية التي قد تنجم عن أي مواجهة واسعة.

ويعتقد جودة أن المرحلة المقبلة ستظل مفتوحة على عدة احتمالات، وأن مسار الأحداث سيتحدد بدرجة كبيرة وفق التطورات الميدانية ومدى نجاح المساعي السياسية والدبلوماسية الرامية إلى منع انزلاق الأوضاع نحو مستويات أعلى من التصعيد.


أبعاد إسرائيلية استراتيجية وأمنية


يرى الكاتب والباحث السياسي والمختص بالعلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن التصعيد العسكري الإسرائيلي المتواصل في لبنان لا يمثل رد فعل ظرفياً على التطورات الميدانية، بل يندرج ضمن مخططات معدة مسبقاً تستند إلى أبعاد استراتيجية وأمنية تسعى حكومة الاحتلال إلى تحقيقها في إطار رؤيتها الأوسع للمنطقة.

ويوضح العابد أن البعد الاستراتيجي يتمثل في الأفكار التي تروج لها حكومة اليمين الإسرائيلي بشأن إعادة تشكيل خرائط الشرق الأوسط وتوسيع رقعة النفوذ والاحتلال، فيما يرتبط البعد الأمني باعتقاد المؤسسة الإسرائيلية أن الحلول العسكرية وإنشاء المناطق العازلة والتوغل داخل الأراضي اللبنانية والفلسطينية يمكن أن توفر حماية طويلة الأمد للمستوطنات الإسرائيلية، وخاصة في المناطق الشمالية.


جزء من مسار المفاوضات الإيرانية الأمريكية



ويشير العابد إلى أن التطورات على الجبهة اللبنانية لا يمكن فصلها عن مسار المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، لافتاً إلى أن إسرائيل تنظر بقلق إلى إمكانية التوصل إلى تفاهمات إقليمية قد تفرض تهدئة على جبهات المواجهة المختلفة.

ويرى العابد أن أحد أهداف التصعيد الحالي يتمثل في محاولة التأثير على هذه المفاوضات أو تعطيلها، إلى جانب السعي لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب العسكرية وضرب البنية التحتية العسكرية لحزب الله قبل الوصول إلى أي اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار.

ويلفت العابد إلى أن المشهد الداخلي الإسرائيلي يشكل عاملاً مؤثراً في مسار التصعيد، سواء من خلال الحسابات المرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية، أو من خلال الضغوط السياسية والقضائية التي يواجهها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ما يدفع الحكومة إلى التركيز على تحقيق إنجازات ميدانية يمكن استثمارها داخلياً.

ويعتقد العابد أن إسرائيل باتت تتعامل مع المفاوضات القائمة مع الجانب اللبناني من موقع القوة، وتسعى إلى فرض شروطها وانتزاع تنازلات عبر الضغط العسكري المباشر، معتبراً أن هذا النهج يعكس حالة من التغول ومحاولة فرض وقائع جديدة على الأرض قبل الانتقال إلى طاولة التفاوض.

ويرى العابد أن نجاح المفاوضات الأمريكية الإيرانية قد يفضي إلى تهدئة نسبية على الجبهة اللبنانية، لكنه لا يضمن وقفاً شاملاً ومستداماً لإطلاق النار، خصوصاً في ظل استمرار إسرائيل في فرض وقائع ميدانية جديدة.

أما في حال فشل تلك المفاوضات أو استبعاد الملف اللبناني من أي تفاهمات إقليمية، فإن العابد يرى أن احتمالات التصعيد العسكري ستبقى قائمة، وقد تمتد إلى توغلات أوسع داخل الأراضي اللبنانية وربما الوصول إلى المدن الرئيسية والعاصمة بيروت بهدف استهداف البنية التحتية لحزب الله وقياداته.

ويعتبر العابد أن فرص نجاح المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية تبقى محدودة، وأن إسرائيل ستسعى في مختلف السيناريوهات إلى استثمار تفوقها العسكري والدعم الأمريكي لفرض رؤيتها وشروطها السياسية والأمنية، ما يجعل مستقبل المشهد اللبناني مفتوحاً على احتمالات تتراوح بين السيئ والأسوأ.


مشروع استراتيجي مرتبط بالعقيدة الصهيونية


يعتبر الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن ما تتعرض له دولة لبنان من اعتداءات إسرائيلية متواصلة لا يمكن فصله عن مشروع استراتيجي قديم يرتبط بالعقيدة الصهيونية القائمة على البحث عن حدود وحواجز طبيعية توفر الحماية لدولة الاحتلال وتمنحها عمقاً جغرافياً وأمنياً، مؤكداً أن التطورات الجارية في جنوب لبنان تتجاوز إطار الردود العسكرية أو تداعيات السابع من أكتوبر 2023، لتندرج ضمن رؤية تاريخية أوسع تسعى إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في المنطقة.

ويوضح الصباح أن الفكر الصهيوني نظر منذ بداياته إلى عناصر طبيعية مثل نهر الأردن ونهر الليطاني وجبل الشيخ وهضبة الجولان وصحراء سيناء باعتبارها حواجز استراتيجية يمكن أن تؤمن حدوداً طبيعية لدولة الاحتلال. ويشير الصباح إلى أن مشروع السيطرة على المنطقة الممتدة بين قمة جبل الشيخ ومصبي الليطاني والزهراني ليس مشروعاً مستجداً، بل يعود إلى ما قبل قيام إسرائيل، مشيراً إلى أن الحركة الصهيونية سعت خلال فترة الانتدابين البريطاني والفرنسي إلى ضم هذه المنطقة إلى نطاق النفوذ البريطاني تمهيداً لإلحاقها بالدولة التي كانت تخطط لإقامتها، إلا أن ذلك قوبل بالرفض من الجانب الفرنسي آنذاك.

ويرى الصباح أن الإصرار الإسرائيلي على البقاء في مناطق جنوب لبنان يعكس أهدافاً تتجاوز نهر الليطاني، معتبراً أن التحركات الميدانية تشير إلى محاولة دفع حدود السيطرة والنفوذ باتجاه مناطق أبعد شمالاً.

ووفق الصباح، فإن وجود أي قوى مقاومة على حدود إسرائيل يمثل تهديداً استراتيجياً بالنسبة لها، خاصة بعد تجربة السابع من أكتوبر 2023، التي أظهرت محدودية الوسائل الأمنية التقليدية في منع الهجمات.


إفراغ جنوب الليطاني من السكان


ويعتقد الصباح أن ما يجري جنوب الليطاني يهدف إلى إفراغ المنطقة من سكانها وإلغاء الوجود البشري فيها، بما يؤدي إلى تحويلها إلى منطقة استراتيجية خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، مع إقامة مناطق عازلة تمتد تدريجياً نحو الشمال.

ويشير الصباح إلى أن الانشغال الدولي بملفات إقليمية، وفي مقدمتها المفاوضات المرتبطة بإيران والملف النووي والتوترات في الخليج، يوفر هامش حركة أوسع لإسرائيل لتكثيف عملياتها في لبنان وقطاع غزة.

ويحذر الصباح من أن استمرار غياب الضغوط الدولية الفاعلة، إلى جانب الانقسامات الداخلية في عدد من دول المنطقة، يمنح الاحتلال فرصة أكبر لتحقيق أهدافه.

ويؤكد الصباح أن التحدي الأبرز الذي تواجهه المنطقة لا يقتصر على الاحتلال الإسرائيلي أو السياسات الأمريكية، بل يتمثل أيضاً في حالة الانقسام السياسي والجغرافي التي تعاني منها عدة ساحات عربية وإقليمية، ما يضعف القدرة على مواجهة تلك المخططات.


إسرائيل لم تتوقف عن العدوان على لبنان


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن قراءة التطورات الجارية على الساحة اللبنانية تستدعي الانطلاق من حقيقة أساسية تتمثل في أن إسرائيل لم توقف عملياتها العسكرية في لبنان رغم الإعلان عن هدنة برعاية أمريكية وفتح مسار تفاوضي مع الدولة اللبنانية، بل واصلت عملياتها الميدانية وعملت على تكريس واقع جديد في الجنوب اللبناني.

ويوضح بشارات أن إسرائيل أبقت على وجودها العسكري وواصلت عمليات التدمير الواسعة للمنازل والبنية الجغرافية في مناطق الجنوب، إلى جانب منع سكان عشرات القرى الحدودية من العودة إلى منازلهم، الأمر الذي أدى إلى استمرار حالة النزوح القسري.

ويوضح بشارات أن حزب الله حرص على الإبقاء على مستوى من المواجهة يمنع ترسيخ صورة الضعف ويحافظ على قدر من معادلة الردع في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة.

ويشير بشارات إلى أن إسرائيل حاولت من خلال الجمع بين استمرار العمليات العسكرية والانخراط في المسار التفاوضي تحقيق هدفين رئيسيين؛ الأول فصل الملف اللبناني عن مسار المفاوضات والاتصالات الإقليمية المتعلقة بالعلاقة بين إيران والولايات المتحدة، والثاني إضفاء شرعية على وجودها العسكري داخل الأراضي اللبنانية وتحويله إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه مستقبلاً حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية أو أمنية.


إعادة إنتاج نموذج الوجود العسكري


ويوضح بشارات أن التصعيد الأخير يحمل عدة دلالات سياسية واستراتيجية، أبرزها أن إسرائيل باتت تتعامل مع لبنان كملف مستقل تسعى من خلاله إلى إعادة إنتاج نموذج الوجود العسكري الذي كان قائماً في جنوب لبنان قبل انسحابها عام 2000، بما يضمن استمرار حضورها الميداني داخل الأراضي اللبنانية لفترات طويلة.


الملف اللبناني كورقة ضغط


ويشير بشارات إلى أن هناك تنسيقاً أمريكياً إسرائيلياً يهدف إلى استخدام الملف اللبناني كورقة ضغط إضافية في مواجهة إيران وفي سياق المفاوضات الجارية معها، بما يسمح بتوظيف التطورات اللبنانية ضمن معادلات إقليمية أوسع.

ويشير بشارات إلى أن التصعيد يرتبط بالحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، في ظل الجدل المتصاعد حول الانتخابات المقبلة ومحاولات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعزيز موقعه السياسي من خلال استمرار خيار الحرب والتصعيد.

ويلفت بشارات إلى وجود توجه إسرائيلي أمريكي لحصر الملف اللبناني في إطار تفاوضي ثنائي بين لبنان وإسرائيل، وإبعاده عن التأثيرات الإقليمية والدولية التي لعبت فيها أطراف عربية وأوروبية أدواراً مهمة خلال السنوات الماضية.


مسار التصعيد المدروس والمتدرج


ويرجح بشارات أن يبقى مسار التصعيد المدروس والمتدرج هو الاحتمال الأقرب، مع سعي إسرائيل لتحقيق أهداف أمنية وسياسية وعسكرية تحت غطاء ودعم أمريكي.

ويشير بشارات إلى أن هذا التصعيد قد يهدف أيضاً إلى استفزاز إيران ودفعها للانخراط بصورة أكبر في المواجهة بما يسمح بتحميلها مسؤولية التوتر المتصاعد.

ويلفت بشارات إلى وجود سيناريو آخر يقوم على احتواء التصعيد وإعادة تفعيل المسار السياسي والتفاوضي بعد تحقيق بعض الأهداف المرحلية، إلا أنه يعتبر هذا الاحتمال أقل ترجيحاً في الوقت الراهن.

ويؤكد بشارات أن الأهداف الإسرائيلية المطروحة تتجاوز مسألة سلاح حزب الله أو إنشاء منطقة عازلة، وتمتد إلى ترتيبات استراتيجية أعمق تتعلق بمستقبل الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان.


العجز عن تحويل الإنجازات العسكرية لمكاسب سياسية


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الإسرائيلي نهاد أبو غوش أن إسرائيل، رغم امتلاكها تفوقاً عسكرياً كبيراً ودعماً أمريكياً مفتوحاً، تواجه مأزقاً حقيقياً يتمثل في عجزها عن تحويل إنجازاتها العسكرية إلى مكاسب سياسية حاسمة على مختلف الجبهات، بما فيها الجبهة اللبنانية، مشيراً إلى أن مسار التصعيد الحالي في لبنان يرتبط بحسابات إسرائيلية وأمريكية متشابكة تتجاوز حدود الميدان اللبناني.

ويوضح أبو غوش أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان لم تتوقف فعلياً رغم الإعلان عن هدنة برعاية أمريكية وفتح قنوات تفاوض مع الدولة اللبنانية، بل استمرت من خلال عمليات التدمير الواسعة والتهجير القسري في مناطق جنوب الليطاني، مع إبقاء عشرات القرى الجنوبية خارج نطاق العودة لسكانها. ويرى أبو غوش أن إسرائيل سعت من خلال ذلك إلى فرض وقائع ميدانية جديدة وترسيخ وجود طويل الأمد في الجنوب اللبناني، مع استمرار اعتمادها على الضوء الأخضر الأمريكي الذي يحدد سقوف التحرك الإسرائيلي واتجاهاته.


حزب الله يفاجئ إسرائيل


ويشير أبو غوش إلى أن إسرائيل فوجئت بعودة حزب الله إلى المواجهة بعد فترة طويلة من ضبط النفس، وبنجاحه في إعادة تنظيم قدراته واستعادة جزء من جاهزيته العسكرية، إضافة إلى استخدام وسائل قتالية جديدة، أبرزها المسيّرات الصغيرة العاملة بالألياف الضوئية، والتي شكلت تحدياً أمنياً وتقنياً للجيش الإسرائيلي.

ويلفت أبو غوش إلى أن تل أبيب تنظر بقلق إلى قدرة حزب الله على التأثير في المشهد السياسي اللبناني وإعاقة أي ترتيبات أو مفاوضات تسعى الحكومة اللبنانية إلى المضي بها بدعم أمريكي وإقليمي.

ويشير أبو غوش إلى أن العدوان الإسرائيلي يترافق مع محاولات لعزل حزب الله سياسياً وشعبياً عبر استهداف بيئته الحاضنة ومؤسساته الاقتصادية والخدمية والتعليمية، إلا أن هذه السياسة لم تحقق النتائج المرجوة حتى الآن، بل أسهمت في بروز مواقف وقوى لبنانية جديدة ترفض الضغوط الإسرائيلية وتدعو إلى التمسك بخيار المقاومة.


انقسام إسرائيلي متزايد


ويوضح أبو غوش أن الساحة الإسرائيلية تشهد انقساماً متزايداً بين أصوات تدعو إلى مواصلة التصعيد والحسم العسكري، وأخرى تحذر من الانزلاق مجدداً إلى "المستنقع اللبناني" وتكرار تجربة الاحتلال السابقة التي استمرت حتى عام 2000، كما تتصاعد الانتقادات الموجهة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يُتهم بتوظيف الحرب لتحقيق مكاسب سياسية داخلية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

ويتوقع أبو غوش أن أي توسع إضافي للعدوان على لبنان سيحمل تحديات عسكرية وسياسية كبيرة لإسرائيل، إذ سيؤدي إلى استنزاف أكبر للقوات الإسرائيلية، وزيادة الحاجة إلى التحصينات والموارد العسكرية، فضلاً عن تعزيز موقف حزب الله وإحراج الحكومة اللبنانية أمام الرأي العام الداخلي والخارجي.


التصعيد وارتباطه بالتفاهمات الأمريكية الإيرانية


ويعتقد أبو غوش أن مستقبل التصعيد يبقى مرتبطاً أيضاً بمسار التفاهمات الأمريكية الإيرانية، مشيراً إلى أن طهران لا تزال تتمسك بربط أي اتفاق تهدئة أو وقف إطلاق نار شامل بالوضع في لبنان، الأمر الذي يجعل الجبهة اللبنانية جزءاً أساسياً من التوازنات الإقليمية الجارية ويصعب فصلها عن المسارات السياسية الأوسع في المنطقة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:13 صباحًا - بتوقيت القدس

انتخابات الكنيست المقبلة

أنهت الأحزاب العربية الفلسطينية الثلاثة مفاوضاتها، وتم التوصل إلى اتفاق فيما بينها لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة، انتخابات الكنيست الاسرائيلي، بقائمة واحدة، إن لم يتمكنوا من التوصل إلى اتفاق مع الحزب الرابع "القائمة الموحدة" برئاسة منصور عباس، لخوض الانتخابات ضمن "القائمة المشتركة".

الأحزاب الثلاثة: 1- الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة برئاسة يوسف جبارين، 2- الحركة العربية للتغيير برئاسة احمد الطيبي، 3- التجمع الوطني الديمقراطي برئاسة سامي أبو شحادة، وعبر هذا التحالف يمكنهم تحقيق النجاح المضمون للأحزاب الثلاثة، بعد أن خاضوا الانتخابات السابقة الخامسة والعشرين التي جرت في الأول من شهر تشرين الثاني نوفمبر 2022، بقائمتين منفصلتين واحدة للجبهة الديمقراطية مع الحركة العربية للتغيير وحصلت على خمسة مقاعد، بينما أخفق التجمع الوطني الديمقراطي من تجاوز نسبة الحسم وخسر موقعه في الكنيست، وذهبت أصواته الانتخابية وخسر المقاعد الاربعة لصالح حزب الليكود الأكبر عدداً، وفق قوانين الانتخابات الإسرائيلية.

في الانتخابات السابقة حصلت الجبهة الديمقراطية مع العربية للتغيير على 193 ألف صوت، وعلى خمسة مقاعد، بينما فقد التجمع الأصوات التي حصل عليها وهي 138 ألف صوت، ولو خاضوا الانتخابات بقائمة موحدة بين الأحزاب الثلاثة لحصلت على ثمانية مقاعد على الاقل.

القائمة الثالثة العربية الفلسطينية التي خاضت انتخابات الكنيست السابقة، هي "القائمة الموحدة" و حصلت على 178 ألف صوت، وخمسة مقاعد وبذلك حصلت الأحزاب العربية الفلسطينية على عشرة مقاعد فقط، بينما في الانتخابات التي سبقتها حينما شكلت قائمة موحدة من الأحزاب الأربعة فقد حصلت على 15 مقعداً، مما يدلل على أهمية التحالف والوحدة والعمل المشترك بين الأحزاب الأربعة، بل ثمة مشاركة يمكن أن تتم بتوسيع حجم الائتلاف والتحالف لضم الحزب الديمقراطي العربي برئاسة النائب السابق المحامي طلب الصانع وبعض الشخصيات الوطنية البارزة مثل علي بشير رئيس بلدية سخنين السابق، أو مازن غنايم رئيس بلدية سخنين الحالي، رئيس لجنة رؤساء المجالس المحلية العربية، وغيرهم من الشخصيات الأكاديمية، أو رؤساء البلديات، أو الشخصيات العامة.

حسمت الأحزاب الثلاثة موقفها وقرارها، وباقي التوصل إلى ائتلاف مع "القائمة الموحدة" ليكونوا معاً في قائمة مشتركة، وثمة خلافات بينهم، على الأرجح سيتوصلوا إلى تجاوزها وهي:

1- تشكيل القائمة المشتركة ووضع الأسماء حسب الأولويات وخاصة من يكون رئيس القائمة، وثمة اقتراح لتبادل الموقع بالتناوب بين يوسف جبارين رئيس كتلة الجبهة الديمقراطية مع منصور عباس رئيس كتلة "القائمة الموحدة" لمدة سنتين لكل منهما.

2- أن يبقى التحالف مقتصراً على الانتخابات، ويعطي المجال لحرية الاختيار في التعامل السياسي لكل حزب بعد الانتخابات، حيث ترى القائمة الموحدة ضرورة التحالف مع الأحزاب الصهيونية المشاركة في الحكومة، من أجل تحقيق مكاسب مختلفة لصالح الأوضاع المعيشية والمالية والوظائفية للمجتمع العربي الفلسطسني في إدارات المؤسسات المدنية الإسرائيلية، وهو توجه هام إضافة إلى أنه يُحقق مكاسب عملية للمجتمع العربي الفلسطيني أبناء مناطق 48، أبناء الكرمل والجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل المختلطة، فهو يكسر حلقة الفهم الصهيوني على أن "الدولة" هي "دولة يهودية" حيث يشغل الفلسطينيون حوالي 20 بالمائة من عدد السكان، وبذلك يحققوا مفهوم الشراكة، وإنهاء واقع وفلسفة "يهودية الدولة" بالتدرج.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:12 صباحًا - بتوقيت القدس

الشبكات الاجتماعية الرقمية.. الأرضية الخصبة لجريمة مستحدثة

في عصرٍ باتت فيه الهواتف الذكية امتداداً لأيدي البشر، وتحولت فيه الشبكات الاجتماعية الرقمية إلى جزءٍ أصيلٍ من تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد العالم كما كان من قبل. فهذه المنصات التي جاءت لتختصر المسافات، وتُسهّل التواصل، وتنقل الأخبار والمعرفة بسرعة الضوء، حملت معها وجهاً آخر أكثر ظلمةً وخطورة؛ وجهاً جديداً للجريمة لم يكن معروفاً في الأزمنة السابقة، إنها الجريمة الإلكترونية التي ولدت من رحم التطور الرقمي، وترعرعت في بيئة افتراضية مفتوحة بلا حدود.

لقد أحدثت الشبكات الاجتماعية الرقمية ثورةً هائلة في الإعلام والاتصال، حتى أصبحت منابر للرأي، وساحات للنقاش، ووسائل للتأثير والتوجيه، غير أن هذا الاتساع الكبير في الاستخدام ترافق مع ظهور ممارسات خطيرة استغلها ضعاف النفوس والمحتالون والمجرمون الإلكترونيون، الذين وجدوا في جهل بعض المستخدمين بالتقنيات الرقمية ثغرةً ينفذون منها لارتكاب جرائمهم المتنوعة؛ من سرقة البيانات الشخصية، والابتزاز الإلكتروني، والاحتيال المالي، إلى اختراق الحسابات، ونشر الشائعات، وتدمير السمعة الاجتماعية والنفسية للأفراد.

إن الخطورة الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في سوء استخدامها، وفي غياب الوعي الرقمي لدى قطاع واسع من المستخدمين الذين يمنحون معلوماتهم الشخصية طواعية، أو يقعون ضحيةً لأساليب احتيالية متطورة تُدار باحترافية عالية. فكثيرون يضغطون على روابط مجهولة، أو يشاركون بياناتهم الحساسة دون إدراك لحجم الخطر المحدق بهم، فيتحول الحساب الشخصي إلى بوابةٍ مفتوحةٍ للمجرمين الإلكترونيين الذين يتخفّون خلف أسماء وهمية وصور مزيفة وشعارات براقة.

ولأن الجريمة الإلكترونية باتت من أخطر الجرائم الحديثة وأكثرها انتشاراً وتعقيداً، فإن مواجهتها لم تعد مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل أصبحت مسؤوليةً جماعية تتشارك فيها المؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، والأسرة، والمجتمع بأكمله. فالمعركة اليوم ليست معركةً تقليدية، بل معركة وعيٍ ومعرفةٍ وأمنٍ رقمي.

إن وسائل الإعلام تتحمل دوراً وطنياً وأخلاقياً بالغ الأهمية في نشر الثقافة الرقمية، وتوعية المواطنين بخطورة الاستخدام العشوائي للشبكات الاجتماعية، وتعريفهم بآليات الحماية والأمان الرقمي. فالإعلام لم يعد مجرد ناقلٍ للخبر، بل أصبح خط الدفاع الأول في مواجهة التضليل والاحتيال والجرائم الرقمية العابرة للحدود. ومن هنا، فإن الحاجة أصبحت ملحة لإطلاق حملات توعوية مستمرة تُبسط المفاهيم التقنية للمواطن العادي، وتوضح له كيف يحمي بياناته، وكيف يميز بين الحقيقة والخداع، وبين الرابط الآمن والفخ الإلكتروني.

ومن أهم الخطوات التي يجب العمل عليها لمواجهة هذه الجريمة المستحدثة:

أولاً : بناء نظام تعليمي قائم على التوعية الرقمية

إن بناء جيلٍ واعٍ رقمياً يبدأ من المدرسة والجامعة، عبر إدخال مفاهيم الأمن الرقمي والثقافة الإلكترونية ضمن المناهج التعليمية، وتعليم الطلبة كيفية الاستخدام الآمن للإنترنت، وخطورة مشاركة المعلومات الشخصية، وطرق اكتشاف الاحتيال الرقمي. فالتعليم هو السلاح الأقوى في مواجهة الجريمة الإلكترونية، وهو الاستثمار الحقيقي لحماية المجتمعات مستقبلاً.

ثانياً : وضع ضوابط ومحددات للاستخدام الصحيح للشبكات الاجتماعية

فالحرية الرقمية لا تعني الفوضى، والانفتاح الإلكتروني لا يعني غياب المسؤولية. لذلك، لا بد من وجود تشريعات وقوانين رادعة تحمي المستخدمين، وتجرّم الابتزاز والاختراق والتشهير الإلكتروني، إلى جانب وضع سياسات واضحة تنظم استخدام هذه الشبكات، وتحفظ الخصوصية والكرامة الإنسانية.

ثالثاً: نشر آليات مكافحة الجريمة الإلكترونية عبر وسائل الإعلام

من الضروري أن تتحول وسائل الإعلام التقليدية والرقمية إلى منصات تثقيفية تُعرّف المواطنين بوسائل الحماية، وتعرض قصصاً حقيقية عن ضحايا الجرائم الإلكترونية، وتسلط الضوء على الطرق الحديثة التي يستخدمها المحتالون، لأن المعرفة المسبقة بالخطر تُسهم في الوقاية منه.

إن العالم الرقمي، رغم ما يحمله من تطورٍ وإيجابيات، أصبح ساحةً مفتوحةً لحروبٍ جديدة لا تُستخدم فيها الأسلحة التقليدية، بل تُستخدم فيها البيانات والمعلومات والعقول. ولذلك، فإن المجتمعات التي لا تمتلك وعياً رقمياً كافياً ستبقى أكثر عرضةً للاستهداف والانهيار المعنوي والاقتصادي والاجتماعي.

لقد أصبحت حماية الإنسان في العصر الحديث لا تقتصر على حماية جسده وممتلكاته فقط، بل تمتد لحماية بياناته وخصوصيته وهويته الرقمية. ومن هنا، فإن بناء ثقافة رقمية واعية لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية ومجتمعية لحماية الأفراد والأوطان من جريمةٍ تتطور كل يوم، وتتخفى خلف شاشة صغيرة، لكنها قادرة على إحداث خسائر كبيرة وآثار مدمرة.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن التكنولوجيا سلاحٌ ذو حدين؛ فمن أحسن استخدامها حصد المعرفة والتقدم، ومن أساء التعامل معها وقع فريسةً سهلةً في شباك الجريمة الإلكترونية. لذلك، فإن الوعي الرقمي لم يعد خياراً، بل أصبح خط الدفاع الأول في زمنٍ أصبحت فيه الشبكات الاجتماعية الرقمية الأرضيةَ الخصبةَ لجريمةٍ مستحدثة تتوسع كل يوم بصمتٍ مخيف.

* المتحدث  باسم الشرطة

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:11 صباحًا - بتوقيت القدس

"فتح" أمام امتحان التجدد لا نبوءة الانشقاق و"الثوري" في قلب المعادلة

ليست كل قراءة قلقة لمستقبل فتح عداءً لها، وليست كل مقالة متشائمة بلا أساس. في السياسة، الخطر لا يكمن في النقد، بل في تحويل النقد إلى نبوءة جاهزة، كأن الحركة التي صنعت جزءا كبيرا من التاريخ الوطني الفلسطيني لم تعد قادرة إلا على التراجع أو الانشقاق أو التحلل. وهذا تقدير متعجل، لأنه يقرأ مظاهر الأزمة، لكنه لا يقرأ عمق البنية الفتحاوية ولا قدرتها التاريخية على امتصاص الصدمات والعودة من حافة الانكسار.

انعقاد المؤتمر الثامن بحد ذاته ليس تفصيلًا إداريا. في زمن الحرب المفتوحة على الشعب الفلسطيني، وفي ظل الانقسام الجغرافي والسياسي، وتراجع الثقة العامة، وضغط الإقليم والعالم، يصبح مجرد انتظام المؤسسة حدثا سياسيا لا يجوز التقليل من قيمته. فالحركات التي لا تعقد مؤتمراتها تتحول تدريجيًا إلى ذاكرة، أما الحركات التي تجازف بعقد مؤتمراتها، حتى وسط النقد والاحتجاج والتباين، فهي ما تزال تمتلك قابلية الحياة.

نعم، لم يكن المؤتمر مثالياً. ولا يجوز التعامل مع الملاحظات التي رافقته بمنطق الدفاع الأعمى. هناك أسئلة مشروعة حول التمثيل، وحول من غاب ومن حضر، وحول شعور قطاعات فتحاوية بأن حضورها التاريخي أو الفكري أو التنظيمي لم يترجم بما يكفي في المخرجات. وهناك قلق حقيقي من أن تتحول الانتخابات الداخلية إلى ميزان نفوذ لا إلى ميزان كفاءة، ومن أن تتقدم الحسابات المناطقية والشخصية على الحاجة إلى إنتاج عقل سياسي جديد للحركة.

لكن بين الاعتراف بهذه المخاوف وبين إعلان وفاة فتح مسافة كبيرة. فتح ليست حزبا عاديا نشأ حول برنامج انتخابي محدود، بل حركة وطنية واسعة، حملت داخلها منذ البداية تناقضات المجتمع الفلسطيني كله: الداخل والخارج، البندقية والسياسة، المخيم والمدينة، التنظيم والسلطة، التاريخ والمستقبل. لذلك كانت أزماتها دائمًا أكبر من أزمات الأحزاب، لكنها كانت أيضًا أقدر من غيرها على البقاء لأنها ليست مجرد جهاز، بل ذاكرة شعبية وشبكة انتماء وطنية عميقة.

المقالات المتشائمة تصيب حين تحذر من خطر التآكل الداخلي، لكنها تخطئ حين تتعامل مع التململ وكأنه انشقاق ناجز. الانشقاق لا يولد من الغضب وحده. الانشقاق يحتاج إلى: ( قيادة بديلة، وقاعدة منظمة، وتمويل، وسند إقليمي، وخطاب سياسي قادر على إقناع الناس بأن الخروج من المركز أكثر جدوى من إصلاحه ). وهذه العناصر ليست مكتملة اليوم، لكنها قد تتشكل إذا أُهملت الجروح، وإذا جرى التعامل مع المعترضين باعتبارهم عبئا لا رصيدًا، أو مع المختلفين باعتبارهم خصومًا لا شركاء في البيت نفسه.

المطلوب اليوم ليس الاحتفال بالمؤتمر كأنه أنجز كل شيء، ولا جلد الذات كأن المؤتمر لم ينجز شيئًا. المطلوب قراءة مركبة: انعقاد المؤتمر كان ضرورة وطنية وتنظيمية، لكنه ليس نهاية الأزمة. هو بداية امتحان جديد. فإذا بقيت مخرجاته حبيسة الأسماء والمواقع، سنكون أمام إعادة إنتاج للمشكلة. أما إذا تحول إلى لحظة مراجعة عميقة، فقد يصبح مدخلًا لإعادة بناء الحركة على قاعدة أكثر وضوحًا وصرامة وانفتاحًا.

في هذا السياق، يقع العبء الأكبر على المجلس الثوري الجديد. فالمجلس الثوري ليس جائزة ترضية، ولا قاعة تصفيق، ولا إطارًا بروتوكولياً ينتظر دعوات الاجتماعات. إنه برلمان الحركة وضميرها الرقابي والسياسي. وإذا أراد أن يكون بمستوى اللحظة، فعليه أن يمارس دوره في مراقبة الأداء، وفتح النقاش الحقيقي، ومساءلة المفوضيات، وصوغ مراجعة تنظيمية شاملة، وإعادة وصل الحركة بقواعدها في الأقاليم والمخيمات والشتات والجامعات والنقابات. المجلس الثوري الجديد يستطيع أن يكون جسرًا بين القيادة والقاعدة، أو أن يتحول إلى شاهد صامت على اتساع الفجوة. والفرق بين الدورين هو الفرق بين حركة تتجدد وحركة تكتفي بإدارة الزمن.

إن الخطر الأكبر على فتح اليوم ليس وجود منتقدين، بل غياب آلية لاستيعاب النقد. وليس الخطر أن يخسر بعض القادة مواقعهم، بل أن يشعر من خسر بأنه خرج من الحركة لا من موقع انتخابي. وليس الخطر أن تظهر تيارات وتباينات، فهذه طبيعة الحركات الكبرى، بل أن تتحول هذه التباينات إلى جزر مغلقة تبحث عن سند خارج البيت الفتحاوي.

لذلك تحتاج فتح بعد المؤتمر إلى ثلاث خطوات واضحة: مصالحة فتحاوية داخلية لا تقوم على المجاملة بل على الاعتراف المتبادل. مجلس استشاري وخلية تفكير استراتيجية تضم العقول والخبرات التي غابت أو أُبعدت أو لم تجد موقعها. وبرنامج سياسي وتنظيمي يجيب بصراحة عن سؤال المرحلة: ما وظيفة فتح اليوم؟ هل هي حزب سلطة فقط؟ أم حركة تحرر وطني تجدد أدواتها داخل واقع سياسي شديد القسوة؟

فتح قادرة على لملمة نفسها، ليس لأنها بلا أزمات، بل لأنها عاشت أزمات أكبر وبقيت. لكنها هذه المرة لا تحتاج إلى ترميم سطحي، بل إلى مراجعة جذرية تعيد تعريف ذاتها:

حركة وطنية ديمقراطية، واسعة، عاقلة، مقاومة سياسيا وشعبيا، قادرة على استيعاب أبنائها لا طردهم إلى الهوامش، وعلى إنتاج قيادة لا تكتفي بالشرعية التاريخية بل تصنع شرعية الأداء.

المؤتمر الثامن يجب ألا يكون خاتمة نقاش، بل افتتاح ورشة إنقاذ. وفتح، إذا امتلكت شجاعة الاعتراف وشجاعة الإصلاح معًا، تستطيع أن تحول القلق الراهن من نذير انشقاق إلى فرصة تجدد. أما تجاهل الأسئلة الصعبة، فهو الطريق الأقصر إلى تحويل النقد إلى تيارات، والتيارات إلى أطر، والأطر إلى انشقاقات.

فتح اليوم ليست أمام نبوءة سقوط. هي أمام لحظة اختبار. ومن يعرف تاريخ هذه الحركة يدرك أنها لا تموت حين تختلف، بل تضعف حين تكابر. وقوتها القادمة لن تأتي من إنكار الجروح، بل من القدرة على فتحها أمام ضوء المراجعة، ثم خياطتها بخيط وطني جامع، قبل أن تتحول الندوب إلى حدود فاصلة داخل الجسد الواحد.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:10 صباحًا - بتوقيت القدس

منظمة التحرير الفلسطينية: من التأسيس إلى تثبيت الهوية الوطنية

في مسار التاريخ الفلسطيني الحديث، تبرز منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها أكثر من مجرد إطار سياسي نشأ في سياق إقليمي مضطرب؛ إنها بنية تأسيسية أعادت صياغة مفهوم الهوية الوطنية الفلسطينية، وحوّلت الشعب الفلسطيني من حالة التشتت الجغرافي والسياسي إلى كيان رمزي ومؤسساتي قادر على التعبير عن ذاته في المحافل الدولية. ومن هنا، فإن قراءة مسيرة المنظمة لا تنفصل عن فهم التحولات العميقة في بنية الهوية الفلسطينية ذاتها، بوصفها هوية تشكلت تحت ضغط النفي الاستعماري، ثم أعادت إنتاج نفسها عبر فعل سياسي منظم.

تأسست منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 في سياق عربي وفلسطيني بالغ التعقيد، عقب انعقاد المؤتمر العربي الفلسطيني الأول في القدس، واستناداً إلى قرارات القمم العربية التي سعت إلى بلورة إطار يمثل الفلسطينيين سياسياً. لم يكن هذا التأسيس مجرد استجابة إجرائية لفراغ تمثيلي، بل كان إعلاناً ضمنياً عن انتقال القضية الفلسطينية من مستوى التبني العربي العام إلى مستوى الفعل الوطني الفلسطيني المستقل نسبياً، بما يحمله ذلك من دلالات على تشكل الذات السياسية الفلسطينية.

وقد اضطلع أحمد الشقيري بدور تأسيسي محوري في بناء هذا الكيان الناشئ، من خلال بلورة الميثاق القومي والنظام الأساسي، عقب سلسلة مشاورات واسعة مع الفلسطينيين في الدول العربية. وقد تُوِّج هذا الجهد بانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني الأول في القدس، حيث أُعلن رسمياً عن قيام منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها التعبير السياسي الجامع عن الإرادة الوطنية الفلسطينية. ومنذ تلك اللحظة، بدأت تتبلور ملامح “التمثيل” بوصفه فعلاً سياسياً وليس مجرد توصيف قانوني.

غير أن التحول الأعمق في بنية المنظمة ووظيفتها السياسية جاء بعد عام 1967، حيث أعادت النكسة تشكيل الوعي الفلسطيني على نحو جذري، ودفعته نحو إعادة تعريف أدواته التنظيمية. في هذه المرحلة الانتقالية، تولى يحيى حمودة رئاسة اللجنة التنفيذية بشكل مؤقت، قبل أن يدخل ياسر عرفات عام 1969 إلى قيادة المنظمة، في لحظة مثّلت إعادة تموضع جذري للمشروع الوطني الفلسطيني، وربطاً مباشرا بين الكفاح المسلح والهوية السياسية الوطنية. لقد أصبحت المنظمة في هذه المرحلة ليست فقط إطاراً تمثيلياً، بل بنية نضالية تعكس تحولات الهوية من خطابها التقليدي إلى خطاب التحرر الوطني.

ومع انتقال القيادة إلى الرئيس محمود عباس عام 2004، بعد استشهاد ياسر عرفات، دخلت منظمة التحرير مرحلة جديدة من إعادة إنتاج دورها السياسي ضمن سياقات دولية أكثر تعقيداً، حيث تزايدت التحديات المرتبطة بتوازنات الإقليم، وبنية النظام الدولي، والتحولات الداخلية الفلسطينية. ومع ذلك، بقيت المنظمة الإطار المرجعي الوحيد المعترف به دولياً بوصفه ممثلا شرعياً للشعب الفلسطيني، وهو ما يعكس استمرار مركزيتها في بنية النظام السياسي الفلسطيني.

إن أهمية منظمة التحرير الفلسطينية لا تكمن فقط في كونها مؤسسة سياسية، بل في كونها “بنية هوية” أعادت تشكيل الذات الفلسطينية ضمن إطار جامع، وحمتها من التفكك في سياقات اللجوء والاحتلال والتجزئة. فهي لم تكن مجرد مؤسسة، بل مشروع وطني طويل المدى لإنتاج وحدة رمزية وسياسية لشعب موزع جغرافياً، ومواجهاً لمحاولات مستمرة لإعادة تعريفه خارج سياقه الوطني.

وفي الذكرى الثانية والستين لتأسيسها، تبرز المنظمة اليوم أمام اختبار تاريخي مركب، يتداخل فيه السياسي بالوجودي. فالمشهد الفلسطيني الراهن، بما يحمله من حرب إبادة في غزة، وتصعيد استيطاني في الضفة الغربية، واستهداف متواصل للقدس، لا يمثل مجرد أزمة سياسية، بل محاولة لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني نفسه. وفي هذا السياق، تصبح منظمة التحرير الفلسطينية ليست خياراً سياسياً ، بل ضرورة بنيوية لاستمرار الفعل الوطني.

ومن منظور تحليلي، يمكن القول إن التحدي الأهم الذي يواجه المنظمة اليوم يتمثل في قدرتها على إعادة تجديد شرعيتها الداخلية عبر توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتطوير بنيتها المؤسساتية بما يتناسب مع تحولات الواقع. فاستمرار المنظمة بوصفها اطارا جامعاً يتطلب انتقالها من وظيفة التمثيل الرمزي إلى وظيفة الفعل السياسي المنتج، القادر على مواجهة التحديات الوجودية للمشروع الوطني الفلسطيني.

وفي هذا السياق، يبقى التمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية تمسكاً بالهوية ذاتها، وبالذاكرة السياسية التي صنعت وجود الفلسطينيين على الخريطة السياسية العالمية. فهي ليست فقط تاريخاً يُستعاد، بل مستقبل يُبنى على قاعدة من الشرعية النضالية والتمثيل الوطني الجامع، وصولاً إلى تحقيق الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:09 صباحًا - بتوقيت القدس

شواهد هوية تحولت إلى رماد

بينما تنشغل شاشات التلفزة بإحصاء الخسائر البشرية والمادية في قطاع غزة، هناك حرب صامتة تدور رحاها ضد التاريخ نفسه، حرب لا تستهدف الحاضر فقط، بل تمتد مخالبها إلى عمق الماضي لتجريف الجذور، ومحو الشواهد التي تثبت حكاية الأرض والإنسان منذ آلاف السنين.

فلم تكن غزة يوماً مجرد بقعة جغرافية عابرة، بل كانت حلقة الوصل بين قارات العالم القديم، وممراً إلزامياً للقوافل والتجارة بين مصر والشام، تعاقبت عليها الحضارات من الكنعانيين والفلستيين، وصولاً إلى العهود البيزنطية والإسلامية بمختلف عصورها، هذا المزيج الحضاري الفريد تجسد في أزقة بلدتها القديمة، التي تحولت اليوم إلى مساحات من الغبار والركام.

الدمار الذي طال الآثار في غزة لم يكن هامشياً، بل أصاب في مقتل معالم كانت تعد بمثابة "البطاقة الشخصية" للمدينة: المسجد العمري الكبير؛ ذاكرة غزة الدينية والثقافية، الذي تدرج عبر العصور من معبد وثني إلى كنيسة بيزنطية ثم مسجد إسلامي، انهارت مئذنته وجدرانه التي صمدت لقرون. كنيسة القديس برفيريوس التي احتمى أهل غزة بظلها عبر مئات السنين باعتبارها ثالث أقدم كنيسة في العالم، نالت نصيبها من القصف لتمتزج دماء النازحين داخلها بحجارتها البيزنطية العريقة. المتاحف والمكتبات مثل: متحف قصر الباشا ومكتبة ناشيونال، التي كانت تضم مخطوطات نادرة وعملات أثرية تعود للعصور اليونانية والرومانية، نُهبت أو تحولت إلى ركام تحت الأنقاض.

فلسفة الإبادة الثقافية: لماذا يُستهدف التاريخ؟ إن تدمير المعالم التاريخية في غزة ليس مجرد "أضرار جانبية" للحرب، بل هو جزء من إستراتيجية تُعرف في القانون الدولي بـ "الإبادة الثقافية" (Cultural Genocide). الهدف منها هو قطع الصلة بالأرض، تجريد الفلسطيني من أدلته المادية التي تربطه جغرافياً وتاريخياً بالمكان.

تدمير الذاكرة الجماعية: تحويل المدينة إلى مساحة بلا هوية أو معالم، مما يسهل عملية كي الوعي وإحباط الأجيال القادمة. اغتيال السياق الحضاري: تصوير غزة للعالم كبقعة معزولة من البؤس، وتجريدها من عمقها الإنساني والثقافي الذي ساهم في صياغة تاريخ البشرية.

صمود الذاكرة الرقمية والترميم المؤجل رغم أن المعالم الأثرية قد دُمرت مادياً، إلا أن هناك حراكاً فلسطينياً ودولياً خجولاً يحاول توثيق هذه الخسائر.

الدمار لم يكن عشوائياً، بل صاحَبته استراتيجيات ممنهجة لسلب الهوية حيث يرى خبراء الآثار الدوليون أن حجم الدمار في غزة فاق أي صراع آخر جرى توثيقه في العصر الحديث، إذ لم يتبقَ من شواهد الحضارات البيزنطية، والإسلامية، والرومانية سوى الغبار والأعمدة المحطمة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:08 صباحًا - بتوقيت القدس

النكبة والشعر الفلسطيني من رثاء الأرض إلى تأسيس المعنى

يمكن للمرء أن يصف النكبة الفلسطينية على أنها حادثة تاريخية وقعت في عام 1948 ثم انتهت، لكنها  وفي جوهرها العميق لحظة انهيار كونيّ للمعنى العربي نفسه. وما الشعر العربي الحديث، منذ السيّاب حتى محمود درويش، إلا محاولة طويلة لترميم اللغة بعد أن تصدّعت تحت أقدام اللاجئين. لقد خرج الفلسطيني من أرضه، نعم، بيد أنّ الكارثة الأشد فداحة كانت خروج الكلمات من يقينها المعهود، بحيث لم تعد اللغة قادرة على تسمية الأشياء كما كانت من قبل. صار الخبز مرادفًا للحصار، والبرتقال مرادفًا للمنفى، والحبيبة مرادفًا لفلسطين، وصارت القصيدة نفسها خيمةً لغويةً تؤوي شعبًا كاملًا من الضياع.

من هنا، فإن قراءة النكبة في الشعر الفلسطيني لا يمكن اختزالها بالبعد السياسي أو التوثيقي وحده، لأن الشعر الفلسطيني تجاوز  نشرة الأخبار عالية البلاغة، وصار في أعمق تجلياته  محاولةً ميتافيزيقية لفهم الكارثة وتوصيفها.

 لقد أدرك الشعراء الفلسطينيون، مبكرًا، أن الاحتلال لا يسرق الأرض فقط، إنه يسرق التاريخ أيضًا. ولذلك تحوّلت القصيدة إلى مقاومة ضد المحو، وتعدت كونها دفاعًا عن الجغرافيا لتكون دفاعًا عن الذاكرة، عن أسماء القرى، عن رائحة الزعتر، عن صوت المؤذن في الفجر، عن ظلّ التين على التراب الرطب، وعن تلك التفاصيل الصغيرة التي تبدو تافهة في أعين الإمبراطوريات، لكنها تشكّل روح الشعوب.

في الشعر الجاهلي كان الشاعر يقف على الأطلال لأن الحبيبة رحلت. أمّا الفلسطيني فقد وقف على الأطلال لأن الوطن نفسه رحل. هنا حدث الانقلاب الهائل في بنية المرثية الفلسطينية،  ولم يعد الرثاء متعلقًا بفردٍ أو قبيلة، حيث تحوّل لرثاء للمكان كاملًا ذلك المكان الذي اختُطف من الزمن.

 ومن هذه اللحظة بالتحديد وُلدت القصيدة الفلسطينية الحديثة باعتبارها "أنطولوجيا فقدان".

إن المتأمل في تجربة شعراء فلسطين يدرك أن الأرض عندهم حالة وجودية. وقد نقلوا القضية من الخطاب السياسي إلى سؤال الكينونة. ولهذا فإن الشاعر الفلسطيني لم يقل "أحب فلسطين" بقدر ما أعاد عجنها داخل اللغة. كانت القصيدة عنده أشبه بطقس صوفيّ يحاول استدعاء البلاد من غيابها، كما يستدعي المتصوفُ رحمة الله عبر الذكر. ولهذا تكثر في شعره مفردات الغياب والحضور، الفناء والبقاء، الجسد والظلّ، الأرض والسماء. لقد تحوّل الوطن عند ذلك الشاعر إلى "حقيقة باطنية"، ولم يقف عند حدودٍ على الخارطة.

ولعلّ هذا ما جعل الشعر الفلسطيني قريبًا من التجربة الصوفية العربية في جوهرها العميق.

فالمتصوفة الكبار من الحلاج إلى ابن عربي كانوا يدركون أن الفقدان لا يعني نهاية العلاقة بالأشياء، بقدر ما يعني بدايتها الأسمى. حين قال الحلاج: "أنا من أهوى ومن أهوى أنا»، وبقوله يلغي المسافة بين الذات والمطلق. والفلسطيني، في لحظته الشعرية القصوى، فعل الشيء نفسه مع وطنه. ونقل فلسطين من موضوع خارجي يُكتب عنه، فصارت كيانًا يسكن الشاعر من الداخل. ولذلك فإن المنفى الفلسطيني لا يعني الخيمة، إنهُ اغترابٌ روحي؛ اغتراب الكائن عن صورته الأولى.

ولعلّ أخطر ما فعلته النكبة أنها حوّلت الفلسطيني من إنسان يعيش في التاريخ إلى إنسان يعيش ضدّ التاريخ. فالعالم الحديث، الذي بشّر بالحرية والعدالة وحقوق الإنسان، وقف متواطئًا بالصمت أو بالفعل  أمام اقتلاع شعب كامل من أرضه. وهنا فقدت اللغة السياسية قدرتها على التعبير، فدخل الشعر كملاذ أخير للحقيقة. ولهذا لا يُنظر إلى الشعر الفلسطيني بوصفه ترفًا ثقافيًا، إنه ضرورة وجودية مرتبطة بوجود الفلسطيني في هذا الكوكب. وصارت القصيدة وثيقة تثبت أن الفلسطيني لم يتحول بعد إلى رقم في سجلات الأمم المتحدة.

وقد استطاع الشعر الفلسطيني أن يحقق معجزة نادرة في الأدب العربي الحديث: أن يجمع بين المحلي والكونيّ. فقصائد درويش وسميح القاسم  ومعين بسيسو  وراشد حسين وصالح هواري ومراد السوداني وعبدالله عيسى  وغيرهم الكثير ممن اعتلوا صهوة الحرف، تنطلق من تجربة فلسطينية خالصة، تمسّ جوهر البشر أينما كانوا. لأن المنفى، في النهاية، لم يقتصر الفلسطيني وحده، وأصبح تجربة البشرية كلها منذ خروج آدم الأول من الجنة. وربما لهذا السبب يبدو اللاجئ الفلسطيني، في الشعر العظيم، شبيهًا بشخصيات الملاحم القديمة: يحمل بيته على كتفيه، ويسير في صحراء العالم باحثًا عن معنى العدالة.

غير أن أخطر تحولات القصيدة الفلسطينية حدثت بعد الهزائم العربية المتتالية، حين بدأ الشعراء يشككون حتى في قدرة البلاغة نفسها على الوصف. لقد أدركوا أن اللغة العربية بكل فخامتها الكلاسيكية يمكن أن تتحول أحيانًا إلى ستار يخفي العجز. ولهذا اتجهت القصيدة الحديثة نحو البساطة الجارحة، نحو اليوميّ والهامشيّ، نحو التفاصيل الصغيرة. فطفل يحمل مفتاح البيت صار أبلغ من خطب كاملة عن التحرير. وأمّ تنتظر ابنها عند المحسوم ( الحاجز) صارت تختصر تاريخًا عربيًا من الهزائم.

في هذا السياق، لا يمكن تعريف الشعر الفلسطيني على أنه أدب مقاومة بالمعنى التقليدي، لقد صار نقدًا جذريًا لفكرة القوة ذاتها. فالمحتلّ يمتلك الطائرات والدبابات، لكن الفلسطيني يمتلك القدرة الأخطر: القدرة على سردية الرواية الكاملة. والتاريخ في النهاية، لا يكتبه الأقوى عسكريًا دائمًا، إنما يكتبه الأكثر قدرة على تحويل ألمه إلى رواية إنسانية خالدة.

إن النكبة في الشعر الفلسطيني تحولت إلى لحظة إعادة تشكيل للوجدان العربي الحديث. فمن خلالها اكتشف العرب هشاشتهم التاريخية، واكتشفوا أيضًا أن الشعر قد يكون دربًا للبقاء. وربما لهذا ظلّت فلسطين، رغم كل شيء، حيّةً في القصيدة العربية أكثر مما هي حيّة في البيانات السياسية. فالدول قد تهزم، والجيوش قد تنهار، لكن القصيدة العظيمة تمتلك قدرة غامضة على النجاة من الخراب.

ولهذا يبدو الشعر الفلسطيني، في جوهره الأخير، محاولةً مستمرة لهزيمة الموات الرمزي. إن اللاجئ الذي يحمل مفتاح بيته بعد أكثر من سبعين  عامًا يعرف أنّ الباب ربما يتغير، لكنه يرفض موت الذاكرة. والشعر فعل الرفض الأعلى، رفض أن يتحول الإنسان إلى منفى نهائي داخل العالم.

وفي النهاية، يمكن القول إن النكبة لم تُنتج أدبًا ليقتصر على الجغرافيا والأرض ، لكنها أعادت تعريف وظيفة الشعر العربي نفسه. لقد جعلته أقلّ زخرفة وأكثر حقيقة، أقلّ خطابة وأكثر إنسانية، أقلّ يقينًا وأكثر قلقًا وجوديًا. ومن بين الركام، خرجت القصيدة الفلسطينية الحديثة بوصفها واحدة من أعظم التجارب الشعرية في القرن العشرين، لأنها لم تُكتب عن شعبٍ غاب وغُيّب، إنما كُتبت عن الإنسان حين يُقتلع من معنى وجوده ذاته، وها هو يتحدى اللغة بنص العودة الباقي.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:07 صباحًا - بتوقيت القدس

محمد شايطة وتوفيق ومان… حين يكتب الشعر فلسطين من جرحٍ جزائري ويصافح القدس

في امتداد المشهد الشعري الجزائري، حيث تتقاطع الذاكرة الوطنية مع الوجدان العربي، يبرز اسم محمد شايطة بوصفه صوتاً شعرياً ينتمي إلى تلك السلالة التي لم تفصل بين القصيدة والقضية، ولا بين الجمال والالتزام. إنه شاعر يكتب من تخوم التجربة، حيث لا تكون الكلمات زينة لغوية، بل شظايا معنى، تنبع من إحساس عميق بأن الشعر موقف قبل أن يكون بناء.

ليست الكتابة عند شايطة فعلاً معزولاً عن سياقه، بل هي استجابة لقلق تاريخي وثقافي، جعل من فلسطين حضوراً ثابتاً في نصوصه، لا بوصفها موضوعا طارئا، بل باعتبارها امتداداً طبيعياً لذاكرة المقاومة الجزائرية. فالعلاقة بين الجزائر وفلسطين لم تكن، في وعيه الشعري، مجرد تضامن عابر، بل تماهيا وجدانيا، حيث تتكرر الأسئلة ذاتها: الحرية، الكرامة، والحق في الأرض.

في هذا السياق، تأتي قصائد شايطة لتؤكد هذا الامتداد، حيث تتحول فلسطين في نصه إلى مرآة يرى فيها الشاعر ذاته، وتغدو القصيدة مساحة يتداخل فيها الخاص والعام، الذاتي والقومي. لا يكتب عن فلسطين كغائب، بل كحاضر في اللغة، في الصورة، في الإيقاع. إنها ليست "هناك"، بل "هنا"، تسكن القصيدة كما يسكنها الألم.

ومن خلال قراءة دواوينه ونصوصه ، يتضح أن شايطة يميل إلى لغة مشحونة بالدلالة، كثيفة الإيحاء، تعتمد على الرمز أكثر من المباشرة. فهو لا يقول "الاحتلال" بصيغة تقريرية، بل يرسمه في صورة جدار صامت، أو مدينة محاصرة، أو ظل ثقيل يخيم على التفاصيل. ولا يذكر "المقاومة" كشعار جاهز، بل يجعلها تنبثق من الهامش: حجر صغير، طفل يبتسم رغم الركام، أم تنتظر عودة لا تأتي. هذه التقنية تمنح نصه بعدا إنسانيا، يتجاوز الشعارات إلى عمق التجربة.

إن فلسطين في شعره ليست فقط أرضا محتلة، بل هي حالة وجودية، وسؤال مفتوح عن العدالة، وعن معنى أن يكون الإنسان في مواجهة القهر. ولذلك، فإن قصائده لا تقف عند حدود التضامن، بل تتجاوزه إلى نوع من التماهي، حيث يصبح الشاعر شاهداً وشريكاً في آن واحد، يكتب الألم كأنه يعيشه، ويصور الفقد كأنه فقده الخاص.

ومن اللافت أن شايطة، في تعامله مع هذه القضية، لا ينفصل عن التراث الشعري العربي، بل يحاوره ويعيد إنتاجه. يمكن أن نلمح في بعض نصوصه أصداء لتجارب شعرية التزمت بالقضية الفلسطينية، حيث تتحول القصيدة إلى مساحة مقاومة، ويغدو الحرف فعلا أخلاقيا قبل أن يكون جماليا. غير أن خصوصيته تكمن في قدرته على صهر هذه المرجعيات في تجربة ذاتية، تمنحه صوته الخاص، وتجنبه الوقوع في التكرار.

أما من الناحية الفنية، فإن شعره يقوم على توتر دائم بين الصورة والإيقاع. فالصورة عنده ليست تزيينا بل أداة كشف، والإيقاع ليس زخرفا بل نبض داخلي يعكس حالة النص. وغالباً ما تتسم قصائده بنبرة حزينة، لكنها ليست استسلامية، بل تحمل في طياتها بذور الأمل، وكأن الشاعر يراهن على المستقبل، حتى وهو يكتب عن الألم.

وفي عمق هذه التجربة، يمكن القول إن محمد شايطة ينتمي إلى جيل من الشعراء الذين أدركوا أن فلسطين ليست مجرد موضوع شعري، بل معيار أخلاقي. فمن يكتب عنها، إنما يختبر صدق لغته، وعمق التزامه، وقدرته على تحويل الجرح إلى معنى، والوجع إلى رؤية.

هكذا، لا يمكن قراءة شايطة بمعزل عن هذا البعد، لأنه يشكل جوهر مشروعه الشعري. إنه شاعر لا يكتفي بأن يرثي، بل يسائل، ولا يكتفي بأن يتعاطف، بل ينخرط، ولا يكتفي بأن يكتب، بل يشهد.

وفي زمن تتكاثر فيه النصوص وتتنافس الأصوات، يبقى صوته مختلفا، لأنه لا يبحث عن الصدى، بل عن الحقيقة، ولا عن الانتشار، بل عن الأثر. شاعر يدرك أن القصيدة، حين تلامس فلسطين، لا تعود مجرد كلمات، بل تصبح موقفا، وذاكرة، ووعدا مؤجلا بالحرية.


توفيق ومان..

في زوايا المشهد الثقافي الجزائري، حيث تتجاور الفصحى بوقارها مع العامية بعفويتها، يبرز اسم توفيق ومان بوصفه تجربة فنية تتحدى التصنيفات الجاهزة، وتعيد الاعتبار للكلمة الشعبية باعتبارها حاملة لذاكرة الناس، لا مجرد أداة للتسلية أو الارتجال. غير أن هذا الصوت، وهو ينحاز إلى اليومي والهامشي، لم يغفل القضايا الكبرى للأمة، بل جعلها تتسرب إلى نصوصه بذكاء فني، حيث تحضر فلسطين لا كشعار، بل كجرح مفتوح في الذاكرة، وتلوح القدس كرمز روحي يتجاوز الجغرافيا إلى المعنى.

لا يمكن الاقتراب من تجربة ومان دون الانتباه إلى هذا التوتر الخلاق بين البساطة والعمق. فالزجل عنده ليس خطاباً سطحياً، ولا تعبيراً عابراً، بل هو بناء دلالي مركب، يشتغل على الإيقاع كما يشتغل على المعنى، ويزاوج بين الحكمة الشعبية والتصوير الشعري. وحين يلامس موضوع فلسطين، فإنه لا يقع في فخ الخطابة المباشرة، بل يعيد صياغة القضية عبر تفاصيل إنسانية: أم تنتظر، طفل يسأل، بيت مهدد، فيغدو الألم أكثر صدقاً، وأشد تأثيراً.

في قصائده، تتكلم الشوارع، وتبوح الأزقة، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى شواهد على زمن متغير. وهنا، لا يكون الوطن مفهوما محليا ضيقا، بل يمتد ليشمل كل الجراح العربية، حيث تتقاطع ذاكرة الجزائر مع ذاكرة فلسطين، ويتماهى المنفى مع المقاومة، ويغدو الإنسان هو القضية الكبرى. إن ومان، وهو يكتب بالعامية، ينجح في أن يجعل من لغته جسرا بين المحلي والقومي، بين الحي الشعبي والمدينة المقدسة.

أما حضور القدس في نصوصه، فهو حضور رمزي بامتياز. ليست مجرد مدينة، بل فكرة، وامتحان للضمير. تظهر أحيانا كحلم مؤجل، وأحيانا كأيقونة للصمود، وأحيانا كمرآة تعكس خيبات الأمة. لكنه، في كل ذلك، لا يسقط في اليأس، بل يترك نافذة للأمل، ولو كانت ضيقة، لأن الشعر، في جوهره، فعل مقاومة، لا استسلام.

ومن اللافت في تجربة ومان هذا الحضور القوي للبعد الاجتماعي، الذي يتقاطع مع الهم القومي. فهو لا يفصل بين معاناة الفرد في حيه الشعبي، ومعاناة الإنسان في أرض محتلة، بل يرى في الاثنين وجها لواقع واحد، عنوانه القلق، ومحوره الكرامة. لذلك، تأتي قصائده وكأنها نسيج واحد، تتداخل فيه الأصوات، وتتقاطع فيه الحكايات، دون أن تفقد وحدتها الفنية.

الإيقاع، بدوره، يلعب دوراً مركزياً في حمل هذه المعاني. فالزجل، بطبيعته، يعتمد على الموسيقى الداخلية، على ذلك النبض الذي يجعل النص قابلا للإنشاد. وتوفيق ومان يوظف هذا الإيقاع ليمنح القضايا الكبرى بعدا وجدانيا، حيث تتحول الكلمات إلى نغم، والنغم إلى إحساس، والإحساس إلى موقف. وهنا، يلتقي الجمال بالالتزام، دون أن يطغى أحدهما على الآخر.

كما أن البعد الرمزي يظل حاضراً بقوة، خاصة حين يتعلق الأمر بفلسطين والقدس. فالرمز يسمح له بأن يقول الكثير دون أن يقول كل شيء، وأن يفتح النص على تأويلات متعددة، تجعل القارئ شريكا في إنتاج المعنى. وهذا ما يمنح شعره تلك الحيوية التي تتجاوز اللحظة، وتبقى قابلة للقراءة في سياقات مختلفة.

في سياق أوسع، يمكن قراءة تجربة ومان بوصفها مساهمة في إعادة الاعتبار للثقافة الشعبية، وفي الوقت ذاته في إعادة وصلها بالقضايا الكبرى. فالزجل، في يده، لا ينحصر في المحلي، بل ينفتح على الإنساني، ولا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى إلى مساءلته. ومن هنا، فإن حضوره لفلسطين والقدس ليس إضافة عرضية، بل امتداد طبيعي لرؤية ترى في الشعر أداة للوعي، لا مجرد تعبير.

إن توفيق ومان يكتب ليؤكد أن الكلمة، مهما كانت بسيطة، يمكن أن تحمل قضية، وأن العامية، مهما بدت يومية، قادرة على احتضان القضايا الكبرى. لقد جعل من قصيدته مساحة يلتقي فيها صوت الحي الشعبي مع صدى القدس، وتتعانق فيها ذاكرة الجزائر مع وجع فلسطين، فكان بذلك صوتا شعريا يعبر الحدود، دون أن يغادر جذوره.

هكذا، يبقى ومان شاعراً يكتب من الداخل، من قلب التجربة، حيث تتحول الكلمة إلى موقف، والقصيدة إلى شهادة. وفي زمن تتكاثر فيه الأصوات، يظل صوته مختلفا، لأنه لا يسعى إلى الضجيج، بل إلى المعنى، ولا إلى العابر، بل إلى ما يبقى: الإنسان، وقضيته، وحقه في أن يحلم، حتى في أكثر اللحظات قسوة.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:06 صباحًا - بتوقيت القدس

ليلى جهجاه.. الطفولة التي عبرتْ من بين الرصاص

ثمةَ أوطانٌ يُولد فيها الأطفال وهم يعرفون أسماء الزهور،

وثمة أوطانٌ أخرى يتعلّم فيها الأطفال، باكرًا، كيف يميّزون بين صوت الرصاصة وصوت الباب.

أما نحن الفلسطينيين، في هذه البلاد المعلّقة بين الخوف والنجاة المؤقتة، فقد أصبحنا نعيش زمنًا أكثر وحشية من الموت نفسه: زمنَ الاعتياد عليه.

وهذا هو الخراب الحقيقي؛ ليس أن يُقتل الناس، بل أن يتآكل الذهول، وأن تفقد الفاجعة قدرتها على إيقاظنا.

الطفلة ليلى جهجاه، ابنة الأعوام السبعة، لم تكن تعرف شيئًا عن الشجارات، ولا عن الثأر، ولا عن فائض الكراهية الذي يتجوّل في الشوارع محمولًا على أكتاف الرجال.

كانت تعرف، على الأرجح، أشياء صغيرة فقط: لون حقيبتها المدرسية، يد أمها، طعم الحلوى، وخوف الليل.

لكنّ الرصاص لا يسأل الأطفال عمّا يعرفونه.

الرصاص، حين يشيخ داخل مجتمعٍ ما، يصبح أعمى.

لهذا لا تبدو ليلى، في موتها، ضحية شجار عابر، بل ضحية زمنٍ كامل.

زمنٍ انكسرت فيه هيبة الإنسان، حتى صار الدم حدثًا يوميًا، وصار القتيل رقمًا سريعًا في شريط الأخبار، وصارت الأمهات يدفنَّ أبناءهنّ فيما العالم يواصل يومه بشكل طبيعي، كأنّ شيئًا لم يحدث.

ما الذي يجعل مجتمعًا كاملًا يقف على هذا الحدّ الهشّ بين الحياة والهاوية؟

كيف يتحوّل الخوف المتراكم داخل الناس إلى عنفٍ يتغذّى من أجسادهم هم؟

وكيف يصبح الفلسطيني، المثقل أصلًا بتاريخٍ طويل من الاقتلاع والقهر، خائفًا من ابن حارته بقدر خوفه من العالم؟

ليست الجريمة هنا حادثة منفصلة عن سياقها، ولا الرصاصة مجرّد معدن خرج من سلاح.

الرصاصة، في حقيقتها، هي اللحظة الأخيرة فقط من سلسلة طويلة من التصدّعات: تصدّع العائلة، تصدّع المعنى، تصدّع الأمان، وتصّدع العلاقة بين الإنسان ونفسه.

في المجتمعات المتعبة، لا يظهر العنف فجأة. إنه ينمو ببطء، مثل العفن على الجدران الرطبة.

يبدأ حين يشعر الإنسان أنّ حياته بلا قيمة كافية، وأنّ العدالة بعيدة، وأنّ أحدًا لا يسمعه، ثم يتحوّل الغضب تدريجيًا إلى لغة، والخوف إلى سلوك يومي، والقسوة إلى شيء عادي تمامًا.

وهكذا يصبح السلاح أكثر إقناعًا من العقل، وأكثر حضورًا من القانون، وأكثر قدرة على فرض الهيبة من الأخلاق.

لكنّ الكارثة الأكبر ليست في وجود القتلة فقط، بل في تلك المساحة الرمادية التي نصنعها حول الجريمة كي نستطيع احتمالها.

نسأل عن اسم العائلة، وعن خلفية الشجار، وعن التفاصيل الصغيرة، بينما الحقيقة الوحيدة التي تستحق الوقوف أمامها هي أنّ طفلةً خرجت من الحياة قبل أن تفهمها.

أيُّ خرابٍ هذا الذي يجعل طفولةً كاملة تسقط برصاصة طائشة؟

الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين كتب يومًا أنّ "كل وثيقة حضارة هي، في الوقت نفسه، وثيقة بربرية".

وأحيانًا يبدو أنّنا نعيش هذه البربرية في أكثر صورها قسوة؛ لا لأنّنا شعب يحبّ الموت، بل لأنّنا شعبٌ أُنهك طويلًا حتى اختلطت داخله الحدود بين النجاة والعطب.

الفلسطيني في الداخل يعيش اليوم بين عنفين:

عنف البنية السياسية التي همّشته عقودًا، وعنف الداخل الذي يتكاثر كندبة مفتوحة في الروح الجماعية.

وحين يُحاصر الإنسان بالخوف من الخارج والخوف من الداخل معًا، يصبح البيت نفسه مكانًا مؤقتًا للنجاة، لا مكانًا للحياة.

ومع ذلك، لا شيء يبرّر الرصاصة.

لا الفقر، ولا التهميش، ولا الغضب، ولا التاريخ الثقيل.

لأنّ المجتمعات التي تفقد قداسة الطفل، تفقد آخر ما تبقّى من إنسانيتها.

ليلى جهجاه ليست خبرًا حزينًا فقط. إنها سؤال أخلاقي كامل.

سؤال معلّق فوق هذا المجتمع كلّه: كيف وصلنا إلى مرحلةٍ لم يعد فيها الأطفال يموتون في الحروب وحدها، بل في الشوارع، قرب البيوت، وبين الناس الذين يشبهونهم؟

ربما لأنّ الموت، حين يبقى طويلًا بين البشر، يتعلّم أسماءهم. ثم يبدأ، بهدوء، بأخذ الأطفال أولًا.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:05 صباحًا - بتوقيت القدس

فلسطين: بين التحوّلات الدولية وأزمة القيادة

تشهد القضية الفلسطينية، للمرة الأولى منذ عقود طويلة، تحولات نوعية في الرأي العام العالمي، لم تعد تقتصر على التعاطف الإنساني مع الضحايا، بل أخذت تتبلور باعتبارها قضية تحرر وطني وحقوق سياسية وأخلاقية، ورمزًا للعدالة الإنسانية، في مواجهة مشروع عنصري استعماري إحلالي بات أكثر انكشافًا وعنفًا أمام العالم.

فالحرب المفتوحة على قطاع غزة، بما حملته من جرائم إبادة جماعية وتجويع وتهجير وتدمير شامل، والإرهاب المنظم الذي ترتكبه عصابات المستوطنين بدعم من حكومة الفاشية في تل أبيب، لم تؤدِّ فقط إلى كشف زيف الصورة الأخلاقية التي سعت إسرئيل منذ نشأتها إلى تكريسها في الوعي الدولي، بل دفعت قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية، بما فيها أوساط أكاديمية وثقافية وإعلامية، وفي المجتمعات اليهودية نفسها، إلى إعادة النظر في الرواية الصهيونية التي هيمنت على مفاصل الإعلام وصناع القرار الدولي لعقود طويلة.

فقد بات واضحًا أن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري الهائل، تخسر تدريجيًا معركة السردية والشرعية الأخلاقية والسياسية، فيما تتوسع عزلتها الشعبية، وحتى الرسمية، في بعض عواصم الغرب.

غير أن هذا التحول، على أهميته التاريخية، لا يفضي تلقائيًا إلى إنجاز سياسي، ما لم تتبلور مجددًا قيادة فلسطينية قادرة على التقاط اللحظة، وإعادة بناء المشروع الوطني على أسس كفاحية وديمقراطية جامعة، وفق رؤية وطنية واقعية تتجاوز الانقسام والتكلس وارتهان القرار الوطني لحسابات البقاء السلطوي والفئوي، أو للرهانات الخارجية الخاسرة على حساب المصالح الوطنية العليا.

وهنا تكمن المفارقة القاسية؛ فبينما تتقدم القضية الفلسطينية في الوعي العالمي، تتراجع البنية السياسية الفلسطينية إلى مستويات غير مسبوقة من العجز وفقدان البوصلة والمبادرة.


تحوّلات كبرى وغياب الاستجابة الفلسطينية


لقد أصبح المشهد الفلسطيني مأزومًا على نحو بنيوي؛ إذ لم يعد الانقسام مجرد خلاف سياسي، بل تحوّل إلى نظام مصالح فئوية وأنانية ضيقة، وخطابات متناحرة تتغذى على استمرار الواقع المتردي أكثر مما تعمل على إنهائه. كما ويتواصل التعامل مع التحولات الدولية الكبرى بعقلية الانتظار أو الرهان على متغيرات إقليمية ودولية، بدلًا من العمل الجاد، بكل ما يتطلبه ذلك من مراجعة، من أجل تحويل تلك التحولات إلى عناصر قوة في خدمة واستنهاض مشروع وطني متجدد.

والأخطر من ذلك أن القيادة السياسية ما تزال تراهن، بصورة مباشرة أو مواربة، على أدوار أميركية أو إقليمية ثبت عمليًا أنها منخرطة في إدارة التصفية أكثر مما تعمل لفرض حل عادل. فالمشكلة لم تعد فقط في اختلال موازين القوى، بل في غياب الإرادة السياسية القادرة على التحرر من أوهام التسوية العقيمة، ومن تحويل السلطة إلى غاية بحد ذاتها بدلًا من أن تكون أداة لتعزيز الصمود والتحرر الوطني.

لقد شكّل العمل الأهلي والصمود الشعبي، والمبادرات المجتمعية، عبر مختلف مراحل ما بعد النكبة وسنوات الاحتلال، رافعة أساسية لقدرة الفلسطينيين على البقاء ومواجهة محاولات الاقتلاع والتفكيك. ففي أصعب المراحل، لم تكن قوة الفلسطينيين نابعة من مؤسسات سلطوية أو من وفرة الإمكانات، بل نشأت دومًا من حيوية المجتمع نفسه؛ من اللجان الشعبية، والنقابات، والاتحادات، والمراكز الثقافية، والمبادرات التطوعية، على صعيد الرعاية الصحية والتعليم وسبل التكافل الاجتماعي، وكذلك من مساحة الحرية التي أنتجت الوعي والمقاومة والقدرة على الاحتمال والصمود.

أما اليوم، فإن المشهد يبدو معكوسًا بصورة مقلقة. فلا يكاد يُرى أثر جدي لسياسات تهدف إلى تعزيز صمود الناس اقتصاديًا واجتماعيًا ومعنويًا، أو إلى تحفيز المبادرات الأهلية وتوسيع مشاركتها في مواجهة الكارثة الوطنية المتفاقمة. وعلى العكس من ذلك، تتزايد القيود على المجال العام، وتُغلق تدريجيًا مسامات الحريات العامة، بما فيها الحق في التعبير والرأي والإبداع والمبادرة المجتمعية.

وفي كثير من الأحيان، لا يجري التعامل مع العمل الأهلي بوصفه شريكًا وطنيًا في حماية المجتمع وتعزيز صموده، بل باعتباره مساحة ينبغي ضبطها أو محاصرتها أو إخضاعها، فيما يتعرض ناشطون ومثقفون وأصحاب رأي لحملات تضييق مباشرة أو غير مباشرة، في لحظة يُفترض أن تكون فيها وحدة النسيج المجتمعي وتماسكه، والانفتاح الديمقراطي، شرطين أساسيين للصمود الوطني.


المجتمع بوصفه رافعة للتحرر الوطني


إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حركة تحرر ليس فقط عدوانية عدوها، بل تآكل حيوية مجتمعها الداخلي، وتحول السلطة من أداة لخدمة الناس وتعزيز قدرتهم على الصمود والبقاء والمقاومة، إلى عبء يستهلك طاقاتهم أو يقيّد مبادراتهم.

فالمجتمعات الواقعة تحت الاحتلال لا تستطيع الصمود عبر الأجهزة البيروقراطية وحدها، بل عبر توليد الأمل واستنهاض الهمم وإطلاق طاقات الناس، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وفتح المجال أمام المبادرة الحرة والتنظيم الأهلي والنقد والمساءلة الشعبية. وحين تُغلق هذه المساحات، تتآكل المناعة الوطنية تدريجيًا، حتى لو بقي الخطاب السياسي مرتفع النبرة.

إن ما تحققه القضية الفلسطينية اليوم من حضور عالمي غير مسبوق يحتاج إلى ما هو أبعد من الاحتفاء الخطابي أو الاستثمار الإعلامي، أو ادعاء البطولات الفردية في تحقيقه؛ بل يحتاج إلى انتقال فعلي من موقع رد الفعل إلى بناء استراتيجية وطنية شاملة، تستند إلى عدة مرتكزات أساسية:

أولها، إعادة بناء الوحدة الوطنية على قاعدة الشراكة السياسية والكفاحية، لا على قاعدة المحاصصة أو الهيمنة أو إعادة إنتاج الانقسام بأشكال جديدة.

وثانيها، إعادة تعريف وظيفة النظام السياسي الفلسطيني، بحيث تصبح مهمته الأساسية حماية الناس وصمودهم وحقوقهم الوطنية، لا إدارة الأزمة تحت سقف الاحتلال.

وثالثها، تفعيل طاقات الفلسطينيين في الداخل والشتات، والاستفادة من التحولات الكبرى في الرأي العام العالمي، عبر بناء جبهات ضغط سياسية وقانونية وأكاديمية وشعبية عابرة للحدود.

أما الركيزة الرابعة، فهي استعادة البعد الأخلاقي التحرري للقضية الفلسطينية، بوصفها قضية شعب يناضل من أجل الحرية والكرامة والعدالة، لا مجرد ملف تفاوضي تديره النخب المغلقة أو الحسابات الفصائلية الضيقة.

لقد أثبتت التجربة أن القضية الفلسطينية تنتصر كلما اتسعت مساحة الحرية والمشاركة الشعبية، وتتراجع كلما ضاقت السياسة داخل الحسابات الفصائلية والوظيفية الضيقة. كما أثبتت أن الشعوب لا تنتصر فقط بقوة تضحياتها، بل أيضًا بقدرتها على إنتاج قيادة تاريخية توازي تلك التضحيات وتمنحها أفقًا سياسيًا جامعًا.

في الحالة الفلسطينية، تبدو الفجوة اليوم مؤلمة بين شعب يواصل دفع أثمان باهظة، وبين بنية سياسية تبدو عاجزة عن الارتقاء إلى مستوى متطلبات اللحظة التاريخية.

ومع ذلك، فإن ما يجري في العالم ليس تفصيلًا عابرًا. فالتحولات الكبرى تبدأ غالبًا من تراكمات أخلاقية وشعبية تبدو في بدايتها محدودة، قبل أن تتحول إلى وقائع سياسية يصعب وقفها. وما يتعرض له المشروع الصهيوني اليوم من اهتزاز عميق في صورته قد يشكل بداية تحوّل تاريخي طويل المدى، شرط أن يمتلك الفلسطينيون القدرة على تحويل معاناة شعبهم وصمودهم إلى مشروع وطني تحرري متجدد.

فالقضية الفلسطينية لم تعد تفتقر إلى عدالة الرواية، ولا إلى حضورها العالمي المتصاعد، بل إلى قيادة تغادر المنطقة الرمادية؛ بين مقاومة بلا أفق سياسي جامع، وسلطة بلا مشروع وطني فعلي.

وما لم يُحسم هذا الالتباس، سيبقى العالم يتغير لصالح فلسطين، فيما يظل الفلسطينيون عاجزين عن تحويل ذلك إلى إنجاز تاريخي يوازي تضحياتهم، ويسرّع في فتح أبواب الحرية على مصاريعها.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:05 صباحًا - بتوقيت القدس

متى الردّ على وقاحة نتنياهو؟

في خطوة تكشف بوضوح الطبيعة الحقيقية للمخططات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، أعلن رئيس حكومة الاحتلال، نتنياهو، قراره احتلال 70% من قطاع غزّة، في تصعيد خطير لا يمكن وصفه إلا بأنه تجديدٌ مباشرٌ لحرب الإبادة الجماعية التي تعرّض لها أبناء شعبنا أكثر من عامين. لا يمثّل هذا القرار مجرّد إجراء عسكري أو تكتيكاً حربياً، بل يشكل جزءاً من مشروع متكامل للتطهير العرقي، يهدف إلى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وتدمير مقوّمات حياتهم الوطنية والإنسانية.

تتضاعف خطورة هذا الإعلان لأنه يأتي مترافقاً مع تصريحات سابقة لوزير جيش الاحتلال، يسرائيل كاتس، عمّا سمّاها "الهجرة الطوعية" لسكان غزّة، وهي تسمية مضللة لعملية تهجير قسري ممنهجة، ترقى إلى مستوى جريمة حرب مكتملة الأركان. فالحديث عن السيطرة على غالبية مساحة القطاع يعني عملياً دفع أكثر من مليوني فلسطيني إلى مزيدٍ من الحصار والتجويع والتشريد، وتحويل غزّة إلى منطقة غير قابلة للحياة، في محاولةٍ لفرض واقع جديد بالقوة العسكرية والإرهاب الجماعي، خصوصاً بعد أن أقدمت حكومة نتنياهو على مسح كل وجود للحياة أو البناء في المناطق التي تحتلها من قطاع غزّة، والتي وصلت نسبتها حتى إعلان نتنياهو إلى 64% من مساحة القطاع، في ما يمثل تكراراً حرفياً للتدمير الذي قامت به عصابات الحركة الصهيونية وحكومة إسرائيل في ما لا يقل عن 523 قرية وبلدة فلسطينية عام 1948، وينتمي إليها كثيرون من سكان قطاع غزّة اللاجئين، الذين تطاردهم إسرائيل بالتطهير العرقي المرّة تلو الأخرى.

أثبتت الشهور الماضية أن حكومة نتنياهو لا تعبأ بأي قانون دولي أو اعتبارات إنسانية، بل تستند إلى شعور كامل بالإفلات من العقاب نتيجة التواطؤ الأميركي والصمت الدولي المخزي. فمنذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ارتكب جيش الاحتلال ما يقارب ثلاثة آلاف خرق موثق للاتفاق، أدّت إلى استشهاد نحو 930 فلسطينياً وإصابة ما يقارب ثلاثة آلاف، رغم أن الجانب الفلسطيني لم يقابل هذه الخروق بأي ردٍّ عسكري. ومع هذا، لم نشهد أي تحرّك دولي جدّي لمحاسبة إسرائيل، أو حتى ممارسة ضغط فعلي عليها لوقف جرائمها.

شجّع هذا الصمت الدولي نتنياهو على المضي في سياسات التوسع والاحتلال وتجديد العدوان. بل إن نتنياهو، من خلال إعلاناته المتكرّرة وخروقه المتواصلة، لم يتردّد في إهانة جميع الوسطاء الدوليين والعرب، بما فيهم الإدارة الأميركية نفسها، والرئيس دونالد ترامب، وكل الجهات التي تحدثت عن ترتيبات لوقف الحرب أو ما يسمّى "مجلس السلام". ورغم هذا، ما زال الموقف الأميركي يفتقر إلى أي إجراءات رادعة حقيقية، بينما تواصل بعض الدول الغربية تقديم الغطاءين، السياسي والعسكري، لحكومة الاحتلال.

لا يمكن فصل ما يجري في قطاع غزّة عما يحدث في الضفة الغربية، حيث تتصاعد اعتداءات المستوطنين الإرهابيين وعمليات التوسع الاستيطاني والاقتحامات العسكرية اليومية، في إطار مشروع استعماري واحد، هدفه تكريس الاحتلال ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة، فالحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تضم أكثر القوى تطرّفاً وعنصرية في تاريخ إسرائيل، تسعى إلى استغلال حالة العجز الدولي لفرض وقائع نهائية على الأرض عبر القوة العسكرية والإرهاب المنظم، مضمونها الضم والتهويد والتطهير العرقي.

لقد بات واضحاً أن الحركة الصهيونية لا تريد سلاماً ولا حلاً سياسياً، بل تسعى إلى فرض معادلةٍ تقوم على التهجير والإخضاع بالقوة العارية. وما يجري اليوم في غزّة يمثل أخطر مرحلة في المشروع الإسرائيلي منذ عقود، لأن الهدف ليس فقط إخضاع الفلسطينيين، بل محاولة اقتلاعهم بالكامل وتصفية القضية الفلسطينية ومحاولة تحويل ما يتبقى منها إلى مسألة إنسانية بلا أبعاد سياسية أو وطنية. وقد تجاوزت وقاحة نتنياهو كل الحدود، عندما أعلن تأييده رؤية إسرائيل الكبرى التي تضم ليس فقط كل فلسطين والأردن ولبنان، بل ثلثي سورية ونصف العراق وجميع الكويت وثلث السعودية ونصف مصر. وللأسف لم يسمع نتنياهو ردّاً حاسماً على هذه الوقاحة.

ومن هنا، تقع المسؤولية الأخلاقية والسياسية والقانونية على عاتق المجتمع الدولي بأسره، وخصوصاً الدول العربية والإسلامية ودول الاتحاد الأوروبي، التي لا يجوز لها الاكتفاء ببيانات القلق والإدانة الشكلية. المطلوب اليوم اتخاذ خطوات عملية وفورية لوقف هذا الانحدار الخطير نحو كارثة إنسانية وسياسية غير مسبوقة. فقد أصبح فرض مقاطعة شاملة وعقوبات فورية على حكومة نتنياهو ضرورة ملحة، بما في ذلك فرض حظر عسكري كامل ووقف كل أشكال التعاون التي تساهم في استمرار العدوان، فالتاريخ أثبت أن الأنظمة التي تمارس الاحتلال والعنصرية والأبارتهايد لا تتراجع إلا تحت ضغط حقيقي وعزلة دولية شاملة، كما حدث مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. كذلك إن القوى الحية في العالم، من حركات التضامن والنقابات والجامعات ومنظمات حقوق الإنسان، مطالبة اليوم بتصعيد حملات المقاطعة والعزل السياسي والأكاديمي والاقتصادي لإسرائيل، دفاعاً عن القيم الإنسانية وعن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة والاستقلال.

يواصل الشعب الفلسطيني، رغم كل ما يتعرض له من قتل وتجويع وتشريد، صموده الأسطوري وتمسّكه بأرضه وحقوقه الوطنية. وكل محاولات كسر إرادته أو تهجيره ستفشل كما فشلت كل المشاريع الاستعمارية السابقة. فغزة، التي أصبحت رمزاً عالمياً للصمود والمقاومة الإنسانية، ستبقى شاهدة على فشل القوة العسكرية في إخضاع الشعوب التي تناضل من أجل حريتها.

وإذا لم يتحرّك العالم اليوم لوقف هذه الجرائم، لن تتوانى إسرائيل عن تجديد حرب الإبادة وستجر المنطقة بأسرها إلى مزيد من العنف وعدم الاستقرار، وستتحمّل القوى المتواطئة والصامتة المسؤولية الكاملة عن حمام الدم الذي تعمل حكومة نتنياهو على جرّ فلسطين ولبنان والمنطقة بكاملها إليه. ... فمتى يأتي الردّ على نتنياهو؟

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:04 صباحًا - بتوقيت القدس

الشركة الفلسطينية للمحروقات: من التبعية إلى الشراكة

حين أُعلن عن إنشاء الشركة الفلسطينية للمحروقات، كان السؤال الأول على لسان المواطن: هل سينخفض سعر البنزين غدًا؟ وهو سؤال مشروع في ظل الضغوط المعيشية الحالية. لكن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يُطرح هو: هل نحن أمام ولادة ذراع اقتصادية استراتيجية جديدة للدولة الفلسطينية، أم مجرد إعادة تنظيم للسوق ضمن المنظومة ذاتها؟

فنحن لا نتحدث عن شركة صغيرة أو قطاع محدود الأثر، بل عن سوق يتجاوز حجمه 10 مليارات شيكل سنويًا، ويستهلك أكثر من 1.4 مليار لتر من المشتقات النفطية كل عام، بمتوسط يقارب أربعة ملايين لتر يوميًا، أي ما يعادل ملء نحو 1600 صهريج يوميًا. كما يشكل قطاع المحروقات أحد أهم مصادر الإيرادات العامة، إذ تقدر الإيرادات الضريبية المرتبطة به بنحو 3.3 مليار شيكل سنويًا، أي ما يعادل قرابة ثلث إيرادات المقاصة غير المحولة.

ومن هنا، فإن أي تغيير في طريقة إدارة هذا القطاع لا يقتصر أثره على محطات الوقود أو شركات التوزيع، بل يمتد إلى المالية العامة والاستثمار والنقل والزراعة والصناعة والتجارة، وإلى قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الصمود في مواجهة الأزمات.

ويأتي هذا القرار في توقيت اقتصادي شديد الحساسية. فالاقتصاد الفلسطيني يواجه أزمة مقاصة مستمرة، ودينًا عامًا يقترب من 47 مليار شيكل، وضغوطًا متزايدة على الموازنة العامة، وتراجعًا في مستويات السيولة. وفي ظل هذه التحديات، تصبح الحاجة ملحة إلى أدوات اقتصادية جديدة قادرة على توليد الإيرادات وتعزيز الاستثمار وتقليل مستويات التبعية الاقتصادية.

المعطيات الأولية المتداولة حول الشركة الجديدة تشير إلى نموذج شراكة يجمع بين الحكومة والقطاع الخاص، بحيث تمتلك الحكومة 51% من رأس المال مقابل 49% للقطاع الخاص. وإذا ما تم تثبيت هذا النموذج رسميًا، فإننا سنكون أمام تجربة مختلفة عن الشركات الحكومية التقليدية، حيث تحتفظ الحكومة بالدور السيادي والاستراتيجي، بينما يساهم القطاع الخاص بالاستثمار والخبرة التشغيلية والمرونة الإدارية.

لكن أهمية هذا النموذج لا تقتصر على قطاع المحروقات فحسب، بل تفتح الباب أمام نقاش اقتصادي أوسع يتعلق بشكل النموذج الاقتصادي الفلسطيني خلال السنوات المقبلة. فبينما قامت التجربة الاقتصادية الفلسطينية خلال العقود الماضية على تشجيع القطاع الخاص والاستثمار والمنافسة، يبدو أن المرحلة الحالية تدفع نحو دور أكبر للدولة في بعض القطاعات الاستراتيجية، ولكن من خلال شراكات اقتصادية لا تلغي دور القطاع الخاص بل تعيد صياغته.

فالتحول الأهم لا يتمثل فقط في إنشاء الشركة، بل في الفصل بين الدور التنظيمي والدور التجاري. فاستمرار الهيئة العامة للبترول في رسم السياسات والإشراف على القطاع، مقابل نقل العمليات التجارية والاستثمارية إلى شركة متخصصة، يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الشفافية ورفع الكفاءة وتحسين الإدارة المهنية لهذا القطاع الحيوي.

وعلى مدار العقود الماضية، بقيت فلسطين تعتمد بصورة شبه كاملة على السوق الإسرائيلية في تزويدها بالمحروقات. ورغم الاعتقاد السائد بأن بروتوكول باريس الاقتصادي يمنع استيراد الوقود من الخارج، فإن الحقيقة مختلفة. فالاتفاقية تتيح من حيث المبدأ الاستيراد من مصادر خارجية ضمن شروط وإجراءات محددة، إلا أن التحدي ظل دائمًا مرتبطًا بالبنية التحتية والقدرات اللوجستية والتمويلية اللازمة لذلك.

وهنا تبرز إحدى أهم الفرص التي يمكن أن تخلقها الشركة الجديدة، فالقضية ليست فقط في شراء الوقود، بل في بناء منظومة وطنية متكاملة تشمل التخزين الاستراتيجي، وتنويع مصادر التوريد، وتحسين إدارة سلسلة الإمداد، وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مصدر واحد.

وفي هذا السياق، تكتسب قضية التخزين أهمية استثنائية. فمنذ سنوات دعونا في أكثر من مقال وتحليل اقتصادي إلى ضرورة الاستثمار في إنشاء صهاريج وخزانات استراتيجية للمحروقات باعتبارها جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي الفلسطيني. فالدول لا تقاس فقط بقدرتها على استيراد الطاقة، بل بقدرتها على تخزينها وتأمينها وإدارتها بكفاءة في أوقات الأزمات.

كما أن امتلاك سعات تخزينية كافية يتيح الاستفادة من فترات انخفاض الأسعار العالمية، ويقلل من مخاطر الانقطاعات المفاجئة أو التقلبات الحادة في الأسواق. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للشركة الفلسطينية للمحروقات قد لا تكون في توزيع الوقود بقدر ما تكون في قدرتها على الاستثمار في البنية التحتية للطاقة وتعزيز الأمن الطاقي وفتح المجال أمام استثمارات جديدة في التخزين والاستيراد وربما التكرير مستقبلاً.

وفي ظل التقلبات الجيوسياسية المتزايدة في المنطقة وأسواق الطاقة العالمية، تزداد أهمية امتلاك أدوات وطنية قادرة على تنويع مصادر التوريد وتعزيز الأمن الطاقي وتقليل أثر الصدمات الخارجية على الاقتصاد الفلسطيني.

أما المواطن الفلسطيني، فمن الطبيعي أن يتساءل عن الفائدة المباشرة التي سيحصل عليها من هذا المشروع. والإجابة الواقعية أن نجاح الشركة لن يقاس فقط بانخفاض سعر البنزين أو السولار، فالسعر النهائي ما زال يتأثر بأسعار النفط العالمية والضرائب والرسوم وتكاليف النقل والتخزين. لكن الفائدة الحقيقية قد تظهر من خلال تحسين الكفاءة التشغيلية وتقليل الفاقد وتحسين إدارة سلسلة التوريد.

وللتدليل على أهمية ذلك، فإن خفض كلف التشغيل والفاقد بنسبة 2% فقط من سوق تتجاوز قيمته 10 مليارات شيكل سنويًا قد يعني توفير أكثر من 200 مليون شيكل سنويًا، وهي أموال يمكن إعادة ضخها في الاقتصاد الفلسطيني أو استثمارها في مشاريع استراتيجية جديدة.

ومع ذلك، فإن نجاح هذه التجربة سيظل مرهونًا بعامل واحد أساسي: الحوكمة. فالتاريخ الاقتصادي لا يقيس نجاح المؤسسات بحجم رأس المال أو حجم الطموحات، بل بقدرتها على العمل وفق قواعد الشفافية والمساءلة والكفاءة والاستقلالية المهنية. وهنا أقول بكل وضوح: إن نجاح هذه الشركة أو فشلها سيكون اختبارًا حقيقيًا لقدرتنا على بناء مؤسسات تعمل بمعايير مهنية بعيدًا عن المحاصصة والتعيينات غير المبنية على الكفاءة.

في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بالوقود أو بمحطات التوزيع أو بأسعار البنزين. القضية أعمق من ذلك بكثير. إنها تتعلق بقدرة الفلسطينيين على بناء مؤسسات اقتصادية استراتيجية قادرة على إدارة موارد حيوية، وجذب الاستثمار، وتعزيز الإيرادات العامة، وتقليل التبعية الاقتصادية في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا التي يمر بها الاقتصاد الفلسطيني.

فإذا نجحت هذه التجربة، فلن تكون مجرد شركة جديدة في السوق، بل ربما أول ذراع اقتصادية سيادية فلسطينية قادرة على تحويل التبعية إلى شراكة، والاستهلاك إلى استثمار.


اسرائيليات

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 7:09 صباحًا - بتوقيت القدس

توبيخ وصرخات.. كواليس مكالمة عاصفة بين ترامب ونتنياهو بشأن التصعيد في لبنان

كشفت مصادر إعلامية مطلعة عن تفاصيل مكالمة هاتفية عاصفة جرت يوم الإثنين الماضي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وبحسب التقارير، فقد ساد التوتر الشديد أجواء الاتصال على خلفية التصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير في الأراضي اللبنانية، والذي اعتبره ترامب تجاوزاً للتفاهمات القائمة.

ونقلت مصادر عن مسؤولين أمريكيين أن ترامب وجه انتقادات لاذعة وحادة لنتنياهو، حيث وصفه بـ 'المجنون' خلال نوبة غضب واضحة. وتساءل الرئيس الأمريكي بلهجة صارخة: 'ماذا تفعل بحق الجحيم؟'، في إشارة إلى استيائه من القرارات العسكرية الإسرائيلية التي اتُخذت مؤخراً في بيروت وضواحيها.

ولم يتوقف توبيخ ترامب عند حد انتقاد العمليات العسكرية، بل امتد ليشمل الجانب السياسي والعلاقات الثنائية بين الطرفين. فقد اتهم ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بعدم إظهار التقدير والامتنان الكافي للدعم اللامحدود الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل في مواجهاتها العسكرية المختلفة.

ميدانياً، كان نتنياهو قد أصدر تعليمات مباشرة للجيش الإسرائيلي بتنفيذ ضربات جوية مكثفة استهدفت مواقع في الضاحية الجنوبية لبيروت. وجاء هذا التصعيد رغم وجود اتفاق هش لوقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ في نوفمبر 2024، مما أثار مخاوف دولية من انهيار التهدئة والعودة لمربع المواجهة الشاملة.

وفي سياق ردود الفعل الدولية، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الهجمات الإسرائيلية الأخيرة تمثل خرقاً صريحاً للاتفاقات التي تم التوصل إليها في أبريل الماضي. وحذر عراقجي من أن استمرار هذه الانتهاكات سيؤدي حتماً إلى انهيار كامل للتفاهمات، محملاً واشنطن وتل أبيب المسؤولية عن أي تداعيات مستقبلية.

من جانبه، حاول ترامب لاحقاً تلطيف الأجواء بوصف المكالمة بأنها كانت 'مثمرة' في نهاية المطاف، رغم بدايتها المتفجرة. وأشار إلى أنه وضع خطوطاً حمراء لنتنياهو، طالباً منه بشكل صريح عدم الانجرار إلى عملية عسكرية واسعة النطاق داخل العاصمة اللبنانية بيروت أو اجتياحها برياً.

وفي تطور لافت، ادعى ترامب عبر منصته 'تروث سوشيال' أنه أجرى اتصالات مع قيادات مرتبطة بحزب الله، مشيراً إلى التوصل لاتفاق مبدئي للحفاظ على الهدوء. وأعرب الرئيس الأمريكي عن أمله في أن يصمد وقف إطلاق النار هذا 'إلى الأبد'، في محاولة منه لتصوير نفسه كوسيط قادر على لجم التصعيد.

إلا أن الموقف الإسرائيلي بدا متمسكاً بخياراته العسكرية، حيث رد نتنياهو عبر منصة 'إكس' مؤكداً فحوى ما أبلغه لترامب خلال المكالمة. وشدد نتنياهو على أن إسرائيل لن تتوقف عن ملاحقة ما وصفها بـ 'الأهداف الإرهابية' في أي مكان، بما في ذلك بيروت، إذا استمرت التهديدات الموجهة للمدن الإسرائيلية.

وتعكس هذه المشادات الكلامية المسربة عمق الفجوة المتزايدة بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية الحالية بشأن إدارة الملف اللبناني. وبينما تسعى واشنطن لتثبيت التهدئة ومنع اشتعال جبهة الشمال، يصر الجيش الإسرائيلي على مواصلة عملياته في جنوب لبنان والعمق اللبناني وفقاً لخططه العملياتية المقررة مسبقاً.

اقتصاد

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 5:24 صباحًا - بتوقيت القدس

ترقب في الأسواق العالمية لنتائج المحادثات الإيرانية وتداعيات تهدئة لبنان

سيطرت حالة من الترقب المشوب بالحذر على تعاملات الأسواق العالمية اليوم الثلاثاء، حيث انصب اهتمام المستثمرين على تقييم تداعيات اتفاق وقف إطلاق النار الجزئي بين حزب الله والاحتلال الإسرائيلي. وتتزامن هذه التطورات مع متابعة دقيقة لمسار المفاوضات المتسارعة بين الولايات المتحدة وإيران، وسط مخاوف مستمرة من تقلبات التضخم ومستقبل إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز الاستراتيجي.

حافظت أسعار النفط على مستوياتها المرتفعة التي سجلتها مؤخراً، رغم حالة عدم اليقين التي تكتنف مستقبل المحادثات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران. ويراقب المتعاملون احتمالات إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل أمام الملاحة الدولية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على استقرار المعروض النفطي في الأسواق العالمية التي تعاني من ضغوط جيوسياسية متلاحقة.

على صعيد الأرقام، شهدت العقود الآجلة لخام برنت ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.06 بالمئة لتستقر عند 95.04 دولار للبرميل، بينما سجل خام غرب تكساس الوسيط تراجعاً طفيفاً بنسبة 0.18 بالمئة ليصل إلى 91.99 دولار. وتأتي هذه التحركات بعد قفزة سعرية تجاوزت 5 بالمئة في الجلسة الماضية، تأثراً بتصريحات متضاربة حول تعليق طهران للمفاوضات غير المباشرة مع الجانب الأمريكي.

في سوق المعادن الثمينة، استقر سعر الذهب في المعاملات الفورية عند مستوى 4484.49 دولار للأوقية، في ظل موازنة المستثمرين بين المخاطر السياسية في الشرق الأوسط والبيانات الاقتصادية المرتقبة. كما سجلت العقود الأمريكية الآجلة للذهب صعوداً طفيفاً بنسبة 0.2 بالمئة، مما يعكس استمرار جاذبية المعدن الأصفر كأداة للتحوط في الأزمات.

تتجه أنظار المحللين الاقتصاديين نحو الولايات المتحدة بانتظار صدور تقرير الوظائف غير الزراعية وبيانات التوظيف الرسمية في وقت لاحق من هذا الأسبوع. وتعد هذه البيانات حاسمة لتحديد توجهات مجلس الاحتياطي الاتحادي بشأن السياسة النقدية وأسعار الفائدة، خاصة مع تزايد الضغوط التضخمية المرتبطة بالتوترات الإقليمية في المنطقة العربية.

بالنسبة لسوق العملات، حافظ الدولار الأمريكي على استقراره النسبي مع تبني المستثمرين استراتيجية الانتظار والترقب لمسار التهدئة الإقليمية. وقد تراجع مؤشر الدولار قليلاً عن مكاسبه السابقة عقب الإعلان عن تفاهمات لبنانية لخفض التصعيد، إلا أن الحذر لا يزال سيد الموقف بسبب هشاشة الاتفاقات القائمة بين القوى الكبرى.

أفادت مصادر تحليلية بأن الأسواق تراهن حالياً على إمكانية توصل واشنطن وطهران إلى اتفاق يقضي بإعادة فتح مضيق هرمز تدريجياً مقابل تمديد وقف إطلاق النار لمدة شهرين إضافيين. ويهدف هذا التمديد المفترض إلى منح فرصة أكبر للمفاوضات المتعلقة ببرنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني، وهو ملف حيوي يؤثر بشكل مباشر على شهية المخاطرة لدى المستثمرين.

أكدت الخبيرة الاقتصادية كريستينا كليفتون أن أي انفراجة حقيقية في الملفات السياسية العالقة قد تؤدي إلى تراجع الطلب على الدولار كملجأ آمن. وأوضحت أن استقرار الملاحة البحرية وتدفقات الطاقة يمثلان الركيزة الأساسية لتهدئة الأسواق، مشيرة إلى أن التفاهمات الجيوسياسية ستظل المحرك الرئيسي لأسعار السلع والعملات خلال الفترة المقبلة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 4:54 صباحًا - بتوقيت القدس

مخاوف من الانقسام في السودان عقب تشكيل 'الدعم السريع' مجلساً للأمن والدفاع

تتصاعد المخاوف في السودان من انزلاق البلاد نحو سيناريوهات الانقسام والتشظي، عقب التحركات السياسية الأخيرة التي اتخذتها قوات الدعم السريع. وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار النزاع المسلح الذي تجاوز عامه الثالث، مما يهدد بتحويل الصراع من مواجهة عسكرية ميدانية إلى مرحلة بناء مؤسسات سيادية موازية للدولة.

وفي خطوة أثارت جدلاً واسعاً، أعلنت ما تُعرف بـ'حكومة تأسيس'، وهي الجناح السياسي لقوات الدعم السريع، عن تشكيل مجلس للأمن والدفاع في المناطق الخاضعة لسيطرتها. ويهدف هذا التحرك بحسب مراقبين إلى إيجاد هياكل حكم بديلة، مما يعزز من فرضية السعي نحو الانفصال الفعلي بعيداً عن السلطة المركزية في بورتسودان.

ويعود أصل الصراع الدامي في السودان إلى منتصف أبريل من عام 2023، حين اندلعت المواجهات بين الجيش وقوات الدعم السريع إثر خلافات حادة حول خطط دمج الأخيرة في المؤسسة العسكرية الرسمية. وقد خلفت هذه الحرب واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع نزوح الملايين وتفشي المجاعة في مناطق واسعة.

وعلى الرغم من غموض الصلاحيات الممنوحة للمجلس الجديد، إلا أن التوقيت يشير إلى رغبة في فرض واقع سياسي جديد يسبق أي جولات تفاوضية محتملة. ويرى محللون أن هذه الخطوة تهدف إلى بناء جيش موازٍ ومؤسسات أمنية مستقلة، وهو ما يصطدم بشكل مباشر مع مفهوم الدولة الوطنية الموحدة.

من جانبه، كان قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو قد أشار في تصريحات سابقة إلى انفتاحه على مسارات سياسية لإنهاء الحرب. ومع ذلك، فإن الخطوات العملية على الأرض، مثل تشكيل المجالس السيادية، توحي بتوجهات مغايرة قد تؤدي إلى تعقيد أي حلول سلمية مستقبلية وتعميق الفجوة بين الأطراف المتصارعة.

وتواجه هذه التحركات معارضة دولية وإقليمية شديدة، حيث أكدت مصادر دبلوماسية أن الاتحاد الإفريقي ومجلس الأمن الدولي يرفضان أي محاولات لتقسيم السودان. وتشدد القوى الدولية على ضرورة الحفاظ على وحدة المؤسسات الرسمية، معتبرة أن أي كيان موازٍ يفتقر للشرعية القانونية والاعتراف الدولي.

في المقابل، تواصل القيادة العامة للجيش السوداني تمسكها بخيار الحسم العسكري واستعادة السيطرة على كافة الأراضي الوطنية. وأكد الفريق أول عبد الفتاح البرهان في مناسبات عدة أن القوات المسلحة ماضية في دحر التمرد، مشدداً على عدم القبول بأي تسوية تشمل من تلطخت أيديهم بانتهاكات ضد المدنيين.

وفي سياق القراءة التحليلية لهذه الخطوة، أوضح رئيس تحرير صحيفة صوت الأمة، طاهر المعتصم أن إعلان مجلس الأمن والدفاع يمثل محاولة لرفع سقف التفاوض في أي حوار قادم. وحذر المعتصم من أن هذا المسار يمثل تهديداً وجودياً لوحدة السودان، كونه يكرس الانقسام المجتمعي والأمني ويحول دون الوصول إلى استقرار مستدام.

ويبقى المشهد السوداني مفتوحاً على كافة الاحتمالات، في ظل غياب أفق واضح للحل السياسي وتزايد حدة الاستقطاب المؤسسي. ومع إصرار كل طرف على مواقفه، يخشى السودانيون من أن تؤدي هذه الكيانات الموازية إلى تمزيق النسيج الوطني بشكل يصعب علاجه في المستقبل القريب.

منوعات

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 4:54 صباحًا - بتوقيت القدس

جزارة مصرية شابة تخطف الأنظار بمقاطع فيديو توثق مهنتها الشاقة

شهدت منصات التواصل الاجتماعي في مصر موجة واسعة من التفاعل والجدل عقب انتشار مقاطع فيديو لفتاة شابة تدعى منة أبو المواهب، وهي تمارس مهنة الجزارة باحترافية عالية. وتظهر منة في فيديوهاتها وهي تتعامل مع السكاكين والسواطير وتشارك بفعالية في عمليات ذبح وتجهيز الأضاحي، مؤكدة أن هذه الحرفة هي إرث عائلي تعلمته من والدها الذي ترافقه في العمل بشكل يومي.

تعتمد الشابة المصرية في تقديم محتواها على أسلوب فكاهي وبسيط يتماشى مع التوجهات الرائجة على منصات التواصل، مما ساعدها في جذب آلاف المتابعين وحصد مشاهدات مليونية في وقت قياسي. ولا تقتصر المقاطع على الجانب المهني الصرف، بل تستعرض أيضاً كواليس العمل الشاق، حيث ظهرت في أحد الفيديوهات رفقة والدها وهي تشير إلى إتمام يوم عمل مضنٍ استمر لأكثر من 21 ساعة متواصلة دون توقف.

وقد انقسمت آراء المتابعين بين مشيد بشجاعتها واعتزازها بمهنة والدها وقدرتها على تحمل مشاق عمل يتطلب قوة بدنية وجرأة، وبين من رأى في المشاهد خروجاً عن المألوف بالنسبة للفتيات في مثل عمرها. ورغم تلطخ ملابسها بالدماء وظهورها في بيئة عمل خشنة، إلا أن منة تصر على إظهار فخرها بما تقوم به، معتبرة أن العمل الشريف ليس عيباً مهما كانت طبيعته أو صعوبته.

وتعكس قصة منة أبو المواهب تحولاً في نظرة المجتمع لبعض المهن التي كانت حكراً على الرجال، حيث استطاعت من خلال هاتفها المحمول نقل صورة واقعية عن كفاحها اليومي في المذبح. وتؤكد مصادر متابعة أن هذا النوع من المحتوى يلقى رواجاً كبيراً كونه يكسر القوالب النمطية ويقدم نماذج لشباب يفتخرون بمهنهم اليدوية بعيداً عن صخب الوظائف التقليدية، مما يجعلها ملهمة للكثيرين من أبناء جيلها.

عربي ودولي

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 4:24 صباحًا - بتوقيت القدس

صور أقمار صناعية تكشف تضرر 20 قاعدة أمريكية في 8 دول جراء ضربات إيرانية

كشفت تقارير إعلامية دولية استندت إلى صور حديثة ملتقطة عبر الأقمار الصناعية عن حجم الدمار الذي طال الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. وأظهرت الصور تعرض ما لا يقل عن 20 قاعدة عسكرية تابعة للولايات المتحدة لأضرار متفاوتة، وذلك في أعقاب سلسلة من الهجمات التي شنتها إيران رداً على التصعيد العسكري الأخير في المنطقة.

وأفادت مصادر مطلعة بأن التحليلات التي أجراها خبراء عسكريون على الصور الجوية أكدت أن الضربات شملت منشآت حيوية في ثماني دول مختلفة. وتوزعت هذه الأضرار بين دول الخليج العربي الست، بالإضافة إلى مواقع عسكرية استراتيجية في كل من العراق والأردن، مما يعكس اتساع رقعة الاستهداف الإيراني للمصالح الأمريكية.

وشملت قائمة الخسائر المادية الموثقة تدمير أو إعطاب أنظمة متطورة للدفاع الجوي ورادارات مراقبة، فضلاً عن إصابة طائرات مخصصة للتزود بالوقود كانت متوقفة في المدارج. كما طالت الانفجارات مرافق تخزين الوقود الاستراتيجية وحظائر الطائرات المحصنة، وهو ما تسبب في إرباك العمليات اللوجستية في تلك القواعد.

ولم تقتصر الأضرار على المعدات التقنية والعسكرية فحسب، بل امتدت لتشمل البنية التحتية السكنية داخل المنشآت، حيث تضررت أماكن إقامة الجنود بشكل مباشر. وتقدر التقارير الأولية أن تكلفة إصلاح هذه التلفيات وإعادة تأهيل المرافق المتضررة ستصل إلى ملايين الدولارات، بالنظر إلى دقة الأنظمة التي تم استهدافها.

وأشارت المصادر إلى أن المعلومات المسربة توضح أن حجم الدمار الحقيقي في القواعد الأمريكية بدول الخليج والعراق والأردن يتجاوز بكثير ما تم الإعلان عنه رسمياً في وقت سابق. ويرى مراقبون أن التكتم على حجم هذه الخسائر كان يهدف إلى تجنب إظهار الثغرات في المنظومات الدفاعية التي تحمي هذه القواعد الحيوية.

وفي سياق متصل، رجح محللون عسكريون أن يكون عدد المنشآت التي طالتها الصواريخ أو الطائرات المسيرة الإيرانية أكبر من الرقم المعلن حالياً. وأكد الخبراء أن بعض المواقع العسكرية قد تكون تعرضت لإصابات دقيقة لم تظهرها الصور التجارية المتاحة، مما يرفع سقف التوقعات بشأن حجم الاستنزاف الذي تعرضت له القوات الأمريكية.

من جانب آخر، تعزز هذه المعطيات ما صرح به مساعد وزير الدفاع الأمريكي للشؤون المالية، جولز جي هيرست، أمام الكونغرس في وقت سابق حول الكلفة الباهظة للمواجهة. حيث أقر المسؤول الأمريكي بأن الفاتورة الإجمالية للعمليات العسكرية المرتبطة بالتوتر مع إيران قد تجاوزت حاجز 29 مليار دولار، وهو رقم مرشح للارتفاع مع استمرار عمليات التقييم والإصلاح.