وفي هذا السياق، ترى جيرالدين هورنبرغ أن الدبلوماسية الفرنسية اقتصرت على إدانات بسيطة لأفراد مجهولين لمدة عامين تقريبا، واستدعت السفير الإسرائيلي في باريس مرة واحدة فقط بعد اعتقال اثنين من رجال الدرك الفرنسيين في القدس الشرقية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.
لذا، تعتقد الناشطة أن ما يحدث هو عبارة عن لعبة دبلوماسية بين فرنسا وإسرائيل، موضحة ذلك بالقول "في الواقع، لا يسعنا إلا أن نلاحظ دعم فرنسا للدولة الإسرائيلية، وتسليم الأسلحة، والغياب التام للإدانة للإبادة الجماعية المستمرة في غزة، والتطهير العرقي في الضفة الغربية، وهجمات الجيش الإسرائيلي على جيرانه".
بينما اعترفت كل من بريطانيا وكندا وأستراليا يوم الأحد رسميا بدولة فلسطين، اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي دعوات الاعتراف "تهديدا لوجود إسرائيل"، مطالبا بمواجهة الأمم المتحدة وكل الجبهات الأخرى لدحض ما وصفها بـ"الدعاية الكاذبة" ضد إسرائيل.
وفي فرنسا، أمر وزير الداخلية برونو ريتيلو جميع المحافظين بمنع رفع العلم الفلسطيني غدا في البلديات، وهو اليوم الذي من المتوقع أن تقوم فيه العديد من البلديات بذلك من أجل الاحتفال بهذا الاعتراف، معتبرا ذلك "اعتداء على مبدأ حياد الخدمة العامة".
تعليقا على ذلك، وصفت رئيسة منظمة "أوروفلسطين" الناشطة أوليفيا زيمور قرار ريتيلو بـ"المدهش وغير المقبول"، مضيفة أنه "يعارض بذلك قرار الرئيس ماكرون، وهو شكل من أشكال المعارضة، وكأنه يريد القول إننا سنعترف بفلسطين لكن يجب ألا نُعلن ذلك، إنه أمر مخجل بالفعل".
وتابعت زيمور في حديث للجزيرة نت "سيحقق الاعتراف شيئا واحدا على الأقل وهو عدم منع الفرنسيين من رفع العلم الفلسطيني بعد منعهم في المرات السابقة تحت طائلة الغرامة".
ومن منظور القانوني الفرنسي، لا تمنع البلاد وضع الأعلام على نوافذ المنازل، أيّا كان البلد بما في ذلك فلسطين، ولا يمكن للشرطة إجبار أي أحد على إزالته إلا بقرار أو تصويت من إدارة المجمع السكني يفيد بأن هذا العلم يسيء إلى جمالية واجهة المبنى.
وقد أكد عدد من البلديات عدم الرضوخ لقرار الوزير المنتهية ولايته، حيث من المقرر أن يرفع رئيس بلدية مدينة سان دوني ضواحي باريس العلم الفلسطيني غدا الاثنين في الساعة السادسة مساء، فضلا عن إضاءة مقر البلدية والنوافير القريبة منه بألوان فلسطين، في حين سيرفرف علم الأمم المتحدة فوق مبناها الرئيسي.
بالإضافة إلى ذلك، دعا السكرتير الأول للحزب الاشتراكي أوليفييه فور رؤساء البلديات إلى رفع علم فلسطين، وأعلن رئيس بلدية كورباي/إيسون توزيع ألف علم على سكان المنطقة ليضعوها على نوافذ منازلهم بالتزامن مع رفع العلم الفلسطيني في مبنى البلدية.
في خلفية مشهد الاعتراف الفرنسي المنتظر، تقف قضايا أعمق من الموقف الدبلوماسي بما في ذلك فرض العقوبات وتجميد صفقات السلاح ودعم عضوية فلسطين في الأمم المتحدة وغيرها.
وفي هذا الإطار، تعتقد رئيسة منظمة "أوروفلسطين" أن الاعتراف لن يكون بديلا لفرض العقوبات على إسرائيل ولن يوقف الإبادة الجماعية لأن قطع العلاقات التجارية والرياضية والثقافية سيكون أكثر فعالية، وهو ما لا يحدث اليوم في فرنسا حيث يتواصل التعامل التجاري بما في ذلك مع المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية، وإرسال الأسلحة.
وتعليقا على النقاش الحالي حول تعليق عضوية إسرائيل داخل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، أشارت زيمور إلى استبعاد الفيفا جنوب أفريقيا في عام 1976 بسبب نظام الفصل العنصري "الذي يعد أرحم بكثير من الإبادة التي يتعرض لها أهالي غزة".
من جانبها، أكدت الناشطة في جمعية "الاتحاد اليهودي الفرنسي من أجل السلام" هورنبرغ أن الاعتراف يجب أن يُصاحب بفرض عقوبات على إسرائيل وحصار شامل وإنهاء اتفاقية الشراكة والامتثال لمطالب مذكرات التوقيف الصادرة بحق نتنياهو وسموتريتش، بالإضافة إلى الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة وفقا لرأي الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر يوم 18 سبتمبر/أيلول 2024.
ويمثل الاعتراف المرتقب الاثنين ـوإن تأخر كثيراـ لحظة فارقة في مسار طويل من الإنكار والتأجيل والتجاهل.