تواجه الشعوب المغاربية هذا العام تحدياً اقتصادياً واجتماعياً كبيراً يتمثل في الارتفاع الجنوني لأسعار أضاحي العيد، مما جعل مربي الماشية في واجهة الانتقادات الشعبية. ورغم الاختلافات السياسية بين دول المنطقة، إلا أن أزمة 'الكبش' وحدت مواطني الجزائر والمغرب وتونس في مواجهة غلاء يفوق قدرتهم الشرائية الضعيفة، وسط إصرار ثقافي وديني على إحياء هذه الشعيرة حتى في البيئات الحضرية غير المهيأة.
إن هذه الشعيرة الدينية تحولت بمرور الزمن إلى ممارسة اجتماعية وثقافية عميقة الجذور، ترتبط بشكل وثيق بالنمط الغذائي السائد في المنطقة، وعلى رأسه طبق 'الكسكسي'. هذا الارتباط جعل من تعذر الحصول على الأضحية بسعر معقول أزمة هوية واجتماع، دفعت الشعوب لإعادة تساؤلاتها حول واقع الزراعة والسياسات الرعوية في بلدانها التي تعاني من اختلالات هيكلية قديمة.
تختلف السياقات التاريخية لملكية الأرض وتسيير القطاع الزراعي بين دول المنطقة؛ فبينما شهد المغرب استقراراً نسبياً في أساليب التسيير، عانت الجزائر من فترات عدم استقرار أثرت على الملكية العقارية والإنتاج. وفي المقابل، حاولت تونس تجاوز تحولاتها ببراغماتية هادئة، إلا أن هذه الدول الثلاث اشتركت في النهاية في مواجهة أزمة غلاء المواشي نتيجة تشابه الأسباب العميقة الكامنة وراء تدهور قطاع الرعي.
بعيداً عن شماعة التغير المناخي التي أصبحت واقعاً يصعب الإفلات منه، يبرز التسيير التقليدي للقطاع الرعوي كأحد أهم أسباب الأزمة الراهنة. فبينما شهدت قطاعات زراعية أخرى مثل الخضروات والفواكه والحبوب نوعاً من العصرنة والتحسن في الإنتاج، ظل قطاع تربية الماشية أسيراً لأساليب قديمة لم تتطور لتواكب الزيادة الديموغرافية الكبيرة والطلب المتزايد.
لقد أدى ارتفاع مستوى التعليم والتحولات الثقافية في المدن إلى فجوة كبيرة مع الريف الذي ظل في بعض المناطق بعيداً عن مظاهر العصرنة التي أنجزتها الدولة الوطنية. هذا التخلف في قطاع الرعي يعود لاعتبارات أنثروبولوجية وثقافية صمدت أمام موجات التغيير، مما جعل الإنتاج الحيواني غير قادر على تلبية احتياجات السوق المتنامية بأسعار تنافسية.
تحولت شعيرة الأضحية مع الوقت إلى ممارسة اجتماعية تهم في المقام الأول أفراد العائلة، وسط شعوب ترسخت لديهم عادة استهلاك اللحوم الحمراء كجزء من هويتهم الثقافية.
في التعامل مع الأزمة الحالية، لجأت الحكومة الجزائرية إلى حلول استعجالية تمثلت في استيراد نحو مليون رأس من الأغنام عبر النقل الجوي لضمان توفرها قبل العيد. ورغم أن هذه الخطوة قدمت كإنجاز، إلا أنها تعكس في جوهرها نمطاً تسييرياً ريعياً يعتمد على صرف المال العام بدلاً من معالجة المعوقات الأساسية لإنتاجية قطاع الرعي المحلي وتطويره بشكل مستدام.
على الجانب الآخر، لم تسمح الوضعية المالية في تونس والمغرب باللجوء إلى خيار الاستيراد الواسع، مما وضع الحكومات هناك تحت ضغط شعبي هائل ومباشر. هذا التباين في الحلول التكتيكية لا يخفي الفشل المشترك في وضع سياسات استراتيجية طويلة المدى تتعامل مع قطاع الرعي الذي يعيش حالة تفكك وانحسار كنمط إنتاج تقليدي منذ عقود.
تشير الدراسات السوسيولوجية إلى أن إهمال المناطق الرعوية والتعامل معها بنظرة فوقية من قبل سكان المدن ساهم في تعميق الأزمة، رغم الدور الاقتصادي الحيوي لهذه الفئات الريفية. إن غلاء الأسعار ليس سوى قشرة خارجية لأزمة أعمق تتعلق بانهيار السلالات الوطنية وإطارها الإيكولوجي، وسط غياب سياسات غذائية مبتكرة تشجع على التنوع والتوازن.
من الضروري أن تتجه شعوب المنطقة نحو تنويع مصادر بروتينها، خاصة مع توفر سواحل ممتدة تتيح استغلال الثروات البحرية بشكل أفضل مما هو عليه الآن. إن الإصرار على النمط الغذائي الحالي، الذي يفتقر للتوازن، أدى إلى تفشي أمراض العصر كالسمنة، مما يتطلب جرأة من أصحاب القرار لطرح بدائل غذائية وثقافية تتناسب مع التحولات الاقتصادية والبيئية الحديثة.
في الختام، تظل أزمة أضاحي العيد في المغرب العربي مرآة تعكس الفجوة بين التقاليد الراسخة والواقع الاقتصادي المأزوم. إن الحل لا يكمن في الاستيراد المؤقت أو المسكنات المالية، بل في إعادة الاعتبار لقطاع الرعي وعصرنته، وحماية السلالات المحلية، وابتكار مقاربات جديدة تضمن كرامة المواطن واستدامة الموارد في ظل مناخ عالمي متقلب.




