في مقال مشترك نشرته لهما مجلة "فورين أفيرز Foreign Affairs" كشف جاك لو وديفيد ساترفيلد، المسؤولان السابقان في إدارة الرئيس الأميركي السابق بايدن، أن "جيش الدفاع الإسرائيلي والأمم المتحدة لم يُطلعانا قط على أدلة - أو يؤكدا لنا سرًا - على أن حماس كانت تُحوّل فعليًا سلعًا ممولة من الولايات المتحدة، أو مقدمة من برنامج الغذاء العالمي أو منظمات غير حكومية دولية".
وكتب لو، الذي عمل سفيرا لدى إسرائيل، وساترفيلد، الذي شغل منصب المبعوث الأميركي للشؤون الإنسانية في الشرق الأوسط: "علاوة على ذلك، لم يكن هناك أي دليل على تحويل حماس بشكل كبير لأي مساعدات رئيسية ممولة من الأمم المتحدة أو منظمات غير حكومية".
وأصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي ، وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أن "حماس سرقت المساعدات" ، واستخدمت ادعاء سرقة حماس للمساعدات على نطاق واسع وبشكل منهجي لتبرير إنشاء "مؤسسة غزة الإنسانية GHF " المثيرة للجدل في نهاية شهر أيار الماضي.
يشير المسؤولان، وهما امريكيان يهوديان، (لو رجل أعمال سابق، وساترفيلد دبلوماسي سابق)، في مقالهما إلى أنه : "بموجب شروط وقف إطلاق النار، الذي تم التوصل إليه في الأيام الأخيرة من إدارة بايدن في كانون الثاني 2025، سمحت إسرائيل بتدفق الإمدادات إلى غزة. ولكن عندما انهار وقف إطلاق النار (الذي خرقه رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو)، أغلقت إسرائيل جميع سبل الوصول الإنساني في محاولة للضغط على حماس للموافقة على شروط صفقة الرهائن".
"وكانت هذه هي المرة الأولى التي تمنع فيها جميع المساعدات إلى غزة منذ أواخر تشرين الأول 2023. استمر الحصار الشامل لمدة 11 أسبوعًا، وخلال هذا الوقت الحرج، وقفت إدارة ترمب مكتوفة الأيدي بينما تضاءلت الإمدادات الغذائية المتبقية وتزايدت المعاناة، حتى اتضح للرئيس أن الأزمة قد وصلت إلى مستويات غير مقبولة سياسياً وأنها أثارت غضبًا حتى في قاعدة MAGA (التي أوصلته إلى البيت الأبيض) ثم، عندما سمحت إسرائيل أخيرًا بدخول كمية محدودة من المساعدات، غيرت نموذج توزيع الغذاء الأساسي، متجاوزة في الغالب الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الأخرى الراسخة لصالح عملية جديدة تمامًا تسمى مؤسسة غزة الإنسانية GHF" وفق ما كتباه.
ويضيف المسؤولات السابقان أنه "على الرغم من استمرار الأمم المتحدة في العمل، إلا أنها واجهت صعوبات وقيودًا تشغيلية كبيرة. كان ما يقرب من 20 ألف طن من المساعدات الغذائية الشهرية التي دخلت غزة من مارس إلى يوليو حوالي ثلث ما اعتبره برنامج الغذاء العالمي ضروريًا. وتكشف مشاهد الجوع الحاد والمجاعة المحتملة التي ظهرت في غزة في الأسابيع الأخيرة عن تدهور مخيف. عندما كانت المساعدات تتدفق قبل وقف إطلاق النار، لم تصل صدفة. لقد وصلت عبر معبر حدودي واحد وقافلة شاحنات واحدة في كل مرة، وتطلبت التغلب على التحديات السياسية وتحديات ساحة المعركة في كل خطوة على الطريق. بينما يشاهد العالم الأزمة تتكشف اليوم ويطالب بحل، من المهم أن نتعلم مما نجح وما لم ينجح، وأن نتذكر أن إيجاد الحل يقع على عاتق جميع الأطراف. إن المخاطر كبيرة جدًا بحيث لا يمكن السماح بعرقلة إيصال المساعدات الحيوية بسبب الديناميكيات السياسية الإسرائيلية، أو عرقلة حماس أو العصابات المسلحة في غزة، أو الاقتتال الداخلي بين مقدمي المساعدات. ويجب على واشنطن أن تتذكر أنها تمتلك بشكل فريد الأدوات والنفوذ اللازمين لتجنب كارثة متصاعدة".
يبرر الكاتبان لإسرائيل أفعالها مبينان أنه :"بعد هجمات السابع من تشرين الأول (2023)، أصيب شعب إسرائيل بالصدمة، من جراء وحشية حماس وفشل حكومتهم في حماية مواطنيهم. وفور وقوع الهجمات، ردت إسرائيل بقوة، وفرضت حصارًا كاملًا على غزة منع دخول أي مساعدات إنسانية عبر الطرق البرية. وقرر مجلس الوزراء الإسرائيلي، كسياسة عامة، أنه لن يكون هناك أي اتصال تجاري أو مدني بين إسرائيل وغزة".
في تلك الأيام الأولى، بحسب الكاتبان، كان من الشائع سماع الإسرائيليين يستخدمون عبارة "لن تصل قطرة ماء، ولا قطرة حليب، ولا قطرة وقود من إسرائيل إلى غزة". في ظل الصدمة الشديدة التي أعقبت السابع من تشرين الأول (وفق ما قالاه) ، كان هذا الشعور مفهومًا ولكنه غير مستدام مع تزايد الاحتياجات. "ومنذ البداية، أوضح المسؤولون الأميركيون أن القادة الإسرائيليين بحاجة إلى إيجاد طريقة لدخول الإمدادات المنقذة للحياة. وأكدنا أن القيام بذلك كان بلا شك التزامًا أخلاقيًا. كما جادلنا بأنها ضرورة إستراتيجية، إذ ستمنح إسرائيل الوقت الكافي لتخطيط مهمتها العسكرية المتمثلة في القضاء على حماس كتهديد وإنجازها، مع الحفاظ على الدعم الذي تحتاجه من حلفائها، ولا سيما الولايات المتحدة".
يشير لو وساترفيلد إلى أنه في 18 تشرين الأول 2023، زار بايدن إسرائيل لإظهار تضامن الولايات المتحدة في أعقاب الهجمات، ولإقناع الحكومة بالسماح للشاحنات بالعبور إلى مدينة رفح في غزة من مصر. وأخبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومجلسه الوزاري الأمني سرًا - ثم الشعب الإسرائيلي علنًا - أن الولايات المتحدة "تدعم إسرائيل" وأن إسرائيل ليس لها الحق فحسب، بل عليها أيضًا الالتزام بضمان عدم تمكن حماس من التصرف مرة أخرى كما فعلت في 7 تشرين الأول. لكن بايدن أكد أيضًا أن الحملة العسكرية ضد حماس ستكون معقدة، وحذر صراحةً من أن قدرة الولايات المتحدة على دعم العملية ستعتمد على بدء إسرائيل "حملة إنسانية" فعالة ومواصلتها. وأكد الرئيس أنه بدون هذه الحملة، لن يكون لدى إسرائيل الوقت ولا المساحة اللازمة لتحقيق أهدافها العسكرية.
يشار إلى أنه خلال السنة الأولى من الحرب، سمحت إسرائيل لشرطة حماس بتأمين القوافل لمنع المجرمين من نهب الشاحنات. لكن إسرائيل توصلت في النهاية إلى استنتاج مفاده أن حماس تستغل هذا الدور للتمسك بحكمها، فبدأت باستهداف عناصر الحركة في كانون الثاني 2024، مما أدى إلى ظهور العصابات الإجرامية واللصوص، كما يتذكر لو وساترفيلد.
في البداية، فضلت إسرائيل الاعتماد على مقاولين من القطاع الخاص لتأمين القوافل، لكنها أدركت لاحقًا أن هذه الجماعات تعمل أيضًا مع حماس والعصابات الإجرامية، مما أدى إلى إنهاء هذا الترتيب.
ويكشف لو وساترفيلد أن نتنياهو هو من طلب من الرئيس الأميركي جو بايدن إنشاء رصيف مؤقت قبالة سواحل غزة للمساعدة في إيصال المزيد من المساعدات. وكان يُنظر إلى المشروع حتى ذلك الحين على أنه مسعى أميركي بحت.
في حين أن مسؤولي بايدن السابقين يُنسبون الفضل إلى الرصيف في إطعام حوالي 450 ألف غزّي، إلا أنه اعتُبر على نطاق واسع فشلًا مكلفًا للغاية بعد أن تعطل عدة مرات واضطر إلى الإغلاق تمامًا بعد أقل من شهر. ومع ذلك، يشير لو وساترفيلد إلى أن إسرائيل وافقت على فتح ميناء أشدود لتسهيل تدفق البضائع مقابل الرصيف - وهو امتياز ظل قائمًا لفترة طويلة بعد توقف الرصيف العائم عن العمل.
ويتقدم الكاتبان بأربعة مقترحات لحل أزمة ألمساعدات: أولاً، يجب ألا تتعامل إسرائيل مع المساعدات الإنسانية كوسيلة ضغط قسرية على حماس. هذا التكتيك يُعرّض حياة المدنيين في غزة للخطر ويُعرّض إسرائيل للإدانة والعزلة الدولية. يجب على إسرائيل إبقاء المعابر البرية مفتوحة وضمان التزام استخدامها للقوة بقواعد الاشتباك التي تحمي المدنيين. وهذا يعني المزيد من التدريب، والمزيد من المساءلة عن الخسائر المدنية، وتنسيق أفضل مع مُقدّمي المساعدات.
وثانياً، يجب على جميع مُقدّمي المساعدات والجهات المُيسّرة العمل معًا. في هذا المشهد المُمزّق والمُسلّح بشدة، يجب أن تتدفق المساعدات عبر قنوات مُتعددة وغير مُتكاملة. لدى إسرائيل سبب وجيه لمنع حماس من الاستفادة من المساعدات الدولية. في المقابل، ترفض وكالات الأمم المتحدة ومعظم منظمات الإغاثة الدولية العمل مع أي منظمة تعتبرها مُسلّحة ومرتبطة بطرف من أطراف النزاع، وهذا يشمل صندوق الغذاء العالمي. لكن الواقع هو أن صندوق الغذاء العالمي هو الآن القناة الرئيسية لجلب الغذاء.
ثالثًا، على واشنطن أن تقود. "في أيار الماضي ، لعب ترمب دورًا محوريًا في إطلاق صندوق الإغاثة الإنسانية العالمي، وقدّم له بعض التمويل الأميركي. وسّعت إسرائيل مؤخرًا تدفق المساعدات إلى غزة من خلال صندوق الإغاثة الإنسانية العالمي والأمم المتحدة. لكن بدون مساعدة واسعة النطاق، لن يصل سوى القليل جدًا من المساعدات إلى المحتاجين. لا يمكن أن يكون هذا التزامًا لمرة واحدة من البيت الأبيض. يجب أن يكون الضغط مستمرًا ومصحوبًا باهتمام مستمر من كبار المسؤولين الأميركيين. لقد لقي عدد كبير جدًا من سكان غزة حتفهم في هذه الحرب. إن إيصال المساعدات، مهما كان فوضويًا وغير مكتمل، يمكن أن يُسهم في إنقاذ آلاف آخرين كانوا ليموتوا لولا ذلك. لكن تحقيق ذلك يتطلب قيادة وتنسيقًا أميركيين".
وأخيرًا، والأهم من ذلك، بحسب ما قاله لو وساترفيلد : "يجب على حماس تحرير الرهائن حتى تنتهي هذه الحرب. وكما أقرّ القادة العسكريون الإسرائيليون قبل أكثر من عام، لضمان مستقبل خالٍ من حماس بعد انتهاء الحرب، لا بد من وجود خطة لحكم غير حماس. بدأت حماس حربًا وهي تعلم تمامًا أنها تُعرّض مدنييها للخطر، وهي الآن تُهدد مُقدّمي المساعدات ومتلقيها. ويجب على مصر وقطر والحكومات الأخرى ذات النفوذ أن تضغط على حماس والعصابات لإطلاق سراح الرهائن وإلقاء أسلحتهم وإنهاء سلوكهم المفترس الذي يلعب دورا رئيسيا في خلق المجاعة الجماعية".